الفنان مراد شعبه

للفنان عادل مقديش

الفنان مراد شعبه، ولد في عام 1970. ينتمي الرسام المستشرق الحديث. بعد دراسة الهندسة الزراعية درس التصميم في أكاديمية الأزياء “مكني” حيث التقى عادل مقديش، ثم أستاذ الرسم التحليلي، الذي تدرب وتشرف عليه. وتتميز بالفعل في المشهد التصويري التونسي إتقانه الفني الكبير. بعض تشبهه جلال بن عبد الله. المرأة هي مركز اللوحة عند مراد شعبه. هذه المرأة التي يريد أن تكون شخصية محورية في لوحاته. أشكال سخية من الجسد الأنثوي. ويتم التعبير عن كل شيء هنا بتواضع لا حصر له، مع شعور إنجازه من الوضوح والجودة. وزن الماء والأحلام، لوحات مراد شعبه عبارة عن صور، محكمة، النص أعلاه مترجم بغير دقه الى العربيه بواسطة ترجمة جوجل.

For the amateurs of painting, Mourad Chaaba is undoubtedly one of the artists who make the best progress in recent years. An ever more refined brush, even more stripped colors and an expression that combines aesthetics and depth. His exhibition, which has just opened at the Galerie Sémia Achour in Soukra, reveals this year an affirmation of his talent in the same line devoted to the woman bathing in happiness, but also the beginning of a new series of Portraits of more interrogative women, metallized. A new track that seems to be digging in front of the painter, like that of the horses that he had tried successfully a few years ago.

Disciple of Adel Megdiche, he offers us a new vision of the woman, often installed in a register of seduction, playing music or quite simply, his attitudes. This year, Mourad Chaaba goes even further, leaving his brush to restore us, more women, less vaporous, more metallic, but always expressive and attractive. The gesture is precise, the line is fine and the composition, harmonious.

On the track of the great Tunisian painters of the last century, Mourad Chaaba advances with great talent. His works must not miss a collection that counts.

مشاهدة صور الفنان مراد شعبه

الفنان التشكيلي حسن سليمان

Artist Painter Hasan Soliman

الفنان المصور حسن سليمان ، يتميز بشخصية فنية واضحة ترتكز على الجدية والاخلاص وصدق المشاعر الانسانية فى عمق وهدوء ، نبع اسلوبه الخاص من طبيعته ومن رؤيته الخاصة للموضوع الذى يعبر عنه ، سواء كان هذا الموضوع يتشخص فى انسان أو حيوان أو طبيعة صامتة ، يعبر عن كل هذا بأسلوبه المميز فى اللون المقتصد والتكوين السليم والتجسيم الصلب والاحساس العميق . وسيلمس الزائر لمعرضه خيطا فنيا يربط كل أعماله ، وسيجد طريقا واحدا يسير فيه الفنان حسن سليمان منذ سنة 1952 حتى سنة 1966 ، يجود فيه سنة بعد أخرى ، حتى وصل أخيراً الى درجة كبيرة من الصفاء ، يريح النفس والنظر ، ويشيع الهدوء والطمانينة ، ولا شك أن المصور حسن سليمان اذا استمر هكذا فسيصل الى اعلى القيم الفنية الانسانية التى تشرفه وتشرف الحركة الفنية فى بلادنا .
عبد القادر رزق
مدير عام الفنون الجميلة والمتاحف

حسن سليمان و ` نساء القاهرة `
ملاحم الأضواء والظلال برماد الورد .. !!
هو ظاهرة فى الإبداع التشكيلى المصرى المعاصر ..فلوحاته مع قدرتها التعبيرية وتأثيرها الدرامى تتميز بالتنوعع والثراء من مرحلة إلى أخرى .. والفن عنده أشبه باليوجا .. يرسم بقوة وجدية كمن يتنفس تحت الماء .. يرسم بروح عصر النهضة .. ولأكثر من خمسين عاما ما زال يرسم وحتى الآن ما يزيد على الست ساعات فى اليوم الواحد وبلا انقطاع ..!! الفنان حسن سليمان والذى تنساب أعماله فى بناء تجريدى رغم مظهرها الواقعى .. تتعانق فيها الأصالة مع الحداثة .. تطالعنا بما هو مفاجئ أحيانا وما هو غير متوقع فى أحيان أخرى ، وأخيرا ما هو مصادم للأشياء المعتادة والمكررة . أعمال تنصهر فيها الأضواء والظلال.. تتجاور وتتناوش .. تتجاوز وتتصالح فى هدوء .. وتصطخب فى صمت .. تتوهج بالمشاعر والأحاسيس التى تتنوع أطوارها كالكائنات.. فى حالات وأبعاد من لوحة إلى أخرى .. وهذا هو سر اضطرام الرماديات فى لوحاته .. اضطرام لا تحده قيود ولا حدود.. سوى الوعى الشديد بفقه التصوير.. مع تعبيرية الأداء المراوغ والمشاكس .. فهو يرسم بحب وشوق وتوق وعنفوان وتمرد وصخب .. وفوق كل ذلك يرسم بسخرية فيلسوف .
وتلك الأعمال تمتد من مناظر القاهرة الفاطمية : الحارات والدروب بالجمالية وحوش قدم .. وشارع المعز ومراسيناا وجامع السلطان حسن والأقمر والأنور وأبى الدهب .. إلى ساحل أثر النبى والمراكب الشراعية مع لوحات الأوز والحمام .. والطبيعة الصامتة التى تتألق بالسحر .. يضفى عليها أبعادا من الرهافة والسكون والهدوء والصفاء والحركة الكامنة .. يصورها فى ظلال قاتمة وأضواء ساطعة تعكس أجواء درامية عديدة تصور غربة الإنسان المعاصر . أما البحر فتنكسر عليه خطوطه وأضواؤه بعالمه الغامض الذى يتشح فى لوحاته بالرهبة والشحوب والأسرار .. مسكونا بغبش الفجر الرمادى ثائرا بزرقته الفيروزية .
وربما كانت ذروة أعماله .. معرضه ` نساء القاهرة ` والذى أقيم بقاعة الهناجر بأرض الأوبرا فى أكثر من 50 لوحة فىى فن البورترية ، جاءت معاكسة لتقاليد الصورة الشخصية وكل الصور المنمقة .. فصور نساء العطوف والجمالية وباب النصر .. مع نساء وسط البلد والأحياء الراقية ..بنت البلد مع الهانم .. فى جنة من الصمت والسكون .. جعل فيها حواء مسكونة بالظلال مغموسة فى الأسود الأبنوسى وجسارة الرماديات .. جالسة .. واقفة .. متشابكة الأيدى .. وصورها تعطى ظهرها للمشاهد .. ومع شحناته الإنسانية .. أضاءت بالفرح والدهشة والألم والأسى والنشوة والطرب .. والحزن والغموض والنور الداخلى والشجن الصوفى . وكان المعرض مناسبة للدخول إلى عالمه .. ومحاولة للتعرف على رحلته مع الإبداع بكل المؤثرات من البدايات الأولى .

