نذير نبعة

نذير نبعة يعرض استعادياً تجربته الفنية في صالة تجليات
صبايا الرمان يراقصن اللون والروح

«الفن تجريد استخلصه من الطبيعة بالتأمل فيها وأمعن التفكير جيداً بالخلق الناجم عن ذلك»، غوغان. وهكذا الفن لدى نذير نبعة استخلاص من الإنسان بالتأمل فيه وفيه. ثم يمعن أن يكون الناتج برحمة الجميل، بعد التغلغل بروحه وروحه كثيراً. أما كيف فهمت مقولة غوغان هذه، فإنه من خلال تأمله في الطبيعة نفذ إلى أغوار فيها، إلى أعمق من رؤية سطوح الأشياء، فأخذ من تلك الطبيعيات كنهها، ثم عاد ففكر بما أبدع تفكير عميقاً، ليكتشف ما مازج هذا الكنه من تلك الطبيعة حينما اتحد بعينيه من أثر في قلبه، والأثر قد يكون عن فعل الرسم أو الطبيعة فيه وفي الرسم، هكذا يأتي تفسير المعنى بالنسبة إليّ.

لكن نبعة يتجاوز هذا، فهو يتأمل في هذه الطبيعة كثيراً وكل ما يصادفه فيها ويقع في قلبه أو كان واقعاً به يغدو طبيعة أكثر مع محبته من خلال التعلق فيه، من الرمان إلى الجوري والناي وتفاح الأثداء إلى أصوات النسمات، كل هذا بمفرده يكون طبيعة ويُحول إلى فعل تأمل وله خلق إبداعي ناتج عنه يدفع إلى التأمل من جديد، بالنسبة للآخر فهذه الكلمات صدى لهذا التأمل الذي وجدت نفسي في رحابته، وأنا أتحدث عن تأمل ينبثق من المادي، ليغل بما هو أعمق من هذا، ليس كتجريد للأشياء عن الطبيعة، بل تحريك الخيال بهذه الأشياء في فضاء اللوحة، لتقود إلى فعل التأمل والجمال بعد هذا، وإن كنت تحدثت عن إيقاعات مادية الأشياء المتحركة في فضاء من جاذبية ولا جاذبية الوعي، إلا أني لم أدخل بعد في عتاقتها وتمازجاتها الحسية والانفعالية النفسية والإرثية والتاريخية العمقية إضافة لهذا البعد المادي المقشور السطح إلى دواخل العمق والرحابة، وحتى هنا فلا زلت في الجانب المادي من العمل بكل خصوصياته لكن الأمر يختلف لو دخلنا إلى الأبعاد المجردة فعلاً عندها سنكون بمواجهة إشراقات التأمل وجهاً لوجه أو روحاً لروح، هنا أفضل الصمت، هذا الصمت السكوني أمام تجليات.
«اكتشف سورية» التقى الفنان التشكيلي نذير نبعة في حوار يأخذنا بعيداً وطويلاً في فضاءات تجربته وروحه وجماليات عوالمه.

من أعمال الفنان نذير نبعة

رمزت الرمانة عند الرومان لربة الخصب أناهيتا لكنها ترمز عند الصينيين إلى الخصب والذرية وكذلك عند الزرادشتيين، وإضافة لهذا فهي ترمز إلى فكرة الموت والبعث، وفي الأيقونة المسيحية رمزت إلى الإحسان وهي تعني المعرفة لو كانت مفتوحة. نذير نبعة يكثر من رسم هذه المفردة الجمالية والرمزية في آن فهل يخبرنا أسرارها؟
الرمان كمفردة أستعملها موجودة في الموروث السوري، يقال: طاسة طرنطاسة بالبحر غطاسة جواتا لولو وبراتا نحاسة، وهي الرمانة، وأنا أعتبر الرمان رمزاً للشرق فهو فقير من الخارج و غني من الداخل، وهو كالبيت الشامي من الخارج طين وتبن لكنك ما إنن تدخل إلى الداخل حتى تجده جنة، فأنا عشت في بستان وكنت أرى الرمانة عبر مراحلها من الزهرة وحتى النضوج بما في ذلك تلونها من الخارج والداخل، وحتى الحروق البنية التي تصيبها بها الشمس أو التشققات اللاحقة وحتى تذوق طعومها، وهي ليست الرمانة التي أخذناها بالمراسم كطبيعة صامتة في الأكاديميات، فهي ليست مجرد طبيعة صامتة بل تذكرني بالأغاني الزجلية السورية والغزل الذي حظي به الرمان، إذ يندر أن يوجد مغني لم يتغن بالرمان، وهذه الأشياء تبقى أقرب إلي ّمن كل الثقافة التي حصلتها لاحقاً، فكل خبرتي عن جماليات الرمان كانت في مراحل تشكل الوعي وقبل ذلك من مراحل الطفولة، وهذا ما يجعلني أعجز عن تعريفه، إذ إن مجموع هذه التأثيرات التي تغلغلت فيّ ارتبطت بالكثير من الخبرات الجميلة، وهكذا أفسر الأمر، أما ما حصلته لاحقا من معرفة فهو إضافة تخدمني في توظيف هذا الرمز.

من أعمال الفنان التشكيلي نذير نبعة

التفاحة أيضاً ترمز في الغرب إلى الإغراء والموت أو إلى الأمل بالتجدد والسلام لو وضعت على شجرة الميلاد مثلاً، وقد تكون رمزاً للكون والكمال، وهي بالتحليل النفسي رمزاً لثدي المرأة، كيف يوظف الفنان نذير نبعة هذا الرمز الذي يتكرر كثيرا في لوحاته؟
أعيد أن طفولتي تشكلت في بستان يحتوي الكثير من الأشجار ومنها التفاح، والتفاحة تتمتع بشكل مميز وخاص يقترب من الدائرة وكل ما ذكرته من معاني ينتمي لهذه التفاحة، وفي أسطورة الخطيئة يقال أن حواء خبأت التفاحة في صدرها! وهذا يرمز لثدي المرأةة وإذ تنظر إلى سطح التفاحة ستجد الكثير من الخطوط والنقاط والتلاوين بحيث تبدو شهية وجميلة، التفاحة مبهجة بصريا وهذا الشكل يشدني منذ كنت طفلاً حتى أصبح عنصراً تشكيلياً، والمسألة هنا ليست قراراً، لأنها تشكل توافقاً مع مرجعية خبرات الطفولة الأولى، ثم يأتي الوعي والثقافة لتعزيز هذا المفهوم، فكل فنان ينشد عناصر معينة في الطبيعة يستطيع أن يبدع فيها، فالوجوه الموجودة في لوحاتي هي وجوه خيالية إلا أن الكثيرين يطلقون تشابيه عليها تعود إلى الواقع، وهي كهذه الوجوه تأتي من الخيال لتمنح اللوحة إيقاعات من الجمال وانعكاسات لرمزية المفاهيم.
تحتل القوقعة مكانة هامة في لوحتك وهي كرمز تختصر الحياة والموت، وكذلك ترمز لولادة فينوس عند الإغريق والرومان، ويجسدها بهذا المعنى بوتشيلي في إحدى لوحاته، إنها أيضاً رمز للحظ الجيد والخصوبة وللمرأة والجنس، كيف يرى نبعة القوقعة؟

من أعمال الأستاذ نذير نبعة

تعود علاقتي الشخصية بالقوقعة إلى أن أمي كانت تمتلك إحدى هذه القواقع وكنت أراها قرب المصحف في البيت عندما كنت صغيراً وهذا المخلوق الأملس الملون بألوان تشابه ألوان الشفق لها الكثير من الشاعرية الهامسة وهذا الشكل واللون كان يشدني، ولو سألتني لماذا؟ لا أعرف فهو يعود لمرحلة قبل الوعي. أما لاحقاً فكنت أشاهد هذه القواقع يحملنها الغجريات ليكشفن من خلالها الودع (التنجيم) ومن خلال رمي مجموعة القواقع على الأرض تقوم الصدفة بتوزيع شكل القواقع وكن يخبرن الأشخاص عن المستور أو يطلعونهم على الأسرار أو على ما يضمره الغيب لهم، ويجبن على ذاك التساؤل الذي لم يطرحونه، وكشف هذه الأسرار لطفل يحمل الكثير من التساؤلات ويكتنفه الغموض والتعجب! بعد ذلك تتعرف على القواقع من خلال الدراسة وتطلع على خصوصياتها ورمزيتها وتطلع على سبيل المثال على كيفية استخراج الأرجوان عند الفينيقيين من القواقع البحرية..
..يهمني هنا بمناسبة طرحك للأرجوان، السؤال إن كنت استخدمته في لوحاتك فأنا بالكاد ألحظه؟

من لوحات الدمشقيات
للفنان التشكيلي نذير نبعة

اللون الأرجواني لدي موجود في التجليات وهو موجود أيضاً في لوحات الدمشقيات، لكن لم يتبقَ لديّ أي من هذه اللوحات الآن، لقد رسمت الكثير من اللوحات التي تحتوي هذا اللون مستنداً إلى مرجعيته، هذا إضافة إلى أن هذا اللون جميل. وبالعودة إلى القواقع أذكر أني ذهبت إلى بورسعيد فالساحل هناك مغطى بالقواقع بدلاً من الرمل، هذا مشهد سريالي ويشبه الحلم ولا تستطيع إلا أن تلتقط بعضاً من هذه القواقع، ولا تشعر إلا وقد جمعت الكثير، وهذا ما فعلته إذ جمعت حقيبة منها. القوقعة بالنسبة إلى هذا الغموض الموجود بشكلها تشبه الغموض الموجود بالأنثى، فالمرأة باستمرار مخلوق لا يمكن اكتشافه، فهي لا تظهر كل ما لديها، وهي تمتلك على الدوام مزيداً من الأسرار! والقوقعة كذلك، إذ يكون اللؤلؤ في داخلها، والحصول عليه عملية تكتنفها صعوبات مميتة. هذا من الناحية المادية أو الشكل، أما المجهول فهو في الداخل، هذا المخلوق أو المفاجأة الساكنة في الداخل، فأنا أقرنها باستمرار بالأنثى وبالكنوز الموجودة فيها. عندما أضع المجوهرات عليها لا أقصد أنها مجوهرات تزيينية بل هذا المعدن على جسدها يحدث بصرياً تفاعلاً حسياً وانفعالاً خاصاً، وهذا ما أرمي إليه من ذلك.
هنا أحب أن أسألك، من خلال تعاملك مع القواقع في لوحاتك، هل أخذ هذا المفهوم شكلاً تصاعدياً من تطور الرمز وأشكال توضعاته على سطوح اللوحات؟

من أعمال التشكيلي السوري
نذير نبعة

نعم بالتأكيد، المفهوم يتطور فأنت تتذكر على سبيل المثال أنهم يقولون: لو وضعت القوقعة على أذنك فأنت تسمع صوت الهواء أو موج البحر، وهنا لا بد وأن يتداعى إلى ذهنك علاقتها بالماء، وكطفل ستعتقد أن البحر موجود في الداخل، وهذا يشكل عالماً من السحر والانجذاب إليها وليس لشكلها وحسب، لكنك عندما تقرأ عن رمز القوقعة ستعرف أنها رمز الماء، وهنا تتجاوز القوقعة معناها الخاص المحلي ليكون رمزاً عالمياً. وإذ تسألني لماذا أرجع هذه الأشياء إلى طفولتي وإلى بحري، رغم أن هذه الأشياء موجودة في كل مكان، لكني أصر على بحري أنا، هذا البحر السوري أكثر إيحاءً من كل البحور! أنا أنشد إلى قضاياي وصولاً إلى قضية فلسطين. أنا اهتم بقضايا فيتنام بالمعنى الإنساني ولدي هذا البعد، لكني ما يرتبط بي ويكون قريباً مني، أحبه أكثر، فالذي لا يحب نفسه لا يمكن أن يحب العالم.
لأنهي موضوع القواقع أحب أن استفسر عن إحدى لوحاتك والتي تعود إلى مشروع تخرجك في القاهرة، أرى فيها القواقع واستغرب وجودها في لوحة لأحد العمال في الوقت الذي أشاهدها في لوحات تتصل بالمرأة وبمعان جمالية أخرى، هنا أنا اسأل عن اختلافف التوظيف؟
المقالع كانت بداية مسيرتي التشكيلية في ذاك التاريخ، والمشاريع كانت ذات مواضيع بسيطة وكان ينظر إليها نظرة تبسيطية سياحية، سادت فيها المواضيع الاجتماعية والسياسية (فترة الستينات)، وكان أغلب الفنانين العرب في تلك الفترة في حالة بحث عن الذات،، بمعنى أن كل المناهج التي كنا ندرسها كانت مترجمة عن الأكاديميات الغربية، وكان علينا أن نرى جمالياتنا بعيوننا نحن، ونتجه إلى تراثنا القديم، الفينيقي، السومري، الآشوري، الفرعوني، وذلك من الستينات، وتلاحظ أن التشخيص الموجود في اللوحات من تلك المرحلة، مأخوذ من الرليفات (النقوش النافرة) السومرية والتدمرية، باعتبار أن مرجعياتنا بالرسم تعود إلى تلك الفترات من تاريخ الأجداد، وهذه من جهة تعتبر واحدة من جمالياتنا، قبل ذلك، كنا نستلهم جماليات لوحات عصر النهضة والرومانتيكية والواقعية، ونستوحي من تلك التراكمات الثقافية الغربية، هذه التجربة دفعتها ظروف قدماً، لكن أخرى أحبطتها، وخصوصاً فترة النكسة وما انعكس على مفكري وفناني الأمة من إحباط، أعتقد أنه عندما يحدث انكسار أو هزيمة في حياة الأمة يتجه مفكروها إلى مهاجمة أنفسهم وتقريع ذواتهم، في تلك الفترة نفذت عدداً من اللوحات عن النابالم الذي استخدمته إسرائيل، وعن الفدائي باعتباره الوحيد الذي كان يقاوم إسرائيل بعد انهزام الجيوش العربية. وبالعودة إلى السؤال، تعود بداية عرض القواقع إلى عرضي الأول في صالة الفن الحديث في سورية، والمعرض كان بأغلبه عن أساطير الفرات، وأساطير كنت استوحيتها من قراءاتي، ومنها أسطورة سيزيف التي تجسد عناء الإنسان وتحديه، وقد دمجت سيزيف الأسطوري بهذا الحديث، أي الإنسان العربي وجسدته في إحدى اللوحات، أي أن القواقع أتت من الأساطير وخصوصاً الفراتية منها (إنليل، ننليل، كاهنة مردوخ)، وهذه القواقع مرتبطة بالماء والمرأة كفينوس وعشتار التي وُلدت أمها من رغوة ماء الفرات، أي أن الأسطورة التي رسمتُها هي أسطورة تخصنا..

ربة الموسيقى
للفنان التشكيلي نذير نبعة

..ألهذا تظهر عشتار في لوحتك سمراء بدوية؟
المسيح لدى الإفريقيين أسود، وكل ثقافة رموزها تشبهها.
هنا أحب أن أسألك لتجيب بطريقة التداعي الحر وباختصار عن هذه الرموز الموجودة في لوحاتك؟
أشجار الغرب: هي أشجار أدهشتني أول الأمر في فصل الربيع، لما فيها من قوة الخصوبة.
السمكة: هي رمز الشر في إحدى لوحاتي، وهي رمز الخير، وهي رمز جنسي، إضافة لأن شكل السمكة الجميل بصرياً، هو الأهم عندي.
الناي: رمز لوحدة الماء والنبات والهواء، وهذه الوحدة تخلق الموسيقى، وهو رمز –كشكل- لحرف الألف!
الصلب: ليس الآتي فقط من صلب المسيح، بل يصل إلى كل المناضلين، الذين حاولوا أن يقدموا فكراً متنوراً.
القنديل: هو رمز النار والنور، كنا نشعل النار منه ونستضيء به، رافقني بمراحل دراستي.
ثدي المرأة يظهر في لوحاتك وحتى الشرقي منها! هنا محظور إرثي بمقابل متاح تشكيلي، كيف استطاع نبعة أن يوفق بينهما، دون الوقوع في توصيف اللوحة بالاستشراقية؟

من أعمال نذير نبعة

الله خلق الإنسان من دون ثياب، ثم يعود ويقف في يوم الحشر بدونها أيضاً. الإنسان عندما أخطأ وضع على نفسه الثياب، وهذه الإجابة أقولها دائماً، عندما اُسأل عن هذا الموضوع. أنا أعود إلى الطفولة الأولى فأول ما يتحسسه الطفل ثم يراه هو ثدي المرأة، وهذا كله قبل الوعي. هذا الشكل (الثدي) بالمقارنة مع صيرورة التطور بالنسبة للرجل يكون مختلفاً (فيزيولوجياً)، وهذا محرض قوي كشكل بالنسبة للرسام، ولاحقاً تضيف الثقافة مع تطور الوعي، فتعرفه أكثر كرمز عند الأقوام والثقافات، بالتأكيد هو شيء مقدس، لدرجة أني رسمت الثدي كموضوع مستقل. أما العاري لدي فلا يوحي أبداً بأنه فاضح بقدر ما يوحي بالخصب والجمال والحياة، أذكر هنا أنه في معرضي في المركز الثقافي العربي سنة 1979، جاءت سيدة ورفعت المنديل عن وجهها أمام إحدى اللوحات العارية، ثم سألتني أليست هذه أمنا حواء يا بني؟ فقلت لها نعم، وهذا التوصيف من أفضل التوصيفات وهو تماما ما أريده، هذه اللوحة كانت عن وادي الربوة، والعاري كان إضافة مركبة، لأعبر عن شدة حبي وتعلقي بهذا الوادي. أما الاستشراق أو المستشرقون، فقدموا عن الشرق المفهوم العاري الحسي كما يفهمونه هم، وهذا غير المفهوم لدينا..
..كأني أفهم أنك ترد على اللوحة الاستشراقية بمفهوم مختلف؟
في الفن الشعبي، العاري المسموح هو آدم وحواء، وإذا اعتبر العاري عيباً، فقد كان هذا العاري في الكثير من البيوت، العري بالمفهوم الشرقي ليس ذاته بالمفهوم الاستشراقي، فالقاموس اللغوي لكل معاني الحب والجنس والعري مختلف في الثقافتين، أما من يرىى في لوحتي بعداً استشراقياً فهو مع الاسف أعمى.
لوحتك تمنح العين القدرة على التفكير والحلم، وهي تأخذ منك الكثير من الوقت، فحتى إنجاز اللوحة، بماذا تكون تفكر؟
إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعنيي أنه يحب الآخر، وهذا الآخر هو الإنسان، وهذه المحبة تفرض على الفنان أن يحب لوحته لتصل هذه المحبة إلى الآخر، المسألة تتجاوز التفكير لأنه مع تدخل العقل أفقد اللوحة! عندما يتدخل العقل في اللوحة ويكون له الدور الأول تصبح باردة، المسألة مختلطة بما نحمله من مشاعر المحبة للآخر بدءاً بمحبة الأنثى وانتهاءً بالتواصل مع الآخر. معنى المعرض هو التواصل مع الآخر، فالمعرض ينبغي أن يحمل جديداً لأتحاور به مع الآخر، فالمشهد الجميل وحده لا يكفي، ولهذا تكون الفترات بعيدة بين معارضي.
مارست الفن كرسم وتصوير وأرشفت مشهديات شرقية ودمشقية كثيرة، بحساسيات بلغت الأعماق الروحية لهذا التراث ونحن ندين لك بهذه التسجيلية الحلمية التعبيرية، بعد كل هذا التاريخ من العمل والعطاء على الموضوع التراثي والأسطوري التراثي، هل ُتعتبرر «تجليات» تسجيلاً لعوالمك الداخلية بكل ما تحتويه من تقشفات وجماليات، من رهبنة وثراء؟

من دمشقيات
نذير نبعة

ما تقوله مقاربة جيدة وهذا طبيعي فالإنسان يمر بفترات نمو مختلفة من الطفولة إلى الكهولة، وبالتالي الإنسان ليس ذاته بكل منها بل بتلك الإضافات من الخبرات والمعارف، في الجانب التشكيلي تنمو هذه الخبرات وتتطور وكذلك الاهتمامات. «تجليات» هي مشهد واقعي من الحياة ولكنه يتحول في لوحتي إلى مشهد تأملي، ولكنها ليست «كرت بوستال» لهذا الواقع بحيث تستطيع القول مثلاً هذه صورة لتدمر أو معلولا أو غابة خريف أو غير ذلك. هذا الميل للمشهد التأملي بدأ منذ 1964 -عندما كنت أدرس في دير الزور- من رحلات الصيد مع بعض الأصدقاء، وكنت أرافقهم فقط حيث كنت أشاهد الجبال التي كانت صخورها تتمتع بمنظر غاية في الجمال حتى أني كنت اطلب كاميرا لأصور هذه الصخور، وتستطيع القول أن أول إنتاجي بهذا الاتجاه يعود إلى أوائل الثمانينات، ولم أكن انتهيت بعد من مرحلة الدمشقيات حتى أن هذه الأجواء موجودة في خلفيات بعض اللوحات من تلك الفترة.

في تجربتي الأخيرة «تجليات»، حذفت موضوعي الشخصي، مكتفياً مهنياً وتقنياً بذات أدواتي من لون وملمس لأرضية اللوحة من حيث الخشونة أو النعومة ، النافر أو الغائر، واستثنيت الأشكال حتى الأشكال الهندسية أو النباتية منها، والهدف أن أدعو الآخر إلى لوحتي ليرى موضوعه هو، عاطفتي تدفعني لأحتضن الآخر في لوحتي ليرى فيها ما يحب، فقد يرى فيها غابة أو صخراً ملوناً أو غروباً، هذا يغني اللوحة. يقولون عن الجوكندة أنها لوحة جميلة لكن ما كتب عنها والتفسيرات العديدة لها يجعلها أجمل، تلك النصوص الموازية تمنحها آفاقاً من الجماليات، وعندما يرون في لوحاتي (تجليات) أكثر من موضوع فهذا إغناء للوحة.

في عرضي (تجليات) في صالة أتاسي (عام 2003)، قدمت المعرض ببيان يعتبر مدخلاً لقراءة العرض، وهو عبارة عن قصيدة أخاطب الآخر في بعض منها:
«أدعوك لترسم في لوحتي لوحتك
أدعوك لترسم في فرحي غضبك
أدعوك لترسم في منظري.. وجهك
لأن هناك نافذة أخرى للرؤية..»
نصك التشكيلي البصري يشبه كثيراً خصوصيتك، أأستطيع تسميته نصاً تجريدياً؟
لا، أعتقد أني أقدم مشهداً واقعياً تأملياً، لأنني لا ألجأ إلى الأشكال التي قدمها التجريديون.
من «معلولا» إلى «المدن المحروقة» لوحات فيها ذات الإيقاعات الملمسية والخصوبات اللونية الحسية والروحية المتقشفة، وبالوصول إلى «تجليات» نكاد لا نلمس فرقاً كبيراً من حيث التقنية أو العجائن اللونية، أأخلص إلى أنك تصير جزءاً من هذه العجائن؟
سأقرأ لك جزءاً ثانياً من قصيدة «تجليات»:
«يتخذ سطح اللوحة مسرحاً للوجود
ملعباً لسيولة المادة تحت سطح سكين الرسم
أرضاً خصبة للأشكال تنمو وتتوالد تحت ضغط الحد وحنان الأصابع
ورحمة العاطفة
يولد من نزق الانفعال، وحماقة الغضب
وفعل الغرائز، ورقص الفرح
وشطحات البصيرة..
الفرح يصبح لوناً معربداً في النافر
ويمسي الانكسار غارقاً في ظلال الغائر
الموضوع بعد الثبات والموت
يهب حياً متجولاً حراً.. مليئاً بالاحتمالات
…».
المدن المحروقة هي بغداد، بيروت، قانا، جنين، غزة، ولو أني أرسم بغداد بالشكل التقليدي للحرائق والدمار، أو كيف ُحرق المسجد الأقصى، لكانت الكاميرا أفضل من الرسم، بهذه الطريقة من الرسم، الاحتمالات لا نهائية المهم لديّ توالد الأسئلة ومشاركة الآخرر في طرحها والإجابة عليها، نستطيع القول أنه تنزيه عن الشيء الواقعي، فعندما كانت بغداد تحترق، أكان يجب أن نعبر عن ذلك، بأن نرسم مدينة يخرج منها اللهب؟! المسألة تتجاوز هذا، كنا نشعر بالعجز عن فعل شيء وما كان يحدث في الصدر هو نوع من الحرقة أو الاحتراق، بحيث يشعر الإنسان أن الدخان يخرج مع أنفاسه، ويكون التعبير مختلطاً بما تحدثه السكين على سطوح اللوحة من إحساسات غائرة أو نافرة، وبهذا اللون الممزوج بالمشاعر، هكذا يتم الأمر..
..تستوقفني هنا كلمة «تنزيه» وأحب أن استبدلها بكلمة «تجريد» الذي يعني نزع القشرة عن الشيء والدخول إلى قلبه، وهذه مقاربة صوفية، لكن ابن سينا هو الأدق هنا ويتفق مع طرحك، إذ يعتبر التجريد هو تجريد للمادة من بعض لواحقها،
وهو ما فعلته أنت بالصخور إذ أبقيت الملمس وسطح الشكل، ثم تركت الخيال ليرتفع بهذه الصورة إلى مصاف التأمل، هل توافقني في هذه الرؤية؟
كلمة تنزيه هنا أتت لتكون مختلفة عن المصطلح الغربي «abstract» (التجريد)، إذ يخلط الناس في هذا المفهوم ويرون التجريد فقط فيما قدمه الغربيون، وهذا يتجذر في الثقافة اليومية عند الكثيرين، ولهذا استخدمت كلمة تنزيه لأنها أقرب إلى قاموسنا، ولتشكلل اختلافاً عن كلمة تجريد بالمعنى المتداول.
أرى في عملك (تجليات) ارتقاءً شخصياً وروحياً، ولكنه (أفقياً) يتخذ معنى أرضياً وإنسانياً، وهو قريب منا كفاية لنشعره في أرواحنا، وأنت هنا ربما مختلف عن المتصوفة ومن يشبههم في أشكال التجلي العمودي أي مع السماء والنور، إلا أنك تحدث أثراً مشابهاً!! ففي الوقت الذي تستدعي الآخر إليك، أنت تستدعي المكان أيضاً، وكأنها دعوة لأن نكون أكثر تواضعاً على هذه الأرض؟!
من شاء سما وتوحد، ومن شاء كبا وتبدد! وهنا كبا ليست بمعناها السلبي، وهكذا تبدد. كبا هنا بقرار وبإرادة ورغبة بمعنى الموت في هذا التراب والبعث من جديد، هي عودة إلى الجذور والانطلاق منها، هنا الرؤية متسعة ولكن العبارة تضيق. إن أول ما يلعب بهه الأطفال هو التراب والطين، هو أول الأبجدية والوعي، وبعد أن رحلت بعيداً لا بد من العودة إلى ترابي وطيني الأول، أنا يهمني أن يعرفني قومي قبل أن يعرفني الآخرون، إحساسي يوم افتتاح المعرض بأن الناس كانت تحضنني ، لا يقابل بكنوز، ذلك لأني بينهم. أنا لا أجد نفسي بالخارج، أنا هنا، أنا اعتبر الفينيقيين والسومريين والآشوريين والفراعنة أجدادي، أنا ابن لهؤلاء.
أراك تأخذ من الفراعنة قوة الشكل وثباته، كما تأخذ من الفينيقيين لطف الشكل وجمالياته وترحالاته، فنرى من فترة السبعينيات بروز ملامح النحت في تشكيلك، لكن الحركة والأمواج وخصوصاً في الشعر والحرائر تجعلني أراك في الجانب الفينيقي السوري وكأنكك مسكون بتلك هذه الروح الفرعونية والسورية، كيف لي أن أفسر هذا الإصرار على استحضارها في لوحتك؟

جاء الرومان إلى سورية واحتلوها عسكرياً، لكن تدمر بقيت سوريّة ولم تصبح رومانية، وكذلك الفن فيها بقي سورياً ولم يصنعه الرومان، وهذا ما حصل في مصر، إلا أنهم ذابوا في الحضارة الفرعونية ولم يؤثروا في الحضارة القائمة ولم يحدث فن روماني ولا بجزء من الجوهر، صحيح أنهم كانوا أقوى عسكرياً، لكن ثقافتهم ليست أقوى من الثقافتين الفرعونية والسورية، ولذلك لم يكن لهم هذا التأثير على الفن، حتى أنني أعتقد أن ثقافتهم في جزء كبير منها أتت من عندنا، فأوروبا إبنة قدموس وخرجت من صيدا على ظهر بوزيدون، ومن هنا جاء اسم أوروبا القارة حسب الأسطورة.
في نقاشاتي مع بعض الفنانين نختلف على تحديد ما إذا كان هناك فن سوري، وأكثرهم يرجع بداية الفن في سورية إلى الرواد أو إلى الخمسينيات أو ما قبل ذلك بقليل، إلا أني أرى أن أمة تعود في عمرها لأكثر من عشرة آلاف عام من الحضارة يجعلها متجذرة فيناا إرثاً ذاكرياً جمعياً، هذا إضافة للكثير من الروليفات واللوحات الفسيفسائية وحتى النقوش والرسوم على الأواني التي تعود إلى الحضارة الفينيقية المكتشفة، ومن الطبيعي لمن لديه كل هذا، أن يكون لديه إرث فني بأي شكل من الأشكال، سواء كان بصرياً خيالياً أو بصرياً مادياً، وإن كانت الوسائل التعبيرية عبر اللوحة المحمولة جاءت متأخرة بعض الشيء، إلا أن هذا لا ينفي برأيي أن يكون لدينا فن سوري، وعلى الفنان أن يعود لجذوره ليعيد استخراجها بلغة بصرية تواكب الأشكال التعبيرية الحديثة، مع الحفاظ على خصوصية الهوية، ماذا يقول نبعة في هذا الشأن؟