لمشاهدة اعمال الفنان حسن سليمان على الرابط: https://goo.gl/photos/XoaRvHtFwTv3qwXc7

طفولة بين الآثار ..
فى 25 أغسطس من عام 1928 ولد الفنان حسن سليمان لأسرة من الطبقة المتوسطة المثقفة فى حارة طه بك السيوفىى بالسكاكينى .
وفى هذا اليوم الذى أشرفت فيه الحكيمة اليهودية الإيطالية على الولادة كان عليها أن تسافر من فورها إلى إيطاليا وعادتت بعد أسبوعين من مولده لتثبت فى شهادة ميلاده تاريخ 14 / 9 / 1928 . كانت أسرته مع عائلة السيوفى وعائلة المغربى الوحيدين فى الحارة أما باقى السكان فكانوا خليطا من الأرمن والطلاينة والجريح .. وكانت أغلب بيوت الحارة تشبه بيوت روما فى نسقها المعمارى وتلك التشكيلات من الكرانيش والبوابات وفوانيس الإضاءة . أما والده فقد كان موظفا فى المحاكم المختلطة ثم انتقل إلى وزارة الحقانية ` العدل ` ورغم أنه حاصل على إجازة الحقوق بالفرنسية إلا أنه أتم دراسة الآثار الإسلامية أيضا وانتهت حياته مديرا لإدارة الشطب بوزارة المالية .
ومنذ طفولته عشق حسن سليمان الآثار القديمة والتماثيل . ففى منزل خاله عالم الآثار الكبير أحمد فخرى شاهد ولمسس بيديه البرديات القديمة وأدوات الزينة الفرعونية .
وكانت دهشته الأولى عندما كان فى الرابعة ودخل مع خاله فى مقبرة اكتشفت حديثا.. كانت الظلمة تغمرها وفجأة معع ضوء عيدان الماغنسيوم فوجئ بحائط المقبرة يموج بالرسوم الفرعونية .
وكان خاله يصحبه إلى مقابر الأسرة الرابعة ، ومن كثرة تآلفه مع الآثار كانت لعبة الأطفال بالنسبة له ما تخرجه الحفائرر من أوان فخارية .
بالإضافة إلى هذا كانت أسرته بكاملها مولعة بالثقافة والفن.. يحكى حادثة تؤكد ذلك بقوله : كنت طفلا صغيرا ، أجلسس بجوار جدى فى الترام ، وفى ميدان العتبة وجدنا بائعى الجرائد يندفعون فجأة صائحين : قصيدة شوقى الجديدة وبدأ كل من فى الترام حتى جدي يتهافتون على شراء الجريدة ، أو القصيدة فلا أدرى إن كانت قد نشرت فى جريدة أم كانت منفردة .. كل ما أذكره أن أبى وجدى وخالى وأمى اشتركوا فى نقد القصيدة الجديدة لأمير الشعراء واستمتعوا ببلاغة صورها وآفاقها التعبيرية ` . ومن هنا أثرت فيه تلك البيئة الثقافية تأثيرا كبيرا حتى أنه انتهى من قراءة أعمال طه حسين فى ذلك الوقت وهو فى الثالثة عشرة كما تأثر بكتابات المازنى خاصة فى `خيوط العنكبوت ` و` إبراهيم الكاتب `.. وكانت كل أمنيته أن يلتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية.. ولكن كان لوالده صديق يدعى لطيف نسيم وهو فنان عصامى درس فى إيطاليا فأشار عليه أن يلتحق بالفنون الجميلة .
فى امتحان القبول رسم تمثال يوليوس قيصر بمادة الفحم ثم مسحه بقطعة من القماش فأصبح طيف رسم وحصل علىى الدرجة النهائية والتحق بالفنون الجميلة عام 1947 وهناك شجعه أستاذه بيكار تشجيعا كبيرا .. فقد أعطاه اهتماما أكبر من غيره من زملائه لتميزه ، وعلمه كيفية وضع الحامل بزاوية لرؤية الموديل واللوحة فى آن واحد وكيفية تحريك اليد مساوية لعضلة الكتف .
أما تأثير بيبى مارتان أستاذ مادة المناظر عليه فكان كبيرا .. كان يركب دراجة وعمره 86 سنة ويمر عليه فى منزلهه ..فى الخامسة والنصف صباحا .. ويصحبه معه إلى مقابر المماليك وتلال المقطم ليرسما من هناك .. وهو الذى علمه التضاد اللونى والتكوين .
فى عام 1951 تخرج حسن سليمان من الفنون الجميلة .. كان مشروع تخرجه حول ` عرب المحمدية ` .. وصورر المباراة النهائية للتحطيب .. ورواد المولد من الطبقة الكادحة والصعايدة .. وبعدها أصبح شاغله قاع المدينة .. وبدأت رحلته تتأكد مع الأضواء والظلال ومع حرية الآراء والتى يشير إليها بقوله :
ظاهريا قد يبدو الفنان ممتلكا لحرية التعبير .. لكنه فى حريته هذه أشبه بالمهرج الذى يسير على الحبل تحت خيمة سيركك كبير، وكثيرا ما يشعر بنفسه فى علاقته بالمجتمع كفريسة فى براثن حيوان مفترس قد ينفد صبره فى لحظة ويلتهمها .
وهنا تتضح لنا المرارة التى ألمت بنيتشة حين بدأ يكتب ` هكذا تحدث زرادشت ` .
ونجد المبررات لا نتحار ما يكوفسكى أثناء مناهضة ستالين لحرية الفنان وفرديته .. وكنت فيما سبق لا ألتمس له العذرر حين لجأ إلى الانتحار ليتجنب هذا الصدام ، لكننى عذرته بعد أن قرأت كلمات قالها وهو فى متحف اللوفر حين ترك اللوحات المعلقة ثم نظر من النافذة إلى الطريق وصاح ` هذا هو أعظم عمل فنى `.. فبينما يتضاءل فى نظر الفنان أعظم الأعمال الفنية بجانب شريحة صغيرة من الحياة يكون مستحيلا عليه تحمل الضغط والقهر الذى يفرضه عليه أى نظام سياسى واجتماعى أو يفرضه إنسان تحت أى دعوى من الدعاوى التى لاتنتسب إلى الحقيقة المطلقة الكامنة فى أعماق الفنان ` .

 

بين ` النورج ` و `العمل ` ..
بعد انطلاق ثورة يوليو .. بدأ الاهتمام بالمواطن البسيط .. فقد ردت الثورة الاعتبار للعامل والفلاح .. وبدأ تمجيد العملل كقيمة إنسانية .. ومن هنا احتل الريف والمصنع موقع البطولة فى معظم إبداعات الفنانين .. خاصة وقد كانا محور إنجازات التقدم والبناء والنهضة الوليدة .
ومن هنا تنوعت الأعمال بين الواقعية التعبيرية والرمزية فى ملامس حوشيه خشنة لافحة الضوء .. فكانت أعمال حامدد عويس حول جامعى المحصول والفلاحين وبنات الريف وعمال المصانع وخروج الفتيات إلى التعليم ، كما رسم سيد عبد الرسول عروسة المولد وبائعات البرتقال وحاملات الجرار والسلال فى أسلوب يغلب عليه الطابع الفنتازى .. أسلوب يستلهم الفن الشعبى .. بالإضافة إلى أعمال تحية حليم وجاذبية سرى ومصطفى أحمد وإنجى أفلاطون وحامد ندا والتى امتدت من العمل فى الحقل إلى قوة الارتباط بالأرض وعمال البناء وعنابر العمل .
ولأن حسن سليمان كان شاغله ولحنه الأساسى فى أعماله من البداية ` تلك الثنائية الشاعرية من النور والقمة والشروقق والمغيب.. فقد جاءت لوحته الشهيرة ` النورج ـ 1962 ـ متحف الفن الحديث صورة لقوة التعبير ، توهجت بالمسطحات اللونية خاصة تلك الحلقة الدائرية والتى تمثل جرن القمح ..
وفى تلخيص واختزال شديد ومن فرط الضوء الأبيض .. هذا مع تنوع السطوح الأفقية متمثلة فى انبساط الأرضض واتصالها بالأفق .. وفى تحليله للحيوان المتمثل فى زوج الثيران واللذين يجران النورج .. اتجه إلى الأسلوب التكعيبى حتى يتناغم مع الهندسيات فى الخلفية .
اللوحة تجمع بين الصمت والسكون لكثافة العناصر وثقلها .. ورغم هذا نستشعر ملامح حركة النورج البطيئة والتىى تؤكدها الحركة الدائرية للضوء .
وربما جاءت لوحته الثانية ` العمل ـ 1970 ـ متحف الفن الحديث ` فى هذا الاتجاه أكثر تأكيدا على قيمة عنصرىى الضوء والظل فى تحديد الشكل والكتلة .. تصور عاملا يقف على ماكينة خياطة .. يتوحد معها .. ومن فرط التوحد تنساب الظلال بينهما فلا يبقى إلا مسطحات يشكلها الضوء الباهر تحد الشكل الذى يبرز من الأمام أشبه بالتمثال النحتى .
ورغم أن حسن سليمان قدم أعمالا عديدة فى هذا الاتجاه الذى واكب الثورة ، إلا أنه لم يسقط فى دائرة المباشرة أوو الدعائية .. وذلك لأن الفن فى مفهومه : لغة .. واحتواء واتصال إنسانى أولا وأخيرا .
ومن هنا جاءت أعماله التالية انعكاسا لهذا الاتصال الإنسانى .. فقد سكب قنينة أضوائه وظلاله ورمادياته على سطوحح لوحاته والتى نقل فيها كل ما أحبه ورآه بقلبه وسمعه بعينيه من أماكن وزوايا ومساحات لقاهرة المعز .. ومن زهور وطيور .. مع كائناته من الطبيعة الصامتة والتى خرجت من خاصيتها المادية إلى حالة معنوية فى الزمان والمكان .. ونور المرأة المسكونة فى الظلمة .

ابتهالات الضوء ..
لم يترك حسن سليمان مساحة قدم من القاهرة الفاطمية إلا ونقلها فى لوحاته بدءا من العمارة الشعبية والتى تحتضنن بعضها البعض إلى أبهاء العمارة الإسلامية .. من المآذن والجوامع والأسبلة .. وقد جاءت أعماله فى هذا الاتجاه بمثابة تجربة صوفية فى التصوير المصرى المعاصر .. فالضوء هنا يمثل ابتهالات وإشراقات حين يتلامس مع تلك الأبنية ذات المستويات من الدخول والخروج من حالة السكون إلى حالة متحركة من الانتشاء والحيوية يتسلل فى عمق اللوحة ثم ينساب على جانبيها ويتصاعد إلى أعلى كالأدعية والصلوات .. وهو ضوء مسالم يبدد الوحشة .. ويصنع من الظل ثنائية تتصالح وتتحاور فيها الأضواء من الألوان الداكنة والألوان المضيئة .. كما فى لوحتى شارع `مراسينا ` و `جامع شيخون ` .
ويكمل هذا الايقاع الصوفى لوحاته حول زفة المولد .. والتى تحتشد بالجموع التى تهتز وتميل . فى إحدى اللوحات ورغمم الظلمة التى تشمل أرجاءها إلا أن الضوء الذى ينساب فى لمسات على وجوه البشر وفى طيات الثبات كما يتوهج فى حروف لافتة الطرق الصوتية .. يمثل تيارا روحيا لا ينقطع ، يسرى من الرؤوس وحروف الكتابة.
ورغم هذا السحر والابتهال يعلق ..
كم مرة يرسم الفنان الشىء الذى أمامه حتى تتضح رؤاه ؟ إن الوجود الذى نراه للشىء ليس هو الكيان الكامل له .. لكنن هناك وجودا آخر لا مرئى وهو الوحيد الحقيقى له .. لكن لا يتأتى لنا جزء أو سطح من الكيان اللامرئى .. ينتهى من رسمه الفنان أو يختزنه دون أن يمسك به كلية !!
أما الورود فى أعمال حسن سليمان فتأخذ شكلا مختلفا.. فهى فى بعض الأحيان ليست وروداً ولكنها أشكال تجريديةة هائمة فى الفراغ اللونى .. والذى قد نظنه رماديا بالرغم من أنه لا يستخدم على الإطلاق الأسود أو الأسود مع الأبيض ولكنه يستخدم خلطة من الأخضر والأزرق أو الأحمر والبنفسجى أو الأصفر والأزرق أو الأحمر والبنفسجى أو الأصفر والأزرق وفى وسط هذا الهواء اللونى يملأ اللوحة بتلك التراكيب اللونية التى تكشف فى النهاية عن تلك الرماديات .
يفسر ذلك بقوله ..
يوجد نوعان من الألوان بالنسبة للفنان: اللون الذى تراه العين ويحكى دلالة الأشياء كما هى فى الطبيعة .. واللون الفعلىى فى العمل الفنى .. أقصد بالأول .. اللون المرئى الظاهرى مثل لون السماء ولون البحر ولون البشرة أو الشعر ولون الأشياء فى الظل أو الضوء ومثل هذه الدلائل الكونية التى تحدد معالم الأشكال لا يرهقنا تأملها .. لكن هناك نوعية أخرى من الألوان يعايشها الفنان وترهقه فى لحظة ما وهو يبدع .. يرى مع برودة سواد الليل .. دفء حمرة قرمزية غريبة الشأن أو اخضرارا أو اصفرارا .. يراه فى نسيج اللون الأزرق نفسه .. الفنان عليه أن يوجد مكانا لتلك الألوان الغريبة التى لا تراها العين