خولة بنت الأزور
لنذير نبعة

لدينا فن سوري بالتأكيد، فنحن قدمنا للعالم حضارة عظيمة، نحن هنا نتكلم عن أجدادنا، أما إذا كنا نتحدث عن الحاضر فأمامنا الكثير من العمل لنقول أن هذا الإنتاج الفني عندما يصل إلى العالم يستطيع أن يراه العالم على أنه يحمل الطابع أو الهوية السورية، كما يقال مثلاً: هذا فن هندي أو صيني. لماذا يجب أن يقال هذه لوحة سورية؟ لأن فيها ملامح خاصة، أيّاً كانت اللوحة واقعية أو تعبيرية أو تجريدية، تميزها عن أية لوحة تنتمي لحضارة مختلفة، هذا لم نقدر أن نفعله بعد، بسبب الكثير من الظروف السياسية، وإن كنا بدأنا بذلك مرحلة الستينيات ثم توقفنا لذات الأسباب السياسية، نحن توقفنا عند جماليات الشعارات، الآن يجب أن نعود لنعي ذاك المشروع كي نستأنفه من جديد، هذا كان هم الفنانين من المشرق إلى المغرب..
..هل نملك برأيك مقومات فن سوري يحمل عناصر التشكيل البصري؟
بالتأكيد، لكن المناخ هو ما نحن بحاجة إليه، كما أن النبات بحاجة لمناخ وشروط لينمو، والفن بحاجة لمناخات من الحريات المختلفة لينمو، وهكذا الإبداع بكل صورة.
لون على لون، هل يساوي نور على نور صوفياً؟
أنت تقارن عملية فيزيائية أو كيميائية بعملية روحية، وإذا دخلت الكيمياء بالروحانيات كما فعل أجدادنا، فنعم..
..أشعر أن سؤالي وصلك، لكنك لم تجب، ما أقصده أن اللون في العصارة، يبقى لوناً حتى حتى تلامسه أصابع الريشة ثم سطح اللوحة، عندها يتحول إلى شعاع من ضوء..
كان لدينا في الأكاديميات التي درست بها مادة اسمها تكنولوجيا اللون، ولم تكن تلك المادة من أجل أن نخترع ألواناً بل من أجل أن نعرف خصائص اللون، كالألوان التي تتأكسد بمخالتطها لأنواع محددة من الألوان أو تلك التي تتآلف مع بعضها، فلون على لون هوو تآلف كيميائي لهذه الألوان والتآلف محبة، هناك مواد تتآلف مع مواد أخرى ما يصنع الجمال أو ما يسمى بهارموني لوني فرح أو حزين أو هارموني متناسب مع الجو الملحمي في اللوحة مثلاً..
..حسناً، لنقلب صيغة السؤال نور على نور، كيف يساوي صوفياً لوناً على لوناً؟
الله نور السموات والأرض، حتى اللون الأسود وإن كان لا يوجد لون أسود، فهناك أسود مضيء، كما كان يقول لي أستاذي عبد العزيز درويش، فكنت أسأله كيف هذا؟! وكان يقول لي عندما تكبر ستعرف! عندها كنت في السنة الأولى في القاهرة. وهنا أقصد النورر الذي يصدر من اللون نفسه وليس عن المصدر الخارجي كالشمس، وما تتركه من نور وظلال على الأشياء، أنا أتكلم عن النور الموجود بألوان الأحجار الكريمة، إذ هو نور داخلي وليس خارجياً، ولما تكون الإضاءة من الداخل تكون نوراً على نور، أما عندما تكون خارجية عندها يكون ظل وضوء! القمر لا يُصدر نوره بل ما يعكسه عن الشمس، ويزول بغيابها..
..هذه الرؤى «الجوانية» هل تنعكس بتجليات؟
بالتأكيد، أنا تعلمت من حركة الشمس على سطح الصخر النافر والغائر فيه، وكذلك من تأثيرات حركة الزمن عليه أو عوامل الطبيعة، هذه ألوان لا يمكن أن تخرجها من الأنبوبة فهي ليست مجرد ألوان جاهزة، هي هنا ألوان اشتركت بنسجها عوامل الطبيعة والزمنن وتراكمات التاريخ بما يحمل من حضارة وإشراقات نور الشمس. أنا رسمت توشيحاً على المادة التي هي عبارة عن لدائن سميكة ألفت سطح اللوحة، وما قمت به هو توشيح أو تلوين على هذه السطوح بشفافيات لونية لتصبح هذا النور على نور، بلون شفاف غير كتيم، أي نور اللون أو إضاءته، فأنا لم أستخدم الأحمر بل نور الأحمر، وكذلك الأصفر فانا أوشح بضوئه وليس بلونه، حاولت أن أتعلم من الشمس كيف تلون الطبيعة، ولا زلت أحاول وأتعلم.
تحرضنا سطوح الصخر في لوحاتك لنكشف ما تحت وفوق سطوحها، كيف يفعّل نبعة هذه الطاقات ليختلط المادي بالمعنوي إلى هذا الحد؟
الصخر الذي رسمته هو من الأماكن التي زرتها شرق وشمال سورية، إضافة للبتراء في الأردن، لأقل من سورية ما قبل سايكس بيكو، ما تعلمته من هذه الجبال كمخلوقات، أن الإنسان ليس المخلوق الوحيد على هذه الأرض، برأيي أن الإنسان آخر التطورات علىى الأرض، في إطار وحدة الوجود نجد أن كل هذا الكائنات على سطح هذه الأرض متآخية، وإذ تؤمن بهذا تصبح معاملتك لهذه الموجودات معاملة مختلفة، في الموروث الشعبي يقولون: إن النخلة هي أخت آدم، إذاً النخلة عمتي! الصخر كما فهمته من هذه المرجعية هو مني أو أنا جزء منه، فكيف أنظر إليه كجزء أقل مني!؟ إنه كما نراه في الملاحم الشعبية أقوام تحولوا بسبب لعنات إلى صخور!، ويقول أحد الشعراء: خفف الوطء إن هذا الثرى من عيون ساحرة الإحورار. تقول إحدى الأساطير الشعبية التي قصها علي أحد الفلاحين في جبال اللاذقية عندما أشار إلى صخور عالية في أحد الجبال، قائلاً: هل تشاهد هذا الملك في الأعلى! استغربت هذا الكلام إذ كنت مستغرقاً في ألوان وأنوار المكان، وسألته: أين؟ أشار إلى صخرة في أعلى الجرف، وقال: هذا وجهه، إنه يصرخ! ومكان التاج على رأسه، ثمة شجرة! نظرت وإذ بوجه فعلاً، فحكى لي قصة هذا الملك الذي خانه أصدقاؤه حتى تاه في البراري، وظل الناس يسمعون صوت بكائه كصوت الريح إلى أن تحجر كما تراه في الأعلى. ولقد كتبت هذا النص وختمت على أنه حادثة واقعية، لكني عندما نظرت إلى الوراء لم أشاهد هذا الفلاح الذي حكى لي هذه الحكاية، ولا أعرف أكان هذا الشخص حقيقة أم لا، أو أنه عندما وجدني مستغرقاً إلى هذا الحد تركني ورحل، واختفى داخل المشهد! عندما ترى ذاك المشهد فإنه يأخذك فيه.. حدثتك بهذا لتعرف كيف أرى الطبيعة وكيف أتفاعل معها، وإن كنت أطلت عليك فاعذرني. أنا لن أرسم هذا الفلاح وتلك الصخرة التي تشبه الملك، أنا أرسم روح الأشياء.
من خلال ما قلت يصبح الولوج إلى «المدن المحروقة» و«التجليات» من ذات التفاعل ما بين البصري والروحي، النفسي والمعرفي أمراً محسوماً، إذ نستطيع أكثر أن نعرف كيف يبلغ نبعة كنه التعبير، من خلال سطوح الصخر والنفاذ إلى حرقة الألم، إلا أنن الرؤية ليست كاملة لدي بعد، فثمة أبعاد أكثر جمالية في الصخر لم تحدثني عنها؟
كنا في عرنة (على حافة الجولان المحتل) في إحدى المرات مع بعض الأصدقاء وبالصدفة شاهدت وردة حمراء تخرج من صخرة، لم يكن في الصخرة تجاويف بل أقرب إلى أن تكون ملساء، وكيف تخرج هذا الوردة؟! سأسمعك إحدى رباعيات صلاح شاهين،، باللهجة المصرية كما هي مكتوبة: «يلي بتبحث عن إله تعبدو، بحث الغريق عن أي شي ينجدو، الله جميل الله حليم الله رحمن رحيم، احمل صفاتو وانت رح توجدو». هكذا أفهم أنا الأمور، عندما تصبح الوردة داخلية، هكذا يكون!! لو قالت هذه الوردة أن الظروف صعبة لما كانت خرجت من تلك الصخرة، خرجت وهي تعرف أن حياتها القصيرة ربما تنتهي دون أن يلاحظها أحد، إلا أنها خرجت لتعلن عن جمالها، ومن لم يلاحظ هذا يكون قد خسر..!
..أأفهم أنك تعلن شيئاً مشابهاً في لوحتك، وأنك تحرضنا لنرى هذا؟
نعم، لأنه عندما لا ُيرى هذا الشيء الذي أتقصد إيجاده في اللوحة، لا تكون مشكلتي، الوردة تلك في مكان من لوحتي، ومن لا يراها فهو المسؤول عن عدم رؤيته!
لو ربحت الجائزة الكبرى هل كنت ستترك الرسم لتتفرغ لشراء أعمال الفنانين الحقيقيين، كما أخبرت أحمد معلا. هنا سؤالان، هل تستطيع أن تتوقف عن الرسم؟ ومن هم الفنانون الحقيقيون؟
هذا يشبه النكتة، أنه عندما يكون لديك نقود تصبح كسولاً، إلا أن حبك للفن يبقى، فتشتري ما تحب من أعمال فنية. أما التوقف عن الرسم فلا، تلك مزحة لا أكثر، الفنان عندما يتوقف عن الرسم يموت! الفنان الحقيقي هو الإنسان الذي يعي طريقه بشكل صادق بماا يمنعه من التورط باستعراض قدراته كي لا يفقد حقيقية فنه! هناك الكثير من الرسامين تغريهم الصنعة فنراهم يلحون على استعراض قدراتهم، إنهم يشبهون لاعبي كمال الأجسام، أي أن كل شي مضبوط، لكنه ليس جميلاً! رغم أن الكثيرين يقولون أن هذا هو الشكل الجميل. وهذا رأيي، أحس أن هذا المثال يشبه حالة الشاعر الذي تهمه البحور أكثر من الشعر، أو الكاتب الذي تهمه قواعد اللغة أكثر من اللغة ذاتها، أهم شيء هو صدق الطريق والطريقة، فالفن يفضح، يفضح الكاذب إذ يظهر هذا جلياً في اللوحة، هكذا أفهم أنا الفنان الحقيقي، الصدق قبل كل شيء، قبل الصنعة المتينة، فالصنعة المتينة أو المهنية العالية هي مجرد أداة لتساعد الفنان على قول صدقه.
في قصيدتك بكاتالوج معرض «تجليات» الماضي قلت: «محال أن تعبر عن البربرية الحديثة بنفس الريشة التي رسمت جمال عشتروت، أصبح من الكذب أن ترسم شجرة أو طريقاً أو بيتاً»، أيكون عرض تجليات من هنا مصالحةً حقيقية مع الذات عبر التجريدد كطريقة تعبيرية توصل بها ما يحيطنا من قهر؟

لو رسمت حريق بغداد كمشهد واقعي (أبنية مدمرة ومحترقة) سيكون عاجزاً عن التعبير، والأفضل هنا الصورة الفوتوغرافية فهي أكثر وثائقية، أنا رسمت الحرقة الداخلية التي حصلت عندي وأنا أرى الحريق وأعجز عن إطفائه، تلك المرارة التي أحسستها في فمي وأنا أرى مئات القتلى في الشوارع دون أن أستطيع فعل شيء، أعتقد – لشدة وقع الحدث- أن الواقعي الكلاسيكي كما كنا نعبر من خلاله سابقاً، لم يعد يصور المشهد، ملحمية المشهد تحتاج أدوات تعبيرية أخرى أو أسلوباً آخر أو شكلاً مختلفاً من التعبير..
..هل نقول هنا أن التجريد (وفق تعريف القاموس العربي) هو الشكل الأرقى للتعبير؟
المسألة هي صراع بين فردية الفنان وبين علاقته بالآخرين، فهو باستمرار مشدود بين طرفي المعادلة، فهو يقترب من نفسه أكثر كلما اقترب وفي داخله اللاشعور الجمعي، وإلا يصبح الفنان فردياً وهكذا تجريده، فيميل عندها تعبيره أكثر إلى السطحية، كالتجريدد الأوروبي الذي نشاهده. ومن هنا أتقصد أن أترك بعض الإشارات (أشكال ذات ملامح معرفة) على سطوح لوحتي، ليستطيع الآخر تلمسها وبالتالي دخول اللوحة، التواصل مع الآخر حاجة لدي..
..لكن ماذا لو فرغت اللوحة لديك من الشكل، ومن الإشارات، وصارت لوحة لا شكلية أو لنقل لونية، فكأن لوحتك تتحرك في هذا الاتجاه،هل ستصل إلى هذا؟
هذا يعني أن ألغي الشكل في اللوحة، أو الغي اللوحة، وأدخل في فرديتي، هذا يعني أني اقتربت من اللوحة الموجودة في خيالي، وهكذا أصبح فردياً نهائياً، أي أن هذه اللوحة لا تعني ولا تحاور غيري..
.. وليكن هذا أين المشكلة!؟
المشكلة أنني أكون قطعت علاقتي مع الآخر، لم أعد أحاور الآخر وأكون قد اكتفيت بلوحتي لنفسي، وأنا على تواصل مع الآخر باستمرار، وهذا بالنسبة لي ضرورة..
..حتى لو ألغيت الشكل يبقى اللون، واللون هو مدخل للقراءة والتواصل مع الآخر؟
هذا يجعلني أقول لك: أنه كلما وسعت الرؤية تضيق العبارة، وتصبح هناك صعوبة أكبر بالتواصل. أنا معك بخصوص اللون لكن هذا بحاجة إلى إنسان آخر أيضاً وليس إلى إنسان يتعرض إلى هذا الكم من التلوث البصري والسمعي والفكري في كل مكان. هذاا إنسان لا يمكن أن تطلب منه أن يرى روحانية اللون قبل أن تملأ معدته، وتهيئ له فكراً نظيفاً، وربما هذا ما شدني إلى السياسة في بداية حياتي..

.. يفاجئني هذا الإصرار على التواصل مع المتلقي حتى عندما تصل إلى ضفاف التجريد، ألا يغويك الدخول إلى هذا الأكثر!؟
أنا أحاول أن أجد على الدوام طريقاً إلى المتلقي، ولذلك قلت لك في بداية الحديث أنا لا أصنع لوحة تجريدية، وليس معنى هذا أني أنفي تهمة، فالتجريد ليس تهمة، ولكني أرسم مشهداً تأملياً.

من دمشقيات
نذير نبعة

يمكن إطلاق صفة الأنثوية على موضوع لوحاتك إذا استثنينا اللوحات ذات الطروحات الأكاديمية وخصوصاً من مرحلة التخرج، فهل سبق وانتبهت إلى هذا الانحياز الكبير واللافت إلى هذه الأنثوية، أم أنك تتقصد منحنا هذا الكثير من أنثويات الجمال؟

وجدت نفسي أرسم المرأة، وبعد ذلك أحاول أن أفهم ماذا أفعل، لنعيد الأمر إلى بداية العلاقة مابين المذكر والمؤنث كقطبين متقابلين يسعى كلاهما إلى الحركة باتجاه الآخر، فلحركة المذكر هذه معنى الشوق أو الحب! وهذا الشوق هو الشوق للجزء الآخر عند الفنان. أول ما تقع عليه عينا الطفل أمه كأول أنثى، وهذا يترسب باللاشعور قبل الوعي، هناك المرأة التي أحببتها، زوجتي إذ يتلألأ وجهها في الكثير من اللوحات. ولأقل على سبيل النكتة: غضبي من وعلى الرجال الذين ضيعوا بلادهم ولم يكونوا أبناء صالحين. الرجل الوحيد الذي رسمته هو الشهيد والفدائي وهذا العامل. فالمرأة تتجاوز أبعادها المادية في لوحتي، لتتحول إلى رمز كأم وكحبيبة ومدينة ووطن (سورية ياحبيبتي..).
بغياب الرجل عن اللوحة هل يمكننا اعتبار رموزٍ مثل السكين، المفتاح، والهدهد، رموزاً ذكورية؟

الطائر في شعرنا وفي الزجل يمثل صورة الرجل، فبسبب حياء الأنثى والعادات يٌرمز لهذا الحبيب بطائر الحمام أو بالغزال. والسكين أيضاً هي من أدوات الرجل وهي ترمز إليه، وكذلك المفتاح رمز البيت والرجل، ويمكن أن تحمل الرموز هذه أبعادها النفسية والجنسية أيضاً، وأنا أتقصد وضعها لأثير وأحرك العين في أرجاء اللوحة وخصوصاً عندما أضع هذه المجوهرات على الجسد، أتقصد أن أخلق هذا التضاد الحسي اللمسي.

الكل يشهد لك بالأستاذية، ورغم هذا لم نسمع أنك مارست هذا الدور! ألم يكن همّ الحراك التشكيلي السوري يشغلك؟ أم أن دورك اتخذ طابعاً آخر؟
لو مارسته ما شهدوا لي! أساساً لا أستطيع أن أعطي إلا لصديقي، فالطالب أصادقه أولاً ثم أعطيه، وبذا تلغى كلمة أستاذ ونصبح أصدقاء، فلا يكون هناك حاجز أمام عطائي! عندما استلم دفعات جديدة من الطلاب، أحدد ثلاثة أشهر حتى يمتنعوا عن مناداتي بدكتورر أو أستاذ وينادوني باسمي وهذا ما يضايق زوجتي أحياناً، أنا لا يزعجني هذا بالعكس أشعر أن الطالب يقترب مني أكثر وهذا يجعله يتخطى خجله ليسأل في حال بقي شيءٌ غير واضح بالنسبة إليه، هذا أساس العلاقة بيني وبين الطلاب، وهناك طلاب لم أدرسهم يقولون أستاذنا نذير نبعة، أنا افتخر بهذا كوني استطعت أن أنقل ما تعلمته عن أساتذتي في القاهرة (عبد العزيز درويش، عبد الهادي الجزار، حامد ندا، وعلى رأسهم حسين بيكار)، هؤلاء لم يكونوا مجرد أساتذتي بل كانوا أصدقائي. قمت بالكثير من الأدوار بمرحلة الشباب، إلا أنني بعد ذلك اتجهت إلى هم البحث عن الذات في اللوحة نفسها ومحاولة إيجاد فن عربي شاركني فيه العديد من الفنانين العرب، وهو الذي لم نستطع تحقيقه، فالحروب لم تتوقف أبداً في منطقتنا وهذا يعرقل هذا الحراك، هذا الجو يمنع الحركة السلسة لإيجاد هوية فنية للوحة في سورية والمنطقة العربية، وحتى المتطلبات الأخرى لم تكن متاحة، لم يشتغل أحد على التراكمات التي بها وعليها تبنى انتصارات صغيرة تساعد على الاستمرار، قدمنا أشياء جيدة ولكن لم يأتي أحد ليبني عليها، وهكذا تتلاشى الأشياء. مثلاً: في الرسم الصحفي في الموقف الأدبي حققنا حضور اسم الرسام ضمن هيئة التحرير لأول مرة في سورية، وبعد أن تركت الموقف الأدبي، جاء بعدي من لم يهتم بهذا التقليد فعدنا إلى الصفر! الظروف نفسها لم تخلق تراكماً يعتد به، وظروف الحياة القاسية تفرض تنازلات على الأشخاص ما يمنع من حدوث هذا التراكم ليشكل تقليداً ُيبنى عليه فتمحى هذه الانتصارات الصغيرة ولا نصل إلى نتيجة. مثال آخر، قمنا بعمل مجلة أسامة وهي مجلة أطفال، وكانت بفترة من الفترات تعتبر أول مجلة عربية من ناحية المضمون والشكل، ولم تستمر بهذه السوية! وهناك أمثلة أخرى إضافة لهذا.

هنا يحضرني مجموعة العشرة الذين كنت من بينهم والتي تشكلت عام 1970 كرد على تردي عمل إدارة الفنون آنذاك، ألا تعتقد أننا بحاجة لمثل هذه المجموعة اليوم، لا سيما وأن مزيداً من هذا التردي أصبح يستدعي ذلك؟

التأمت هذه المجموعة من مشارب واتجاهات مختلفة لكن ما كان يجمعهم هو جديتهم بالتعاطي مع القضايا الفنية، لكن يبدو أن العمل الجماعي كممارسة أمر لم نتقنه بعد، الصلة بالآخر حتى لو كان زميلاً لا تكون ثمينة، يبدو أن الشخصية الفردية غالبة حتى اليوم، أي أن كل شخص يعمل بمفرده، وهذا برأيي على مستوى الوطن والأمة! لأنه حتى اليوم لم نستطع أن نشكل وحدة! كنا نحلم أن يكون لنا تجمع ُيصلح حال الحركة الفنية في سورية، رداً على المساواة بين الصالح والطالح من قبل المؤسسة الفنية آنذاك، فأي شخص يمتلك صوتاً عالياً وبإمكانه أن يقول أنا فنان عشر مرات كان يصير فناناً! حاولنا أن ُنحدث حالة تعتمد التقييم الجدي والشجاع والانتقاء السليم للفنانين وللأعمال الفنية، للمعارض والمشاركات، وحتى على مستوى عدالة توزيع الجوائز، لكننا لم ننجح!..
..نحن حالياً بأمس الحاجة لمثل هكذا مجموعة، هل يمكن تحقيق ذلك؟
لا، لا يمكن، هذا رأيي في القريب المنظور، لكننا بحاجة إلى العمل الجماعي ليس في الفن بل في كل الأشياء، فالعمل الفردي بطيء الحركة وقليل المردود، ولا يحدث تراكماً، لدينا فنانون ولكن ليس لدينا حركة فنية، فكل المؤسسات الفنية الخاصة والعامة ليس لديهاا برنامج، فإذا كانت مؤسسة ثقافية ليس لديها برنامج ثقافي، كيف ستسهم بإحداث هذا التراكم والبناء؟! سابقاً لم أكن أجيب على مثل هذا النوع من الأسئلة، إلا أني أجيبك الآن!
مشروع تخرجك في مصر كان عن عمال المقالع الحجرية، في باريس قدمت نباتات، كيف لي أن افهم هذا الاختلاف؟
لا، الفرق يعود لفارق السن بين المرحلتين، والاهتمامات بين الشباب وما بعد ذلك.
يختلط على البعض إن كان الموضوع هو الذي يفرض الشكل في اللوحة، أو أن الشكل هو الذي يستجر الموضوع، إلا أن رأياً آخر يقول: الشكل أو الموضوع حجة الرسم وحسب، كيف يفض الفنان نذير نبعة هذا الإشكال؟
إذا كان الفنان لا يهمه الموضوع، عندها يكون الشكل بالنسبة إليه هو الأهم. هذا فكر. هذا يدخل ضمن إشكاليات وتنظيرات الفن، كمقولة الفن للفن أو الفن للمجتمع، أنا أعتقد أنه عندما تتعمق في المسألة، يتماهى الاثنان مع بعضهما، ويصبحان شيئاً واحداً، لا يمكنن للوحة تخلو من الفكر أن تكون قابله للحياة! إذ تكون سطحية، أي شيئاً جميلاً إذا أخذته كجزء ووضعته في المكان المناسب، الجمال السطحي يصبح شيئاً لا فناً ولا يشكل ثقافة وعلاقة بالآخرين. تماهي الشكل والمضمون يجعله فناً إنسانياً، فيتجاوز حدود المكان والزمان. مثلاً، فن أنتج في عصر النهضة أو ما قبل الميلاد لا نزال نتذوقه ونحسه لأن فيه إنساناً، أي أن الموضوع إنساني، أما الموضوع عندما يؤخذ من ناحية سطحية كالحصاد، الساحل، الجبل، ومن منظار سياحي يكون عندها حجة للتلوين.
اللوحة عبارة عن رسالة بصرية هذا في المستوى الأول، لكنها تتعدى هذا لتحمل رسائل أخرى، في لوحتك ما هي هذه الرسائل؟
علاقتي بالإنسان هي هذه الرسائل، هنا لنرجع للثوار الكبار الذين نظروا للفن وهم ليسوا بالضرورة فنانين (مثل ماوتسي تونغ)، يجب أن يكون الفن الثوري فناً أولاً بعد ذلك يكون فناً ثورياً، وأكبر دليل على ذلك ما حصل في الاتحاد السوفييتي بعهد لينين، حيثث كان كاندنسكي هو فنان الثورة، وهو الذي أسس لقيام الأكاديميات والمتاحف، لكن بعهد ستالين تدنت درجة بعض الفنانين من فنان الشعب إلى مشتغلين بالرسوم التوضيحية. بعد ذلك ظهر فن اسمه الواقعية الاشتراكية، لكن لاهي اشتراكية ولاهي فن. ماياكوفسكي شاعر الثورة البلشفية انتحر عندما استشعر هذا التردي القادم.
تميل إلى تسمية لوحاتك، في اعتقادك ألا يؤثر هذا على شكل التلقي، أم أن التسمية تأتي لتكون ضمن هذه الرسائل إلى الآخر؟
أنا أعتبر التسمية مثل المفتاح تعطيه للآخر ليدخل إلى اللوحة، ومع التقدم في العمر تصبح التسمية أكثر تجريداً، فالعامل الذي يحمل تلك الصخرة أسميته سيزيف، هنا يوجد ترميز لإضافة بعد فلسفي للموضوع الإنساني، هذا المفتاح هو نوع من الرحمة وعدمم التعالي على المتلقي من الفنان، وهذا مطلوب من الفنان. هناك من يسمي اللوحة ليزيد إرباك الآخر، أنت كفنان تدعو الآخر للوحتك، هذا يعني أنك مضيف
وعليك أن تقوم بواجب الضيافة هذا، وليس لتقول له أنا أفضل منك، وممنوع أن تغلط.
ترسم الورد الجوري وهذا له خصوصية، كما ترسم التوليب وأشكالاً أخرى من النباتات، فهل يكون الورد حجة للرسم (وهنا أعتذر منك لقولي حجة)، فانا أجد فارقاً كبيراً بين الجوري والتوليب، أتتقصد توظيفات بعينها؟

من الدمشقيات
لنذير نبعة

أغلب العناصر التي أرسمها في لوحاتي لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً الورد الجوري كان عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وكان كل هذا السور من الورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، وكان الطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له! من هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقاتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق. مجموع هذا هو الوردة، أنا لم ارسم التوليب بل الزنبق، وأنا شخصياً لم أسميها توليب، بل وجدتهم في أحد المعارض الرسمية لوزارة الثقافة وقد أطلقوا على هذه اللوحة اسم التوليب! أنا تعنيني ورودي، فالوردة الجورية تختلف عن كل ورود العالم، إذ لها مركزان بينما للجوري الآخر مركز واحد، بمعنى قطبين وكأنها ذكر وأنثى.
ملامح الوجوه الأنثوية في لوحاتك لها أكثر من خصوصية، إلا أنها تكون حاملة لذات التراثية الشرقية أو الدمشقية، كيف نفهم هذا الاختلاف في الملامح والاتفاق ببقية العناصر؟
الوجه الذي أرسمه هو الوجه الذي أحبه وأحب تفاصيله، الوجنات البارزة، الملامح التي تخرج جماليات تنضح بالرحمة الموجودة بالوجه، وليس تلك الجماليات المادية أو المعيارية المتفق عليها، أنا لا أفكر عندما أرسم في أن تكون الملامح شرقية أو غربية، أناا أتقصد الملامح الموحية والملهمة والمؤثرة للوجوه في لوحتي، وتجد بين هذه الوجوه ابنتي أو زوجتي، حتى أنك قد تجد ملامح ممثلة فرنسية غير مشهورة، زارت سورية سابقاً، بشكل عام ثمة وجوه تبقى في ذاكرتك كشكل مجرد أو كشكل وعلاقة شخصية، ليس مهماً إلى ماذا تقود الملامح، أنا يهمني جمال الرحمة وذاك الجمال الروحي، فجمال عارضات الأزياء والممثلات لا يعنيني.
في لوحتك لم تكن أسير الأيديولوجيا السياسية، فلقد كان ولاؤك للإنسان والجمال والتراث، متى انتبهت أن البقاء للفن وليس للأيدولوجيات المتغيرة؟
كنت منتبهاً لهذا منذ البداية، فالفكر الذي انتميت له كان مع الإنسان وانتميت له لهذا، لذلك لم أكن أسيره كنظريات، فأنا أنتمي إلى أي فكر فيه هذه الصفات، حتى لو كان في الجانب الآخر، أنا أحب الفلسفة البوذية وكذلك تجربة طاغور وغاندي، غيفارا من هؤلاء،، أنطون سعادة كان يمتلك في فكره السياسي تلك الرومانسية غير الموجودة عند الآخرين، فالثورة بالنسبة إليه كانت حلماً، وهكذا بالنسبة لبقية الثوار الذين أحبهم، لم تكن زعامة، كانت حلماً لتغيير واقع الإنسان ولصنع شيء أجمل. مثلاً أنا أعرّف أصدقائي على ناديا خوست بأنها المناضلة التي تحب الوردة، المناضل إذ يحب الوردة ليس برجوازياً، معنى هذا أنه يحب الجمال. هكذا أفهم المسائل، ليس بشكل مذهبي أو غير ذلك، أنا أنتمي للإنسان، أي فكر يحمل هذا الإنسان فأنا منحاز إليه.
الخط العربي بمعنى الكتابة يأخذ في لوحتك أكثر من شكل، فهو واضح أحياناً وذا معنى محدد، وغير ذلك أحياناً، فهل المقصود تأكيد المرجعية العربية للوحتك وليس الشرقية وحسب؟
جاءت في إحدى لوحاتي عبارة الشام شامة على الدنيا، وهنا جاءت العبارة واضحة لأني أتقصد هذا، لكن الكثير من الأشياء في خلفية اللوحة تقبع وراء الشكل الأساسي لتؤدي أدواراً جمالية وتشكيلية، وليس بالضرورة أن يكون الخط واضحاً إذ يغدو عندها ضمنن المفردات التشكيلية.

أرى أنك تنحاز إلى التصوير في اللوحة بينما كنت في مراحلك السابقة لا تفعل هذا إذ كان الرسم أكثر بروزاً إلى جانب التصوير ، كيف تفسر هذا؟
بالنسبة لي، فإن الرسم أو التصوير أو باقي المفردات التقنية هي عبارة عن أدوات لأداء الفكرة أكانت بصرية أو فكرية فلسفية. وتحتاج أحياناً في الأداء كما في الموسيقى إلى ميلودي، أي شيء فردي، كما الخط في اللوحة، وأحياناً تحتاج إلى السرد في اللغة الأدبيةة أي تفصيل إلى جانب تفصيل في اللوحة، حركة أو سرعة هذا السرد تؤدي فكرة ما بصرياً أو فكرياً، كما السجادة، فهي عبارة عن تجاورات شكلية ولونية متوالدة من بعضها لتؤدي شكل المشهد النهائي، أي أن بؤرة العمل الفني متحركة وموزعة على كامل المشهد. عندما ترسم وجهاً يغدو هو ذاته البؤرة البصرية، وأحياناً يفرض الموضوع نوع الأداء، أحياناً تقول كلاماً بصرياً بحتاً في اللوحة، يكون لأدائه الخاص من اللمسة أو اللون (أي الأداء التصويري) أهمية أكبر من الخط، كل هذا يسمى نوعاً من التجول بين الخط والتصوير، وملمس اللوحة من الخشن أو الناعم وآليات اللون البارد والحار. في «تجليات» لا يوجد رسم بمعنى الخط، لكنه موجود في أعمال أخرى..
..إذاً أنت تتفق مع من يقولون أن الخط هو شرف الفنان، في إصرار على تواجده في اللوحة، رغم أنه غير متواجد في الطبيعة، وليس الإصرار عليه إلا ترسبات كلاسيكية؟

لا، ليس هكذا، فالعملية الفنية كلها شرف للفنان، هناك من يعتبر أن الخط أهم من اللون، وهناك من يعتبر أن اللون هو التصوير، إنه صراع بين المذاهب الفنية، وهذا فعل إنساني، يغني العملية الإبداعية.
في قصيدتك من كاتالوج تجليات تعامل الألوان ككائنات تتنفس، برأيك هل هي كذلك فعلاً؟ وهل لنذير لونه الخاص كانعكاس نفساني؟
علمنا المتصوفة أن الحروف مخلوقات تتنفس، ولها حياتها، هذا من قراءاتي، وبالتالي أنا انظر لكل الموجودات كمخلوقات بما فيها الألوان، لأنه إذا لم يكن اللون كائناً يتنفس، فإنه لا يؤدي دوره، بل يبقى كما هو داخل الأنبوب، إذا لم يكن الأحمر على سطح اللوحةة مخلوقاً ليقول الفرح، الثورة، الحرارة، يبقى مجرد مادة ميتة، ولا يحرك على السطح شيئاً. من هنا فالألوان مخلوقات لها حياتها على سطح اللوحة تتآلف وتتنافر وتصنع مشهداً بصرياً مليئاً بالموسيقى والحركة. وإلا لا يكون هناك لوحة وتبقى صامتة، فالألوان لها علاقتها بالحالة النفسية والمزاجية، وأنت عندما تريد رسم الفرح لا ترسمه بالأسود! المسألة انعكاس للحالة النفسية..
..إذاً فأنت تؤمن بدلالات اللون النفسية والتراثية، وتعتبر أن كل لون يأخذ شكلاً من التعبير؟
بالتأكيد، وإلا ما معنى ما يحدثه اللون من أشياء محددة فينا! أخضر (فيرونيز) وهو اسم فنان من عصر النهضة كان يميزه هذا اللون من الأخضر وعرف به. أو أزرق نيلي أي تابع للنيل أي مصري وموجود بلوحات الفراعنة ويختلف عن أي أزرق آخر، وكانن المصريون القدماء يدهنون وجوههم به عندما يموت لديهم عزيز.
مع أنك أحببت مصر ودرست فيها إلى جانب عدد من الفنانين السوريين إلا أن الفن المصري لم يغويك كثيراً؟
أنا أعتبر أن كل فنون المنطقة هي ينابيع استقيت منها، لكن تكويني الفكري الناضج تشكل أثناء دراستي في مصر، إلا أني أحمل فكراً وطنياً وإنسانياً، أي أن انتمائي الفكري كان إنسانياً بالدرجة الأولى، وأنا أؤمن أن الإنسان إذا لم يحب نفسه لا يمكنه أن يحبب غيره! أي إذا لم أكن سورياً، لا يمكن أن أكون عربياً، وإذا لم أكن عربياً لا يمكن أن أكون عالمياً، حتى الآن أنا غير مهتم للعرض في الخارج، لأني مؤمن أنني إذا لم أحقق هذه التراكمات هنا، لا أكون بالنسبة للآخرين مقبولاً! عندما كنت صغيراً جف حليب أمي فشربت حليب أم أخرى، وهذا شيء شخصي جداً، ربما جعلني هذا أحب القاهرة، أمي الثانية بعد دمشق.