طبيعة صامتة
جاء معرض الفنان حسن سليمان ` طبيعة صامتة ` والذى أقيم فى أكتوبر 1998 بمثابة درس فى الإصرار على تجويدد التجربة وتأكيدها .. فقد افترشت القائمة بعشرات اللوحات .. أكثر من أربعين لوحة وكلها عبارة عن تكوين لأربع أوان شعبية من الفخار .. التكوين فى حد ذاته لا يتغير لكن الإحساس به لا يظل على حالة مع زوايا الإضاءة وبؤر الضوء .. هنا نطل على 43 درجة لون وظل وضوء ومزج مختلف .. وهنا يتغير الإيقاع من لوحة إلى أخرى .. ونكتشف أننا أمام البعد الرابع للأشياء .. أو الإيهام بالبعيد البعيد .. الإيهام بالعمق وتخطى مسطح اللوحات الأفقية مع عبقرية التنويع على اللحن الواحد . وربما تذكرنا أعماله فى هذا الاتجاه بأعمال الفنان الإيطالى جورجيو موراندى ( 1890 – 1964) والذى حصر فنه طوال حياته فى عالم الجمادات.. فى الطبيعة الصامتة من الزجاجات والأقداح والأوانى وفصلها عن كل ما حولها .. وتغلغل فى أعماق شكلها ومادتها وأبعادها وعلاقتها ببعضها البعض .. كما جردها من استخداماتها النفعية وصورها لذاتها.. فكانت نظرته إليها نظرة تصوفية فيها تأمل حتى جعل منها مخلوقات معنوية .
وإذا كان موراندى قد تخلص من ثقل ووزن الكتلة ليضفى على لوحاته المزيد من الشاعرية من خلال تلك العلاقاتت والروابط اللونية .. فقد عبر حسن سليمان فى لوحاته الطبيعة الصامتة عن ثقل الحجوم وصراعاتها مع الفراغ .. وذلك من خلال تلك الظلال القاتمة والضوء الساطع .. وهو هنا يعكس مشاعر الحزن وغربة الإنسان المعاصر .
ولكن لماذا تعمد تكرار التكوين مع اختلاف زوايا الضوء والظل .. ببساطة شديدة يرد :
هذا المعرض هو محاولة متواضعة لإلقاء الضوء على جانب من ممارستى الطويلة إحدى تجاربى الفنية .. فى تجربتىى هذه.. كنت فى كل مرة أرسم الشىء الذى أمامى .. فأجدنى أمسكت بشىء وفقدت شيئا آخر .. هكذا .. استمرت التجربة .. وهكذا أخيرا أدركت أن لا وجود لصورة أفضل من الأخرى بل كل واحدة هى حالة مستقلة من الانفعال وأن لا آخر للتجربة .
قد يتعلم المرء درسا قاسيا من نملة : ذات صباح كنت شاعرا بيأس وجدتنى ألتصق بزجاج النافذة .. أبصرت نملة … وضعت أصبعى أمنعها من الصعود حادت عن إصبعى .. لاحقتها وأخذت فى ملاحقتها ومنعها لكنها لم تكف عن المحاولة صعودا على السطح الأملس .
مضى الوقت ونحن هكذا .. النملة تصر وأحاول أنا منعها .. وأخيرا .. هزمت فألقيت بجسدى على السرير تاركا إياهاا لحال سبيلها !!
هل كان `فان جوخ ` حين رسم حذاءه أكثر من ثلاثين مرة دون تغيير ؟ هل وضع فى الحسبان أن هذه الرسوم ستوضعع يوما فى المتاحف ؟ .. لم يكن هذا يراود المسكين .. لكن مشكلته الأساسية كانت فى أن هناك شيئا ما يريد أن يقبض عليه وفى كل مرة يهرب منه ..!!
إن كل عمل من تلك الأعمال كانت خطوة فى مسعى العروج إلى العلا .. كما يطلق عليه فى الفكر الصوفى الإسلامى … إنها محاولة لإدراك المطلق الذى لا يتحقق أبدا .
الشىء نفسه نجده كذلك عند ` أوتريللو ` .. إذ حصر نفسه فى نقل ` كارت بوستال ` لكنيسة مونمارتر .. يكرره ولا يضيقق ذرعاً به .. هل كان يعلم أنه سينال أكبر وسام فرنسى قبل موته وأنه سيخلد ..؟

البحر
البحر فى هدوئه وقوته .. الجزر والمد .. رائحة اليود والمحار .. كان دائما مصدر إلهام للإبداع الأدبى والتشكيلى … وربما كانت رائعة ميليفيل ` موبى ديك ` تلك الرواية الخالدة صورة لصراع الإنسان مع البحر متمثلة فى حياة الصيد .. مليئة بالمشاهد المسكونة بالهدير وقوة المياه .. أيضا رواية ` العجوز والبحر ` لهمنجواى .. صورة أخرى مختلفة يتشابك فيها العجوز مع البحر من أجل الرزق واستمرار الحياة والبقاء .
ولقد كان الإبداع التشكيلى أيضا سباقا فى استلهام البحر من أعمال مانيه وعاريات السحر والحيوية والجمال فى أعمالل سيزان وفى الإبداع المصرى انسابت لوحات محمود سعيد بالمياه والأمواج كما فى رائعته لوحة ` المدينة ` التى جاء البحر فيها فى خلفية بنات بحرى .. امتد بالأشرعة والصفاء والإشراق .
وهناك أيضا سيف وانلى فنان الإسكندرية والذى لم يكتف بأن يستعير من البحر شفافيته وهدوء ألوانه .. بل صور سحرر الذكريات مع غموض البحر فى مجموعة لوحات عرفها فى أوائل السبعينيات من القرن الماضى جاءت بعنوان ` الإنسان والبحر ` صور فيها عالماً أثيريا يتجلى فى حمرة الشمس المتوحدة مع الماء والخلاء والطبيعة .
أما بحر حسن سليمان فهو ليس ككل البحار .. هو عالم وحده .. ونسقق تشكيلى جمع فيه بين التجريد والتشخيص وبينن التألق التعبيرى والحس الميتافيزيقى الذى يأخذنا إلى ما وراء الأمواج والجزر والمد ورمال الشواطىء .. من الرحيل والسفر والعودة إلى الغربة .. والأشواق والأسى ووجع البعاد .. هذا مع الغموض والحركة والسكون .
فى إحدى اللوحات يصور البحر بكل عنفوانه .. بقوته وبهائه عاليا بالزبد مسكونا بالرهبة فى ألوان رمادية مع البيجج والبنى.. ومع هدير المياه نشعر وكأننا أمام هواجس النفس البشرية .. من الحذر والتراقب والخوف من المجهول .
ولعل فى كلمات حسن سليمان ما يكشف عن هذا البحر الذى صوره :
أيها البحر ألقيت بشباك وهمى ليحرقها الضوء المنعكس على صفحتك .. والتحديق فى الفراغ لغيابها يشعل حلمى الدائمم ويحوله إلى وهج ينعكس على صفحتك .. أغلق عينى ولكن تلاحق الأمواج يوشوش فى أذنى كأنفاسها التى تدفئ وجهى .
تطير شباك الوهم المحترقة مع سحيبات تتحدى الضوء وأحتضن بين ذراعى جزءا من الليل بدلا من حبيبة جاحدة لاا أستطيع لمسها . فهى كالموج وسرعان ما تنسل ، هل يمكن أن أحتفظ بمثل هذا الضوء ؟ أو بمثل تلك الظلمة أو بها ؟
ويطل البحر فى لوحة من نافذة بنت بحرى .. يطل هادئا يطفو على مياهه قارب صغير .. وهى تنظر إلينا .. متوحدة معع المكان غارقة فى الظلال ..
وفى لوحة أخرى تمتد على الشاطئ مراكب البحر غارقة فى الصمت والسكون .. فى مسطحات هندسية داكنة .. ويبددد وحشتها حركة الضوء مع حركة النوارس فى فضاء اللوحة .. فى الأفق .
ولا شك أن تعبيرية الألوان فى بحر حسن سليمان من تلك الألوان الرمادية تجعل منه مساحات خاصة من الماء والشجن .
وهو يفسر السر فى استمرار الرماديات فى لوحاته من مرحلة إلى أخرى بقوله: اللون قد يطغى على الشكل ويضيعه لوو أساء الفنان استخدامه بالضبط كالقروية الساذجة التى تستخدم أحمر الشفاه دون حذر .. وأحيانا يتأمل الإنسان ميلاد اللون ونضجه مع تكامل بناء الأشكال فى اللوحة .. وبالنسبة لى أشعر به يتغير بين أصابعى من لون فج حتى يصل إلى هدوء الرماديات بالضبط كما يتغير برعم وردة بيضاء ينمو .. فبرعم الوردة البيضاء غالبا ما يبدأ محمرا وما يلبث أن يبيض رويداً رويداً .. مع تفتح وريقات الوردة حتى يصير ناصع البياض ، هذا بالضبط ما يحدث أحيانا بالنسبة لعلاقة اللون والشكل مع الشكل فى اللوحة .. فكل من اللون والشكل يجب أن يلتحما ومع الرغبة فى التعبير .. عن سقوط الضوء ومحاولة الوصول إلى وحدة تؤكد الشكل كشكل .. نجد اللون ينزوى ويتلاشى مع ضربات الفرشاة هنا وهناك .. يضيع مع الظل والنور .. لتظهر الأشكال فى مقاس لونى شامل من الرماديات .

نساء القاهرة ..
مثل طائر الحب .. وبعد أن صدمته التجربة .. أراد الخروج من دائرة الحزن .. فخرج إلى الفضاء الواسع محلقا تسيل منهه الدماء .
هكذا حسن سليمان .. لكن بدلا من أن تسيل دماؤه .. تألقت فى لمساته وبامتداد فضاء لوحاته فى أحدث لوحاته فى أحدثث معارضه والذى أقيم بقاعة الهناجر وصور فيه نساء القاهرة .. المرأة الشعبية أو بنت البلد مع نساء الأحياء الراقية .. ولقد تجاوز الحساب التقليدى لرسم الشخصية ، فهوله قانونه الخاص فى أسلوب بناء الوجه فى بعض الأعمال أشخاصه تنزع إلى جو سكنى استاتيكى .. فى الوقت الذى تموج فيه بحركة انفعالية داخلية .. تتصف بالغموض ، فالوجه الإنسانى عنده لا يحمل صيغا اعتيادية أو تشكيلات منمقة .. وإنما هو مكرس للبحث عن شخصية إنسانية عالية .. ثراء السطح يلعب الضوء فيه دورا أساسيا .
بالإضافة إلى هذا يبحث فى جسد المرأة .. عن العلاقات بين أجزاء الجسم ، وهذا الانسجام الموجود فى الأجزاء التىى تكون الكل .. فهو يقول : الجسد يعنينى .. الملابس لا تعنينى .. وعموما أنا مهتم بالمرأة المصرية التى تعيش فى القاهرة من خلال كل الطبقات الاجتماعية ، وقد كانت مصر منطقة جذب كبيرة واختلطت فيها جنسيات عديدة ولا شك أن نسب جسم المرأة المصرية مختلفة تماما عن المرأة فى الشمال ، وهناك تشابه بين المرأة المصرية والمرأة فى الكتلة الشرقية وفى اليونان وقد اختلط الدم المصرى بالدم الشركسى و أيضا بالإغريق والرومانى عندما اختلط اليونان بمصر .
فى كل معرض يقيمه الفنان حسن سليمان يقدم ` مكتوبا ` يضئ تجربته فى الإبداع ، والغريب أن ما كتبه هذه المرة جاءء باللغة الإنجليزية مع ترجمة له بالعربية ، وقد يتصور البعض أن فى هذا نوعا من التعالى على جمهور الفن التشكيلى ، لكنه يؤكد أن الإنجليزية هى اللغة التى يعايشها 24 ساعة يوميا فى هذه الفترة من قراءاته لأعمال شكسبير والإلياذة والأوديسة ومن هنا وجدها أطوع فى التعبير عن مكنونات عالمه .
فى لوحاته أسكن حسن سليمان نساء القاهرة جنته التى تموج بالأضواء والظلال، كل لوحاته مساحة من الشجن الإنسانىى والبوح الصامت .. وهى أعمال تتصادم مع التقاليد المتعارف عليها فى فن الصورة الشخصية .
وإذا كان الرائد محمود سعيد قد التزم سكة السلامة مع أسرته وطبقته من حيث رسمه للوجوه ، فتقيد بالأسلوب الأكاديمىى المدروس وبأسس التصميم فى عصر النهضة ..إلا أنه مع وجوه النساء الشعبيات تحرر من كل ذلك وأبتكر أسلوبا تعبيريا خاصا كما يجرى كل شئ ورسم الجنس على الشفاه المكتنزة والعيون الوحشية والجسد النحاسى الذى يضج بالأنوثة .
ولقد التزم حسن سليمان مع نساء الأحياء الراقية بالجلسة الوقورة .. بالإضافة إلى تلك العناصر التى تكمل وجاهة الوضعع الطبقي لهم .. كما فى لوحة عازفة العود وهى للسيدة زوجته ولوحة السيدة ذات المروحة .. وفى لوحة طائر الليل الحزين .. بالإضافة إلى أن الضوء فى هذه اللوحات ينساب من أمامية اللوحة .. فيضمر الجسد من الوجه والأطراف بالضوء .. يبدو الظلام فى الخلفيات .
أما بالنسبة لنساء الطبقة الشعبية فقد تحرر فى كل شئ .. فى اللمسات وطريقة الأداء .. وجعل المرأة تتصرف بطبيعتهاا كما فى سلوكها فى الحياة اليومية فصورها جالسة على الأرض .. واقفة .. متشابكة الأيدي .. وصورها تعطى ظهرها للمشاهد .. وصورها عارية القدمين ` حافية ` .. والعجيب أنه جعلها عكس الضوء .. جعلها مسكونة فى الظلام والضوء فى الخلفية .. وقد جاءت تلك الخلفية .. تلك اللوحات أكثر تعبيرا وأكثر صدقا من الأخرى .. فقد صور من خلالها العيون التعيسة والملامح المتحررة .. والهموم والأحزان والأنوثة المتفجرة .. والهمس والشجن ..
لكن الأعمال فى مجملها .. كل لوحة تمثل لحنا من المشاعر .. فالمشاعر هى البطل فى نساء القاهرة .. وربما تمثل لوحة “ السيدة ذات المروحة ` تعبيرية جديدة تخرج على قيم الإبداع إذا قارناها برائعتي الرائدين أحمد صبرى ومحمد حسن بنفس الاسم .. فقد انشغل حسن سليمان بأدق التفاصيل وغنائية الألوان مع الزهور والدندشات فى المروحة لكن كان كل شاغله بالنسبة للمرأة هو تصوير حالة السكون والسلام الداخلى التى كانت عليها ، وقد ساهم فى ذلك هذا الاقتصاد اللوني الذى تمثل فى الرماديات والأزرق الداكن الذى يقترب من الأسود مع رصانة الثوب الأصفر المغموس فى الظلال .. وهنا تتحاور الأقواس كما فى المروحة واستدارتها مع استدارة فتحة الثوب من الصدر وتتوازى السطوح الأفقية والرأسية كما فى حركة الذراع يتناغم مع استقامة ظهر الكرسى وتقاطعاته وفتحة الضوء فى الخلفية .
وحسن سليمان الذى شكل نساء القاهرة من الأضواء والظلال أخرجهن من جنته فى ` مكتوبه ` الذى صاحب المعرضض فقد استهله بكلمات شكسبير :
` وجه زائف ينطوى لا محالة على قلب مكنونه زائف ` .
يقول فيه : ` أبدا لم تلتفتى لنزيف قلبى ورسومى تحاكى رماد الورد ` الآن أعود إلى مرسمى وقد تخلصت من حزنىى الثقيل . حتى بدونك الأمسيات ساطعة لامعة ..أتشوق إلى النقاء.. لا إلى امرأة لا تصدق أبدا ` أحبسى نفسك يا امرأة القاهرة .. كأسى فارغ لكنى رسمتك .. نحى قناعك عندما تلتقين رجلا نذر للفن حياته ` .
يعلق على ذلك بقوله : المرأة أشبه بإناء فخار مكسور ركلته بقدمى فتاثرت شظاياه بعدها أخذت أضحك وأردد فى نفسىى .. رفقا بالقوارير وأعمال حسن سليمان تمتد فى 15 لوحة زيت و38 بالباستيل .. تحولت إلى ألحان شجية تتناغم فيها حساسية اللمسات الخشنة مع رصانة الرمادى والأسود وتلك الأصداء من وميض الأحمر والأزرق والأصفر والأخضر .
فى لوحة بنت البلد بالمنديل .. تقف فتاة فى المنتصف خارجه من القمة إلى النور .. متوحدة مع ابتهال الضوء وسكونن الظلام فى حالة بين الثابت والمتحول .. السؤال والجواب.. ويتوهج الأحمر والبرتقالى فى الرداء والمنديل بمساحات صغيرة محسوبة .. وتحتشد اللوحة بطاقة تعبيرية تلخص عالمه الذى يتسم بالخصوصية والتفرد .