عشتار تزور سد الفرات

ما أبرز المواضيع السورية التي شغلتها لوحاتك، وهل في جعبة لوحتك مواضيع لم تتناولها بعد؟
كل المواضيع التي تناولتها في لوحاتي مواضيع سوريّة، وفي المستقبل سأتناول مواضيع سورية، أنا لا تعنيني إلا المواضيع السورية، الموضوع الفلسطيني أليس سورياً؟ الموضوع الإنساني أليس سورياً؟ بمعنى أني أتناول مجموع مواضيعي من خلال الإنسانن السوري، وأعبر عن هذا بلغتي السورية، ولهذا ربما أحسست أنت أني لم أتأثر بالفن الفرعوني، مع أني متأثر بالفن الفرعوني، أنا متأثر بالفرعوني والآشوري العراقي والمنجزات الفنية العالمية، ولكني أعبر عنها بلغتي السورية، أنا أتعلم من مجموع هذا، ولست مقلداً له.
عندما زرت جبال اللاذقية برفقة أحد الفنانين وكنت في نقطة ما بين السماء والبحر، من تلك النقطة البرزخية، كيف تواردتك سورية؟
التماهي مع الطبيعة والإحساس بأن هذا المكان موحي وجميل وعبقري هو التعبير عن سؤالك، وهو دليل على إحساسي بأن له هذا الشيء الخاص، كثير من الناس يقولون لي بأن هناك صخوراً في المنطقة الفلانية أجمل من صخور هذه الجبال، المسألة ليست مباراةة أيها أجمل، المكان هنا أكثر إيحاءً، وقد تماهيت فيه وأحس بأني خرجت من نفسي لأشاهد نفسي وأنا أشاهد المنظر، شيء أقرب إلى الجنون منه إلى الخيال! رهبة الجمال البصري أمامي تجعلني أتجاوز نفسي لأتماهى مع المكان، لأني أعرف أن هذه أرضي وهذا عالمي..
..من تلك الإطلالة تشاهد البحر إلا أني لم أجد أمواجه في لوحاتك؟ فهل استعضت عنه بأمواج من الحرائر؟
لقد رسمت البحر كموضوع، وإن كنت لم أرسمه كثيراً، باعتباري ابن دمشق والسهول فأنا منشد إلى الأرض أكثر، لكن للبحر معانٍ أخرى، فهو كائن جميل، كائن الانطلاق للآخر، فالموجة عندما تنطلق تأخذ شيئاً وعندما تعود تعود بشيء! تلك الحركة الموجودةة في الموج تشبه حركة الفرشاة على سطح اللوحة، هو موجود هنا بهذا الإيقاع وبتلك الرائحة والصوت.
إن كنتم بلا خطيئة فلترموها بحجر، أنت رميتها بقلادة، وهنا اقصد لوحة مريم المجدلية، فأي قلادة هذه؟
لو دققت في القلادة لوجدتها عبارة عن ثلاث رصاصات وهو شعار من شعارات الثورة الفلسطينية ثورة حتى النصر، أنا ألفت قلادة وعلقتها على صدر مريم المجدلية لأقول أن المجدلية ظلمت كما المسيح، وهكذا فلسطين! مريم المجدلية قديسة دافع عنها المسيحح دفاعه عن الإنسان بأخطائه وجماله، أنا أدافع عن القضية الفلسطينية هكذا.
الحزن الممزوج بالموسيقى وآفاق من الجمال في لوحة «الشهيد»، ذاك الذي يسقط من يده السيف وتبقى الوردة الحمراء، هذا المشهد الغرائبي يتخذ بعداً من القداسة، هذا الشهيد الجميل من؟
علاقة المقدس بالشهيد تعطينا فكرة أن هذا الشهيد لا يزال حياً معنا، هذا الشهيد الذي دافع عن الأمة. عندما تريد أن تحول هذه الأدبيات إلى شيء بصري ورمزي ستبحث عن الأسلوب المناسب لتعبر عن هذه الفكرة، فاخترت اللون الأزرق الحزين الممزوجج بالأسود المسيطر على اللوحة، والذي فيه لمسات لونية من الورد الأحمر في أرجاء اللوحة وهالة من ألوان مضيئة خلف الشهيد لتؤدي دوراً رمزياً بصرياً، يتفاعل مع اللون البارد الأزرق عبر تلك الومضات الموجودة باللون الأحمر، حركة السيف والوردة هي أدبيات تساعد المتلقي على امتلاك المفاتيح لولوج اللوحة، بحيث يمكن للمتلقي العادي أو المثقف على حد سواء، التواصل معها.
لازال لدي الكثير من الأسئلة لكني أختم الآن بسؤال خاص، نعرف أن لكل شخص من اسمه نصيب، فأنا يثير فضولي اسمك وكنيتك، نذير ونبعة، فهل تلح على أن تكون نبعة من التشكيل السوري؟
أتمنى أن أكون هذه النبعة وأن أحمل معنى اسمي، هناك ذو النون المصري، وأنا ذو النونين السوري والمصري، فالنونان هنا تشكلان بداية اسمي وكنيتي، ولدت في 5 حزيران 1938، ثم صادف هذا التاريخ 5 حزيران يوم النكسة، و1938 هي السنة التي تم فيهاا سلخ لواء الاسكندرون عن سورية، أنا اسمي نذير وليس بشير!

عمار حسن
اكتشف سورية

المصدر: discover-syria.com/news/3680

ولد الفنان نذير نبعة في دمشق عام 1938 درس الفن ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1959 – 1964 ثم في باريس بالاكاديمية العليا للفنون الجميلة للفنون في فرنسا 1971 – 1974 م وبدأ بأقامة معارض فنية منذ نهاية الخمسينات من القرن العشرين في سوريا والدول العربية وفي العديد من دول العالم .
يعد نذير نبعة واحداً من الفنانين الذين أسسوا للحركة التشكيلية الفنية الحديثة في سورية، ساهم في الحركة السورية والعربية منذ 1952 وحتى الآن وقد حصل على جوائز كثيرة ، وله تجارب ومشاركات في مجال الرسم الصحفي ورسوم كتب الأطفال والكتابة فيي مجال الفنون التشكيلية،
عمل نذير نبعة مدرسا للرسم في مدينة دير الزور في شمال شرق سورية صارت لوحاته قريبة لحضارة ما بين النهرين فوجد نفسه يستفيد من جغرافية المكان وحضارته ومن القراءات المتعددة التي تطور الفكر وأسلوب المعالجة التي جعلت من أعماله فرصةة لترجمة مشاعره التي تعد جزءاً أيضاً من مشاعر وهموم المجموع العام. ومن وحي تلك الأساطير استطاع نبعة أن يوصل للمتلقي حالة من النشوة الروحية الصوفية التي ظهرت في العديد من شخوصه ولاسيما أن الأنثى في لوحاته هي أقرب إلى عشتار لكنها إنسانية ومشذبة بعيدا عن جبروت الآلهة التي ظهرت به في الأساطير والميثولوجيا القديمة وهذا ما جعلها أقرب إلى المرأة السورية المتطبعة بصفات مجتمعها والحالمة أيضاً بحكايا ألف ليلة وليلة، لكن هي في الوقت ذاته تشبه إلى حد كبير زوجته المصرية الفنانة التشكيلية شلبية ابراهيم .
كان لمدينة دمشق القديمة حضورا واسعا في لوحاته وقد عمل لمرحلة معينة على موضوع دمشق وقد سمى تلك المرحلة بالشاميات ودمشق في لوحاته لاتأخذ بناصية الوصف التسجيلي السياحي، وإنما ترسم لها حدوداً تعبيرية، ومواصفات شكلية منسوجة فيي حضرة مخيلة، ورغبة في نبش ركام المُتخيل، القائم على حيز الرسم الأسطوري والمسحة التعبيرية الفاقعة لحياة الناس المُتخيلة داخل البيوت الدمشقية الحافلة بالقصص والحكايات، التي تُذكرنا بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع. تخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. في كل لوحة من لوحاته حكاية سردية متكاملة المواصفات، شكلاً ومضموناً وغاية جمالية، تستقوي بخبرات الفنان التقنية، ومقدرته الفائقة على رسم وتلوين مكوناته، ورصف عناصره المتناثرة داخل بنيتها الشكلية. تأخذ بناصية الاتجاهات الواقعية التعبيرية كمجال حيوي في تأليف مقاماته البصرية، متكئة على بنية أكاديمية مؤتلفة من نسيج ذاته الباحثة والمُجربة، والمتمكنة من احتواء السطوح والخامات والتقنيات اللونية المتعددة التي يجمعها في دربة شكلية ملحوظة جامعة لمتآلفات المشهد البصري المقصود.
دمشق التي يرسمها الفنان نبعة ليست معنية بالكسوة الشكلية الخارجية والنمطية السطحيةللبيوت والأوابد التاريخية المتبعة في رسوم وتصوير الآخرين، إنما هي رسوم ولوحات معنية بخفايا البيوت المغلقة على مفاتن الأسرار، وجماليات متسعة على الحكايةة وروحية الأسطورة السورية، التي ابتكر الفنان شخوصها وبيئتها الشكلية الحاضنة. بيئة شكلية متيمة بالأنثى، والنسوة الجميلات في لحظة تصوير وتجلٍّ فكري وجمالي. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، الذي يرمز الى الحضارة والفكر التنويري ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفية الموقف المنشود. والموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف التي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والمجوهرات والأشياء المادية الثمينة، والصناديق الخشبية المطعمة بالصدف والفضة الغنية بالزخارف والزركشات والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.
هكذا باتت رمزية دمشق في متواليته اللونية ملاذاً لهواجسه وحدسه، وربما رداً صريحاً على تيارات تشكيلية، لم يجد نفسه في نسيجها. في هذه الأعمال، يتجاور الجمال الشرقي الآسر لنسائه المسربلات بالحزن والفتنة، مع عناصر زخرفية، تؤكد على هوية محليةة في تأصيل تجربته وبصمته الشخصية المغايرة .
وكذلك فإن البعد التزييني في حضوره الشاعري، لم يطغَ وحده على الوحدات السردية في طبقات اللوحة وتوليفاتها الواقعية والأسطورية. هناك إذاً مسافة واضحة بين ما أنجزه نبعة بدأب ودراية وصمت والبعد الإعلاني والإعلامي لتجارب سواه. المرحلة التيي أطلق عليها «دمشقيات» واستمرت طويلاً نسبياً، مقارنةً بمراحل أخرى، وكانت نواة تجربته اللاحقة، سيفتح الباب على مصراعيه للحلم الشرقي بألوانه المبهجة وفتنته الطاغية، مفصحاً عن قيم الجمال الدمشقي، وذلك بتطويع العلاقة بين ما هو واقعي وأسطوري واستنفار جماليات الموروث الشرقي الشعبي في منمنمات مرسومة بدقة.
نترككم مع لوحات فناننا العبقري المتجدد الفنان نذير نبعة الذي اكتفيت بعرض جزء يسير من لوحاته فقط التي تحكي مدينة دمشق

الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة من مواليد مدينة دمشق عام ،1938 تخرج في قسم التصوير من كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة عام ،1965 أتم دراساته العليا في المدرسة الوطنية العليا للفنون بالعاصمة الفرنسية باريس عام 1972. مارس مهنة تدريس الفنون في مدارس مدينة دير الزور ودمشق، ومواد التصوير في كلية الفنون الجميلة وطلاب الدراسات العليا. وعمل رسام موتيف ومصمم غرافيك للرسوم الداخلية للعديد من الصحف والملصقات في بيروت ودمشق. وهو قامة تشكيلية سورية متطاولة في ميادين الحركة التشكيلية المحلية والعربية العالمية، وواحد من روّاد الحداثة التعبيرية السورية المميزين، ومشرف على عشرات مشاريع التخرج لطلاب كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. أقام مجموعة من المعارض الفردية والجماعية والمجموعات، وحصل على مجموعة شهادات التقدير والتميُّز والجوائز.

لوحاته التصويرية خارجة من جلابيب ذاكرة الأمكنة السورية البصرية، متدثرة ومتناغمة مع جميع تجلياته اليومية المعيشة والأسطورية المُتخيلة بتقاسيمها التشكيلية التي تفيض حيوية وحركة، وجماليات معانٍ وقيم تشكيلية مدروسة ومتوازنة ورصينة. يسبح في متنها الوصفي في فضاء العزف التقني المتنوع السمات والخصائص والمواد والأدوات، يدندن بخطوطه ومساحاته الملونة العاكسة لشخوصه وأوابد مكانه السوري أنشودة المواطنة السورية في أبهى مظاهرها الوصفية. يستعير مكوناته من معينها خلسة وينثرها صريحة الأشكال والمكونات فوق سطوح خاماته المستعملة. يجوب فيها ومعها برحاب التيارات الواقعية التعبيرية، والتعبيرية التأثيرية الرمزية والتعبيرية التجريدية مجتمعة أو متفرقة، والمتناسقة مع خيارات مواضيعه المطروحة في هذه اللوحة أو ذلك العمل الفني.

النسوة حاضرات بقوة في جميع طقوسه الشكلية، يتصدرن المشاهد البصرية، ويلعبن أدوارهن الطبيعية في استكمال دورة الحياة السورية بما يمثلن من رمزية المكان السوري وأصالته، والمحاكية لحديث الأرض وذاكرة الإنسان في تجليات الأمل والعمل المثمر والمفيد والمزين بالعلم والمعرفة ومواكبة دورات الحياة الحرة والعيش الكريم من خلال إشارات نصيّة تشكيلية رمزية. وهي تارة محمولة بحديث النسوة وخلواتهن في ناصية قصة هنا وحكاية هناك، تدخل معترك الواقع المعيش بالمتخيل الرمزي والأسطوري في حسبة تقنية فائقة الجودة والرصف المتوازن والمتكامل لعناصر الموضوع ومفرداته التشكيلية في فضاء كل لوحة من لوحاته.

دمشق القديمة في بيوتها الملتحفة بالأسرار والحكايات والتي تُعيد الشيخ إلى صباه، هي مجاله الحيوي في نسج معالم صوره المرسومة والملونة بأناقة تعبيرية وباقتدار فني وتقني وجمالي، من فنان امتلك جميع مقومات الابتكار فكرة وتخيلاً وتطويعاً لمواد وأدوات لمصلحة خياراته التصويرية، ومداد رؤاه التشكيلية التي تُعطيه التميز والخصوصية والتفرد ما بين أقرانه في الحركة التشكيلية في زمانه ومن تبعه من أجيال فنية تشكيلية سورية سابحة في محيط مقاماته وولائمه البصرية. يجد المتلقي في تفاصيل لوحاته متسعاً لمقولات التراث والحداثة، يذكرهم بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع.

تُخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفياته الموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف، والتي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والجواهر والأشياء المادية الثمينة، والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.

لوحاته في بنيتها اللونية لا تخرج عن دائرة الألوان الرئيسة (الأساسية والمساعدة) والمتوالدة في ملونات مشتقة ومتناسبة، مع طبيعة المشهد الوصفي. كل لون فيها مدروس بعناية وفهم تقني خاص، لا نشاز فيها لخط أو لون وحتى مكونات تشريحية في رسم معالم شخوصه ومتمماته الخلفية وتصويرها، عامرة بملونات الحياة الطبيعية ومكوناته المرصوفة من فنون رقص وموسيقا وعلوم ومعارف وآداب ومعايشة، مدرجة في قوالب شكلية جميلة تفصح عن جودة مؤلفها، وموقعه المميز في ذاكرة الفن التشكيلي السوري الحديث والمعاصر.

المصدر: an-nour.com

نذير نبعة … تبدلات الانفعال الفني أمام الموضوع

حلب
فنون تشكيلية
الخميس 14-6 – 2012
ابراهيم داود

إن الإحساس أو الانفعال يتبدل ويختلف أمام الموضوع ، أو أمام كل موضوع جديد ، بل يختلف أحيانا في الموضوع الواحد في لحظات مختلفة ، وبالتالي يتبدل الأسلوب بصورة حتمية.
الفنان التشكيلي نذير نبعة كان قد ذكر هذه الكلمات قبل معرفتي به في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عندما كان يعلمني مادة الرسم وأسسه لمدة أربع سنوات متتالية وهو الآن أحد رواد الفن التشكيلي السوري .‏

ففي عام 1965 أقام الفنان نذير نبعة معرضا لأعماله الفنية في دمشق وأثار هذا المعرض ضجة كبيرة لأن ما رآه النقاد والفنانون آنذاك يمثل تجربة جديدة غريبة في أسلوبها وتتجلى فيها قوة فنان يحمل رصيدا فنيا ويسعى لإيجاد أسلوب فني خاص يمكن إن نسميه أسلوب نذير نبعة.‏

وكانت حصيلة الجدل حول المعرض تتلخص في مشاكل جديدة طرحت أمام الحركة الفنية في سورية في الستينيات مفادها بأنه هل يحق للفنان أن يرسم عدة لوحات متقاربة الزمن بأساليب مختلفة أم أن أسلوب الفنان وطريقته يجب أن يظهرا في كل عمل من أعماله والى أي مدى يمكن أن تندمج الأساليب الفنية المختلفة ضمن لوحة واحدة وهل يعتبر الرسام فنانا إذا لم يصل إلى أسلوب متميز واضح والى نقطة انطلاق أسلوب ؟! والأسلوب الذي رسم به نذير نبعة لوحاته كان يمثل وجهة نظره للفن لأن معرضه عبارة عن مجموعة محاولات للتعبير عن أفكار هي في الواقع أساس التجربة وهي التي رسمت الخلفية فيها بأسلوب واقعي جدا يقترب من التسجيل الحرفي وبين مقدمة اللوحة التي حاول الفنان فيها أن يجري بعض التحوير على رسم الأشخاص ليتلاءم مع الفكرة التي يريده .‏

وتوصل النقاد آنذاك بأن معرض نذير نبعة يختلف في أسلوبه تبعا للفكرة التي يريد التعبير عنها وان أفكاره الجديدة هي التي تمثل أسلوبه الحديث ولا يتميز بأسلوب فني محدد بل يستخدم كل الأساليب المعروفة للتعبير عن فكرته.‏

وأصبح من الممكن استخدام الواقعية التسجيلية بجانب التعبيرية أو التجريدية في لوحة واحدة للتعبير عن الأسطورة التي يحاول الفنان تضمينها معنى جديدا عصريا.‏

وان تجربة الفنان نذير الأولى كان يغلب عليها الطابع الواقعي التي تمتد من محاولاته في الرسم أيام الطفولة والتي أولع فيها برسم الطبيعة حتى المرحلة التي أنهى فيها دراسته الفنون في القاهرة ونال شهادته على مشروع التخرج الذي قدمه بعنوان (عمال مقالع الأحجار ) وكان آنذاك يتجه نحو تحوير الواقع وتحريفه متأثرا بأعمال بعض الفنانين المصريين وكانت ألوانه تعكس شاعرية استغرقها الألم والجانب الشعري فيها مأساوي أيضا ونستطيع التأكيد على أن ألوان البيئة التي درس فيها قد أثرت عليه كثيرا وذلك لوضوح تقارب ألوانه مع ألوان الفنانين الذين رجعوا من القاهرة وان اختلفوا بالأسلوب فيما بعد ويتجلى تأثر الفنان بالفن الفرعوني في إعطاء التكوينات شكل الهرم وإبرازه الكتل الضخمة بالحجوم الراسخة كما كان تأثره بالسريالية والتي يتجلى واضحا في اعتماده على الأساطير القديمة والحديثة حتى إننا نستطيع القول بأن كل لوحة من لوحاته تحتاج إلى ثقافة والى معرفة بالفكرة الموحية وبهذا قام الفنان بعملية دمج التراث الفرعوني مع التراث الأسطوري ليعبر عن فكرته للإنسان وعن أزمته تجاه أحداث العالم.‏

وفي قول للفنان ( على الإنسان أن يحمل في قلبه وفي كل خلية من خلايا أعصابه روح قومه أن يفهم بعمق علاقة الإنسان بالشجرة التي يغرسها في الأرض).‏

وبعد تلك المرحلة التي تحدثنا عنها طور عمله لتصبح الأشكال معتمدة على الخط الخارجي الذي يمثل الأشخاص والموجودات الأخرى ويكون مبسطا لتبرز الحجوم وإعطاء اللون الواحد المتدرج القيم للتأكيد على هذه الحجوم وإعطاء القيم التشكيلية المختلفة ثم تبدلت الألوان بعد ذلك لتصبح مشرقة وأصبح التعبير رمزيا وبدأنا نرى أن التعبير عن الجو الأسطوري قد أخذ شكلا غير مباشر يميزه عن أعماله الأولى ولكن هذه التجربة لم تستمر كثيرا لأن نكسة حزيران وما تلا النكسة من أحداث قد بدلت نذير نبعة تبديلا عميقا وجعلت أعماله ترتبط بأحداث وتعكس رؤيته للظروف الراهنة التي تمر بها الأمة العربية .‏

فيقول الفنان نذير (سفري إلى باريس جاء بعد نكسة 67 بعامين، كنت وقتها في حالة إحباط شديد. البعد عن المكان والذهاب إلى الغرب ومواجهة حضارته وثقافته أدخلني في تجربة التصوف أنا لست متصوفا ولم أكن.. لكن في باريس تعرفت على شاب مصري هو احمد قاسم ابن الدكتور محمود قاسم الذي كان عميدا لكلية دار العلوم وجدت لديه كتيباً صغيراً لنص محاضرة ألقاها والده في الأربعينيات عن (الخيال عن ابن عربي).‏

المحاضرة كانت بلغة بسيطة وبعيدة عن لغة الفلاسفة الغامضة هذا الكتيب فتح لي الكثير من أبواب المعرفة وعرفت من خلاله طرق التصور عند شعوب الشرق من خلال أفكار المتصوفة فهم يعتبرون أن الحياة الحقيقية للموجودات تكمن في الخيال.‏

لو بسطنا الأمر:أنت في الواقع ترى الشجرة في حالة واحدة في فصل الصيف أو الشتاء أو الربيع أو الخريف. تراها شجرة تفاح أو جميز أو مانجو لكن عندما تقول (شجرة) فقط ، فأنت ترى جميع الأشجار في خيالك في لحظة واحدة، وفي جميع الفصول والأزمنة حياة الشجرة الحقيقية تراها في الخيال أكثر مما تراها في الواقع وجدت في هذا التصور أفقاً واسعاً للتصورات التي كنا نبحث عنها، بمعنى العودة إلى الأشكال التي كانت مطروحة في الفنون القديمة أو في حكايات الجدات. صار بإمكانك أن تستخدم أدوات عالمية ولكن بروح ورؤية خاصة بك ومن خلال هذه الرؤية الخاصة يمكن أن نكسب هذه الأدوات صفات البيئة أو المنطقة التي خرجت منها!!).‏

و رغم انتقالاته المهمة في محطات و مراحل تجربته الفنية الطويلة و الغنية ظل اسم( نذير نبعة) مرادفا بشكل رئيسي للمحطة الأكثر إنتاجا و الأطول عمراً و التي اعتمد فيها واقعية خاصة. رمزية , شرقية فيها تأكيد على التفاصيل التي استوحاها من التراث الوطني السوري و العربي و من روح الذاكرة الجمعية لشعبه و رسم فيها (امرأة نذير) التي حورها من المرأة الواقعية إلى رمز يحمل معاني و دلالات تتجاوز صورتها. ملحا على التفاصيل التي تغني الموضوع و أحاطها غالبا برموز تتعلق بالأرض و التاريخ و المدينة و قيم الحق و الخير. يذكرنا بآلهة الجمال عشتار, بجمال يجمع بين الداخل و الخارج. الأساطير و الموروث و الخيال المجنح جنبا إلى جنب مع قضايا معاصرة على الصعيد الوطني , مارست تأثيرها عليه وعلى أبناء جيله . يرسم كل ذلك بمحبة عاشق و حرفية معلم متمكن.‏

و لكن الفنان نذير نبعة تخطى ( كما يليق بفنان كبير) في تجربة جديدة عرض جزءا منها في العام 2003 تحت عنوان تجليات, حدود عالمه المعروف في مغامرة تشكيلية تمثل بالنسبة إليه محاولة لتلمس هواء آخر . نوع من التنفس و إشراقا, أكثر علوا و ثراء و دهشة. و في صعوده تلمس طريقه في رواق حياة فنية و إنسانية زاخرة أوصلته إلى ذلك البعد الفريد من صبوة العقل للغوص و الاكتشاف و الابتكار في تحولات هادئة حينا. و انبثاقات أخذت بعدا مدهشا حينا آخر ، مستندا إلى تاريخ غني يبرر تلك النقلة بمقدار ما يغذيها .‏

تحتفي لوحاته في تجربته الأخيرة بتضاريس الأرض السورية و هو يحضر بعجينته البيضاء اثلاما و نتوءات و تهشيرات منشئا عالما من الغرافيك الصافي تحبه العين و تحار في مساراته و تشكيلاته و لا تطمئن لعزلته حيث لا بشر و لا طير .‏

لكن لعبة البصر في الانتقال من تشابهات واقعية إلى بحث في قيم تجريدية يقودها اللوم و الملمس و القيم الغرافيكية ستشكل لازمة إجبارية لمشاهدة هذه التجربة بكاملها. و لن يكف العقل عن التساؤل و القلق فيما يواجهه من إشكال و تكمن الهنا بالذات اهمية الجملة الجديدة لنذير نبعة حيث لا نقترب من تغريب الشكل إلى درجة القطيعة مع روح التشكيل و ثقافة البصر و حداثة الرؤى الفنية.‏

حياة الفنان التشكيلية حافلة بالعطاء وغنية بالمواضيع والمحطات، حتى غدا مرجعية بصرية للعديد من الفنانين التشكيليين الشباب، ولا يُمكن لأي دارس إلا التوقف الجاد والمتأمل في كافة جوانبها وخلفياتها الفكرية والجمالية ومتن بنيتها التشكيلية شكلاً ومقولة ومضموناً.‏

ولد الفنان في دمشق 1938 ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1949-1959، ثم في باريس ما بين 1971- 1974 له عدة معارض شخصية كما شارك في معارض مشتركة ما بين 1964- 2002 في موسكو- طوكيو – لايبزغ – براتسلافا. وقد نال عدة جوائز عربية وعالمية.‏

المصدر: jamahir.alwehda.gov.sy/

الفن لدى “نذير نبعة” استخلاص من الطبيعة والإنسان

علاء الجمّال
أقامت غاليري “تجليات” للفنون الجميلة في “دمشق” معرضاً استعادياً لأعمال الفنان التشكيلي السوري “نذير نبعة” قدمت فيه مجموعة من لوحاته القديمة التي شغلت ضمن فترات متفاوتة كل منها ينتمي إلى مرحلة من المراحل التي دخل بها وجسد فيها تأثرهه الجمالي وهاجسه البحثي بين عوالم الطبيعة .
نرى في اللوحات تعبيرية فاتنة مثقلة بالسكينة والحزن المكتوم، وواقعية تصويرية لرؤى حلمية مشبعة بالحس الإنساني النبيل تجسد شفافية المرأة وعذرية الجمال مع عناصر حيوية من الطبيعة الصامتة (الرمان والجوري والقوقعة والقنديل وساعة الوقت) جميعهاا عناصر تثير التساؤل في دلالتها، وتجذب في تكوينها تأملات البصر.

يقول الفنان “نبعة” في حوار أجراه معه الناقد التشكيلي السوري “عمار حسن” حول رؤيته للوحة المتحولة بنسيج الخيال: «إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعني أنه يحب الآخر».

وحول الطبيعة الصامتة في أعماله، ولاسيما (الورد الجوري)، يقول: «أغلب العناصر التي أرسمها لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً (الورد الجوري) عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وهذا السور مغطى بالورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، فالطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له، ومن هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق».

عين على العالم والروح.

رافق افتتاح المعرض توقيع كتاب توثيقي للفنان، صادر عن الغاليري نفسها بعنوان (“نذير نبعة” ـ عين على العالم… عين على الروح) ويقع الكتاب في /182/ صفحة من القطع الكبير ، حيث يضم في جزئه الأول قراءة تحليلية وجدية لمختلف المراحل التي مرّ بها الفنان “نبعة” كتبها الباحث والفنان التشكيلي السوري “يوسف عبدلكي”، ويطلعنا في جزئه الثاني على ومضات من حياته الماضية في “دمشق” و”القاهرة”… والجزء الأخير يحمل صوراً فوتوغرافية للوحاته اختيرت من المراحل التي مرت بها تجربته الفنية.

يقول الباحث “عبدلكي” في رؤيته التحليلية حول حضور النساء: «إن حضور النساء الحالمات وملامح الحزن المكتوم وغلالات الغموض والحكايات المهموسة والأماكن الرومانسية المغلقة لدى الفنان “نبعة” إضافة إلى سيطرته التقنية وقدرته على جمع النقائض في بوتقة واحدة، كونت للوحته مكانها الفريد في تاريخ التصوير السوري».

ويضيف: «بشيء من التأمل نرى أن نساء لوحات “نذير” لسن نساء نراهم في الحياة العادية، إنهن نساء نائيات.. من المستحيل ملاقاتهن، والتحدث إليهن، وملامستهن. إنهن نساء حلم قادمات من عالم الخيال والرغبات… هكذا نرى أن المصور الذي طالما عاين الواقع حوله ها هو يمضي بعيداً عن هذا الواقع، وكأنه بعد أن تمثل طويلاً تشوهات الواقع المعاش قرر أن الاحتجاج الاعتيادي غير مجد فانكفأ إلى قوقعته ليحتج على طريقته وليرسم لنا عالماً بديلاً عن عالم البشاعة..

عالمً من الجمال والسكينة والانسجام .

وربما يكون الواقع السياسي المرير في السبعينات والثمانينات هو أحد دوافعه لبناء هذا العالم».

 وفيما يتعلق بتحليله لموقف الفنان “نبعة” من الاعتبارات التي سادت الأجواء التشكيلية، والنقد الذي أشار إلى تراجعه عن أعماله السابقة، يقول “عبدلكي”: «في هذه السلسة التي نلمح فيها ظلال مثالية ورومانسية “بوتشيلي” ورمزية وغموض “غوستاف مورو” كسب “نبعة” اعترافاً غير متنازع عليه بأستاذيته في الرسم، ولكنه أيضاً كسب الكثير من همس الفنانين في أنه لا يدفع تجربته وموهبته إلى النهاية وأن هذه السلسلة بقدر ما توضح تمكنه فإنها تشكل تراجعاً عن عمله السابق، و”نذير” يدافع دائماً عن عمله بقوله: “أني أريد إعادة الإعتبار إلى فضيلة الرسم، وإعادة الإعتبار إلى القيم المهنية في اللوحة”، وفي أحد وجوهه عبر عن استيائه من الأجواء الفنية التي تزداد فيها نزعة السهولة والركاكة والاستعراض، وتدخل الاعتبارات السياسية لتكريس فنانين في مقدمة المسرح التشكيلي رغم ضحالة مواهبهم ومسوخ لوحاتهم».

 استحضر الناقد التشكيلي “عمار حسن” رؤية “لغوغان” بالفن وأسندها إلى أعمال الفنان “نبعة”، وكانت مهداً لحواره معه، يقول فيها: «الفن تجريد استخلص من الطبيعة بالتأمل فيها وإمعان التفكير جيداً بالخلق

عمر حمدي (مالفا)

خمسون سنةً من التفرّغ، وأنا أحمل في داخلي قصةَ شعبٍٍ، قصةَ بحثٍ عن سر اللون وقدسيّة التفاصيل، في زمن يحكمه النفاق بدلاً من العدالة؛
أحمل ملامح أطفالي وذاكرة جسدي في جواز سفر مزوَّر من مكان إلى آخر في هذا العالم.
لم أملك سوٍى المنفى في لوحتي، لغةً
أو وطناً يرسم مكان موتي..
خمسون سنةً وأنا ما زلت هذا المتأمّل الفاحش بصمتٍ لجسد الإنسان والشجر والصخر، أكتب رسائلي إلى ساحات القتل وأقبية الاستبداد…
أجلس بجانب إمرأة أحبها تشبه الشمس،
وأنتظر…
عمر حمدي/مالفا
2012 فيينا

عمر حمدي
1951 – ولد في الحسكة ، سورية.
درس الفن دراسة خاصة.
– مارس الفن منذ الطفولة، وعين مدرسا للفنون بعد انهائه لأهلية التعليم الابتدائي عام 1970.
-عمل رساما وغرافيكيا في الصحف وفي مديرية الكتب المدرسية 1971-1978.
– كتب في النقد الفني وله محاولات شعرية.
– صدرت العديد من المطبوعات والكتب المصورة عن أعماله.
– عضو في الاتحاد العام للفنانين النمساويين واليونسكو.
– عضو في الكونستيلر هاوس في فيينا.
– متفرغ للعمل الفني، ورئيس لجنة التحكيم في غاليري آرت فوروم للفن الدولي المعاصر بفيينا، النمسا.
أعماله موزعة في عدد من صالات العرض وتمثل أعماله كاليري فيندلي بنيويورك وغاليري آرت فوروم بفيينا.
وأعماله مفتناة من قبل تجار الفن، و صالات العرض، ومتاحف وبنوك ووزارات ثقافة وعدد كبير من المقتنيات الخاصة في أمريكا، كندا، النمسا، ألمانيا، فرنسا، ايطاليا، هولندا، اليابان، سيريلانكا، وروسيا.
– سافر الى فيينا منذ عام 1978 وحمل الجنسية النمساوية ومقيم فيها.
بعض من مؤلفاته:
1976 (مالفا) عمر حمدي: الحياة واللون، باللغة العربية، دمشق.
1994 (من من) الفن العالمي، سويسرا.
1999 قاموس عالم النقد الفني، باللغة الانكليزية، فلاش أرت للنشر.
2004 ألبوم (مالفا) إلى الألفية الجديدة، معرض أرنوت، نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية.
– معارض خاصة
مختارات من معارضه الفردية:
1976 صالة الشعب بدمشق.
1977 المتحف الوطني بحلب.
1979 فيينا، البنك النمساوي المركزي – آرت غاليري بشيكاغو، غاليري ليتسون بتينيسي ناشفيل – غاليري كرال بسان فرانسيسكو – وغاليري آرنوت بنيويورك.
1990 غاليري اتيليه – وغاليري سيليستة بفيينا ودار الفن بكوتينكن بألمانيا.
1991 غاليري فرانكين شتاين ببرلين.
1992 غاليري فيندلي بنيويورك وباريس.
1993 غاليري آرت فوروم للفن الدولي المعاصر بفيينا.
– معارض مشتركة
مختارات من معارضه المشتركة:
1972 – 1977 مشاركة بمعارض الخريف السنوية في المتحف الوطني بدمشق والمعارض الدورية لنقابة الفنون الجميلة بصالة الشعب.
1980 – 1992 مشاركة بمعارض الاتجاد العام للفنانين النمساويين داخل النمسا وخارجها.
1989 قصر المعارض بفيينا – والمهرجان العربي الأول للفنون – دار الفن بكوتينكين بألمانيا.
1985 – 1993 مشاركة بالمعارض العالمية السنوية للفنون بفرانكفورت، ألمانيا.
1989 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في مدريد، اسبانيا.
1990 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في ميلانو، إيطاليا.
1991 المشاركة بمعرض آرت جونكسيون الدولي في نيس، فرنسا.
1992 المشاركة بمهرجان بولونيا للفن المعاصر، ايطاليا. ومهرجان فيرونا للفن الأوروبي. ومعرض دار الفن في النمسا، والمعرض العالمي في اسبانيا، والمعرض الفني في مهرجان المحبة والسلام في اللاذقية، سورية.
1993 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في بودابست، هنغاريا.