` ذلك الجانب الآخر `
ذلك الجانب الآخر هو الإبداع الأدبى عند حسن سليمان وهو اسم كتاب له أيضا ترجم فيه أشعارا لسافو وإلوار وأراجونن وماياكوفسكى وجون سميث وغيرهم مع قصيدة باريس فى الليل لجاك بريفير .. والتى توحى معانيها من خلال ثلاثة عيدان كبريت أنه رغم حظر التجول وإطفاء الأنوار فلم يستطع النازى منعه من الحب أى منعه من حريته كاملة .. ومع اختلاف الزمان والمكان إلا أننا نجد فيها عالما يقترب من عالم حسن سليمان التشكيلى والذى يمزج بين الأضواء والظلال والحب والتواصل الإنسانى .. تقول القصيدة :
ثلاثة عيدان تشتعل فى الليل
واحدا فواحدا :
الأول كى أرى وجهك كاملا
والثانى كى أرى عينيك
والأخير كى أرى فمك
.. والظلمة الكاملة كى تذكرنى وحسب
كم هو جميل أن تكونى بين ذراعى
تحية إلى حسن سليمان بعمق عالمه الذى يمتد بين الضوء البهيج وشاعريه الظلال .
صلاح بيصار

رحل حسن سليمان تاركا لنا تركة غنية، تركة من اللوحات والكتابات تؤرخ لمسيرة واحد من أكثر الفنانين تأثيرا فى حركة الفن المصرى المعاصر ، وشخصية شديدة الثراء متعددة الجوانب بحيث يصعب عليك منفردا الإمساك بجميع أبعادها .
وتركة من القيم الفنية والحياتية عاش يدافع عنها بالمواجهة أحيانا والانسحاب والعزوف أحيانا أخرى ولكنه لم يستسلمم ولم يهادن أبدا.
* ثلاث مقالات فى ذكرى حسن سليمان :
فى الأيام التى تلت رحيله دُعيت من جهات عدة للكتابة فى ذاكره، وكانت المحصلة ثلاث مقالات يفصل بين الواحدةة والأخرى يوما أو بعض يوم ، ورأيت أن إعادة نشرها مجمعة وبنفس تسلسل كتابتها سوف يضيف إليها بعداً فقدته عندما نشرت منفصلة.
1) المقاتل العنيد :
مثل العديد من الفنانين الكبار من قبله، وآخرين سوف يأتون من بعده، ضرب حسن سليمان حوله فى سنواته الأخيرةة سياجاً من العزلة، عن كبرياء وعزوف عن واقع يرفضه، وتشبث بقيم عاش حياته يؤمن بها ويجدها تنهار من حوله، مثل انهيار جسده العليل الذى أنهكته معركته الأخيرة مع عدو خفى وشرش ، يجيد فنون المراوغة ويأتيك من حيث لا تتوقعه .
-وهنت العزيمة وانطفأت الرغبة فى الاستمرار، ولكنه مثل مقاتل عجوز عنيد كما كان يصف نفسه، أتخذ قراره الأخيرر ، حانت لحظه الرحيل .
من بقايا ذلك الجيل الذى كان يضع القراءة والمعرفة فى مصاف العبادة، وذلك قبل أن تهاجمنا العولمة وجهاز إعلامهاا الباطش، ليسحق من تبقى منهم بدون رحمة ويستبدلهم بمن يجيدون فنون التسويق والإبهار واللعب بألفاظ جوفاء خاوية من أى قيمة .
الفنان إما أن يكون فنانا، أو لا شيئا على الإطلاق .. وفى حالة كونه فنانا عليه أن يتحمل كل شئ.. وحدته.. غربته… فتجربته ذاتية ومستقلة ولا يمكن لأحد أو لقوة التدخل فيها، هكذا كتب فى الثمانينيات فى كتابه الأشهر ، ` حرية الفنان ` .
مثل كثيرين غيرى، عرفته قبل أن ألقاه، كان ذلك فى أوائل الستينيات عبر لوحة النورج المبهرة فى رسوخها.
كتلتا البقرتين الثقيلتين تتضاءل بجانبهما كتلة الشخص الذى يقود النورج والآخر المغروز فى كومة القمح. ثم توطدتت العلاقة عبر لوحات أخرى من `الأوز ` و` الأوانى الفخارية `و ` سيدة على ماكينة خياطة ` إلى مقالات الكاتب .
ثم جاء اللقاء فى نهاية السبعينيات ، جمعنا صديق عزيز لكلينا، قلت له أريد أن أستزيد من دراسة الفن معك،قال أنا لاا أقبل أجرا وإنما أطلب الالتزام والجدية فهل أنت على مستوى التجدى؟ وقد كان .
-عندما تكون مع معلم كبير فأمامك معين كبير من الخبرات والقيم وفنون الصنعة تنهل منها على قدر طاقتك وقدرتكك على الاستيعاب.. ` ارسم صح ولون بتراب ` يقولها مرارا وتكرارا نقلا عن أستاذه ` بيبى مارتان` ومعليا فى الوقت ذاته قيمة أن تحتفى بمن تعلمت منهم. يقول ` يجب أن تعتبر المواجهة مع سطح اللوحة معركة حياة أو موت ` ثم يستطرد `احترم الأركان الأربع للصورة فهى حدودك والنافذة التى تطل منها على العالم الذى ستخلقه` وابتعد عن الاستعراض فعمره قصير وابحث عن نقاط الارتكاز لكى ينضبط الإيقاع .
تبدأ فى فهم شخصية حسن سليمان عندما تدخل إلى مرسمه، تدلف إلى عالم مركب شديد الثراء، لوحة لرفيق الدراسةة الفنان شهده ، قطعة حفر صغيرة ` السجين` لجويا ، مستنسخ بالأبيض والأسود لإحدى وجوه رمبراندت، كتب فى الأدب والفن مبعثرة فى كل مكان ، أسطوانات موسيقى كلاسيكية فى أكوام بدون ترتيب، قطعة نحت ` السمكة ` للفنان محمود موسى ، أوانى نحاسية وفخارية وزجاجية فى بعض منها ترقد حبات من الفاكهة الطازجة النضرة وفى البعض الآخر الثمرات الجافة شبه المتحجرة.