Omar “Malva” Hamdi was a Syrian Kurdish artist. From 1978 to 2015, he lived and worked in Vienna, Austria.
Biography
Omar “Malva” Hamdi was a Syrian Kurdish artist. Born in 1951 in Al-Hasakah, Syria, he worked as a graphic artist for the Syrian Press, where he also wrote articles on an Artistic Criticism. He settled in Vienna in 1978 and was awarded the Austrian Nationality, he was a member of the General Federation of Austrian Artists and the UNESCO, and a member of the Künstlerhaus – Wien.
His works of Art are widely exhibited in several art Galleries, including in particular, Arnot Gallery New York, which acted as a representative gallery of his works.
His works are acquired by art collectors and dealers, art galleries and exhibitions, museums, banks and Ministries of Culture, in addition to a large number of private property acquisitions in America, Canada, Austria, Germany, France, Italy, the Netherlands, Japan, Sri Lanka, and Russia.
Many of his works have been printed in postcards and posters by several publishing houses and are being distributed in numerous countries worldwide.
His life was devoted to full-time artistic work.

Omar Hamdy Malfa
Omar Hamdy Malfa
Omar Hamdy

بشار العيسى

“آآآآآه يا جارتي في تلك الايام تجاورت مجزرتان واحدة في العراق بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وشاه ايران وتم اجتياح كردستان وحدث نزوح مليوني وحرائق الروح واهانة النساء والحدث التاني تم بعد الاول وفي غطائه اجتياح مخيم تل الزعتر بتعاون اسد الاب واسرائيل والكتائب وخرجت من تحت سكاكينهما 3000 اشرف روح انسانية نبيلة.”

“ما أشبه اليوم بالبارحة قبل خمس وثلاثين سنة كانت جيوش حافظ الاسد تجتاح لبنان وتحاصر مخيم تل الزعتر الفلسطيني بالتعاون مع الكتائب اللبنانية وباشراف من الخبراء الاسرائيليين. معا دمروا مخيما على رؤوس 3000 آلاف فلسطيني.
اليوم نفس الجيوش بقيادة الاولاد، اولاد حافظ الاسد وخؤولتهم، تجتاح البلاد السورية وتحاصر اليوم حمص بعد خمس وثلاثين سنة يدمرون المدينة على رؤوس اكثر من مليون مواطن سوري.
ومع ذلك ترى من شبيحة السلطة السياسية من يرفع عقيرته بالغيرة على الوطن حين يقول صوت نريد للشعب حماية دولية انسانية” -الفنان التشكيلي السوري الأستاذ بشار العيسى

سرقت اللوحة من المتحف الفلسطيني في بيروت وقت حصار بيروت

مدونة خاصة

” تل الزعتر” زيت على قماش، 100X70سم; سنة 1976/1977

بشار العيسى
بشار العيسى

يوسف عبدلكي

يوسف عبدلكي يوسف عبدلكي (بالسريانية: ܣܘܪܝܝܐ) فنان تشكيلي سوري ولد في القامشلي عام 1951 وحاصل على إجازة من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1976 وعلى دبلوم حفر من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1986 ثم الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة عام 1989.
الأعمال
أقام أول معارضة الفردية عام 1973 في دمشق، كما أقام العديد من المعارض في تونس والقاهرة والأردن وبيروت والشارقة ودبي…، ويقتني المتحف البريطاني في لندن أربعة أعمال له (عملين من عام 1993 وعملين من عام 2004) ومتحف معهد العالم العربي في باريس عملين (1990 و1995) ومتحف دينه لي باين (Digne-Les-Bains Museum) بفرنسا عملين من عام 1986 كما يقتني متحف الكويت الوطني أربعة من أعماله (2004) في حين يقتني متحف عمان للفن الحديث عملاً من أعماله الفنية (من عام 2003) بدأ عمله في الكاريكاتير منذ سنة 1966 م، وكان ذلك بتشجيع من والده الذي أحب العمل السياسي التي أدت لاعتقاله بين العامين 1978 م و1980 م بسبب مواقفه السياسية. كذلك رسم للأطفال في كتب للأطفال وفي مجلات للأطفال وشارك في عدة تظاهرات الرسوم الكاريكاتورية.
يعد يوسف عبدلكي اليوم من أشهر فناني الحفر عند العرب، وأبرز فناني الجرافيك وتصميم الملصقات والأغلفة، والشعارات، كما يعدّ من الفنانين المهمين في مجال الكاريكاتير كما صدرت له عدة دراسات في الكاريكاتير العربي.
يعتبر يوسف عبدلكي من الفنانين السوريين الناشطين والمخلصين لوطنه سورية إذ لابد ان يقوم من حين لآخر بعمل معارض فنية في دمشق، كان أخرها في خان أسعد باشا الرائع وسط دمشق القديمة ويشارك بفعالية وتميز في الفعاليات الفنية السورية.
عاد عام 2005 م إلى سوريا بعد أن غاب عنها ربع قرن.
قام النظام السوري باعتقاله في طرطوس في 19 تموز 2013 .

مقدم الحلقة بدون
ضيف الحلقة – يوسف عبدلكي، فنان تشكيلي سوري
تاريخ الحلقة 12/02/2001

المعلقة:
كعادته من بعد ظهيرة كل يوم يصل الرسام إلى محترفه، الأسود والأبيض، هدأة المكان واللهفة المستكينة لأشيائه، ضوء النهار القابع خلف النافذة حيوان سيثب إلى الداخل مفلتاً طريدته المثقلة بالضجيج.
وكعادته من كل يوم يُعِد يوسف عبدلكي قهوته قبل أن يُباشر عمله، نجلس في انتظاره ربما لأن اللوحة تحتاج إلى لحظة المخاض هذه قبل أن تخرج إلى النور، ربما لأنه يحتاج إلى مساحة صمت يخط عليها أفكاره وهواجسه قبل أن تكر مسبحة الكلام.
يوسف عبدلكي:
لا أعرف ماذا أسميها! أشياء ليست كلها أشياء، طبيعة صامتة ليست صامتة، طبيعة ميتة، أين الموت في كل هذه الخلايا النابضة؟ طبيعة ساكنة، ليست كذلك أيضاً، فحتى جدران الأسمنت المسلح ليست ساكنة، طبيعة جامدة.. ربما.. ربما إذا قُصِد من ذلك إنما يراد رسمه حي، ولكنه يجمِّد نفسه للحظة مثلما كان أجدادنا يجمدون عيونهم أمام آلة التصوير القديمة في الشوارع، ومن ثُمَّ ليعاودوا الحياة بعدها.
هكذا هي موضوعات هذه المجموعة، وردة أرسمها اليوم وأضعها غداً أمام النافذة لتتابع حياتها القصيرة، قوقعة.. قوقعة حتى وأنا أخطها على الورق تواصل شهيق وزفير الهواء الذي يصدمها باستمرار. هذه.. هذه بعض الوساوس أمام هذه الأعمال اليوم.. اليوم لأنه يأتي وقت أبعد من اختبارات هذه اللحظة، وقت يرسم فيه الرسام بالأسود على الفضاء الأسود، وقت يظهر فيه ما لا يُرى، يمحوه كي.. يجليه، لا يعود الرسم أقلاماً وورقاً، بل سفراً في العناصر. عند انتهاء العمل فراغ.. فراغ جسدي كأن الدماء غادرت كل الشرايين.
المعلقة:
أعرف أن يوسف عبدلكي لم يفرغ، ولم يتمم لوحته بعد، ومع ذلك أقاطعه لأسأله مِنْ أي مكان ترسم؟ وهل اختلطت دماؤك بدماء (باريس)؟
يوسف عبدلكي:
باريس هذا المكان اللي أنا عايش فيه ما عم بيؤثر بشكل مباشر على الشغل تبعي إلا بمعنى إن واحد عم يطلِّع ويشوف وتصير له فرصة، ما بيقدر الحقيقة يشوف هي أعمال وأعمال أصلية، وأعمال كتير كثير مهمة، لو كان موجود ببلد تاني من بلدان العالم الثالث يعني، بس غير هاي.. هذا الشيء اللي له علاقة بالحقيقة –-خليني أقول- بكمية الاطلاع، وبالتالي بكمية مراكمة الخبرة البصرية، المكان نفسه ماله وجود بالشغل تبعي، شغلي بالحقيقة مبني على كل الدينامو الخاص تبعي، الدينامو الجواني تبعي.
أنا إذا رجعنا شوية لورا أنا الحقيقة لما جيت لهون جيت لهون أقعد فترة مؤقتة وأرجع، هلاَّ وبعدين ما أتيحت لي الفرصة أرجع لأسباب سياسية إلى آخره، بس بدون خياري بالحقيقة هو نفس الخيار السابق، بمعنى خيار إنه أشتغل هون، أدرس، أخلِّص، أرجع.
هلاَّ هاي فترة الأخيرة عم تمط، وتمط، وتمط، صار لها 15 سنة عم بتمط يعني، بالتالي إنه هو بالحقيقة عجز عن إنه واحد يتأقلم مع الجو كذا، واحد يا أخي مش مقرر، هذا المكان بشكل أو بآخر لا يعنيني، فما عندي أنا دوافع جوانية حقيقية إنه أنتمي له، انتمائي الحقيقي اللي بالمعنى كتير كتير هيك اللي –خلينا نقول- كتير هيك الوجداني والعاطفي والإنساني يعني موجود بمكان ثاني، وبالتالي منه موقف -خليني أسميه- سياسي أو أيديولوجي أو بطيخ من الأسماء هذه ما له علاقة بكل القصص.
قصة إنه أنت قد أيش حاسس حالك آخذ بالحقيقة هيك الحيِّز الحقيقي تبعك، هون أو مكان ثاني، أنا حاسس إنه حيزي الحقيقي هو مش هون. بهذا.. بهذا المعنى أنا بأحس حالي إنه قاعد بلحظة انتظار، بس هاي لحظة الانتظار ما عاد فيها وأنا متكتِّف إيديا، عم بأشتغل بالحقيقة المشروع تبعي اللي لازم أشتغله اللي أنامقتنع إنه لازم أشتغله، سواء كنت هون أو محل آخر، هلاَّ بتقول لي: إنه إذا كنت قاعد بباريس مثل لو كنت قاعد بحمص؟ علاقة طبعاً مختلف، لاشك.
أنا تصوري كل مكان غير مكان الواحد الأصلي تبع طفولته ومراهقته هو مانه مكانه، أي مكان حتى ببلده، لكن كمان الواحد –بشكل أو بآخر- بيقدر يعمِّق هاي الهوة بينه وبين المكان، وبيقدر الحقيقة يصغر، هذا شيء ما مرتبط بس بقراره، مرتبط كمان بالمكان اللي بده يستقبله، قد أيه شو هو قادر الحقيقة على استقباله أو استقبال أي مهاجر آخر، أو أي بني آدم آخر.
بس بالنسبة للحالة تبعي أنا بالتحديد أنا أصلاً بالحقيقة لم أبذل مجهود، أنا صار لي 20 سنة ولا خطر لبالي أعمل معرض بباريس، ما بتخطر ببالي الفكرة ولا تعنيني.
المعلقة:
تتحول باريس إلى قاعة انتظار، فهل تُراه سيقيم في اللوحة كي يضفي إلفة ما على وحشة هذا المكان؟
يوسف عبدلكي:
يعني في ناس بيعتقدوا إنه –كتاب أو رسامين- أو.. إنه شغلهم عملهم هو –بشكل أو بآخر- انتمائهم، وبالتالي بشكل أو بآخر يعني بأشوف أنا حيلة حتى يلفوا على السوق الأساسي اللي هو إنه فعلاً وين بلدهم؟ بمعنى أو بآخر أنا بأعتقد بالحقيقة كل بلدان العالم هي أنا بحق لي تكون بلدي، مثل ما بلدي يمكن يكون هو بالحقيقة حق لكل الناس بالعالم، بس كمان بيحق للواحد إنه يكون ينتمي إلى ضيعة، و إلى شارع، وإلى حارة، وإلى زاروبة، هذا حقه مثل ما ذاك حقه تماماً، والاثنين ما بيختلفوا عن بعض ولا بيتناقضوا مع بعضهم.
وإذا كان شغل الواحد –بشكل أو بآخر- بيشكل له انتماء، أنا بأشوف إنه هذا شيء يمكن يكون بالحقيقة كمان حقيقي.
بس هذا ما بيلغي السؤال الثاني، إنه فيه عندك أنت حيز ولدت فيه، وولدت فيه مفاهيمك، وعواطفك، وطريقة حبك، وكيف بتشوف الناس والعالم والفكر، والبشر، والبني آدميين، وبالتالي كمان هذا حقك، مو بس إنه حقك انتمائك للوحتك أو للقصيدة تبعك وإلى الرواية، وإلى آخره، كله حقك، فما فيه داعي الواحد يتنازل عن واحدة من حقوقه بالحقيقة.
المعلقة:
لم تتنازل يا يوسف عبدلكي عن الحق ببلدك، ولكن ها أنت تقرع منذ سنوات فهل فُتح لك؟
يوسف عبدلكي:
أنا ما بأعتبر إنه بلدي مو عاطيني حق، أنا بأعتبر إنه هناك فيه قرار سياسي، عند شيء واحد موظف (معت) معبا غبرة على مخه، وعلى المكتب تبعه، وما بيشوف ضو، ولا بتيجيه شمس متخذ قرار إنه أنا ما بأروح على بلدي، طبعاً ها اللي عم بأحكيه صورة كاريكاتورية يعني، عم بأعمل إشارة بكل بساطة لكيف بيأخذ قرار، كيف بيفكر، كيف بيفهم إنه حق البشر بهاي الحياة، هذا هو الشيء (المعت) و(المرط) واللي معبا عليه غبرة.
المعلقة:
لنتصور أنك عُدت، أفلا تخشى أن تكتشف أن الأمكنة تشيخ وتموت كما يشيخ الناس؟
يوسف عبدلكي:
هي اللي .. بدها قصة؟! أنا عندي صار حصاري من جوة حصاري فظيعة بأعتقد إنه روح شوف بلد ماله علاقة بالبلد اللي موجود بذاكرتي، بس الشيء يمكن يكون مؤلم بالنسبة إلي هو إنه ما عم تتاح لي الفرصة من 20 سنة لهلاَّ أجرب هذا المكان، أشوفه إن هو بالحقيقة هو مكاني أو مكان آخر؟ هو بالفعل أنا بأنتمي له وبينتمي لي أو هو ما بينتمي لي ولا بأنتمي له؟
هذا الشيء يمكن مؤلم بالنسبة إلي أو لآلاف الناس ثانيين اللي ما بتتاح له إنهم.. ما بتتاح لهم الفرصة إنهم بالحقيقة يجربوا، يشوفوا إنه صح أو إن عم يركبوا قصور على أوهام.
المعلقة:
سافرت لوحاتك لتعرض في الشام مراراً، فهل كنت كمن يُرسِل بعضاً من روحه إلى الأهل فيما يبقى جسده أسير أبواب موصدة بآلاف الأقفال؟
يوسف عبدلكي:
يعني أعمال أنا بتروح.. بتروح ع الشام وبتنعرض (…) والله ما بأدري!! يعني.. يعني من سنوات طويلة بالحقيقة أعمالي بتروح ع الشام وبتنعرض، وأنا قاعد ما بأتحرك من هون.
بأحس الواحد كأنه عم يبعت للبلد، أو يبعت –بالتحديد- لأصحابه، للناس اللي بيحبهم وبيحبوه كأنه عم بيبعت لهم هيك رسالة يقول لهم فيها: إنه.. إن هم موجودين معه، وإنه –بشكل أو بآخر- الـ.. العصب تبع كل شغل هو بالحقيقة هناك.
المعلقة:
لشيءٍ من الاستراحة نغير موضوع الحديث، أسأل يوسف عبدلكي عن العصب الثاني لعمله (الكاريكاتير) إن كان يُشكل بالنسبة إليه نافذة أخرى يُطل منها على هموم البلد والناس؟ وهل أتاحت له مثلاً إقامته في باريس هامش حرية ما؟
يوسف عبدلكي:
بالحقيقة بلشت أشتغل كاريكاتير سنة 1966م، وعملت الرسوم الأولى بعد هيك بتحريض غير مباشر من والدي اللي كان يعني مهووس بالسياسة بشكل فظيع.
اللي بيصير إنه أنا بالحقيقة لأني بعيد عن البلاد اللي أصلاً بتطلع فيها الصحف اللي بأشتغل لها فأنا ما بأسمح لحالي بالحقيقة أشتغل على قصص لها علاقة بهيك الأحداث الاجتماعية، والأحداث القريبة من الناس كثير، لذلك من حوالي 20 سنة بالحقيقة ما بأشتغل غير عن الأحداث السياسية والأحداث الدولية يعني، وبالتالي ما بأتعرض أبداً ولا بحياتي سمحت لحالي أتعرض للمشاكل الاجتماعية اللي بتصير بالبلاد العربية.
الواحد الحقيقة واحدة من الشغلات اللي بيحسد الأوروبيين فيها هي هذا الهامش الكبير من حرية الرأي ومن الديمقراطية الموجودة بصحفهم يعني، وبالرغم من إن الواحد عايش هون صار له سنوات طويلة، لكن ما بأعتقد حالي إنه هيك غفلان على المدى الكبير اللي.. الموجود للرقابات العربية على الصحف. بس رغم هيك بالحقيقة على طول عندي يعني مبدأ بأشتغل فيه: إنه أنا بأشتغل الأفكار تبعي كما أشاء أن، وخلِّي الرقابة تعمل، الرقابة اللي بدها إياه.
على طول باحاول أستبعد الحقيقة الشرطي اللي ممكن يكون موجود بقلب كل واحد منا، وخلِّي هاي المهمة للناس الثانيين اللي هم بدهم ممكن يكونوا شرطة، هاي هذا شيء بالحقيقة بيعذبني، بأي معنى بيعذبني؟ بيعذبني بمعنى إنه بأعمل رسوم كثير وما بتنشر أو ما فيها أصلاً الصحف بتنشرها يعني، بالتالي الواحد بيصير أحياناً بيشتغل أكثر بكثير من المفروض، الواحد بيعرف بالحقيقة حدود (الأمان) بيعرف إنه شو يمكن بالحقيقة يرسم.. يرسمه وينشر وشو اللي بيرسمه وما بينشر، رغم هيك أنا بأرسمه وخليه ما ينشر معلش.
أُفضِّل هذا الحل على أنه أشتغل على طول –مثل ما قلت- بالشيء المضمون نشره، لكنه –بشكل أو بآخر- بيُنتقص بحيز كبير من هامش الحرية الصغير اللي بأحسه.
المعلقة:
وكل هذا العنف الذي يُشكِّل قاسماً مشتركاً بين أعمال الكاريكاتير ومجموعة كبيرة من اللوحات، ماذا عنه؟
يوسف عبدلكي:
العنف الموجود أحياناً برسومي الكاريكاتير هو بالحقيقة هيك العنف السياسي المباشر، وبالتالي هادولا يمكن هي تكون أكتر رسومي اللي يمكن تكون معرضة للرقابة يعني، بينما بشغلي الثاني –خاصة بالفترة اللي اشتغلت فيها المجموعة اللي أنها سميتها “مجموعة أشخاص”، واللي عملتها يعني من نهاية الثمانينات تقريباً لسنة 95لـ هاي العنف مش بس الشخصيات فيها بتضمر عنف كبير وكذا، لأ.. حتى طريقة الشغل فيها عنف كبير، وفيها يعني قسوة بالخط، بالنقل بين الأبيض والأسود، بـ (الكنترستات)، بالتناقضات الأبيض والأسود إلى آخره.
فالعنف ما عاد بتعبر عنه فقط بالشخصية، العنف صار هو البنية تبع العمل كله على بعضه. بأحس أنا إنه فيه عندي مخزون كبير من اختزان هذا العنف اللي بأشوفه ببلادنا ومجتمعاتنا، واللي بتمارسه السلطات بشكل فيه كتير هيك أحياناً حتى سفاهة على مواطنين تبعها، بأشوف ها الاختزال كبير لهذا العنف اللي غير مبرر، وما فيه شيء إنساني، ولا شيء شرعي ولا كذا، إنه لابد ما يطلع بشكل أو بآخر، فبتحسي إنه بلادنا مو بس إنه يعني فيها هيك تركيب سُلطوي عنيف وكذا إلى آخره كمان جاية من تاريخ كبير بالحقيقة بالعنف.
وهذا العنف كمان ما بيشوفه بس الواحد بالحقيقة بهيك، مستوى واحد بس سياسي، بيشوفه كمان حتى بين علاقات العائلة، وبيشوفه بعلاقات العمل، وبيشوفه بالمدرسة والجامعة وبكل المجالات، يعني بالشارع.
بس كما بالحقيقة دولنا (الوطنية) بعد الاستقلالات كثير كرستها، وبالتالي عملتها بالحياة هي بشكل أو بآخر الناظم الأساسي.. الناظم الأساسي للسلطة يعني بالتالي السلطات ما آخذة بشكل أو بآخر تحسي شرعيتها من رأي الناس هو مثل ما مفروض، وبالتالي شرعيتها الوحيدة جاية من العنف.
المعلقة:
إذا كان الوطن يا يوسف عبدلكي قد أورثك كل هذه الحمولة من القسوة والقتامة والعنف، فما الذي يشدك بعد إليه؟
يوسف عبدلكي:
بأحب أقول في البداية إنه عندي حساسية خاصة من كلمة (وطن) بأحس هاي الكلمة من كتر ما يعني تم هيك استهلاكها وجعلكتها وتمرير عشرات الأفكار والقصص من فوق راسها ومن قدامها ومن قفاها بيحس الواحد إنه يعني قصاد كلمة معلوكة إلى درجة ما عادة تعبر الحقيقة عن شيء.
أنا بأفضل إنه واحد إذا بده بيحكي عن بلد، بأحس أنه هاي واحدة من الكلمات –كلمة وطن- واحدة من الكلمات اللي عم تستعمل هيك بشكل يعني متواصل من 40، 50 سنة لتضليل الناس بالكذب عليهم إذا نبكاه.
منهم بكل البلد بأحسها كلمة إلها علاقة بالشوارع والناس والبيوت والشجر والأرض، لكن بنفس الوقت كلمة غير ممضوغة ماله مستهلكة، ما لنا مفقوسة ومشبوهة مثل.. كلمة (الوطن).
فشوقي.. شوقي هو إنه أعيش بشكل عادي ببلد عادي بمعنى آخر إنه بلدي مانه بلد استثنائي هو مثل كل بلدان العالم، بس هو ببساطة وبالصدفة بلدي أنا.
الواحد بيخطر لباله ببساطة يمشي بحارة من حارات باب شرقي، ويدخل بحارة اسمها (المسبك الجواني)، ويمكن يطلع يشوف أصحابه اللي كان بيعرفهم من 20 سنة يشرب معهم فنجان قهوة، ويرجع يتغدى مع والدته، بس مانه كتير إعجاز يعني هي قصة بكل بساطة اللي متوفرة لكل البشر وهاي.. وهي متوافرة لكل البشر بكل بساطة لأن هي حق كل البشر (نقطة على السطر).
المعلقة:
تضيق الأمكنة ولو اتسعت على مَنْ لا يجد مشهداً.. حجراً يعتاده ويركن إليه، فكيف يحيا يوسف عبدلكي كغريب؟ التفاصيل اليومية لإقامته الجبرية في باريس.
يوسف عبدلكي:
واحد من الأمكنة اللي بيحس الغريب إنه عم يعمل علاقة مع مدينة باريس هو المقهى.. المقهى اللي هو مكان لقاء.. مكان تمضية جزء من الوقت.. مكان مراقبة، بس مع التردد على نفس المقهى مصيره الواحد بيحس إنه.. إنه هذا المقهى بيخصه، مثل ما كان ممكن بحارته بشكل أو بآخر تخصه، المكان اللي هو المقهى بيصير يجمع الناس، ناس كمان ممكن يكونوا غرباء عن.. عن البلد، حتى إنه ما فيه من الفرنساوية اللي غرباء عن البلد، وبالتالي بيصير الجامع الحقيقي بيناتهم منه القهوة الحقيقة، هي غربتهم الحقيقية إنهم كلهم غرباء.

الفنان سرور علواني

فنان يرحل بنا إلى حيث ريشة متجددة ، ولون يطارد الجمال أنى كان .. يطرب عيون مشاهديه بأغاني الطبيعة وهي تخضع له ناثرة فيض عبيرها ، ورونق ظلالها ندلف معه إلى أفقه الشاسع لنتأمل لوحاته وجماليات أدائه الرائع ، من خلال عزف قل نظيره، ولحن فريد تمازج فيه ترف الألوان وتجليات الرؤى ، تأخذنا إلى مرافئ الدهشة ودوحات الإستمتاع .. سرور علواني مخلوق من قوس قزح وبراءة أطفال وحلم طبيعة.. نسكن صوره، ونبحر في عمقها ، نلتهب مع جنونه الفني لنعانق فيه الغد الأبهى، والفضاءات الأحلى.

رابط لمزيد من صور اعمال الفنان سرور علواني

فنان يرحل بنا إلى حيث ريشة متجددة ، ولون يطارد الجمال أنى كان .. يطرب عيون مشاهديه بأغاني الطبيعة وهي تخضع له ناثرة فيض عبيرها ، ورونق ظلالها ندلف معه إلى أفقه الشاسع لنتأمل لوحاته وجماليات أدائه الرائع ، من خلال عزف قل نظيره، ولحن فريد تمازج فيه ترف الألوان وتجليات الرؤى ، تأخذنا إلى مرافئ الدهشة ودوحات الإستمتاع .. سرور علواني مخلوق من قوس قزح وبراءة أطفال وحلم طبيعة.. نسكن صوره، ونبحر في عمقها ، نلتهب مع جنونه الفني لنعانق فيه الغد الأبهى، والفضاءات الأحلى

السيرة الفنية

محمد سرور علواني : مدير فني ومؤسس ومشرف العديد من دور النشر , وضع الرسوم التوضيحية لأكثر من ألف كتاب للصغار والكبار , عمل رساماً رئيسياً في عدة مجلات عربية وأجنبية , منها مجلة أسامة
رئيس تحريرمجلة الفنون الجميلة , رئيس تحرير مجلة الأولى للديكور , صمم اللوحات الخلفية لدورة البحر الأبيض المتوسط الرياضية , نال عدة جوائز عالمية ، منها شهادة تقدير وتميز من اليونيسيف لخدماته في مجال الطفولة , أستاذ محاضر ذو خبرة علمية نادرة في جامعة دمشق وله العديد من الدراسات : كالتصميم والتشكيل والرسم الحر والتصوير الضوئي تقنيات الطباعة والمونتاج إلى جانب العديد من المقررات التي يطول بنا تعدادها

• ما سر تركيز الفنان سرور على قصص الأطفال ؟
– كلما فقدت الامل في الجيل الاكبر كان هدفي الاطفال لعل وعسى اساهم في تشكيل جيل اكثر وعياً….
والطفل عبارة عن وعاء نستطيع املاءه في ما هو مفيد له ولمجتمعه ..
و يتقبل ما يقدم له ويتفاعل معه دون موقف مسبق ….
ان اهم رغباتي كانت تنمية الذوق الجمالي وتدريب عينيه على اكتشاف درجات الالوان والاحساس بها من خلال الرسوم الملونة …
وانا سعيد جدا الآن لأن اغلب اصدقائي كانوا اطفالا” عاشوا مع رسومي …

• يلاحظ في لوحاتك تعلقاً بتفاصيل الطبيعة والتعبير عنها بشفافية عالية ، ما السر في ذلك ؟
– الطبيعة من أجمل المخلوقات ففي أي مساحة صغيرة نكتشف الابداع في الاشكال والالوان ….
وعندما أرسم أجد نفسي أحد عناصر الطبيعة وأتمتع بالحديث مع عناصرها بحب قد يفوق الحديث مع أعز الاصدقاء باختصار الطبيعة تعلمني الرسم وتمتعني … وأنسى نفسي وما حولي متمتعاً باكتشاف الجماليات وإظهارها رسماً ….

• الفن موقف لديك ، كيف ترى الارتباط بين الفن والقضايا الإنسانية ؟
لا قيمة للفن بدون قضايا انسانية ولكن ليس بالضرورة أن تنحصر القضايا بالنضال فقط …
فالجمال أهم قضية إنسانية … واكتشافه نضال أيضا ..يصب في النهاية لمصلحة الانسان.. سلوكاً وذوقاً ومتعة.

• الفنان سرور نشأ نشأة دينية ، ما العلاقة بين الدين والفن عندك ؟
– انا شخصياً أجد علاقة متينة بين الفن والدين .. ففي الفن نكتشف عظمة الخالق وأتذكر هنا قول الامام الغزالي : (لا يؤمن من لم تهزه ضربة وتر ).. ففي الفن يزيد إحساس الانسان ليتحقق شعوراً إيمانياً ممتعاً ….في كل ما خلق الخالق

• يظهر بعض الفنانين نزعات هيبية وعبثية ونوعاً من الفوضى في المظهر والسلوك، ما رأيك بهذه التعبيرات ؟

– ليست كل النزعات الهيبية عبثية … قد تكون بعض النزعات هذه تعبر عن موقف ما ضد سلوك ما …
اجتماعي أو سياسي أو غيره حتى الفوضى بالمظهر والسلوك .. يجب البحث عن أسباب هذه الفوضى فلابد من مسبب له
قد تظهر بعض الحالات العبثية في الفنون الحديثة وانا لا اجد اي مبرر لاحترامها .. لانها غالبا ما تكون نتاج الاستعراض الغير مبني على اي منطق …او كثيرا ما تكون ناتجة عن شخص ضعيف في الثقافة والمهارة ولكن قد يصبح فنانا مشهورا ويبني امجادا على جهل المشاهدين للاسف .

• التعاطي مع الفن يتعلق بالوعي وعمق الثقافة ، كيف يؤثر الفكر على الفن برأيك ؟
– الوعي والثقافة ذات علاقة قوية بالفن .. حتى بعض مراحل المسماة اللاوعي هي بحد ذاتها نداء داخلي للفنان الحقيقي في جميع الاحوال لا فائدة من ناتج عن قلة ثقافة … فالثقافة تنتج المفيد…

• الفنانون الكرد لهم سمة خاصة ، ما هي هذه السمات برأيك ؟!
– نعم وهذا واضح مثلهم مثل جميع الفنانين الذين ينتمون الى ثقافة او اصول مشتركة
ما يميز الفنانين الكرد , هو تميزهم بالاجتهاد المستمر وبالصدق في عملهم ..
والنسبة العظمى منهم اصبحوا نجوم عالميين وذلك بسبب تركيبته الصريحة الواضحة الحاملة لانفعالات كثيرة ومواقف عديدة يعبر عنها بالشجاعة والجرأة في اوضح حالاتها وربما اجد ايضا في الفنان الكردي الصدق المذهل الذي يكسب العمل اقناع المشاهد دون اي مواربة في ايصال الفكرة من العمل .. واظهار مهارة التنفيذ
وهنا أتذكر بحق إن أهم المبدعين من فنانين وشعراء وأدباء أمثال أحمد شوقي والفنانين المميزين على مستوى العالم بشار العيسى و مالفا وبهرم حاجو ,, والقائمة كبيرة جداً…و كذلك أهم المناضلين كانوا أكراداً كصلاح الدين ويوسف العظمة وابراهيم هنانو وغيرهم كثير.. فالكردي إما أن يكون أو لا يكون … لا حل رمادي عنده …

• ما هي المدارس الفنية والفنانين الذين تأثر بهم الفنان سرور علواني ؟
– تأثرت بجميع المدارس وبدرجات متفاوتة من الكلاسيكية الى الفنون الحديثة .. وربما اكثر .. ما يستهويني الفن التعبيري الذي يحمل في طيات العمل الفني عدة رسائل تعبيرية بعيدا عن الشكل البليد للتصوير الواقعي ..

• ما أثر التعليم الأكاديمي على إبداع الفنان ؟
– التعليم الأكاديمي يبقي المدرس على تواصل بالمستجدات الفنية وكذلك تحقق التعمق في الفن .. وتزيد مهارة الفنان المدرس وذلك بسبب حاجته لأن يجيب على جميع الطلاب في جلسة واحدة مما يحتاجونه من مادة نظرية أو عملية ….لذلك وجب عليه أن يكون جاهزاً دوماً لادور للسبات في حياته ..

– نشر الحوار في العدد الحادي عشر من جريدة بينو

حوار مع الفنان سرور علواني
حوارات
2013-04-06
حاوره : عماد يوسف

رابط لمزيد من صور اعمال الفنان سرور علواني

Srour Alwani

Muhammad Srour Alwani
Head of Culture and Information Office
Syrian Plastic Artists’ Union

Work Experience
• Head of Culture and Information Office – Syrian Plastic Artists’ Union.
• Editor in chief of the Fine Arts Magazine – Damascus – 2012.
• Editor in chief of El Oula lel Decor Magazine – Damascus – 2005/2006.
• Art manager. Founder and supervisor of many Printing, Publishing and Distributing Houses in Syria, Lebanon and Cyprus.
• Designed the ground and the background paintings for the 1987 Mediterranean Games.
• Designed the ornaments and decorations for Sheikh Zayed Mosque – Abu Dhabi and supervised the process.
• Worked as an Interior Designer for Luna Verde Resort (100 villas, an hotel and a mall near Damascus).
• Made comics for over 1000 books for children and adults.
• Designed over 1500 book covers, and directed them.
• Worked as a main painter in many Arabic and Foreign magazines since 1971 ( Osama, Tali’i, Ahmed, Tota, Majed, El Cartoon El Arabi,..)
• Designed many logos for local and international companies.
• Designed and executed many wall paintings in Damascus.
• Received many international awards. One is a Recognition Award from the UNICEF for the contribution of his art to childhood.

Academic Experience
A Lecturer in:
1. Damascus University: Faculty of Fine Arts – Architecture Faculty. 1984 – 2012
2. Wadi International University (WIU). 2005 – 2010
3. International University for Science and Technology (IUST). 2005 – 2006
4. University of Kalamoon (UOK). 2008 – 2012
5. Arab International University (AIU – The European previously) 2008 – 2012
6. Syrian International Academy (SIA) 2009 – 2010
7. AlRasheed International University (RU) 2012

Exhibitions

• 2014/6/14 Mazzika, Doum Gallery, Cairo.
• 2014/5/24 SKETCH, Doum Gallery, Cairo.
• 2014/5/16 Joint Exhibition with (Galal Gomaa, Mahmoud Al Biblawi), Art Corner Gallery, Cairo.
• 2014/5/3 Joint Exhibition with (George El Bahjouri – Ismat Dawestachi), Doum Gallery, Cairo.
• 1980 – 2010 All Annual exhibitions held by the Ministry of Culture, Damascus.
• 1981 Joint Exhibition for Visual Communications graduates. Faculty of Fine Arts. Damascus.

Education
Degree 1981
BSc (Hons) Fine Arts – Visual Communication and Advertising, Damascus University.

الفنان رياض العسكر

سُمّيَ الفنان التشكيلي السوري رياض العسكر سفيرآ للنوايا الحسنة وحصل عل شهادة من الاتحاد البرلماني الدولي متعدد الأغراض ( TMIPU ) .. وهذا ما يشكّل إضافةً لهذه المنظمة حيث أنها دعمت كوادرها بفنان تشكيلي له تجربته الفريدة والجميلة .. فهو أوّل تشكيلي يحصل على لقب سفير النوايا الحسنة.
رياض العسكر .. هو فنان تشكيلي سوري، مواليد مدينة الرقة 1977. يعمل بالفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية .. منذ 5 أعوام. يقوم الفنان رياض بدور كبير في النهوض والتعريف بالمدرسة الحروفية التشكيلية ، التي تُعنى بالخط العربي وتتّخذ من الحرف العربي مادتها الأولية .. وتسعى للوصول به إلى مصاف المدارس الشهيرة في الفن التشكيلي. مما يساهم في وصول الصورة بأفضل وجه عن العرب والإسلام .. كحاضرة للفن المتناسب مع مبادئ دينهم وأعرافهم واستطاع في مناسبات عديدة أن يساهم في نقل هذه الصورة ..

Invalid Displayed Gallery

تلقّى الفنان رياض العسكر التعليم كواحد من أفراد أسرة متوسطة .. ولظروف كثيرة لم يتكمن من إتمام تعليمه .. وبقي الحلم حبيسآ في داخله إلى أن استطاع باصراره وعمله الدؤوب من خلق فرصته والتوسّع بها ، فأصبح من الفنانين القلائل الذين أصروا على الوصول بأسلوبهم وفكرتهم إلى العامة قبل الطبقة المثقفة وهذا يحسب له ..
شارك في الكثير من المعارض داخل المملكة نذكر منها : ملتقى السفر السياحة السعودي في ارض المعارض 2010 – معرض العروسة بالانتر كونتينتال 2010 – معرض واحة الرياض بالفور سيزن – معرض المرأة العصرية بالفور سيزن – معرض الفنانين التشكيلين بالسفارة السوريا 2011 – معرض بالرياض جالري 2011 – معرض فرحة وطن مع التشكيلين السورين – معرض شاهد فني  2012 – وحصل على العديد من الجوائز ، وتكرّم في مواضع عدة- لفنّه ولمجهوده في دعم ذوي الإحتياجات الخاصة في المملكة في عدة مناسبات ..
يحسب للفنان رياض العسكر أيضآ ، إنحيازه التام إلى الإنسان حيث كان .. سيّما في وطنه الأم سوريا حيث كان من أول الفنانين وربّما المواطنين ، الذين إنحازوا لخيار الشعب البسيط ونصرهم وكأنه بينهم .. قدّم العديد من اللوحات التي يصب ريعها في إغاثة الإنسان السوري المنكوب في الوطن والشتات
من خلال المناسبات والمزادات التي تقام .. نذكر على سبيل المثال إحدى اللوحات التي وصل ريعها إلى 80 ألف دولار .. لصالح متضرري الحرب في سوريا .. ويؤكد دومآ على دور الفنان الفكري والثقافي بالإضافية إلى دور الفن الإغاثي كمصدر من مصادر التمويل حيث يسخّر الفن لخدمة الإنسان .. من خلال الحرص على النشاركة في معظم أعمال الدعم والإغاثة ..
يثبت الفنان رياض في كل مرة أنه إنسان بشكل جميل .. ويناصر كلّما اتّسع لها الوقت ممن خلال اللقاءات التليفزيونية أو الصحفية وغيرها ، يناصر أخيه الإنسان .. والإنسانية وهي القيمة الأسمى يضاف إلى موهبته الفنية الفطرية ، موهبته في التصوير الفوتوغرافي الفطرية أيضآ .. وشارك كمصوّر فوتوغرافي يُعني بالطبيعة في العديد من المعارض أيضآ داخل المملكة .. للفنان رياض العديد من اللقاءات التليفزينية على مختلف قنوات التليفزيون السعودي ، بالإضافة إلى العديد من اللقاءات الصحفية على العربية والأورينت .وعدد من الصحف والمجلات ..
يحسب للفنان رياض مساهمته في تطوير مدرسة الحروفية وسعيه الدائم لتطوير هذه المدرسة ..
أيضآ له أسلوبه الخاص في البورتريه ، الرسم بالسكين وهو فن إيحائي أكثر منه تصويري ونادرآ ما يتم المزج بين فن البورتريه والفن التصويري خصوصآ بالسكين .. ويحسب له أيضآ وفي العديد من اللقاءات التليفزيونية المباشرة ، الرسم المباشر بالسكين الفنان رياض العسكر كشاب في هذه السن .. يستحق الكثير من الإهتمام والعناية لما يملكه من عديد المواهب ولكونه إنسان سخّر وقته وفنه لخدمة قضايا المجتمع والإنسان أولأ وآخرآ .

الفنان نذير نبعة

نذير نبعة يعرض استعادياً تجربته الفنية في صالة تجليات
صبايا الرمان يراقصن اللون والروح

Invalid Displayed Gallery

«الفن تجريد استخلصه من الطبيعة بالتأمل فيها وأمعن التفكير جيداً بالخلق الناجم عن ذلك»، غوغان. وهكذا الفن لدى نذير نبعة استخلاص من الإنسان بالتأمل فيه وفيه. ثم يمعن أن يكون الناتج برحمة الجميل، بعد التغلغل بروحه وروحه كثيراً. أما كيف فهمت مقولة غوغان هذه، فإنه من خلال تأمله في الطبيعة نفذ إلى أغوار فيها، إلى أعمق من رؤية سطوح الأشياء، فأخذ من تلك الطبيعيات كنهها، ثم عاد ففكر بما أبدع تفكير عميقاً، ليكتشف ما مازج هذا الكنه من تلك الطبيعة حينما اتحد بعينيه من أثر في قلبه، والأثر قد يكون عن فعل الرسم أو الطبيعة فيه وفي الرسم، هكذا يأتي تفسير المعنى بالنسبة إليّ.

لكن نبعة يتجاوز هذا، فهو يتأمل في هذه الطبيعة كثيراً وكل ما يصادفه فيها ويقع في قلبه أو كان واقعاً به يغدو طبيعة أكثر مع محبته من خلال التعلق فيه، من الرمان إلى الجوري والناي وتفاح الأثداء إلى أصوات النسمات، كل هذا بمفرده يكون طبيعة ويُحول إلى فعل تأمل وله خلق إبداعي ناتج عنه يدفع إلى التأمل من جديد، بالنسبة للآخر فهذه الكلمات صدى لهذا التأمل الذي وجدت نفسي في رحابته، وأنا أتحدث عن تأمل ينبثق من المادي، ليغل بما هو أعمق من هذا، ليس كتجريد للأشياء عن الطبيعة، بل تحريك الخيال بهذه الأشياء في فضاء اللوحة، لتقود إلى فعل التأمل والجمال بعد هذا، وإن كنت تحدثت عن إيقاعات مادية الأشياء المتحركة في فضاء من جاذبية ولا جاذبية الوعي، إلا أني لم أدخل بعد في عتاقتها وتمازجاتها الحسية والانفعالية النفسية والإرثية والتاريخية العمقية إضافة لهذا البعد المادي المقشور السطح إلى دواخل العمق والرحابة، وحتى هنا فلا زلت في الجانب المادي من العمل بكل خصوصياته لكن الأمر يختلف لو دخلنا إلى الأبعاد المجردة فعلاً عندها سنكون بمواجهة إشراقات التأمل وجهاً لوجه أو روحاً لروح، هنا أفضل الصمت، هذا الصمت السكوني أمام تجليات.
«اكتشف سورية» التقى الفنان التشكيلي نذير نبعة في حوار يأخذنا بعيداً وطويلاً في فضاءات تجربته وروحه وجماليات عوالمه.

من أعمال الفنان نذير نبعة

رمزت الرمانة عند الرومان لربة الخصب أناهيتا لكنها ترمز عند الصينيين إلى الخصب والذرية وكذلك عند الزرادشتيين، وإضافة لهذا فهي ترمز إلى فكرة الموت والبعث، وفي الأيقونة المسيحية رمزت إلى الإحسان وهي تعني المعرفة لو كانت مفتوحة. نذير نبعة يكثر من رسم هذه المفردة الجمالية والرمزية في آن فهل يخبرنا أسرارها؟
الرمان كمفردة أستعملها موجودة في الموروث السوري، يقال: طاسة طرنطاسة بالبحر غطاسة جواتا لولو وبراتا نحاسة، وهي الرمانة، وأنا أعتبر الرمان رمزاً للشرق فهو فقير من الخارج و غني من الداخل، وهو كالبيت الشامي من الخارج طين وتبن لكنك ما إن تدخل إلى الداخل حتى تجده جنة، فأنا عشت في بستان وكنت أرى الرمانة عبر مراحلها من الزهرة وحتى النضوج بما في ذلك تلونها من الخارج والداخل، وحتى الحروق البنية التي تصيبها بها الشمس أو التشققات اللاحقة وحتى تذوق طعومها، وهي ليست الرمانة التي أخذناها بالمراسم كطبيعة صامتة في الأكاديميات، فهي ليست مجرد طبيعة صامتة بل تذكرني بالأغاني الزجلية السورية والغزل الذي حظي به الرمان، إذ يندر أن يوجد مغني لم يتغن بالرمان، وهذه الأشياء تبقى أقرب إلي ّمن كل الثقافة التي حصلتها لاحقاً، فكل خبرتي عن جماليات الرمان كانت في مراحل تشكل الوعي وقبل ذلك من مراحل الطفولة، وهذا ما يجعلني أعجز عن تعريفه، إذ إن مجموع هذه التأثيرات التي تغلغلت فيّ ارتبطت بالكثير من الخبرات الجميلة، وهكذا أفسر الأمر، أما ما حصلته لاحقا من معرفة فهو إضافة تخدمني في توظيف هذا الرمز.

من أعمال الفنان التشكيلي نذير نبعة

التفاحة أيضاً ترمز في الغرب إلى الإغراء والموت أو إلى الأمل بالتجدد والسلام لو وضعت على شجرة الميلاد مثلاً، وقد تكون رمزاً للكون والكمال، وهي بالتحليل النفسي رمزاً لثدي المرأة، كيف يوظف الفنان نذير نبعة هذا الرمز الذي يتكرر كثيرا في لوحاته؟
أعيد أن طفولتي تشكلت في بستان يحتوي الكثير من الأشجار ومنها التفاح، والتفاحة تتمتع بشكل مميز وخاص يقترب من الدائرة وكل ما ذكرته من معاني ينتمي لهذه التفاحة، وفي أسطورة الخطيئة يقال أن حواء خبأت التفاحة في صدرها! وهذا يرمز لثدي المرأة وإذ تنظر إلى سطح التفاحة ستجد الكثير من الخطوط والنقاط والتلاوين بحيث تبدو شهية وجميلة، التفاحة مبهجة بصريا وهذا الشكل يشدني منذ كنت طفلاً حتى أصبح عنصراً تشكيلياً، والمسألة هنا ليست قراراً، لأنها تشكل توافقاً مع مرجعية خبرات الطفولة الأولى، ثم يأتي الوعي والثقافة لتعزيز هذا المفهوم، فكل فنان ينشد عناصر معينة في الطبيعة يستطيع أن يبدع فيها، فالوجوه الموجودة في لوحاتي هي وجوه خيالية إلا أن الكثيرين يطلقون تشابيه عليها تعود إلى الواقع، وهي كهذه الوجوه تأتي من الخيال لتمنح اللوحة إيقاعات من الجمال وانعكاسات لرمزية المفاهيم.
تحتل القوقعة مكانة هامة في لوحتك وهي كرمز تختصر الحياة والموت، وكذلك ترمز لولادة فينوس عند الإغريق والرومان، ويجسدها بهذا المعنى بوتشيلي في إحدى لوحاته، إنها أيضاً رمز للحظ الجيد والخصوبة وللمرأة والجنس، كيف يرى نبعة القوقعة؟

من أعمال الأستاذ نذير نبعة

تعود علاقتي الشخصية بالقوقعة إلى أن أمي كانت تمتلك إحدى هذه القواقع وكنت أراها قرب المصحف في البيت عندما كنت صغيراً وهذا المخلوق الأملس الملون بألوان تشابه ألوان الشفق لها الكثير من الشاعرية الهامسة وهذا الشكل واللون كان يشدني، ولو سألتني لماذا؟ لا أعرف فهو يعود لمرحلة قبل الوعي. أما لاحقاً فكنت أشاهد هذه القواقع يحملنها الغجريات ليكشفن من خلالها الودع (التنجيم) ومن خلال رمي مجموعة القواقع على الأرض تقوم الصدفة بتوزيع شكل القواقع وكن يخبرن الأشخاص عن المستور أو يطلعونهم على الأسرار أو على ما يضمره الغيب لهم، ويجبن على ذاك التساؤل الذي لم يطرحونه، وكشف هذه الأسرار لطفل يحمل الكثير من التساؤلات ويكتنفه الغموض والتعجب! بعد ذلك تتعرف على القواقع من خلال الدراسة وتطلع على خصوصياتها ورمزيتها وتطلع على سبيل المثال على كيفية استخراج الأرجوان عند الفينيقيين من القواقع البحرية..
..يهمني هنا بمناسبة طرحك للأرجوان، السؤال إن كنت استخدمته في لوحاتك فأنا بالكاد ألحظه؟

من لوحات الدمشقيات
للفنان التشكيلي نذير نبعة

اللون الأرجواني لدي موجود في التجليات وهو موجود أيضاً في لوحات الدمشقيات، لكن لم يتبقَ لديّ أي من هذه اللوحات الآن، لقد رسمت الكثير من اللوحات التي تحتوي هذا اللون مستنداً إلى مرجعيته، هذا إضافة إلى أن هذا اللون جميل. وبالعودة إلى القواقع أذكر أني ذهبت إلى بورسعيد فالساحل هناك مغطى بالقواقع بدلاً من الرمل، هذا مشهد سريالي ويشبه الحلم ولا تستطيع إلا أن تلتقط بعضاً من هذه القواقع، ولا تشعر إلا وقد جمعت الكثير، وهذا ما فعلته إذ جمعت حقيبة منها. القوقعة بالنسبة إلى هذا الغموض الموجود بشكلها تشبه الغموض الموجود بالأنثى، فالمرأة باستمرار مخلوق لا يمكن اكتشافه، فهي لا تظهر كل ما لديها، وهي تمتلك على الدوام مزيداً من الأسرار! والقوقعة كذلك، إذ يكون اللؤلؤ في داخلها، والحصول عليه عملية تكتنفها صعوبات مميتة. هذا من الناحية المادية أو الشكل، أما المجهول فهو في الداخل، هذا المخلوق أو المفاجأة الساكنة في الداخل، فأنا أقرنها باستمرار بالأنثى وبالكنوز الموجودة فيها. عندما أضع المجوهرات عليها لا أقصد أنها مجوهرات تزيينية بل هذا المعدن على جسدها يحدث بصرياً تفاعلاً حسياً وانفعالاً خاصاً، وهذا ما أرمي إليه من ذلك.
هنا أحب أن أسألك، من خلال تعاملك مع القواقع في لوحاتك، هل أخذ هذا المفهوم شكلاً تصاعدياً من تطور الرمز وأشكال توضعاته على سطوح اللوحات؟

من أعمال التشكيلي السوري
نذير نبعة

نعم بالتأكيد، المفهوم يتطور فأنت تتذكر على سبيل المثال أنهم يقولون: لو وضعت القوقعة على أذنك فأنت تسمع صوت الهواء أو موج البحر، وهنا لا بد وأن يتداعى إلى ذهنك علاقتها بالماء، وكطفل ستعتقد أن البحر موجود في الداخل، وهذا يشكل عالماً من السحر والانجذاب إليها وليس لشكلها وحسب، لكنك عندما تقرأ عن رمز القوقعة ستعرف أنها رمز الماء، وهنا تتجاوز القوقعة معناها الخاص المحلي ليكون رمزاً عالمياً. وإذ تسألني لماذا أرجع هذه الأشياء إلى طفولتي وإلى بحري، رغم أن هذه الأشياء موجودة في كل مكان، لكني أصر على بحري أنا، هذا البحر السوري أكثر إيحاءً من كل البحور! أنا أنشد إلى قضاياي وصولاً إلى قضية فلسطين. أنا اهتم بقضايا فيتنام بالمعنى الإنساني ولدي هذا البعد، لكني ما يرتبط بي ويكون قريباً مني، أحبه أكثر، فالذي لا يحب نفسه لا يمكن أن يحب العالم.
لأنهي موضوع القواقع أحب أن استفسر عن إحدى لوحاتك والتي تعود إلى مشروع تخرجك في القاهرة، أرى فيها القواقع واستغرب وجودها في لوحة لأحد العمال في الوقت الذي أشاهدها في لوحات تتصل بالمرأة وبمعان جمالية أخرى، هنا أنا اسأل عن اختلاف التوظيف؟
المقالع كانت بداية مسيرتي التشكيلية في ذاك التاريخ، والمشاريع كانت ذات مواضيع بسيطة وكان ينظر إليها نظرة تبسيطية سياحية، سادت فيها المواضيع الاجتماعية والسياسية (فترة الستينات)، وكان أغلب الفنانين العرب في تلك الفترة في حالة بحث عن الذات، بمعنى أن كل المناهج التي كنا ندرسها كانت مترجمة عن الأكاديميات الغربية، وكان علينا أن نرى جمالياتنا بعيوننا نحن، ونتجه إلى تراثنا القديم، الفينيقي، السومري، الآشوري، الفرعوني، وذلك من الستينات، وتلاحظ أن التشخيص الموجود في اللوحات من تلك المرحلة، مأخوذ من الرليفات (النقوش النافرة) السومرية والتدمرية، باعتبار أن مرجعياتنا بالرسم تعود إلى تلك الفترات من تاريخ الأجداد، وهذه من جهة تعتبر واحدة من جمالياتنا، قبل ذلك، كنا نستلهم جماليات لوحات عصر النهضة والرومانتيكية والواقعية، ونستوحي من تلك التراكمات الثقافية الغربية، هذه التجربة دفعتها ظروف قدماً، لكن أخرى أحبطتها، وخصوصاً فترة النكسة وما انعكس على مفكري وفناني الأمة من إحباط، أعتقد أنه عندما يحدث انكسار أو هزيمة في حياة الأمة يتجه مفكروها إلى مهاجمة أنفسهم وتقريع ذواتهم، في تلك الفترة نفذت عدداً من اللوحات عن النابالم الذي استخدمته إسرائيل، وعن الفدائي باعتباره الوحيد الذي كان يقاوم إسرائيل بعد انهزام الجيوش العربية. وبالعودة إلى السؤال، تعود بداية عرض القواقع إلى عرضي الأول في صالة الفن الحديث في سورية، والمعرض كان بأغلبه عن أساطير الفرات، وأساطير كنت استوحيتها من قراءاتي، ومنها أسطورة سيزيف التي تجسد عناء الإنسان وتحديه، وقد دمجت سيزيف الأسطوري بهذا الحديث، أي الإنسان العربي وجسدته في إحدى اللوحات، أي أن القواقع أتت من الأساطير وخصوصاً الفراتية منها (إنليل، ننليل، كاهنة مردوخ)، وهذه القواقع مرتبطة بالماء والمرأة كفينوس وعشتار التي وُلدت أمها من رغوة ماء الفرات، أي أن الأسطورة التي رسمتُها هي أسطورة تخصنا..

ربة الموسيقى
للفنان التشكيلي نذير نبعة

..ألهذا تظهر عشتار في لوحتك سمراء بدوية؟
المسيح لدى الإفريقيين أسود، وكل ثقافة رموزها تشبهها.
هنا أحب أن أسألك لتجيب بطريقة التداعي الحر وباختصار عن هذه الرموز الموجودة في لوحاتك؟
أشجار الغرب: هي أشجار أدهشتني أول الأمر في فصل الربيع، لما فيها من قوة الخصوبة.
السمكة: هي رمز الشر في إحدى لوحاتي، وهي رمز الخير، وهي رمز جنسي، إضافة لأن شكل السمكة الجميل بصرياً، هو الأهم عندي.
الناي: رمز لوحدة الماء والنبات والهواء، وهذه الوحدة تخلق الموسيقى، وهو رمز –كشكل- لحرف الألف!
الصلب: ليس الآتي فقط من صلب المسيح، بل يصل إلى كل المناضلين، الذين حاولوا أن يقدموا فكراً متنوراً.
القنديل: هو رمز النار والنور، كنا نشعل النار منه ونستضيء به، رافقني بمراحل دراستي.
ثدي المرأة يظهر في لوحاتك وحتى الشرقي منها! هنا محظور إرثي بمقابل متاح تشكيلي، كيف استطاع نبعة أن يوفق بينهما، دون الوقوع في توصيف اللوحة بالاستشراقية؟

من أعمال نذير نبعة

الله خلق الإنسان من دون ثياب، ثم يعود ويقف في يوم الحشر بدونها أيضاً. الإنسان عندما أخطأ وضع على نفسه الثياب، وهذه الإجابة أقولها دائماً، عندما اُسأل عن هذا الموضوع. أنا أعود إلى الطفولة الأولى فأول ما يتحسسه الطفل ثم يراه هو ثدي المرأة، وهذا كله قبل الوعي. هذا الشكل (الثدي) بالمقارنة مع صيرورة التطور بالنسبة للرجل يكون مختلفاً (فيزيولوجياً)، وهذا محرض قوي كشكل بالنسبة للرسام، ولاحقاً تضيف الثقافة مع تطور الوعي، فتعرفه أكثر كرمز عند الأقوام والثقافات، بالتأكيد هو شيء مقدس، لدرجة أني رسمت الثدي كموضوع مستقل. أما العاري لدي فلا يوحي أبداً بأنه فاضح بقدر ما يوحي بالخصب والجمال والحياة، أذكر هنا أنه في معرضي في المركز الثقافي العربي سنة 1979، جاءت سيدة ورفعت المنديل عن وجهها أمام إحدى اللوحات العارية، ثم سألتني أليست هذه أمنا حواء يا بني؟ فقلت لها نعم، وهذا التوصيف من أفضل التوصيفات وهو تماما ما أريده، هذه اللوحة كانت عن وادي الربوة، والعاري كان إضافة مركبة، لأعبر عن شدة حبي وتعلقي بهذا الوادي. أما الاستشراق أو المستشرقون، فقدموا عن الشرق المفهوم العاري الحسي كما يفهمونه هم، وهذا غير المفهوم لدينا..
..كأني أفهم أنك ترد على اللوحة الاستشراقية بمفهوم مختلف؟
في الفن الشعبي، العاري المسموح هو آدم وحواء، وإذا اعتبر العاري عيباً، فقد كان هذا العاري في الكثير من البيوت، العري بالمفهوم الشرقي ليس ذاته بالمفهوم الاستشراقي، فالقاموس اللغوي لكل معاني الحب والجنس والعري مختلف في الثقافتين، أما من يرى في لوحتي بعداً استشراقياً فهو مع الاسف أعمى.
لوحتك تمنح العين القدرة على التفكير والحلم، وهي تأخذ منك الكثير من الوقت، فحتى إنجاز اللوحة، بماذا تكون تفكر؟
إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعني أنه يحب الآخر، وهذا الآخر هو الإنسان، وهذه المحبة تفرض على الفنان أن يحب لوحته لتصل هذه المحبة إلى الآخر، المسألة تتجاوز التفكير لأنه مع تدخل العقل أفقد اللوحة! عندما يتدخل العقل في اللوحة ويكون له الدور الأول تصبح باردة، المسألة مختلطة بما نحمله من مشاعر المحبة للآخر بدءاً بمحبة الأنثى وانتهاءً بالتواصل مع الآخر. معنى المعرض هو التواصل مع الآخر، فالمعرض ينبغي أن يحمل جديداً لأتحاور به مع الآخر، فالمشهد الجميل وحده لا يكفي، ولهذا تكون الفترات بعيدة بين معارضي.
مارست الفن كرسم وتصوير وأرشفت مشهديات شرقية ودمشقية كثيرة، بحساسيات بلغت الأعماق الروحية لهذا التراث ونحن ندين لك بهذه التسجيلية الحلمية التعبيرية، بعد كل هذا التاريخ من العمل والعطاء على الموضوع التراثي والأسطوري التراثي، هل ُتعتبر «تجليات» تسجيلاً لعوالمك الداخلية بكل ما تحتويه من تقشفات وجماليات، من رهبنة وثراء؟

من دمشقيات
نذير نبعة

ما تقوله مقاربة جيدة وهذا طبيعي فالإنسان يمر بفترات نمو مختلفة من الطفولة إلى الكهولة، وبالتالي الإنسان ليس ذاته بكل منها بل بتلك الإضافات من الخبرات والمعارف، في الجانب التشكيلي تنمو هذه الخبرات وتتطور وكذلك الاهتمامات. «تجليات» هي مشهد واقعي من الحياة ولكنه يتحول في لوحتي إلى مشهد تأملي، ولكنها ليست «كرت بوستال» لهذا الواقع بحيث تستطيع القول مثلاً هذه صورة لتدمر أو معلولا أو غابة خريف أو غير ذلك. هذا الميل للمشهد التأملي بدأ منذ 1964 -عندما كنت أدرس في دير الزور- من رحلات الصيد مع بعض الأصدقاء، وكنت أرافقهم فقط حيث كنت أشاهد الجبال التي كانت صخورها تتمتع بمنظر غاية في الجمال حتى أني كنت اطلب كاميرا لأصور هذه الصخور، وتستطيع القول أن أول إنتاجي بهذا الاتجاه يعود إلى أوائل الثمانينات، ولم أكن انتهيت بعد من مرحلة الدمشقيات حتى أن هذه الأجواء موجودة في خلفيات بعض اللوحات من تلك الفترة.

في تجربتي الأخيرة «تجليات»، حذفت موضوعي الشخصي، مكتفياً مهنياً وتقنياً بذات أدواتي من لون وملمس لأرضية اللوحة من حيث الخشونة أو النعومة ، النافر أو الغائر، واستثنيت الأشكال حتى الأشكال الهندسية أو النباتية منها، والهدف أن أدعو الآخر إلى لوحتي ليرى موضوعه هو، عاطفتي تدفعني لأحتضن الآخر في لوحتي ليرى فيها ما يحب، فقد يرى فيها غابة أو صخراً ملوناً أو غروباً، هذا يغني اللوحة. يقولون عن الجوكندة أنها لوحة جميلة لكن ما كتب عنها والتفسيرات العديدة لها يجعلها أجمل، تلك النصوص الموازية تمنحها آفاقاً من الجماليات، وعندما يرون في لوحاتي (تجليات) أكثر من موضوع فهذا إغناء للوحة.