طنافس وسجاجيد عجمية وقطع من الأثاث العتيق الضخم التى تضيق بها محدودية المكان .
تلمح العناصر التى تراها فى العديد من لوحاته، الكرسى الخشبى الهزاز الذى صور عليه الكثير من نساء لوحاته،، والشرفة التى ظهرت فى خلفية هذه اللوحات تتوسطها تركيبة من موتيفة إسلامية يعلوها هلال ضخم يداوم الظهور من حين لآخر فى لوحات عديدة وبأشكال شتى وكأنه اللحن الدال فى السيمفونية الخيالية لبرليوز، والمنضدة التى كان يضع عليها تكوينات طبيعته الصامتة وقطعة الخزف الإسلامى المعلقة خلفها على الحائط .
-عندما يرسم ينغمس فى اللوحة بكل كيانه ، يتوقف برهة ويقول : `عندما أرسم وأفكر إننى ما زلت تلميذا صغيراًً يتحسس طريقة ..أبحث عن ذلك الشىء الذى سيضفى على اللوحة ذلك المغزى ..ربما سيأتى مع بقعة الضوء التى تقول كل شئ، أو مع إلتفاتة الوجه ونظرة العينين . يعاود العمل كأنه مبارز يتحين لحظة تسديد الطعنة الفاصلة ثم يعلن وقد انفرجت أساريره` لقد بدأت الخطوط تغنى `.
سألته منذ أسابيع قليلة ما الذى ستقوله بصورة مغايرة لو كتبت `حرية الفنان الآن ` ؟ .. لم يجب على السؤال ثم قال بعدد فترة من الصمت ..هل قرأت ` ذلك الجانب الآخر ` إنه أفضل ما كتبت وسيأخذ مكانته التى يستحقها يوما ما.. بعد أن أرحل .
2) تأصيل التجربة :
-عندما رحل عازف الكمان الأكثر شهرة فى القرن العشرين ` ياشا هايفتز` رثاه أحد أساطين عازفى الكمان فى ذلكك الوقت ` دافيد أويستراخ` قائلا : هناك العديد من عظماء العازفين، وهناك `هايفتز ` قول بليغ أصاب الحقيقة فى كبدها فعندما ينضم فنان إلى قائمة فحول المبدعين يصبح ذكر أسمه مجردا تعريف كافى ووافى به، هكذا صار الحال وهكذا سيبقى مع حسن سليمان .
الاقتراب من مبدع كبير يؤدى إلى كسب أشياء وخسارة أشياء أخرى،أهم ما تفقده هو تلك اللحظة الثمينة المملوءة بالتوترر والدهشة عند رؤية العمل الفنى فى صورته المتكاملة النهائية، ولكن فى المقابل تكسب شمول الرؤية المصاحب لرؤية العمل فى مراحل نموه المطردة، ولكن مع حسن سليمان كانت كل مرحلة من مراحل نمو العمل تقف متفردة صداحة بلحنها المميز . ` الأهم عندى فى المقام الأول هو تجريد الصورة ثم بعد ذلك أن تشدو الخطوط بموسيقى الإيقاع الداخلى` هكذا كان يقول .
كان عمق التجربة وتأصيلها عنده رهين بكم الجهد والإصرار والمثابرة والحوار وصولا إلى منطقة الصراع ومن ثمم الانتصار أو التصالح مع موضوع اللوحة ، كم من المرات كرر نفس الموضوع وربما بنفس التكوين ` الأوانى الزجاجية ، الفخاريات ، الأباريق النحاسية ، ثمرات الكمثرى ، الرمان، المستحمات، الورود ` وتمتد القائمة .
` يجب أن تعيش التجربة حتى نهايتها لتستهلكها أو تستهلك ` هكذا كان يغمغم وهو يبدأ لوحة جديدة لذات الموضوعع مستشهدا بسيزان وجبل سانت فيكتوار أو موراندى وتكوينات الطبيعة الصامتة، وعندما تنتهى الملحمة ويضع اللوحات فى المرسم المكتظ الواحدة بجوار الأخرى تراها كتجربة واحدة متعددة الأسطح مثل تنويعات سيمفونية على لحن وحيد أو حبات عقد شكله صانع مخضرم يلتف حول عنق غادة هيفاء وتعكس كل حبة منه الضوء بتفرد عجيب .
-فنان قاهرى قح بكل ما يحمله الوصف من دلالات ومعانى ، عرفته وقد استقر به المقام فى وسط المدينة ولكنه دائما ماا يتذكر بشجن أيام السكاكينى ودرب اللبانة والعباسية ومصر الجديدة ، وتتفتح حواسه بالتسكع فى حوارى الحسين والسيدة أو حوش قدم وباب النصر .
` لم يحدثنى أحد عن ذلك الشجن العميق فى موسيقى الظل والنور بأزقة القاهرة ، ولم يحدثنى أحد عن وشوشة مياه النيلل مختلطة بصياح الصبية ` هكذا كتب فى كتابه الشهير ` حرية الفنان ` ومن هنا جاءت معظم لوحاته مستمدة من عالمين ، عالم القاهرة بمعناه الشامل وعالم مرسمه القاهرى بمعناه المركز، وأحيانا يضغط هذان العالمان فى العمل الواحد فترى إحدى مفردات طبيعته الصامتة مستقرة على حافة شرفه المرسم غارقة فى ضوء شمسنا الساطعة وخلفها تتراص أسطح مدينة القاهرة ممتدة فى محاور ومثلثات متقاطعة إلى خط الأفق .