في عرضي (تجليات) في صالة أتاسي (عام 2003)، قدمت المعرض ببيان يعتبر مدخلاً لقراءة العرض، وهو عبارة عن قصيدة أخاطب الآخر في بعض منها:
«أدعوك لترسم في لوحتي لوحتك
أدعوك لترسم في فرحي غضبك
أدعوك لترسم في منظري.. وجهك
لأن هناك نافذة أخرى للرؤية..»
نصك التشكيلي البصري يشبه كثيراً خصوصيتك، أأستطيع تسميته نصاً تجريدياً؟
لا، أعتقد أني أقدم مشهداً واقعياً تأملياً، لأنني لا ألجأ إلى الأشكال التي قدمها التجريديون.
من «معلولا» إلى «المدن المحروقة» لوحات فيها ذات الإيقاعات الملمسية والخصوبات اللونية الحسية والروحية المتقشفة، وبالوصول إلى «تجليات» نكاد لا نلمس فرقاً كبيراً من حيث التقنية أو العجائن اللونية، أأخلص إلى أنك تصير جزءاً من هذه العجائن؟
سأقرأ لك جزءاً ثانياً من قصيدة «تجليات»:
«يتخذ سطح اللوحة مسرحاً للوجود
ملعباً لسيولة المادة تحت سطح سكين الرسم
أرضاً خصبة للأشكال تنمو وتتوالد تحت ضغط الحد وحنان الأصابع
ورحمة العاطفة
يولد من نزق الانفعال، وحماقة الغضب
وفعل الغرائز، ورقص الفرح
وشطحات البصيرة..
الفرح يصبح لوناً معربداً في النافر
ويمسي الانكسار غارقاً في ظلال الغائر
الموضوع بعد الثبات والموت
يهب حياً متجولاً حراً.. مليئاً بالاحتمالات
…».
المدن المحروقة هي بغداد، بيروت، قانا، جنين، غزة، ولو أني أرسم بغداد بالشكل التقليدي للحرائق والدمار، أو كيف ُحرق المسجد الأقصى، لكانت الكاميرا أفضل من الرسم، بهذه الطريقة من الرسم، الاحتمالات لا نهائية المهم لديّ توالد الأسئلة ومشاركة الآخر في طرحها والإجابة عليها، نستطيع القول أنه تنزيه عن الشيء الواقعي، فعندما كانت بغداد تحترق، أكان يجب أن نعبر عن ذلك، بأن نرسم مدينة يخرج منها اللهب؟! المسألة تتجاوز هذا، كنا نشعر بالعجز عن فعل شيء وما كان يحدث في الصدر هو نوع من الحرقة أو الاحتراق، بحيث يشعر الإنسان أن الدخان يخرج مع أنفاسه، ويكون التعبير مختلطاً بما تحدثه السكين على سطوح اللوحة من إحساسات غائرة أو نافرة، وبهذا اللون الممزوج بالمشاعر، هكذا يتم الأمر..
..تستوقفني هنا كلمة «تنزيه» وأحب أن استبدلها بكلمة «تجريد» الذي يعني نزع القشرة عن الشيء والدخول إلى قلبه، وهذه مقاربة صوفية، لكن ابن سينا هو الأدق هنا ويتفق مع طرحك، إذ يعتبر التجريد هو تجريد للمادة من بعض لواحقها،
وهو ما فعلته أنت بالصخور إذ أبقيت الملمس وسطح الشكل، ثم تركت الخيال ليرتفع بهذه الصورة إلى مصاف التأمل، هل توافقني في هذه الرؤية؟
كلمة تنزيه هنا أتت لتكون مختلفة عن المصطلح الغربي «abstract» (التجريد)، إذ يخلط الناس في هذا المفهوم ويرون التجريد فقط فيما قدمه الغربيون، وهذا يتجذر في الثقافة اليومية عند الكثيرين، ولهذا استخدمت كلمة تنزيه لأنها أقرب إلى قاموسنا، ولتشكل اختلافاً عن كلمة تجريد بالمعنى المتداول.
أرى في عملك (تجليات) ارتقاءً شخصياً وروحياً، ولكنه (أفقياً) يتخذ معنى أرضياً وإنسانياً، وهو قريب منا كفاية لنشعره في أرواحنا، وأنت هنا ربما مختلف عن المتصوفة ومن يشبههم في أشكال التجلي العمودي أي مع السماء والنور، إلا أنك تحدث أثراً مشابهاً! ففي الوقت الذي تستدعي الآخر إليك، أنت تستدعي المكان أيضاً، وكأنها دعوة لأن نكون أكثر تواضعاً على هذه الأرض؟!
من شاء سما وتوحد، ومن شاء كبا وتبدد! وهنا كبا ليست بمعناها السلبي، وهكذا تبدد. كبا هنا بقرار وبإرادة ورغبة بمعنى الموت في هذا التراب والبعث من جديد، هي عودة إلى الجذور والانطلاق منها، هنا الرؤية متسعة ولكن العبارة تضيق. إن أول ما يلعب به الأطفال هو التراب والطين، هو أول الأبجدية والوعي، وبعد أن رحلت بعيداً لا بد من العودة إلى ترابي وطيني الأول، أنا يهمني أن يعرفني قومي قبل أن يعرفني الآخرون، إحساسي يوم افتتاح المعرض بأن الناس كانت تحضنني ، لا يقابل بكنوز، ذلك لأني بينهم. أنا لا أجد نفسي بالخارج، أنا هنا، أنا اعتبر الفينيقيين والسومريين والآشوريين والفراعنة أجدادي، أنا ابن لهؤلاء.
أراك تأخذ من الفراعنة قوة الشكل وثباته، كما تأخذ من الفينيقيين لطف الشكل وجمالياته وترحالاته، فنرى من فترة السبعينيات بروز ملامح النحت في تشكيلك، لكن الحركة والأمواج وخصوصاً في الشعر والحرائر تجعلني أراك في الجانب الفينيقي السوري وكأنك مسكون بتلك هذه الروح الفرعونية والسورية، كيف لي أن أفسر هذا الإصرار على استحضارها في لوحتك؟

جاء الرومان إلى سورية واحتلوها عسكرياً، لكن تدمر بقيت سوريّة ولم تصبح رومانية، وكذلك الفن فيها بقي سورياً ولم يصنعه الرومان، وهذا ما حصل في مصر، إلا أنهم ذابوا في الحضارة الفرعونية ولم يؤثروا في الحضارة القائمة ولم يحدث فن روماني ولا بجزء من الجوهر، صحيح أنهم كانوا أقوى عسكرياً، لكن ثقافتهم ليست أقوى من الثقافتين الفرعونية والسورية، ولذلك لم يكن لهم هذا التأثير على الفن، حتى أنني أعتقد أن ثقافتهم في جزء كبير منها أتت من عندنا، فأوروبا إبنة قدموس وخرجت من صيدا على ظهر بوزيدون، ومن هنا جاء اسم أوروبا القارة حسب الأسطورة.
في نقاشاتي مع بعض الفنانين نختلف على تحديد ما إذا كان هناك فن سوري، وأكثرهم يرجع بداية الفن في سورية إلى الرواد أو إلى الخمسينيات أو ما قبل ذلك بقليل، إلا أني أرى أن أمة تعود في عمرها لأكثر من عشرة آلاف عام من الحضارة يجعلها متجذرة فينا إرثاً ذاكرياً جمعياً، هذا إضافة للكثير من الروليفات واللوحات الفسيفسائية وحتى النقوش والرسوم على الأواني التي تعود إلى الحضارة الفينيقية المكتشفة، ومن الطبيعي لمن لديه كل هذا، أن يكون لديه إرث فني بأي شكل من الأشكال، سواء كان بصرياً خيالياً أو بصرياً مادياً، وإن كانت الوسائل التعبيرية عبر اللوحة المحمولة جاءت متأخرة بعض الشيء، إلا أن هذا لا ينفي برأيي أن يكون لدينا فن سوري، وعلى الفنان أن يعود لجذوره ليعيد استخراجها بلغة بصرية تواكب الأشكال التعبيرية الحديثة، مع الحفاظ على خصوصية الهوية، ماذا يقول نبعة في هذا الشأن؟

خولة بنت الأزور
لنذير نبعة

لدينا فن سوري بالتأكيد، فنحن قدمنا للعالم حضارة عظيمة، نحن هنا نتكلم عن أجدادنا، أما إذا كنا نتحدث عن الحاضر فأمامنا الكثير من العمل لنقول أن هذا الإنتاج الفني عندما يصل إلى العالم يستطيع أن يراه العالم على أنه يحمل الطابع أو الهوية السورية، كما يقال مثلاً: هذا فن هندي أو صيني. لماذا يجب أن يقال هذه لوحة سورية؟ لأن فيها ملامح خاصة، أيّاً كانت اللوحة واقعية أو تعبيرية أو تجريدية، تميزها عن أية لوحة تنتمي لحضارة مختلفة، هذا لم نقدر أن نفعله بعد، بسبب الكثير من الظروف السياسية، وإن كنا بدأنا بذلك مرحلة الستينيات ثم توقفنا لذات الأسباب السياسية، نحن توقفنا عند جماليات الشعارات، الآن يجب أن نعود لنعي ذاك المشروع كي نستأنفه من جديد، هذا كان هم الفنانين من المشرق إلى المغرب..
..هل نملك برأيك مقومات فن سوري يحمل عناصر التشكيل البصري؟
بالتأكيد، لكن المناخ هو ما نحن بحاجة إليه، كما أن النبات بحاجة لمناخ وشروط لينمو، والفن بحاجة لمناخات من الحريات المختلفة لينمو، وهكذا الإبداع بكل صورة.
لون على لون، هل يساوي نور على نور صوفياً؟
أنت تقارن عملية فيزيائية أو كيميائية بعملية روحية، وإذا دخلت الكيمياء بالروحانيات كما فعل أجدادنا، فنعم..
..أشعر أن سؤالي وصلك، لكنك لم تجب، ما أقصده أن اللون في العصارة، يبقى لوناً حتى حتى تلامسه أصابع الريشة ثم سطح اللوحة، عندها يتحول إلى شعاع من ضوء..
كان لدينا في الأكاديميات التي درست بها مادة اسمها تكنولوجيا اللون، ولم تكن تلك المادة من أجل أن نخترع ألواناً بل من أجل أن نعرف خصائص اللون، كالألوان التي تتأكسد بمخالتطها لأنواع محددة من الألوان أو تلك التي تتآلف مع بعضها، فلون على لون هو تآلف كيميائي لهذه الألوان والتآلف محبة، هناك مواد تتآلف مع مواد أخرى ما يصنع الجمال أو ما يسمى بهارموني لوني فرح أو حزين أو هارموني متناسب مع الجو الملحمي في اللوحة مثلاً..
..حسناً، لنقلب صيغة السؤال نور على نور، كيف يساوي صوفياً لوناً على لوناً؟
الله نور السموات والأرض، حتى اللون الأسود وإن كان لا يوجد لون أسود، فهناك أسود مضيء، كما كان يقول لي أستاذي عبد العزيز درويش، فكنت أسأله كيف هذا؟! وكان يقول لي عندما تكبر ستعرف! عندها كنت في السنة الأولى في القاهرة. وهنا أقصد النور الذي يصدر من اللون نفسه وليس عن المصدر الخارجي كالشمس، وما تتركه من نور وظلال على الأشياء، أنا أتكلم عن النور الموجود بألوان الأحجار الكريمة، إذ هو نور داخلي وليس خارجياً، ولما تكون الإضاءة من الداخل تكون نوراً على نور، أما عندما تكون خارجية عندها يكون ظل وضوء! القمر لا يُصدر نوره بل ما يعكسه عن الشمس، ويزول بغيابها..
..هذه الرؤى «الجوانية» هل تنعكس بتجليات؟
بالتأكيد، أنا تعلمت من حركة الشمس على سطح الصخر النافر والغائر فيه، وكذلك من تأثيرات حركة الزمن عليه أو عوامل الطبيعة، هذه ألوان لا يمكن أن تخرجها من الأنبوبة فهي ليست مجرد ألوان جاهزة، هي هنا ألوان اشتركت بنسجها عوامل الطبيعة والزمن وتراكمات التاريخ بما يحمل من حضارة وإشراقات نور الشمس. أنا رسمت توشيحاً على المادة التي هي عبارة عن لدائن سميكة ألفت سطح اللوحة، وما قمت به هو توشيح أو تلوين على هذه السطوح بشفافيات لونية لتصبح هذا النور على نور، بلون شفاف غير كتيم، أي نور اللون أو إضاءته، فأنا لم أستخدم الأحمر بل نور الأحمر، وكذلك الأصفر فانا أوشح بضوئه وليس بلونه، حاولت أن أتعلم من الشمس كيف تلون الطبيعة، ولا زلت أحاول وأتعلم.
تحرضنا سطوح الصخر في لوحاتك لنكشف ما تحت وفوق سطوحها، كيف يفعّل نبعة هذه الطاقات ليختلط المادي بالمعنوي إلى هذا الحد؟
الصخر الذي رسمته هو من الأماكن التي زرتها شرق وشمال سورية، إضافة للبتراء في الأردن، لأقل من سورية ما قبل سايكس بيكو، ما تعلمته من هذه الجبال كمخلوقات، أن الإنسان ليس المخلوق الوحيد على هذه الأرض، برأيي أن الإنسان آخر التطورات على الأرض، في إطار وحدة الوجود نجد أن كل هذا الكائنات على سطح هذه الأرض متآخية، وإذ تؤمن بهذا تصبح معاملتك لهذه الموجودات معاملة مختلفة، في الموروث الشعبي يقولون: إن النخلة هي أخت آدم، إذاً النخلة عمتي! الصخر كما فهمته من هذه المرجعية هو مني أو أنا جزء منه، فكيف أنظر إليه كجزء أقل مني!؟ إنه كما نراه في الملاحم الشعبية أقوام تحولوا بسبب لعنات إلى صخور!، ويقول أحد الشعراء: خفف الوطء إن هذا الثرى من عيون ساحرة الإحورار. تقول إحدى الأساطير الشعبية التي قصها علي أحد الفلاحين في جبال اللاذقية عندما أشار إلى صخور عالية في أحد الجبال، قائلاً: هل تشاهد هذا الملك في الأعلى! استغربت هذا الكلام إذ كنت مستغرقاً في ألوان وأنوار المكان، وسألته: أين؟ أشار إلى صخرة في أعلى الجرف، وقال: هذا وجهه، إنه يصرخ! ومكان التاج على رأسه، ثمة شجرة! نظرت وإذ بوجه فعلاً، فحكى لي قصة هذا الملك الذي خانه أصدقاؤه حتى تاه في البراري، وظل الناس يسمعون صوت بكائه كصوت الريح إلى أن تحجر كما تراه في الأعلى. ولقد كتبت هذا النص وختمت على أنه حادثة واقعية، لكني عندما نظرت إلى الوراء لم أشاهد هذا الفلاح الذي حكى لي هذه الحكاية، ولا أعرف أكان هذا الشخص حقيقة أم لا، أو أنه عندما وجدني مستغرقاً إلى هذا الحد تركني ورحل، واختفى داخل المشهد! عندما ترى ذاك المشهد فإنه يأخذك فيه.. حدثتك بهذا لتعرف كيف أرى الطبيعة وكيف أتفاعل معها، وإن كنت أطلت عليك فاعذرني. أنا لن أرسم هذا الفلاح وتلك الصخرة التي تشبه الملك، أنا أرسم روح الأشياء.
من خلال ما قلت يصبح الولوج إلى «المدن المحروقة» و«التجليات» من ذات التفاعل ما بين البصري والروحي، النفسي والمعرفي أمراً محسوماً، إذ نستطيع أكثر أن نعرف كيف يبلغ نبعة كنه التعبير، من خلال سطوح الصخر والنفاذ إلى حرقة الألم، إلا أن الرؤية ليست كاملة لدي بعد، فثمة أبعاد أكثر جمالية في الصخر لم تحدثني عنها؟
كنا في عرنة (على حافة الجولان المحتل) في إحدى المرات مع بعض الأصدقاء وبالصدفة شاهدت وردة حمراء تخرج من صخرة، لم يكن في الصخرة تجاويف بل أقرب إلى أن تكون ملساء، وكيف تخرج هذا الوردة؟! سأسمعك إحدى رباعيات صلاح شاهين، باللهجة المصرية كما هي مكتوبة: «يلي بتبحث عن إله تعبدو، بحث الغريق عن أي شي ينجدو، الله جميل الله حليم الله رحمن رحيم، احمل صفاتو وانت رح توجدو». هكذا أفهم أنا الأمور، عندما تصبح الوردة داخلية، هكذا يكون!! لو قالت هذه الوردة أن الظروف صعبة لما كانت خرجت من تلك الصخرة، خرجت وهي تعرف أن حياتها القصيرة ربما تنتهي دون أن يلاحظها أحد، إلا أنها خرجت لتعلن عن جمالها، ومن لم يلاحظ هذا يكون قد خسر..!
..أأفهم أنك تعلن شيئاً مشابهاً في لوحتك، وأنك تحرضنا لنرى هذا؟
نعم، لأنه عندما لا ُيرى هذا الشيء الذي أتقصد إيجاده في اللوحة، لا تكون مشكلتي، الوردة تلك في مكان من لوحتي، ومن لا يراها فهو المسؤول عن عدم رؤيته!
لو ربحت الجائزة الكبرى هل كنت ستترك الرسم لتتفرغ لشراء أعمال الفنانين الحقيقيين، كما أخبرت أحمد معلا. هنا سؤالان، هل تستطيع أن تتوقف عن الرسم؟ ومن هم الفنانون الحقيقيون؟
هذا يشبه النكتة، أنه عندما يكون لديك نقود تصبح كسولاً، إلا أن حبك للفن يبقى، فتشتري ما تحب من أعمال فنية. أما التوقف عن الرسم فلا، تلك مزحة لا أكثر، الفنان عندما يتوقف عن الرسم يموت! الفنان الحقيقي هو الإنسان الذي يعي طريقه بشكل صادق بما يمنعه من التورط باستعراض قدراته كي لا يفقد حقيقية فنه! هناك الكثير من الرسامين تغريهم الصنعة فنراهم يلحون على استعراض قدراتهم، إنهم يشبهون لاعبي كمال الأجسام، أي أن كل شي مضبوط، لكنه ليس جميلاً! رغم أن الكثيرين يقولون أن هذا هو الشكل الجميل. وهذا رأيي، أحس أن هذا المثال يشبه حالة الشاعر الذي تهمه البحور أكثر من الشعر، أو الكاتب الذي تهمه قواعد اللغة أكثر من اللغة ذاتها، أهم شيء هو صدق الطريق والطريقة، فالفن يفضح، يفضح الكاذب إذ يظهر هذا جلياً في اللوحة، هكذا أفهم أنا الفنان الحقيقي، الصدق قبل كل شيء، قبل الصنعة المتينة، فالصنعة المتينة أو المهنية العالية هي مجرد أداة لتساعد الفنان على قول صدقه.
في قصيدتك بكاتالوج معرض «تجليات» الماضي قلت: «محال أن تعبر عن البربرية الحديثة بنفس الريشة التي رسمت جمال عشتروت، أصبح من الكذب أن ترسم شجرة أو طريقاً أو بيتاً»، أيكون عرض تجليات من هنا مصالحةً حقيقية مع الذات عبر التجريد كطريقة تعبيرية توصل بها ما يحيطنا من قهر؟

لو رسمت حريق بغداد كمشهد واقعي (أبنية مدمرة ومحترقة) سيكون عاجزاً عن التعبير، والأفضل هنا الصورة الفوتوغرافية فهي أكثر وثائقية، أنا رسمت الحرقة الداخلية التي حصلت عندي وأنا أرى الحريق وأعجز عن إطفائه، تلك المرارة التي أحسستها في فمي وأنا أرى مئات القتلى في الشوارع دون أن أستطيع فعل شيء، أعتقد – لشدة وقع الحدث- أن الواقعي الكلاسيكي كما كنا نعبر من خلاله سابقاً، لم يعد يصور المشهد، ملحمية المشهد تحتاج أدوات تعبيرية أخرى أو أسلوباً آخر أو شكلاً مختلفاً من التعبير..
..هل نقول هنا أن التجريد (وفق تعريف القاموس العربي) هو الشكل الأرقى للتعبير؟
المسألة هي صراع بين فردية الفنان وبين علاقته بالآخرين، فهو باستمرار مشدود بين طرفي المعادلة، فهو يقترب من نفسه أكثر كلما اقترب وفي داخله اللاشعور الجمعي، وإلا يصبح الفنان فردياً وهكذا تجريده، فيميل عندها تعبيره أكثر إلى السطحية، كالتجريد الأوروبي الذي نشاهده. ومن هنا أتقصد أن أترك بعض الإشارات (أشكال ذات ملامح معرفة) على سطوح لوحتي، ليستطيع الآخر تلمسها وبالتالي دخول اللوحة، التواصل مع الآخر حاجة لدي..
..لكن ماذا لو فرغت اللوحة لديك من الشكل، ومن الإشارات، وصارت لوحة لا شكلية أو لنقل لونية، فكأن لوحتك تتحرك في هذا الاتجاه،هل ستصل إلى هذا؟
هذا يعني أن ألغي الشكل في اللوحة، أو الغي اللوحة، وأدخل في فرديتي، هذا يعني أني اقتربت من اللوحة الموجودة في خيالي، وهكذا أصبح فردياً نهائياً، أي أن هذه اللوحة لا تعني ولا تحاور غيري..
.. وليكن هذا أين المشكلة!؟
المشكلة أنني أكون قطعت علاقتي مع الآخر، لم أعد أحاور الآخر وأكون قد اكتفيت بلوحتي لنفسي، وأنا على تواصل مع الآخر باستمرار، وهذا بالنسبة لي ضرورة..
..حتى لو ألغيت الشكل يبقى اللون، واللون هو مدخل للقراءة والتواصل مع الآخر؟
هذا يجعلني أقول لك: أنه كلما وسعت الرؤية تضيق العبارة، وتصبح هناك صعوبة أكبر بالتواصل. أنا معك بخصوص اللون لكن هذا بحاجة إلى إنسان آخر أيضاً وليس إلى إنسان يتعرض إلى هذا الكم من التلوث البصري والسمعي والفكري في كل مكان. هذا إنسان لا يمكن أن تطلب منه أن يرى روحانية اللون قبل أن تملأ معدته، وتهيئ له فكراً نظيفاً، وربما هذا ما شدني إلى السياسة في بداية حياتي..

.. يفاجئني هذا الإصرار على التواصل مع المتلقي حتى عندما تصل إلى ضفاف التجريد، ألا يغويك الدخول إلى هذا الأكثر!؟
أنا أحاول أن أجد على الدوام طريقاً إلى المتلقي، ولذلك قلت لك في بداية الحديث أنا لا أصنع لوحة تجريدية، وليس معنى هذا أني أنفي تهمة، فالتجريد ليس تهمة، ولكني أرسم مشهداً تأملياً.

من دمشقيات
نذير نبعة

يمكن إطلاق صفة الأنثوية على موضوع لوحاتك إذا استثنينا اللوحات ذات الطروحات الأكاديمية وخصوصاً من مرحلة التخرج، فهل سبق وانتبهت إلى هذا الانحياز الكبير واللافت إلى هذه الأنثوية، أم أنك تتقصد منحنا هذا الكثير من أنثويات الجمال؟

وجدت نفسي أرسم المرأة، وبعد ذلك أحاول أن أفهم ماذا أفعل، لنعيد الأمر إلى بداية العلاقة مابين المذكر والمؤنث كقطبين متقابلين يسعى كلاهما إلى الحركة باتجاه الآخر، فلحركة المذكر هذه معنى الشوق أو الحب! وهذا الشوق هو الشوق للجزء الآخر عند الفنان. أول ما تقع عليه عينا الطفل أمه كأول أنثى، وهذا يترسب باللاشعور قبل الوعي، هناك المرأة التي أحببتها، زوجتي إذ يتلألأ وجهها في الكثير من اللوحات. ولأقل على سبيل النكتة: غضبي من وعلى الرجال الذين ضيعوا بلادهم ولم يكونوا أبناء صالحين. الرجل الوحيد الذي رسمته هو الشهيد والفدائي وهذا العامل. فالمرأة تتجاوز أبعادها المادية في لوحتي، لتتحول إلى رمز كأم وكحبيبة ومدينة ووطن (سورية ياحبيبتي..).
بغياب الرجل عن اللوحة هل يمكننا اعتبار رموزٍ مثل السكين، المفتاح، والهدهد، رموزاً ذكورية؟

الطائر في شعرنا وفي الزجل يمثل صورة الرجل، فبسبب حياء الأنثى والعادات يٌرمز لهذا الحبيب بطائر الحمام أو بالغزال. والسكين أيضاً هي من أدوات الرجل وهي ترمز إليه، وكذلك المفتاح رمز البيت والرجل، ويمكن أن تحمل الرموز هذه أبعادها النفسية والجنسية أيضاً، وأنا أتقصد وضعها لأثير وأحرك العين في أرجاء اللوحة وخصوصاً عندما أضع هذه المجوهرات على الجسد، أتقصد أن أخلق هذا التضاد الحسي اللمسي.

الكل يشهد لك بالأستاذية، ورغم هذا لم نسمع أنك مارست هذا الدور! ألم يكن همّ الحراك التشكيلي السوري يشغلك؟ أم أن دورك اتخذ طابعاً آخر؟
لو مارسته ما شهدوا لي! أساساً لا أستطيع أن أعطي إلا لصديقي، فالطالب أصادقه أولاً ثم أعطيه، وبذا تلغى كلمة أستاذ ونصبح أصدقاء، فلا يكون هناك حاجز أمام عطائي! عندما استلم دفعات جديدة من الطلاب، أحدد ثلاثة أشهر حتى يمتنعوا عن مناداتي بدكتور أو أستاذ وينادوني باسمي وهذا ما يضايق زوجتي أحياناً، أنا لا يزعجني هذا بالعكس أشعر أن الطالب يقترب مني أكثر وهذا يجعله يتخطى خجله ليسأل في حال بقي شيءٌ غير واضح بالنسبة إليه، هذا أساس العلاقة بيني وبين الطلاب، وهناك طلاب لم أدرسهم يقولون أستاذنا نذير نبعة، أنا افتخر بهذا كوني استطعت أن أنقل ما تعلمته عن أساتذتي في القاهرة (عبد العزيز درويش، عبد الهادي الجزار، حامد ندا، وعلى رأسهم حسين بيكار)، هؤلاء لم يكونوا مجرد أساتذتي بل كانوا أصدقائي. قمت بالكثير من الأدوار بمرحلة الشباب، إلا أنني بعد ذلك اتجهت إلى هم البحث عن الذات في اللوحة نفسها ومحاولة إيجاد فن عربي شاركني فيه العديد من الفنانين العرب، وهو الذي لم نستطع تحقيقه، فالحروب لم تتوقف أبداً في منطقتنا وهذا يعرقل هذا الحراك، هذا الجو يمنع الحركة السلسة لإيجاد هوية فنية للوحة في سورية والمنطقة العربية، وحتى المتطلبات الأخرى لم تكن متاحة، لم يشتغل أحد على التراكمات التي بها وعليها تبنى انتصارات صغيرة تساعد على الاستمرار، قدمنا أشياء جيدة ولكن لم يأتي أحد ليبني عليها، وهكذا تتلاشى الأشياء. مثلاً: في الرسم الصحفي في الموقف الأدبي حققنا حضور اسم الرسام ضمن هيئة التحرير لأول مرة في سورية، وبعد أن تركت الموقف الأدبي، جاء بعدي من لم يهتم بهذا التقليد فعدنا إلى الصفر! الظروف نفسها لم تخلق تراكماً يعتد به، وظروف الحياة القاسية تفرض تنازلات على الأشخاص ما يمنع من حدوث هذا التراكم ليشكل تقليداً ُيبنى عليه فتمحى هذه الانتصارات الصغيرة ولا نصل إلى نتيجة. مثال آخر، قمنا بعمل مجلة أسامة وهي مجلة أطفال، وكانت بفترة من الفترات تعتبر أول مجلة عربية من ناحية المضمون والشكل، ولم تستمر بهذه السوية! وهناك أمثلة أخرى إضافة لهذا.

هنا يحضرني مجموعة العشرة الذين كنت من بينهم والتي تشكلت عام 1970 كرد على تردي عمل إدارة الفنون آنذاك، ألا تعتقد أننا بحاجة لمثل هذه المجموعة اليوم، لا سيما وأن مزيداً من هذا التردي أصبح يستدعي ذلك؟

التأمت هذه المجموعة من مشارب واتجاهات مختلفة لكن ما كان يجمعهم هو جديتهم بالتعاطي مع القضايا الفنية، لكن يبدو أن العمل الجماعي كممارسة أمر لم نتقنه بعد، الصلة بالآخر حتى لو كان زميلاً لا تكون ثمينة، يبدو أن الشخصية الفردية غالبة حتى اليوم، أي أن كل شخص يعمل بمفرده، وهذا برأيي على مستوى الوطن والأمة! لأنه حتى اليوم لم نستطع أن نشكل وحدة! كنا نحلم أن يكون لنا تجمع ُيصلح حال الحركة الفنية في سورية، رداً على المساواة بين الصالح والطالح من قبل المؤسسة الفنية آنذاك، فأي شخص يمتلك صوتاً عالياً وبإمكانه أن يقول أنا فنان عشر مرات كان يصير فناناً! حاولنا أن ُنحدث حالة تعتمد التقييم الجدي والشجاع والانتقاء السليم للفنانين وللأعمال الفنية، للمعارض والمشاركات، وحتى على مستوى عدالة توزيع الجوائز، لكننا لم ننجح!..
..نحن حالياً بأمس الحاجة لمثل هكذا مجموعة، هل يمكن تحقيق ذلك؟
لا، لا يمكن، هذا رأيي في القريب المنظور، لكننا بحاجة إلى العمل الجماعي ليس في الفن بل في كل الأشياء، فالعمل الفردي بطيء الحركة وقليل المردود، ولا يحدث تراكماً، لدينا فنانون ولكن ليس لدينا حركة فنية، فكل المؤسسات الفنية الخاصة والعامة ليس لديها برنامج، فإذا كانت مؤسسة ثقافية ليس لديها برنامج ثقافي، كيف ستسهم بإحداث هذا التراكم والبناء؟! سابقاً لم أكن أجيب على مثل هذا النوع من الأسئلة، إلا أني أجيبك الآن!
مشروع تخرجك في مصر كان عن عمال المقالع الحجرية، في باريس قدمت نباتات، كيف لي أن افهم هذا الاختلاف؟
لا، الفرق يعود لفارق السن بين المرحلتين، والاهتمامات بين الشباب وما بعد ذلك.
يختلط على البعض إن كان الموضوع هو الذي يفرض الشكل في اللوحة، أو أن الشكل هو الذي يستجر الموضوع، إلا أن رأياً آخر يقول: الشكل أو الموضوع حجة الرسم وحسب، كيف يفض الفنان نذير نبعة هذا الإشكال؟
إذا كان الفنان لا يهمه الموضوع، عندها يكون الشكل بالنسبة إليه هو الأهم. هذا فكر. هذا يدخل ضمن إشكاليات وتنظيرات الفن، كمقولة الفن للفن أو الفن للمجتمع، أنا أعتقد أنه عندما تتعمق في المسألة، يتماهى الاثنان مع بعضهما، ويصبحان شيئاً واحداً، لا يمكن للوحة تخلو من الفكر أن تكون قابله للحياة! إذ تكون سطحية، أي شيئاً جميلاً إذا أخذته كجزء ووضعته في المكان المناسب، الجمال السطحي يصبح شيئاً لا فناً ولا يشكل ثقافة وعلاقة بالآخرين. تماهي الشكل والمضمون يجعله فناً إنسانياً، فيتجاوز حدود المكان والزمان. مثلاً، فن أنتج في عصر النهضة أو ما قبل الميلاد لا نزال نتذوقه ونحسه لأن فيه إنساناً، أي أن الموضوع إنساني، أما الموضوع عندما يؤخذ من ناحية سطحية كالحصاد، الساحل، الجبل، ومن منظار سياحي يكون عندها حجة للتلوين.
اللوحة عبارة عن رسالة بصرية هذا في المستوى الأول، لكنها تتعدى هذا لتحمل رسائل أخرى، في لوحتك ما هي هذه الرسائل؟
علاقتي بالإنسان هي هذه الرسائل، هنا لنرجع للثوار الكبار الذين نظروا للفن وهم ليسوا بالضرورة فنانين (مثل ماوتسي تونغ)، يجب أن يكون الفن الثوري فناً أولاً بعد ذلك يكون فناً ثورياً، وأكبر دليل على ذلك ما حصل في الاتحاد السوفييتي بعهد لينين، حيث كان كاندنسكي هو فنان الثورة، وهو الذي أسس لقيام الأكاديميات والمتاحف، لكن بعهد ستالين تدنت درجة بعض الفنانين من فنان الشعب إلى مشتغلين بالرسوم التوضيحية. بعد ذلك ظهر فن اسمه الواقعية الاشتراكية، لكن لاهي اشتراكية ولاهي فن. ماياكوفسكي شاعر الثورة البلشفية انتحر عندما استشعر هذا التردي القادم.
تميل إلى تسمية لوحاتك، في اعتقادك ألا يؤثر هذا على شكل التلقي، أم أن التسمية تأتي لتكون ضمن هذه الرسائل إلى الآخر؟
أنا أعتبر التسمية مثل المفتاح تعطيه للآخر ليدخل إلى اللوحة، ومع التقدم في العمر تصبح التسمية أكثر تجريداً، فالعامل الذي يحمل تلك الصخرة أسميته سيزيف، هنا يوجد ترميز لإضافة بعد فلسفي للموضوع الإنساني، هذا المفتاح هو نوع من الرحمة وعدم التعالي على المتلقي من الفنان، وهذا مطلوب من الفنان. هناك من يسمي اللوحة ليزيد إرباك الآخر، أنت كفنان تدعو الآخر للوحتك، هذا يعني أنك مضيف
وعليك أن تقوم بواجب الضيافة هذا، وليس لتقول له أنا أفضل منك، وممنوع أن تغلط.
ترسم الورد الجوري وهذا له خصوصية، كما ترسم التوليب وأشكالاً أخرى من النباتات، فهل يكون الورد حجة للرسم (وهنا أعتذر منك لقولي حجة)، فانا أجد فارقاً كبيراً بين الجوري والتوليب، أتتقصد توظيفات بعينها؟

من الدمشقيات
لنذير نبعة

أغلب العناصر التي أرسمها في لوحاتي لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً الورد الجوري كان عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وكان كل هذا السور من الورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، وكان الطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له! من هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقاتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق. مجموع هذا هو الوردة، أنا لم ارسم التوليب بل الزنبق، وأنا شخصياً لم أسميها توليب، بل وجدتهم في أحد المعارض الرسمية لوزارة الثقافة وقد أطلقوا على هذه اللوحة اسم التوليب! أنا تعنيني ورودي، فالوردة الجورية تختلف عن كل ورود العالم، إذ لها مركزان بينما للجوري الآخر مركز واحد، بمعنى قطبين وكأنها ذكر وأنثى.
ملامح الوجوه الأنثوية في لوحاتك لها أكثر من خصوصية، إلا أنها تكون حاملة لذات التراثية الشرقية أو الدمشقية، كيف نفهم هذا الاختلاف في الملامح والاتفاق ببقية العناصر؟
الوجه الذي أرسمه هو الوجه الذي أحبه وأحب تفاصيله، الوجنات البارزة، الملامح التي تخرج جماليات تنضح بالرحمة الموجودة بالوجه، وليس تلك الجماليات المادية أو المعيارية المتفق عليها، أنا لا أفكر عندما أرسم في أن تكون الملامح شرقية أو غربية، أنا أتقصد الملامح الموحية والملهمة والمؤثرة للوجوه في لوحتي، وتجد بين هذه الوجوه ابنتي أو زوجتي، حتى أنك قد تجد ملامح ممثلة فرنسية غير مشهورة، زارت سورية سابقاً، بشكل عام ثمة وجوه تبقى في ذاكرتك كشكل مجرد أو كشكل وعلاقة شخصية، ليس مهماً إلى ماذا تقود الملامح، أنا يهمني جمال الرحمة وذاك الجمال الروحي، فجمال عارضات الأزياء والممثلات لا يعنيني.
في لوحتك لم تكن أسير الأيديولوجيا السياسية، فلقد كان ولاؤك للإنسان والجمال والتراث، متى انتبهت أن البقاء للفن وليس للأيدولوجيات المتغيرة؟
كنت منتبهاً لهذا منذ البداية، فالفكر الذي انتميت له كان مع الإنسان وانتميت له لهذا، لذلك لم أكن أسيره كنظريات، فأنا أنتمي إلى أي فكر فيه هذه الصفات، حتى لو كان في الجانب الآخر، أنا أحب الفلسفة البوذية وكذلك تجربة طاغور وغاندي، غيفارا من هؤلاء، أنطون سعادة كان يمتلك في فكره السياسي تلك الرومانسية غير الموجودة عند الآخرين، فالثورة بالنسبة إليه كانت حلماً، وهكذا بالنسبة لبقية الثوار الذين أحبهم، لم تكن زعامة، كانت حلماً لتغيير واقع الإنسان ولصنع شيء أجمل. مثلاً أنا أعرّف أصدقائي على ناديا خوست بأنها المناضلة التي تحب الوردة، المناضل إذ يحب الوردة ليس برجوازياً، معنى هذا أنه يحب الجمال. هكذا أفهم المسائل، ليس بشكل مذهبي أو غير ذلك، أنا أنتمي للإنسان، أي فكر يحمل هذا الإنسان فأنا منحاز إليه.
الخط العربي بمعنى الكتابة يأخذ في لوحتك أكثر من شكل، فهو واضح أحياناً وذا معنى محدد، وغير ذلك أحياناً، فهل المقصود تأكيد المرجعية العربية للوحتك وليس الشرقية وحسب؟
جاءت في إحدى لوحاتي عبارة الشام شامة على الدنيا، وهنا جاءت العبارة واضحة لأني أتقصد هذا، لكن الكثير من الأشياء في خلفية اللوحة تقبع وراء الشكل الأساسي لتؤدي أدواراً جمالية وتشكيلية، وليس بالضرورة أن يكون الخط واضحاً إذ يغدو عندها ضمن المفردات التشكيلية.

أرى أنك تنحاز إلى التصوير في اللوحة بينما كنت في مراحلك السابقة لا تفعل هذا إذ كان الرسم أكثر بروزاً إلى جانب التصوير ، كيف تفسر هذا؟
بالنسبة لي، فإن الرسم أو التصوير أو باقي المفردات التقنية هي عبارة عن أدوات لأداء الفكرة أكانت بصرية أو فكرية فلسفية. وتحتاج أحياناً في الأداء كما في الموسيقى إلى ميلودي، أي شيء فردي، كما الخط في اللوحة، وأحياناً تحتاج إلى السرد في اللغة الأدبية أي تفصيل إلى جانب تفصيل في اللوحة، حركة أو سرعة هذا السرد تؤدي فكرة ما بصرياً أو فكرياً، كما السجادة، فهي عبارة عن تجاورات شكلية ولونية متوالدة من بعضها لتؤدي شكل المشهد النهائي، أي أن بؤرة العمل الفني متحركة وموزعة على كامل المشهد. عندما ترسم وجهاً يغدو هو ذاته البؤرة البصرية، وأحياناً يفرض الموضوع نوع الأداء، أحياناً تقول كلاماً بصرياً بحتاً في اللوحة، يكون لأدائه الخاص من اللمسة أو اللون (أي الأداء التصويري) أهمية أكبر من الخط، كل هذا يسمى نوعاً من التجول بين الخط والتصوير، وملمس اللوحة من الخشن أو الناعم وآليات اللون البارد والحار. في «تجليات» لا يوجد رسم بمعنى الخط، لكنه موجود في أعمال أخرى..
..إذاً أنت تتفق مع من يقولون أن الخط هو شرف الفنان، في إصرار على تواجده في اللوحة، رغم أنه غير متواجد في الطبيعة، وليس الإصرار عليه إلا ترسبات كلاسيكية؟

لا، ليس هكذا، فالعملية الفنية كلها شرف للفنان، هناك من يعتبر أن الخط أهم من اللون، وهناك من يعتبر أن اللون هو التصوير، إنه صراع بين المذاهب الفنية، وهذا فعل إنساني، يغني العملية الإبداعية.
في قصيدتك من كاتالوج تجليات تعامل الألوان ككائنات تتنفس، برأيك هل هي كذلك فعلاً؟ وهل لنذير لونه الخاص كانعكاس نفساني؟
علمنا المتصوفة أن الحروف مخلوقات تتنفس، ولها حياتها، هذا من قراءاتي، وبالتالي أنا انظر لكل الموجودات كمخلوقات بما فيها الألوان، لأنه إذا لم يكن اللون كائناً يتنفس، فإنه لا يؤدي دوره، بل يبقى كما هو داخل الأنبوب، إذا لم يكن الأحمر على سطح اللوحة مخلوقاً ليقول الفرح، الثورة، الحرارة، يبقى مجرد مادة ميتة، ولا يحرك على السطح شيئاً. من هنا فالألوان مخلوقات لها حياتها على سطح اللوحة تتآلف وتتنافر وتصنع مشهداً بصرياً مليئاً بالموسيقى والحركة. وإلا لا يكون هناك لوحة وتبقى صامتة، فالألوان لها علاقتها بالحالة النفسية والمزاجية، وأنت عندما تريد رسم الفرح لا ترسمه بالأسود! المسألة انعكاس للحالة النفسية..
..إذاً فأنت تؤمن بدلالات اللون النفسية والتراثية، وتعتبر أن كل لون يأخذ شكلاً من التعبير؟
بالتأكيد، وإلا ما معنى ما يحدثه اللون من أشياء محددة فينا! أخضر (فيرونيز) وهو اسم فنان من عصر النهضة كان يميزه هذا اللون من الأخضر وعرف به. أو أزرق نيلي أي تابع للنيل أي مصري وموجود بلوحات الفراعنة ويختلف عن أي أزرق آخر، وكان المصريون القدماء يدهنون وجوههم به عندما يموت لديهم عزيز.
مع أنك أحببت مصر ودرست فيها إلى جانب عدد من الفنانين السوريين إلا أن الفن المصري لم يغويك كثيراً؟
أنا أعتبر أن كل فنون المنطقة هي ينابيع استقيت منها، لكن تكويني الفكري الناضج تشكل أثناء دراستي في مصر، إلا أني أحمل فكراً وطنياً وإنسانياً، أي أن انتمائي الفكري كان إنسانياً بالدرجة الأولى، وأنا أؤمن أن الإنسان إذا لم يحب نفسه لا يمكنه أن يحب غيره! أي إذا لم أكن سورياً، لا يمكن أن أكون عربياً، وإذا لم أكن عربياً لا يمكن أن أكون عالمياً، حتى الآن أنا غير مهتم للعرض في الخارج، لأني مؤمن أنني إذا لم أحقق هذه التراكمات هنا، لا أكون بالنسبة للآخرين مقبولاً! عندما كنت صغيراً جف حليب أمي فشربت حليب أم أخرى، وهذا شيء شخصي جداً، ربما جعلني هذا أحب القاهرة، أمي الثانية بعد دمشق.

عشتار تزور سد الفرات

ما أبرز المواضيع السورية التي شغلتها لوحاتك، وهل في جعبة لوحتك مواضيع لم تتناولها بعد؟
كل المواضيع التي تناولتها في لوحاتي مواضيع سوريّة، وفي المستقبل سأتناول مواضيع سورية، أنا لا تعنيني إلا المواضيع السورية، الموضوع الفلسطيني أليس سورياً؟ الموضوع الإنساني أليس سورياً؟ بمعنى أني أتناول مجموع مواضيعي من خلال الإنسان السوري، وأعبر عن هذا بلغتي السورية، ولهذا ربما أحسست أنت أني لم أتأثر بالفن الفرعوني، مع أني متأثر بالفن الفرعوني، أنا متأثر بالفرعوني والآشوري العراقي والمنجزات الفنية العالمية، ولكني أعبر عنها بلغتي السورية، أنا أتعلم من مجموع هذا، ولست مقلداً له.
عندما زرت جبال اللاذقية برفقة أحد الفنانين وكنت في نقطة ما بين السماء والبحر، من تلك النقطة البرزخية، كيف تواردتك سورية؟
التماهي مع الطبيعة والإحساس بأن هذا المكان موحي وجميل وعبقري هو التعبير عن سؤالك، وهو دليل على إحساسي بأن له هذا الشيء الخاص، كثير من الناس يقولون لي بأن هناك صخوراً في المنطقة الفلانية أجمل من صخور هذه الجبال، المسألة ليست مباراة أيها أجمل، المكان هنا أكثر إيحاءً، وقد تماهيت فيه وأحس بأني خرجت من نفسي لأشاهد نفسي وأنا أشاهد المنظر، شيء أقرب إلى الجنون منه إلى الخيال! رهبة الجمال البصري أمامي تجعلني أتجاوز نفسي لأتماهى مع المكان، لأني أعرف أن هذه أرضي وهذا عالمي..
..من تلك الإطلالة تشاهد البحر إلا أني لم أجد أمواجه في لوحاتك؟ فهل استعضت عنه بأمواج من الحرائر؟
لقد رسمت البحر كموضوع، وإن كنت لم أرسمه كثيراً، باعتباري ابن دمشق والسهول فأنا منشد إلى الأرض أكثر، لكن للبحر معانٍ أخرى، فهو كائن جميل، كائن الانطلاق للآخر، فالموجة عندما تنطلق تأخذ شيئاً وعندما تعود تعود بشيء! تلك الحركة الموجودة في الموج تشبه حركة الفرشاة على سطح اللوحة، هو موجود هنا بهذا الإيقاع وبتلك الرائحة والصوت.
إن كنتم بلا خطيئة فلترموها بحجر، أنت رميتها بقلادة، وهنا اقصد لوحة مريم المجدلية، فأي قلادة هذه؟
لو دققت في القلادة لوجدتها عبارة عن ثلاث رصاصات وهو شعار من شعارات الثورة الفلسطينية ثورة حتى النصر، أنا ألفت قلادة وعلقتها على صدر مريم المجدلية لأقول أن المجدلية ظلمت كما المسيح، وهكذا فلسطين! مريم المجدلية قديسة دافع عنها المسيح دفاعه عن الإنسان بأخطائه وجماله، أنا أدافع عن القضية الفلسطينية هكذا.
الحزن الممزوج بالموسيقى وآفاق من الجمال في لوحة «الشهيد»، ذاك الذي يسقط من يده السيف وتبقى الوردة الحمراء، هذا المشهد الغرائبي يتخذ بعداً من القداسة، هذا الشهيد الجميل من؟
علاقة المقدس بالشهيد تعطينا فكرة أن هذا الشهيد لا يزال حياً معنا، هذا الشهيد الذي دافع عن الأمة. عندما تريد أن تحول هذه الأدبيات إلى شيء بصري ورمزي ستبحث عن الأسلوب المناسب لتعبر عن هذه الفكرة، فاخترت اللون الأزرق الحزين الممزوج بالأسود المسيطر على اللوحة، والذي فيه لمسات لونية من الورد الأحمر في أرجاء اللوحة وهالة من ألوان مضيئة خلف الشهيد لتؤدي دوراً رمزياً بصرياً، يتفاعل مع اللون البارد الأزرق عبر تلك الومضات الموجودة باللون الأحمر، حركة السيف والوردة هي أدبيات تساعد المتلقي على امتلاك المفاتيح لولوج اللوحة، بحيث يمكن للمتلقي العادي أو المثقف على حد سواء، التواصل معها.
لازال لدي الكثير من الأسئلة لكني أختم الآن بسؤال خاص، نعرف أن لكل شخص من اسمه نصيب، فأنا يثير فضولي اسمك وكنيتك، نذير ونبعة، فهل تلح على أن تكون نبعة من التشكيل السوري؟
أتمنى أن أكون هذه النبعة وأن أحمل معنى اسمي، هناك ذو النون المصري، وأنا ذو النونين السوري والمصري، فالنونان هنا تشكلان بداية اسمي وكنيتي، ولدت في 5 حزيران 1938، ثم صادف هذا التاريخ 5 حزيران يوم النكسة، و1938 هي السنة التي تم فيها سلخ لواء الاسكندرون عن سورية، أنا اسمي نذير وليس بشير!

عمار حسن
اكتشف سورية

المصدر: discover-syria.com/news/3680


ولد الفنان نذير نبعة في دمشق عام 1938 درس الفن ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1959 – 1964 ثم في باريس بالاكاديمية العليا للفنون الجميلة للفنون في فرنسا 1971 – 1974 م وبدأ بأقامة معارض فنية منذ نهاية الخمسينات من القرن العشرين في سوريا والدول العربية وفي العديد من دول العالم .
يعد نذير نبعة واحداً من الفنانين الذين أسسوا للحركة التشكيلية الفنية الحديثة في سورية، ساهم في الحركة السورية والعربية منذ 1952 وحتى الآن وقد حصل على جوائز كثيرة ، وله تجارب ومشاركات في مجال الرسم الصحفي ورسوم كتب الأطفال والكتابة في مجال الفنون التشكيلية،
عمل نذير نبعة مدرسا للرسم في مدينة دير الزور في شمال شرق سورية صارت لوحاته قريبة لحضارة ما بين النهرين فوجد نفسه يستفيد من جغرافية المكان وحضارته ومن القراءات المتعددة التي تطور الفكر وأسلوب المعالجة التي جعلت من أعماله فرصة لترجمة مشاعره التي تعد جزءاً أيضاً من مشاعر وهموم المجموع العام. ومن وحي تلك الأساطير استطاع نبعة أن يوصل للمتلقي حالة من النشوة الروحية الصوفية التي ظهرت في العديد من شخوصه ولاسيما أن الأنثى في لوحاته هي أقرب إلى عشتار لكنها إنسانية ومشذبة بعيدا عن جبروت الآلهة التي ظهرت به في الأساطير والميثولوجيا القديمة وهذا ما جعلها أقرب إلى المرأة السورية المتطبعة بصفات مجتمعها والحالمة أيضاً بحكايا ألف ليلة وليلة، لكن هي في الوقت ذاته تشبه إلى حد كبير زوجته المصرية الفنانة التشكيلية شلبية ابراهيم .
كان لمدينة دمشق القديمة حضورا واسعا في لوحاته وقد عمل لمرحلة معينة على موضوع دمشق وقد سمى تلك المرحلة بالشاميات ودمشق في لوحاته لاتأخذ بناصية الوصف التسجيلي السياحي، وإنما ترسم لها حدوداً تعبيرية، ومواصفات شكلية منسوجة في حضرة مخيلة، ورغبة في نبش ركام المُتخيل، القائم على حيز الرسم الأسطوري والمسحة التعبيرية الفاقعة لحياة الناس المُتخيلة داخل البيوت الدمشقية الحافلة بالقصص والحكايات، التي تُذكرنا بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع. تخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. في كل لوحة من لوحاته حكاية سردية متكاملة المواصفات، شكلاً ومضموناً وغاية جمالية، تستقوي بخبرات الفنان التقنية، ومقدرته الفائقة على رسم وتلوين مكوناته، ورصف عناصره المتناثرة داخل بنيتها الشكلية. تأخذ بناصية الاتجاهات الواقعية التعبيرية كمجال حيوي في تأليف مقاماته البصرية، متكئة على بنية أكاديمية مؤتلفة من نسيج ذاته الباحثة والمُجربة، والمتمكنة من احتواء السطوح والخامات والتقنيات اللونية المتعددة التي يجمعها في دربة شكلية ملحوظة جامعة لمتآلفات المشهد البصري المقصود.
دمشق التي يرسمها الفنان نبعة ليست معنية بالكسوة الشكلية الخارجية والنمطية السطحيةللبيوت والأوابد التاريخية المتبعة في رسوم وتصوير الآخرين، إنما هي رسوم ولوحات معنية بخفايا البيوت المغلقة على مفاتن الأسرار، وجماليات متسعة على الحكاية وروحية الأسطورة السورية، التي ابتكر الفنان شخوصها وبيئتها الشكلية الحاضنة. بيئة شكلية متيمة بالأنثى، والنسوة الجميلات في لحظة تصوير وتجلٍّ فكري وجمالي. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، الذي يرمز الى الحضارة والفكر التنويري ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفية الموقف المنشود. والموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف التي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والمجوهرات والأشياء المادية الثمينة، والصناديق الخشبية المطعمة بالصدف والفضة الغنية بالزخارف والزركشات والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.
هكذا باتت رمزية دمشق في متواليته اللونية ملاذاً لهواجسه وحدسه، وربما رداً صريحاً على تيارات تشكيلية، لم يجد نفسه في نسيجها. في هذه الأعمال، يتجاور الجمال الشرقي الآسر لنسائه المسربلات بالحزن والفتنة، مع عناصر زخرفية، تؤكد على هوية محلية في تأصيل تجربته وبصمته الشخصية المغايرة .
وكذلك فإن البعد التزييني في حضوره الشاعري، لم يطغَ وحده على الوحدات السردية في طبقات اللوحة وتوليفاتها الواقعية والأسطورية. هناك إذاً مسافة واضحة بين ما أنجزه نبعة بدأب ودراية وصمت والبعد الإعلاني والإعلامي لتجارب سواه. المرحلة التي أطلق عليها «دمشقيات» واستمرت طويلاً نسبياً، مقارنةً بمراحل أخرى، وكانت نواة تجربته اللاحقة، سيفتح الباب على مصراعيه للحلم الشرقي بألوانه المبهجة وفتنته الطاغية، مفصحاً عن قيم الجمال الدمشقي، وذلك بتطويع العلاقة بين ما هو واقعي وأسطوري واستنفار جماليات الموروث الشرقي الشعبي في منمنمات مرسومة بدقة.
نترككم مع لوحات فناننا العبقري المتجدد الفنان نذير نبعة الذي اكتفيت بعرض جزء يسير من لوحاته فقط التي تحكي مدينة دمشق


الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة من مواليد مدينة دمشق عام ،1938 تخرج في قسم التصوير من كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة عام ،1965 أتم دراساته العليا في المدرسة الوطنية العليا للفنون بالعاصمة الفرنسية باريس عام 1972. مارس مهنة تدريس الفنون في مدارس مدينة دير الزور ودمشق، ومواد التصوير في كلية الفنون الجميلة وطلاب الدراسات العليا. وعمل رسام موتيف ومصمم غرافيك للرسوم الداخلية للعديد من الصحف والملصقات في بيروت ودمشق. وهو قامة تشكيلية سورية متطاولة في ميادين الحركة التشكيلية المحلية والعربية العالمية، وواحد من روّاد الحداثة التعبيرية السورية المميزين، ومشرف على عشرات مشاريع التخرج لطلاب كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. أقام مجموعة من المعارض الفردية والجماعية والمجموعات، وحصل على مجموعة شهادات التقدير والتميُّز والجوائز.

لوحاته التصويرية خارجة من جلابيب ذاكرة الأمكنة السورية البصرية، متدثرة ومتناغمة مع جميع تجلياته اليومية المعيشة والأسطورية المُتخيلة بتقاسيمها التشكيلية التي تفيض حيوية وحركة، وجماليات معانٍ وقيم تشكيلية مدروسة ومتوازنة ورصينة. يسبح في متنها الوصفي في فضاء العزف التقني المتنوع السمات والخصائص والمواد والأدوات، يدندن بخطوطه ومساحاته الملونة العاكسة لشخوصه وأوابد مكانه السوري أنشودة المواطنة السورية في أبهى مظاهرها الوصفية. يستعير مكوناته من معينها خلسة وينثرها صريحة الأشكال والمكونات فوق سطوح خاماته المستعملة. يجوب فيها ومعها برحاب التيارات الواقعية التعبيرية، والتعبيرية التأثيرية الرمزية والتعبيرية التجريدية مجتمعة أو متفرقة، والمتناسقة مع خيارات مواضيعه المطروحة في هذه اللوحة أو ذلك العمل الفني.

النسوة حاضرات بقوة في جميع طقوسه الشكلية، يتصدرن المشاهد البصرية، ويلعبن أدوارهن الطبيعية في استكمال دورة الحياة السورية بما يمثلن من رمزية المكان السوري وأصالته، والمحاكية لحديث الأرض وذاكرة الإنسان في تجليات الأمل والعمل المثمر والمفيد والمزين بالعلم والمعرفة ومواكبة دورات الحياة الحرة والعيش الكريم من خلال إشارات نصيّة تشكيلية رمزية. وهي تارة محمولة بحديث النسوة وخلواتهن في ناصية قصة هنا وحكاية هناك، تدخل معترك الواقع المعيش بالمتخيل الرمزي والأسطوري في حسبة تقنية فائقة الجودة والرصف المتوازن والمتكامل لعناصر الموضوع ومفرداته التشكيلية في فضاء كل لوحة من لوحاته.

دمشق القديمة في بيوتها الملتحفة بالأسرار والحكايات والتي تُعيد الشيخ إلى صباه، هي مجاله الحيوي في نسج معالم صوره المرسومة والملونة بأناقة تعبيرية وباقتدار فني وتقني وجمالي، من فنان امتلك جميع مقومات الابتكار فكرة وتخيلاً وتطويعاً لمواد وأدوات لمصلحة خياراته التصويرية، ومداد رؤاه التشكيلية التي تُعطيه التميز والخصوصية والتفرد ما بين أقرانه في الحركة التشكيلية في زمانه ومن تبعه من أجيال فنية تشكيلية سورية سابحة في محيط مقاماته وولائمه البصرية. يجد المتلقي في تفاصيل لوحاته متسعاً لمقولات التراث والحداثة، يذكرهم بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع.

تُخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفياته الموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف، والتي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والجواهر والأشياء المادية الثمينة، والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.

لوحاته في بنيتها اللونية لا تخرج عن دائرة الألوان الرئيسة (الأساسية والمساعدة) والمتوالدة في ملونات مشتقة ومتناسبة، مع طبيعة المشهد الوصفي. كل لون فيها مدروس بعناية وفهم تقني خاص، لا نشاز فيها لخط أو لون وحتى مكونات تشريحية في رسم معالم شخوصه ومتمماته الخلفية وتصويرها، عامرة بملونات الحياة الطبيعية ومكوناته المرصوفة من فنون رقص وموسيقا وعلوم ومعارف وآداب ومعايشة، مدرجة في قوالب شكلية جميلة تفصح عن جودة مؤلفها، وموقعه المميز في ذاكرة الفن التشكيلي السوري الحديث والمعاصر.

المصدر: an-nour.com


نذير نبعة … تبدلات الانفعال الفني أمام الموضوع

حلب
فنون تشكيلية
الخميس 14-6 – 2012
ابراهيم داود

إن الإحساس أو الانفعال يتبدل ويختلف أمام الموضوع ، أو أمام كل موضوع جديد ، بل يختلف أحيانا في الموضوع الواحد في لحظات مختلفة ، وبالتالي يتبدل الأسلوب بصورة حتمية.
الفنان التشكيلي نذير نبعة كان قد ذكر هذه الكلمات قبل معرفتي به في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عندما كان يعلمني مادة الرسم وأسسه لمدة أربع سنوات متتالية وهو الآن أحد رواد الفن التشكيلي السوري .‏

ففي عام 1965 أقام الفنان نذير نبعة معرضا لأعماله الفنية في دمشق وأثار هذا المعرض ضجة كبيرة لأن ما رآه النقاد والفنانون آنذاك يمثل تجربة جديدة غريبة في أسلوبها وتتجلى فيها قوة فنان يحمل رصيدا فنيا ويسعى لإيجاد أسلوب فني خاص يمكن إن نسميه أسلوب نذير نبعة.‏

وكانت حصيلة الجدل حول المعرض تتلخص في مشاكل جديدة طرحت أمام الحركة الفنية في سورية في الستينيات مفادها بأنه هل يحق للفنان أن يرسم عدة لوحات متقاربة الزمن بأساليب مختلفة أم أن أسلوب الفنان وطريقته يجب أن يظهرا في كل عمل من أعماله والى أي مدى يمكن أن تندمج الأساليب الفنية المختلفة ضمن لوحة واحدة وهل يعتبر الرسام فنانا إذا لم يصل إلى أسلوب متميز واضح والى نقطة انطلاق أسلوب ؟! والأسلوب الذي رسم به نذير نبعة لوحاته كان يمثل وجهة نظره للفن لأن معرضه عبارة عن مجموعة محاولات للتعبير عن أفكار هي في الواقع أساس التجربة وهي التي رسمت الخلفية فيها بأسلوب واقعي جدا يقترب من التسجيل الحرفي وبين مقدمة اللوحة التي حاول الفنان فيها أن يجري بعض التحوير على رسم الأشخاص ليتلاءم مع الفكرة التي يريده .‏

وتوصل النقاد آنذاك بأن معرض نذير نبعة يختلف في أسلوبه تبعا للفكرة التي يريد التعبير عنها وان أفكاره الجديدة هي التي تمثل أسلوبه الحديث ولا يتميز بأسلوب فني محدد بل يستخدم كل الأساليب المعروفة للتعبير عن فكرته.‏

وأصبح من الممكن استخدام الواقعية التسجيلية بجانب التعبيرية أو التجريدية في لوحة واحدة للتعبير عن الأسطورة التي يحاول الفنان تضمينها معنى جديدا عصريا.‏

وان تجربة الفنان نذير الأولى كان يغلب عليها الطابع الواقعي التي تمتد من محاولاته في الرسم أيام الطفولة والتي أولع فيها برسم الطبيعة حتى المرحلة التي أنهى فيها دراسته الفنون في القاهرة ونال شهادته على مشروع التخرج الذي قدمه بعنوان (عمال مقالع الأحجار ) وكان آنذاك يتجه نحو تحوير الواقع وتحريفه متأثرا بأعمال بعض الفنانين المصريين وكانت ألوانه تعكس شاعرية استغرقها الألم والجانب الشعري فيها مأساوي أيضا ونستطيع التأكيد على أن ألوان البيئة التي درس فيها قد أثرت عليه كثيرا وذلك لوضوح تقارب ألوانه مع ألوان الفنانين الذين رجعوا من القاهرة وان اختلفوا بالأسلوب فيما بعد ويتجلى تأثر الفنان بالفن الفرعوني في إعطاء التكوينات شكل الهرم وإبرازه الكتل الضخمة بالحجوم الراسخة كما كان تأثره بالسريالية والتي يتجلى واضحا في اعتماده على الأساطير القديمة والحديثة حتى إننا نستطيع القول بأن كل لوحة من لوحاته تحتاج إلى ثقافة والى معرفة بالفكرة الموحية وبهذا قام الفنان بعملية دمج التراث الفرعوني مع التراث الأسطوري ليعبر عن فكرته للإنسان وعن أزمته تجاه أحداث العالم.‏

وفي قول للفنان ( على الإنسان أن يحمل في قلبه وفي كل خلية من خلايا أعصابه روح قومه أن يفهم بعمق علاقة الإنسان بالشجرة التي يغرسها في الأرض).‏

وبعد تلك المرحلة التي تحدثنا عنها طور عمله لتصبح الأشكال معتمدة على الخط الخارجي الذي يمثل الأشخاص والموجودات الأخرى ويكون مبسطا لتبرز الحجوم وإعطاء اللون الواحد المتدرج القيم للتأكيد على هذه الحجوم وإعطاء القيم التشكيلية المختلفة ثم تبدلت الألوان بعد ذلك لتصبح مشرقة وأصبح التعبير رمزيا وبدأنا نرى أن التعبير عن الجو الأسطوري قد أخذ شكلا غير مباشر يميزه عن أعماله الأولى ولكن هذه التجربة لم تستمر كثيرا لأن نكسة حزيران وما تلا النكسة من أحداث قد بدلت نذير نبعة تبديلا عميقا وجعلت أعماله ترتبط بأحداث وتعكس رؤيته للظروف الراهنة التي تمر بها الأمة العربية .‏

فيقول الفنان نذير (سفري إلى باريس جاء بعد نكسة 67 بعامين، كنت وقتها في حالة إحباط شديد. البعد عن المكان والذهاب إلى الغرب ومواجهة حضارته وثقافته أدخلني في تجربة التصوف أنا لست متصوفا ولم أكن.. لكن في باريس تعرفت على شاب مصري هو احمد قاسم ابن الدكتور محمود قاسم الذي كان عميدا لكلية دار العلوم وجدت لديه كتيباً صغيراً لنص محاضرة ألقاها والده في الأربعينيات عن (الخيال عن ابن عربي).‏

المحاضرة كانت بلغة بسيطة وبعيدة عن لغة الفلاسفة الغامضة هذا الكتيب فتح لي الكثير من أبواب المعرفة وعرفت من خلاله طرق التصور عند شعوب الشرق من خلال أفكار المتصوفة فهم يعتبرون أن الحياة الحقيقية للموجودات تكمن في الخيال.‏

لو بسطنا الأمر:أنت في الواقع ترى الشجرة في حالة واحدة في فصل الصيف أو الشتاء أو الربيع أو الخريف. تراها شجرة تفاح أو جميز أو مانجو لكن عندما تقول (شجرة) فقط ، فأنت ترى جميع الأشجار في خيالك في لحظة واحدة، وفي جميع الفصول والأزمنة حياة الشجرة الحقيقية تراها في الخيال أكثر مما تراها في الواقع وجدت في هذا التصور أفقاً واسعاً للتصورات التي كنا نبحث عنها، بمعنى العودة إلى الأشكال التي كانت مطروحة في الفنون القديمة أو في حكايات الجدات. صار بإمكانك أن تستخدم أدوات عالمية ولكن بروح ورؤية خاصة بك ومن خلال هذه الرؤية الخاصة يمكن أن نكسب هذه الأدوات صفات البيئة أو المنطقة التي خرجت منها!!).‏

و رغم انتقالاته المهمة في محطات و مراحل تجربته الفنية الطويلة و الغنية ظل اسم( نذير نبعة) مرادفا بشكل رئيسي للمحطة الأكثر إنتاجا و الأطول عمراً و التي اعتمد فيها واقعية خاصة. رمزية , شرقية فيها تأكيد على التفاصيل التي استوحاها من التراث الوطني السوري و العربي و من روح الذاكرة الجمعية لشعبه و رسم فيها (امرأة نذير) التي حورها من المرأة الواقعية إلى رمز يحمل معاني و دلالات تتجاوز صورتها. ملحا على التفاصيل التي تغني الموضوع و أحاطها غالبا برموز تتعلق بالأرض و التاريخ و المدينة و قيم الحق و الخير. يذكرنا بآلهة الجمال عشتار, بجمال يجمع بين الداخل و الخارج. الأساطير و الموروث و الخيال المجنح جنبا إلى جنب مع قضايا معاصرة على الصعيد الوطني , مارست تأثيرها عليه وعلى أبناء جيله . يرسم كل ذلك بمحبة عاشق و حرفية معلم متمكن.‏

و لكن الفنان نذير نبعة تخطى ( كما يليق بفنان كبير) في تجربة جديدة عرض جزءا منها في العام 2003 تحت عنوان تجليات, حدود عالمه المعروف في مغامرة تشكيلية تمثل بالنسبة إليه محاولة لتلمس هواء آخر . نوع من التنفس و إشراقا, أكثر علوا و ثراء و دهشة. و في صعوده تلمس طريقه في رواق حياة فنية و إنسانية زاخرة أوصلته إلى ذلك البعد الفريد من صبوة العقل للغوص و الاكتشاف و الابتكار في تحولات هادئة حينا. و انبثاقات أخذت بعدا مدهشا حينا آخر ، مستندا إلى تاريخ غني يبرر تلك النقلة بمقدار ما يغذيها .‏

تحتفي لوحاته في تجربته الأخيرة بتضاريس الأرض السورية و هو يحضر بعجينته البيضاء اثلاما و نتوءات و تهشيرات منشئا عالما من الغرافيك الصافي تحبه العين و تحار في مساراته و تشكيلاته و لا تطمئن لعزلته حيث لا بشر و لا طير .‏

لكن لعبة البصر في الانتقال من تشابهات واقعية إلى بحث في قيم تجريدية يقودها اللوم و الملمس و القيم الغرافيكية ستشكل لازمة إجبارية لمشاهدة هذه التجربة بكاملها. و لن يكف العقل عن التساؤل و القلق فيما يواجهه من إشكال و تكمن الهنا بالذات اهمية الجملة الجديدة لنذير نبعة حيث لا نقترب من تغريب الشكل إلى درجة القطيعة مع روح التشكيل و ثقافة البصر و حداثة الرؤى الفنية.‏

حياة الفنان التشكيلية حافلة بالعطاء وغنية بالمواضيع والمحطات، حتى غدا مرجعية بصرية للعديد من الفنانين التشكيليين الشباب، ولا يُمكن لأي دارس إلا التوقف الجاد والمتأمل في كافة جوانبها وخلفياتها الفكرية والجمالية ومتن بنيتها التشكيلية شكلاً ومقولة ومضموناً.‏

ولد الفنان في دمشق 1938 ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1949-1959، ثم في باريس ما بين 1971- 1974 له عدة معارض شخصية كما شارك في معارض مشتركة ما بين 1964- 2002 في موسكو- طوكيو – لايبزغ – براتسلافا. وقد نال عدة جوائز عربية وعالمية.‏

المصدر: jamahir.alwehda.gov.sy/


الفن لدى “نذير نبعة” استخلاص من الطبيعة والإنسان

علاء الجمّال
أقامت غاليري “تجليات” للفنون الجميلة في “دمشق” معرضاً استعادياً لأعمال الفنان التشكيلي السوري “نذير نبعة” قدمت فيه مجموعة من لوحاته القديمة التي شغلت ضمن فترات متفاوتة كل منها ينتمي إلى مرحلة من المراحل التي دخل بها وجسد فيها تأثره الجمالي وهاجسه البحثي بين عوالم الطبيعة .
نرى في اللوحات تعبيرية فاتنة مثقلة بالسكينة والحزن المكتوم، وواقعية تصويرية لرؤى حلمية مشبعة بالحس الإنساني النبيل تجسد شفافية المرأة وعذرية الجمال مع عناصر حيوية من الطبيعة الصامتة (الرمان والجوري والقوقعة والقنديل وساعة الوقت) جميعها عناصر تثير التساؤل في دلالتها، وتجذب في تكوينها تأملات البصر.

يقول الفنان “نبعة” في حوار أجراه معه الناقد التشكيلي السوري “عمار حسن” حول رؤيته للوحة المتحولة بنسيج الخيال: «إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعني أنه يحب الآخر».

وحول الطبيعة الصامتة في أعماله، ولاسيما (الورد الجوري)، يقول: «أغلب العناصر التي أرسمها لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً (الورد الجوري) عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وهذا السور مغطى بالورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، فالطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له، ومن هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق».

عين على العالم والروح.

رافق افتتاح المعرض توقيع كتاب توثيقي للفنان، صادر عن الغاليري نفسها بعنوان (“نذير نبعة” ـ عين على العالم… عين على الروح) ويقع الكتاب في /182/ صفحة من القطع الكبير ، حيث يضم في جزئه الأول قراءة تحليلية وجدية لمختلف المراحل التي مرّ بها الفنان “نبعة” كتبها الباحث والفنان التشكيلي السوري “يوسف عبدلكي”، ويطلعنا في جزئه الثاني على ومضات من حياته الماضية في “دمشق” و”القاهرة”… والجزء الأخير يحمل صوراً فوتوغرافية للوحاته اختيرت من المراحل التي مرت بها تجربته الفنية.

يقول الباحث “عبدلكي” في رؤيته التحليلية حول حضور النساء: «إن حضور النساء الحالمات وملامح الحزن المكتوم وغلالات الغموض والحكايات المهموسة والأماكن الرومانسية المغلقة لدى الفنان “نبعة” إضافة إلى سيطرته التقنية وقدرته على جمع النقائض في بوتقة واحدة، كونت للوحته مكانها الفريد في تاريخ التصوير السوري».

ويضيف: «بشيء من التأمل نرى أن نساء لوحات “نذير” لسن نساء نراهم في الحياة العادية، إنهن نساء نائيات.. من المستحيل ملاقاتهن، والتحدث إليهن، وملامستهن. إنهن نساء حلم قادمات من عالم الخيال والرغبات… هكذا نرى أن المصور الذي طالما عاين الواقع حوله ها هو يمضي بعيداً عن هذا الواقع، وكأنه بعد أن تمثل طويلاً تشوهات الواقع المعاش قرر أن الاحتجاج الاعتيادي غير مجد فانكفأ إلى قوقعته ليحتج على طريقته وليرسم لنا عالماً بديلاً عن عالم البشاعة..

عالمً من الجمال والسكينة والانسجام .

وربما يكون الواقع السياسي المرير في السبعينات والثمانينات هو أحد دوافعه لبناء هذا العالم».

 وفيما يتعلق بتحليله لموقف الفنان “نبعة” من الاعتبارات التي سادت الأجواء التشكيلية، والنقد الذي أشار إلى تراجعه عن أعماله السابقة، يقول “عبدلكي”: «في هذه السلسة التي نلمح فيها ظلال مثالية ورومانسية “بوتشيلي” ورمزية وغموض “غوستاف مورو” كسب “نبعة” اعترافاً غير متنازع عليه بأستاذيته في الرسم، ولكنه أيضاً كسب الكثير من همس الفنانين في أنه لا يدفع تجربته وموهبته إلى النهاية وأن هذه السلسلة بقدر ما توضح تمكنه فإنها تشكل تراجعاً عن عمله السابق، و”نذير” يدافع دائماً عن عمله بقوله: “أني أريد إعادة الإعتبار إلى فضيلة الرسم، وإعادة الإعتبار إلى القيم المهنية في اللوحة”، وفي أحد وجوهه عبر عن استيائه من الأجواء الفنية التي تزداد فيها نزعة السهولة والركاكة والاستعراض، وتدخل الاعتبارات السياسية لتكريس فنانين في مقدمة المسرح التشكيلي رغم ضحالة مواهبهم ومسوخ لوحاتهم».

 استحضر الناقد التشكيلي “عمار حسن” رؤية “لغوغان” بالفن وأسندها إلى أعمال الفنان “نبعة”، وكانت مهداً لحواره معه، يقول فيها: «الفن تجريد استخلص من الطبيعة بالتأمل فيها وإمعان التفكير جيداً بالخلق

الفنان صفوان داحول

ادر سورية بحقيبة من الآلام والألوان
صفوان داحول: لوحتي احتمالات متعددة
التاريخ:: 22 فبراير 2014المصدر: ديانا أيوب ــ دبي

حافظ التشكيلي السوري صفوان داحول على لغته اللونية الخاصة التي رافقته منذ بداياته، وواظب عليها مدة تصل إلى 25 عاماً، دون أن يجد في الاتهام الذي لاحقه بالتكرار من الصحة ما يدعوه الى تغيير أسلوبه. يرى داحول ان اللوحة التي يرسمها عصية على التكرار، وهي أشبه بحالات يقدمها من خلال المرأة التي تحولت الى «الراوي» كما يحب أن يسميها. انتقل داحول إلى دبي منذ ما يقارب عامين، ويعيش حالياً في غربة لاشك أنها تؤثر فيه على الصعيد الشخصي إن لم يكن على المستوى الفني أيضاً، وقد حدثنا عن أوجاع الفنان السوري في ظل الوضع الراهن ومسيرته، والكتاب الذي يحضر له في هذا الحوار.

Invalid Displayed Gallery

سيرة لونية

media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/02/97289.jpg

ولد الفنان صفوان داحول في مدينة حماة، وقد انتسب إلى مركز سهيل الأحدب للفنون في سورية، ثم تابع دراسة الفن في كلية الفنون في دمشق، بينما حصل على الدكتوراه في التصوير في بلجيكا عام 1997. تحمل أعمال داحول الكثير من الملامح التاريخية وذلك من خلال الملامح الفرعونية التي تظهر في عيون المرأة التي يرسمها، إلى جانب تأثير الحضارة الرومانية من خلال أشكال الأصابع التي يرسمها.

المرأة والرجل

تعتبر المرأة الفرعونية الملامح من الثوابت التي لا تفارق لوحات داحول، فهي تجلس على كرسيها وتنحني على بعضها بعضاً أو تقف على نافذة مفتوحة، لا تغيب عن اللوحة حتى حين يتعمد تضخيم الوجه، فنرى ملامحها بوضوح. لكن هذه المرأة كانت لها محطات مع الرجل الذي يظهر ويختفي في أعمال داحول، فنجده يساندها ويكون الى جانبها أحياناً، بينما يتركها وحيدة في فضاء الكانفاس في أحيان أخرى.

لوحات ملونة

على الرغم من حرص الفنان السوري صفوان داحول على استخدام لغة لونية معتمدة على الأبيض والأسود، والتي جعلها أقرب الى الرمادي اليوم، فإنه في مراحل سابقة قدم مجموعة من الأعمال الملونة التي كانت تحمل صياغة لونية ثابتة أيضاً، إذ نجده يميل الى الخلفيات المائلة إلى اللون الأصفر مع الأزرق في اللوحة.

شكل ترك سورية والانتقال الى دبي بسبب الحرب الدائرة في سورية محطة لداحول، وقال عنها «الوجع السوري لابد أنه يحضر مع الفنان، فهو يحمله معه، فمن يترك بلده يعش غربة بلاشك، جو جديد ومناخ جديد، والأوضاع التي نسمع عنها من خلال النشرات الإخبارية، وكذلك ما يتم نقله لنا من قبل الناس الذين مازالوا موجودين في سورية، كلها عوامل تزيد الضغط النفسي على الفنان، لكن للأسف قدر الفنان أن يحول كل ما يعيشه مهما كانت قساوته إلى فن». وأضاف «لم أغيّر في لوحتي على الرغم من كل ما حدث، فالكلام الذي أريد قوله من خلال فني مازال هو نفسه، وأعمالي هي نفسها تقريباً، وبالخطوات ذاتها». أما البيئة المحيطة التي تؤثر في الفنان والتي تركها داحول بعد ان غادر سورية، فلفت الى أن المرء يتخذ قرار الهجرة حين يشعر بأنه لم يعد قادرا على رؤية نفسه في بلده لأي سبب، لكن ما الفائدة طالما أنه يضع الأحلام والآلام والفرح والغضب في حقيبة ويحملها معه؟ فليس من المهم أين هو المكان الجديد، فالمرء يصنع عالماً جديداً كونه مضطراً للاستمرار. وتابع الفنان السوري «لا أعرف ان كان الطريق الذي أسلكه يومياً لمرسمي في دبي يشبه الطريق القديم الذي كنت أسلكه لمرسمي في الشام، لا أنظر الى هذه الفروقات، أريد ان استمر، وسأدافع عن استمراري، لأن هناك الكثير من الكلام الذي أريد ان اقوله ولم أنته بعد». واعتبر داحول أنه من الأفضل ان يكون المرء قادراً على ان يعبر من خلال ما يفعل، وهذه نعمة تضاف إلى الفن، فيصبح المرء شاهداً حقيقياً على ما يحدث. وأردف قائلاً: في أقل الأحوال يجب أن يكون الفنان صادقاً، لأنه يعيش حالات كثيرة في فنه، منها أنه مجبر على التوجه الى حيث موقع الفن والمعارض الجديدة من جهة، وكذلك أن يعبر عما يحدث في مجتمعه من جهة أخرى. ولفت الى أنه من الضروري أن يدرك الفنان ان ما يقدمه هو عمل فني ولا يدخل الأجواء المباشرة ولا يحمّل اللوحة أكثر مما تحتمل، فاللوحة ليست نشرة إخبارية، مشيراً الى ان العمل الفني يؤمن نوعاً من التوازن الخاص والشخصي، فالفنان أمام اللوحة يعيش صراعات عدة، من ضمنها السعادة الشخصية والتفريغ. أما إيمانه بالحياة فتمنى أن يكون قويا. وأوضح أنه «من الظلم لأي انسان ان يفقد إيمانه بالحياة، بسبب ما نعيشه من ظروف صعبة، وليس هناك مخيلة تحتمل ما وصلنا إليه، وقد تربينا على ان الإنسان أقوى، وليس بالامكان ان نعيش كل الثواني بالغضب، الله خلق الحياة لتكون أجمل من الغضب».

لاحقت داحول اتهامات بالتكرار بسبب حفاظه على لغة لونية تقوم على التقشف، إلا ان هذا الاتهام لم يؤثر فيه، فيشير الى اختلاف كبير بين التكرار والاحتمالات، فالمبدأ الذي يرافق أعماله هو الاحتمالات المتعددة، وفي كل عمل هناك آلاف الاحتمالات. وأضاف «أتبع الفكرة في العمل، ولا أميل الى ان أكون ديكتاتوراً وأفرض على الفكرة نهاية حين تنتهي اللوحة، بل أسير مع الفكرة عبر سلسلة لوحات». وشدد على ان الفكرة التي يقدمها قابلة للتمدد مع الزمن، ويحتاج الى ألف سنة اضافية كي ينجزها، فالفن عمره آلاف السنين ويستمر لأنه يحمل قابلية التمدد، حتى الفنون الحديثة والمعاصرة لها مصدر سابق، وهي استمرار لما قدم قبلها. وأشار الى أن العمر الافتراضي للفنان ينتهي جسدياً أحياناً، ويأتي من يكمل أفكاره من بعده، وهذا لا يمكن إلا حين تتابع الفكرة. ورأى داحول وجود أسماء عالمية قدمت فكرة واحدة طوال مسيرتها الفنية، متسائلاً ان كان من الممكن اتهامها بالتكرار. وأكد أنه في البداية كان هذا الانتقاد يزعجه قليلاً، خصوصاً أنه يضع أعماله في معارض فردية، فاللوحات تتجاور، كما أنه قدم كتاباً يوضح فيه الاحتمالات التي يقدمها والتشابه والاختلاف مع أسبابهما، أما اليوم فلا يتأثر بهذا الكلام، بل يمضي في أعماله التي تعبر عن الفكرة التي مازالت تحتمل الكثير.

أما المرأة التي رافقته في الأعمال، فقد تحولت الى الراوي الذي يقدم من خلالها ذكرياته، كأنه يروي مجموعة من الأحداث، بينما في المقابل يأتي البناء الهندسي، اللغة التي يعتبرها داحول لغته الواضحة والمسموعة والمرئية «ففي النهاية هي أمور تقنية وبصرية، والزوايا والانحناءات وكل ما أقدمه تشريحياً لا ينتمي للواقع، بل لغة رمزية عالية».

إلى جانب المرأة التي رافقت داحول في أعماله، كان عنوان حلم مرافقاً له أيضاً، وقال بهذا الخصوص «لا أحب أن أفسر للمتلقي، أحترمه وأفرح حين استمع الى ما لم أكن أراه في العمل، وهذا أمر يرتبط بالفنان وأسلوبه». أما في المعرض الأخير فقد استبدل داحول «حلم» بعنوان «كأنه حلم»، لأنه وجد الواقع أقسى بكثير، وأن ما يحدث لا يمكن ان يصدقه أو يحتمله اي إنسان.

(دائماً كنت أحلم أن أكون رساماً … الآن مهنتي الرسم… متزوج وعندي ثلاث صبيان… وأرسم لأني مازلت أحلم أن أكون رساماً… إنه مجرد قدر…) صفوان داحول: مواليد حماه1961م…خريج كلية الفنون الجميلة-دمشق- قسم التصوير 1983م… خريج قسم الدراسات العليا كلية الفنون الجميلة –دمشق1985م… خريج المدرسة العليا للفنون الجميلة ببلجيكا 1987م … نال شهادة الدكتوراه من المعهد العالي للفنون التشكيلية – مونز- بلجيكا… عاد إلى كلية الفنون الجميلة- دمشق كمدرس في قسم التصوير عام 1997م … حاصل على جائزة ملتقى إعمار الدولي في التصوير… إحدى لوحاته حققت أرقاماً قياسية في المزاد الثاني لدار كريستي بدبي.


السوري صفوان داحول.. فنان لا تتجاوز لوحاته الألم
فاطمهنشر في القاهرة يوم 04 – 01 – 2011
أضيف إلي قاعات عرض الفن منفذ جديد لعرض الفنون ليزداد التفاعل داخل المشهد التشكيلي المصري- العربي في قلب القاهرة بافتتاح «جاليري أيام» لفرعها الجديد في القاهرة بعد فروعها في دمشق وبيروت ودبي.. واختارت «أيام» لوحات التصوير للفنان السوري صفوان داحول لتفتتح به نشاطها.

شاهدت المعرض في الجاليري المهيأ للرؤية الجيدة وأهدتني مديرة القاعة كتاباً ضخماً عن أعمال الفنان صفوان الذي كنت شاهدت له من قبل عدداً قليلاً من اللوحات.. وبهذا الكتاب وبلوحات المعرض أمكنني ان أدرك إلي حد كبير مسار هذا الفنان شديد التميز الذي لم يغادر مدار آلامه الذي اختاره لنفسه منذ سنوات ليزداد الألم برحيل زوجته ليصبح برحيلها تأثير ازاحة الألم مباشر للغاية من نفسه إلي سطح اللوحة.. ولعشرات من اللوحات.
ولوحات الفنان صفوان بها ثراء بصري ورمزي وأيضاً هي مجال خصب للسرد العاطفي وتقترب تقنيته قليلاً من مفهوم الحافة الصلبة للفن التجريدي بالتجائه للحد الأدني في السرد البصري ويمكن ان نتساهل فنقول ان اتجاهه يقترب إلي حد ما من فن البوب.
الفنان صفوان آراه في معرض القاهرة الذي هو امتداد لمعارض أخري ما زال محصورا في دهاليز بصرية ووجدانية لفترة مرض زوجته ثم رحيلها عام 2008 ثم ما بعد الرحيل حتي الآن.. وهذا يلاقي لدي الفنان قبولا وجدانياً لميله الدرامي فالحزن الكامن في لوحاته بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة.
ورغم وضوح ومباشرة هذه التيمة للمرض والتي شاهدتها في معرض «أيام القاهرة» ولوحات كتابه أري الفنان صفوان قد جعل من زوجته «أيقونة» للمرض وطوطم لوحاته حتي اعتادها المشاهد عبر متابعته زمنياً.. ورغم هذه المباشرة إلا ان هناك غموضاً في لوحاته واحتباسا لحقيقة ما وربما هذا هو أمتع ما في لوحاته أكثر من فكرة السرد المرضي وما يتبعه من إحساس بالسلبي الظاهر واللوعة لفعل التضحية.
الفنان رسم زوجته في حالات معاناتها في استسلام ورحيلها استخدم فيه كثيراً تكرارات «ثنائية» للشخصية في اللوحة الواحدة باللونين الأبيض والأسود كثنائية في كل لوحاته وكأداة لتحقيق فراغ معنوي وجمال قصدي.. وهذه الثنائية استحضار الشخصية وثنائية اللون أراه استحضر أيضاً ما يوحي بثنائية انقسام الذات.
وتبدو في لوحاته ثنائية أخري متناقضة من تقبل الحياة.. فنراه في معالجته المتكررة والدائمة بالتفاف القدمين حول بعضهما البعض وكذلك الساقين لجسد ثقيل في مادية ربما هي رغبة في عدم الارتباط بالمادية الأرضية أو رغبة الانسحاب من الواقع المادي بينما نجد معالجته لأصابع الكفين تحاول شق طريقها للفراغ لأعلي في التواءات من يعاني رغبة في الانطلاق حتي عن الجسد. فتظل القدمان قيداً أرضيا في استسلام سلبي والأصابع هي الفاعلة الإيجابية وهذا التناقض يثير الحيرة في لوحاته.
ومثلما بدت لديه الأقدام أرضية مادية اتفق هذا واللون الأسود ومقاعد لوحات القائمة في ارتباطها والأرضي بينما محاولات انعتاق الأصابع اتفقت وفكرة التحليق التي بدت واضحة في إضافته أجنحة لشخوصه والذي ألصقها في بعض لوحات زوجته الراحلة كرمز مباشر للملائكية إلا ان الأجنحة ظهرت مبكراً في لوحة رسمها عام 1989.. وأري ان إضافته لأجنحة صغيرة رقيقة فوق كتفي زوجته الراحلة لم يضيفا شيئاً إلي الإحساس الدرامي وبديا رمزاً مقحماً للفقد لأن الجناحين رمز للطيران والارتفاع.. والغريب انه لم يعد للأجنحة رمزية مباشرة للتحليق ففي عام 2002 رسم امرأة جالسة ملتفة القدمين أرضاً ورأسها متكئ علي ركبتيها وفوق ظهرها جناحان صغيران.. فالانكفاء دون التسامي والجلوس دون التحليق.
ومنذ عام 2000 بدأ الأبيض والأسود يظهران في لوحاته والانكفاءات ولم تعد هناك نوافذ تطل منها شخوصه علي الخارج وبدأت تظهر مقاعد تحتضن شخوصه المنكفئة ثم بدأ إحساس الفقد يتصاعد برسمه المقاعد الشاغرة.
وفي معرض القاهرة ظهرت مقاعد شاغرة وفضاء اللوحة مضغوط ليتدفق ذلك والسكون الاستسلامي وعدم التواصل بين ثنائياته النسائية اللاتي يظهرن دائما كتوأم إحداهما تنسلخ من الأخري.. الأصل والمادة..
الصورة والطيف
وهناك رمزيات أخري في لوحات الفنان السوري فاهتمامه برسم القدم ربما يرتبط بما في المعابد القديمة بالأخفاف المحفورة في التراب كرمز للشخص القادم لتقديم أضحية.. كذلك العين التي يدفعها صفوان داحول تجاه المشاهد في تركيز أو كأنها عين منومة وهي ربما ترمز إلي انفتاحها علي الأبدية كما في بورتريهات الفيوم في مصر الرومانية.. كذلك لجأ الفنان إلي رسم عين «الأودجا» المصرية الفرعونية لنساء لوحاته كنقيض لعين الإنسان ولعين الباز حورس..
كذلك رسمه للكف تكمن في رمزية من خلالها يمكن ادراك نوع المرض الذي يصيب صاحبه.. وفي رمزية للأبيض والأسود جمع النقيض فالأبيض رمز الطهارة المنتشرة في الزمان والمكان والأسود ندركه والفراغ، ولنراهما متحدين بحيث لا يمكن الفصل بينهما وبين موت من جهة وحياة من جهة أخري.
والفنان صفوان هو مخطط بارع ويميل للسردي من لوحة لأخري وتكاد تكون لوحاته مجملة وفرادا شكلاً أدبياً وكأنه لا يرسم فقط بل يقصد ان يكمل موسوعته البصرية في وحدة وجدانية شديدة يحاول ان يضع كل علامة في زاويتها المناسبة.. رغم ان مفرداته البصرية مكونة من أنماط مكررة.
أما عن شخوصه وعلمي انه يرسم زوجته الراحلة دوماً إلا أنني تمنيت ان يتخطي الحدث وزمانه ليجعل الرؤية أوسع في إنسانيتها حتي لا يبدو متحركاً في نطاق زمني محدد ومحدود بدرامية معينة ليتمكن من رسم الإنسان أي يجسد فكرة معاناة الإنسان عامة وليست الشخصية.. وهذا سيجعل الضوء الباطني أكثر تألقاً، بدلاً من تقديم معاناته وزوجته في صور متشابهة الهيكل وبطريقة ومنظور واحد.. فأين مجادلة الفن هنا وهو يكرر عاطفة منصوصاً عليها من حيث القوة بشكل متطرد وفي مواقف محبطة الموضوع.. أعتقد أنه علي الفنان داحول الإفراج عن «نوار» زوجته الراحلة وآلامها من قيود تمثيلها المتكرر وتكريس آلامها.. فكيف بعيني مبدع وباهر مثل صفوان يحصر نفسه وتجربته عبر منظور واحد ويضيق الخناق علي المشاهد.. فقد يجعل هذا المشاهد متورطاً عاطفياً مع التجربة المؤلمة وحتي لا يتم الخلط بينه وبين التجربة الجمالية وهذا التكرار لن يضيف شيئاً ويصبح مجرد سرد في متوالية ممتدة للامتداد ذاته.. ويصبح هذا كل شيء.. وهذا التمديد لن يجعل المشاهد متعاطفاً قدر ما يجعله عاجزاً عن فهم وتفسير هذا الألم الممتد في ذاته والذي سبق وشاهده قبلاً وبإلحاح من الفنان.
أعتقد ان هذا الامتداد للألم في جانبه الدرامي في لوحات صفوان يبدو كسلسلة من العنف المادي يؤكدها الأبيض والأسود في حدتهما البصرية.. وهذا التكرار لآلامه ربما ورط المشاهد فيه واعتاده.. فهل علي الفنان ألا يجعل مشاهده يمل من حفظ خريطة آلامه.


الفنان التشكيلي صفوان داحول: العمل اليومي يجلب الوحي والإلهام
الفنان التشكيلي صفوان داحول: العمل اليومي يجلب الوحي والإلهام
الفنان التشكيلي صفوان داحول: العمل اليومي يجلب الوحي والإلهام

لوحات الفنان “صفوان داحول” توحي بأشياء قريبة إلى الروح والوجدان، أو اكتشاف اللاشعور، هي تشبه أنفاس قادمة من عالم خفي ومدهش معاً، فهو يتحفنا دائماً بكائنات يشغل الإحساس تجسيدها أكثر من الجسد، يفتح لنا ممرات داخلية متواصلة بين الحلم والواقع، في خصوصية واضحة لأسلوبه في الرسم. تغيرات مرئية تعتمد على توظيف هندسي طورها بجهد شاق وموهبة غير عادية.
التقينا الفنان التشكيلي “صفوان داحول” في مرسمه وكان لنا معه هذا اللقاء المميز

أحياناً نقرأ حزناً، وأحياناً بعداً وصمتاً، بكمية كبيرة من الأسرار الداخلية، هل يستطيع الفنان “صفوان” الرسم في أي وقت؟
طبعاً، وهذا هو مبدأي، فأنا لا أحب أن أحدد سبباً أو وقتاً للرسم، وأبقى بشكل يومي في مرسمي لمدة ثمان ساعات، ربما يتعلق سؤالك بما يسمى “استحضار الفكرة” مثلاً، لكني لا أؤمن بهذا الأمر أيضاً، لأن الفكرة تأتي أثناء الرسم، ولا يجب أن يكون لها وقت محدد لاستحضارها، العمل اليومي يجلب الوحي والإلهام، وليس بالضرورة أن أنتظره حتى يأتي، وأحياناً أبدأ بفكرة، لكني أجدها تتغير كلياً أثناء الرسم، لذلك، يكفيني وجود 10 % من الفكرة في مخيلتي وأن أترك 90 % منها كمفاجأة لي.

العلاقة بين الفنان ورسوماته علاقة العاشق والمعشوق، لاسيما أن ملامح الشخصية الذكورية في رسوماتك تشبهك، فإلى أي مدى تشبهك لوحاتك؟
تشبهني لأقصى حد ولدرجة التطابق، فأنا أشعر عندما أرسم أني أكتب مذكراتي اليومية، و كل شيء جديد أحب أن أقوله، أشعر أنه مرتبط بالكتابة أكثر من الرسم، كما أني أرسم الشيء الذي أعيشه وليس الشيء الذي أتخيله، حتى أني أفترض أحياناً أني أصور نفسي صوراً فوتوغرافية.

حدثنا عن ذلك الحزن المكنون في لوحاتك!!
مواد الرّسام ليست ريشاً وألوان فقط، بل هي مواد معنوية أيضاً منها “الفرح” و”الحزن” و”الحلم”، وهذا يعطي الصدق لـ اللوحة واللون والموضوع، “الحزن” ليس مادة استفزازية أو قابلة للمزاودة، بل ترتبط بطبيعة الشخص وحياته، وما حوله من أمور تشدّه نحو المجهول والغموض، الذي يولّد الخوف والحزن أحياناً.

ما سر اهتمامك بالتفاصيل الدقيقة، رسم العينين وتشكيلهما وحركة الأصابع وخطوط الرقبة؟
أحياناً يبدأ الفنان بشكل معين للرسم، لكنه لا يعرف إلى أي وقت سيستمر بهذا الشكل، ومع الوقت يصبح هذا الشكل هو خصوصية الفنان، ربما هذا ما يفسر تركيزي على شكل “اليدين والأصابع والرقبة” في رسوماتي، لقد أصبح بيني وبين تلك التفاصيل ألّفة معينة، ومع الوقت تتطور وتقدّم أشكالاً جديدة، لذلك لا أريد أن استبعدها من لوحاتي.

كيف توظف الأشكال الهندسية “مربع، مثلث” في لوحاتك، ولماذا؟
أنا متشدد جداً بموضوع “التكوين”، لأن الأساس المعماري للوحة هو من أهم الأشياء، حتى لو كانت تجريدية، فالعمارة شيء هندسي بالنهاية، وأنا أعتمد على “التكوين”، لأني أجد فيه حيلة ثانية، خصوصاً أني أخفف من الألوان وأعتمد الاختصار الشديد، الشكل الهندسي يدعمني باللوحة ويعطي التكوين الصحيح لها.

هناك كمية كبيرة من الأسرار تتسلل عبر الحنين إلى ذكريات مضت ! كيف تؤثر تلك الذكريات في لوحاتك، إن كان لها تأثير؟
الذاكرة أيضاً هي مادة إضافية للفنان، ففي أوقات ولحظات معينة تبقى مسيطرة على الإنسان ولا تفارقه، ربما مدى الحياة، هذه الأحداث تتثبت بالذاكرة، وتؤثر في رسومات الفنان، ومن ثم يذهب السبب الأصلي ويشتغل الفنان على اللوحة الجديدة، لكن عند العودة للمصدر الأساسي نجده مأخوذاً من الذاكرة، لذلك يقولون أن الفن هو سلسلة، لأنه يعتمد على ذاكرة تعود لآلاف السنين.

ما سبب اعتمادك على لونين أساسيين في رسم اللوحات، “أصفر وأسود” أو “أسود وأبيض” ؟
أحياناً لا نستطيع تفسير كل الأشياء التي نقوم بها، لقد فكرت صدفة بتخفيف الألوان في رسوماتي، وهذا الأمر لاحظت أنه مع الوقت منسجم مع أعمالي، ربما السبب أني لا أرى ألواناً كثيرة في حياتي، عندما أنتج العمل بهذه الألوان القليلة فهذا يرتبط بما أعيشه حالياً من تقشف بحياتي، وليس بالضرورة أن تكون الألوان الكثيرة هي التي توصل الفكرة. المهم النتيجة وليست الوسيلة.

كان لك معرضاً في “دبي”، وآخر في “بيروت”، كيف وجدت ردود أفعال الناس هناك، وإقبالهم على شراء اللوحات؟
هذا معرضي العشرون، ومع تكرار المعارض يزول الخوف منها ومن نتائجها المتعلقة بردود أفعال الناس، ويبقى تحدي الفنان لنفسه، لأنه يعمل أصلاً لذاته ويتحدى نفسه، عندها تصبح الآراء مجرد تحصيل حاصل، وأنا أشعر بالراحة عندما اكتشف بالنهاية أني أتحدى نفسي فقط. أما موضوع التسويق فإن الفنان يعتاد عليه مع الوقت، وبما أن عملي الآن أصبح مرتبطاً مع غاليري “أيام”، سواء في “دبي” أم “بيروت”، فأنا أريد أن أقول بأمانة أنهم يقومون بجهد كامل وكبير بالنسبة للفنان. أنا مرتاح جداً لأنهم يقومون بهذا الجهد بهذه الطريقة اللائقة للفنان. غاليري “أيام”، خففت عني نصف الجهد الذي كنت أبذله.

ما هي أحلامك؟
ذكرت في أول كتاب طبعته أني أحلم أن أكون رساماً، أما الآن فأنا أحلم أن أظل رساماً.

هل تتمنى أن يصبح أحد أبناءك رساماً؟
طبعاً، وإبني “ساري” يدرس الآن الفن التشكيلي، لكن هذا الأمر لا ينتقل بالوراثة ويعود للموهبة، وأحياناً يلعب تأثر الأبناء بالأهل دوراً بذلك.

ما رأيك بمجلتنا؟
قرأت العدد الأول منها، وهي مجلة جميلة، هذا واضح من خلال وجود جهود جماعية عملت على إنجاحها، لكن المهم في كل شيء هو الاستمرار، وهذا ما أتمناه لكم .

للراغبين في إرسال أعمالهم من اللوحات الفنية التشكيلية إرسالها للمجلة ليتم نشرها حتى لو كانت


صفوان داحول
1961 – ولد في حماه ، سورية.
1983 – تخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق / قسم التصوير.
1985 – دبلوم دراسات عليا – جامعة دمشق.
1997 – دراسات إضافية في المدرسة العليا للفنون ـ بلجيكا.
عضو الهيئة التدريسية في جامعة دمشق، كلية الفنون الجميلة.

متفرغ للعمل الفني.
أعماله مقتناة من قبل وزارة الثقافة السورية / المتحف الوطني بدمشق / متحف دمّر / وضمن مجموعات خاصة.
– معارض خاصة
1989 صالة السيد بدمشق.
1991 صالة السيد بدمشق.
1993 صالة عشتار، دمشق.
1994 صالة L’oeil بروكسل، بلجيكا.
1995 مبنى البرلمان الأوروبي، بروكسل، بلجيكا.
1996 صالة L’oeil بروكسل، بلجيكا.
1997 صالة المسرح الملكي الفلمنكي، بروكسل، بلجيكا.
1997 صالة تموز، بروكسل، بلجيكا.
1998 صالة أتاسي، بدمشق.
1999 صالة بوشيري، الكويت.
2000 صالة الفيروز، البحرين.
2001 صالة السيد، دمشق.
2002 صالة الفنار، الكويت.
2003 مدينة دبي للإعلام (صالة قزح).