كانت المثابرة والعمل الدؤوب الممزوج بالعند من صفاته المميزة ، يبدأ يومه مبكرا بالسير من منزله بعبد الخالق ثروتت إلى مرسمه بشامبليون ، يتوقف لاحتساء القهوة فى سيموندس أو البن البرازيلى ، يقف للثرثرة مع صديق أو لابتياع باقة من الزهور، ثم يبدأ العمل الذى يمتد أحيانا حتى الساعات المتأخرة من الليل ، يوما بعد يوم بدون كلل أو ملل..
` كيف تريد أن تصبح فنانا ذو قيمة إذا دخلت مرسمك فى المواسم وقبل المعارض فقط ؟ يقول بتحدى ثم يستطرد ` كانن بيكاسو يقضى فى مرسمه ثمانى ساعات يوميا على الأقل `.
لم يمنعه مرضه الأخير من الجلوس أمام حامل الرسم أو الكتابة وعندما أصبح من العسير عليه قطع المسافة من منزلهه إلى المرسم حول غرفة فى المنزل إلى مرسم واستمر فى العمل .
منذ أسابيع قليلة فى واحدة من زياراتى الأخيرة له قبل أن يرحل كانت الشمس قد مالت للمغيب، كان يجلس على مقعدهه الأثير فى غرفة النوم، أشعة الشمس المتسللة من النافذة أضاءت وجهه بمساحات عرضية ونثرت على ثوبه بقعا من الضوء، تبدى لى مثل واحدة من لوحاته ، لعلمى بكرهه للتصوير سألت: الضوء جميل هل يمكن أن أصور ؟ قال تريد أن تصور رجل قارب الموت ، قلت لأخفف الموقف كلنا موتى ، رمقنى بنظرة متأملة مشوبة بالتحدى لذلك المجهول .
3) وماذا بعد الرحيل :
من الصفات اللصيقة بنا معشر البشر أن تنساب عواطفنا وتجيش عند رحيل عزيز علينا ، وهى من الأوقات القليلة التىى تتوحد فيها الجماعة بدون هدف مادى، لتشد من أزر بعضها البعض وتتواسى بذكر حسناته ومآثره . ومع مرور الوقت طال نسبيا أم قصر تعود الحياة إلى مجراها الطبيعى فتخمد العواطف أو تكاد وتخبو الذكرى أو تبهت .
ولكن يختلف الوضع إذا كان من رحل فنانا كبيرا وكاتبا مرموقا ومعلما مؤثراً مثل حسن سليمان ، فكم العواطف هناا محدود فى دائرة الأقارب والأصدقاء، فى حين أن الذكرى تتسع لتشمل حدود المجتمع الذى كان يخاطبه ويؤثر فيه وتمتد مع الزمان إلى أن تحين نهاية التاريخ .
الواجب يحتم علينا الآن أن نتوقف لنسأل أنفسنا ثم ماذا بعد .. وما هو الواجب علينا أن نفعله .. ثم بكل صراحة وبكلل موضوعية ما هو الذى فى استطاعتنا أن نفعله ؟
مثل أى فن أصيل ومتفرد وعميق ، متعدد الروافد وفى ذات الوقت قومى واضح الهوية، سيعيش فن حسن سليمانن وسيزداد تأثيراً وانتشارا سواء فعلنا شيئا أو لم نفعل .
-هذا الكم الهائل من اللوحات فى شتى الخامات والمنتشر فى مجموعات خاصة فى شتى الأقطار ، سيجد فى المستقبل منن يحلل كافة جوانبها الفنية والجمالية، ومن يرتبها ويفهرسها ويصنفها ويؤرخ لها، ستتم دراسات وستطرح أطروحات وسيتعدى هذا حدودنا الزمانية والمكانية .
سيظهر مرور الزمن الثراء الكامن فى هذه اللوحات والأبعاد المركبة التى لا يظهرها إلا معاودة المشاهدة مرات ومراتت وكأنها مؤلف موسيقى عتيق تتبدى للأذن مكامن الجمال فيه بعدد المرات التى يعاد فيها سماعه، وسيأتى من سيدرس تأثير قاهرة الخمسينيات والستينيات على أعماله وعلاقتهما بنشأته وثقافته وتكوينه المزاجى، وكيف تطورت موسيقى النور والظل عنده منذ أن رسم النورج والأوز غارقان فى ضوء الشمس فى الستينيات إلى أن أصبح الضوء فى أعماله الأخيرة يظهر أحيانا شريطا ضيقا يحاول النفاذ من خلال انفراجه بين حائطين فى حارة حالكة السواد .
وسيحاول آخر فك بعض طلاسم ذلك الشغف المزمن بتكرار ذات الموضوع وربما بذات التكوين مرات عديدة محتذياا خطى مونيه وسيزان وموراندى ، وهل كان هذا بسبب رغبة جامحة للاستحواذ على الموضوع لاستنزاف آخر قطرة فيه أم محاولة لاكتشاف ما تحت السطح وما وراء المحسوس .
وربما سيأخذ أخر منحا مختلفا فيدرس كيف صمم وبنى حسن سليمان بيت الفيوم وكيف جاء هذا المبنى الفريد فىى عمارته انعكاسا واضحا لرؤيته الخاصة فى علاقة الحيز والفراغ بالضوء والظل .
أما كتبه ومقالاته ومقدمات معارضه فستخضع للتمحيص والتحليل والدراسة وستخرج دراسات شتى لعلاقات مطمورةة وجوانب خفية عديدة .
وسنرى امتداد هذا الفن فى تلاميذه وحوارييه والذين تأثروا به، هؤلاء الذين تشربوا القيم الإبداعية التى عاش وماتت عليها ووعوا الدروس التى استخلصها من حياته وخبراته ، وفى نفس الوقت تفرد كل منهم فى كينونته وشخصيته ، ولم يصبح نسخة مقلدة أو انعكاس مشوه، وسيقوم هؤلاء بعبء حمل الرسالة وتسليمها إلى أجيال قادمة بوعى وعن إدراك أو بدون قصد كجزء من تركيبتهم وتكوينهم .
سيتم كل هذا بدون مجهود يذكر منا وسواء رغبنا أم لم نرغب رضينا أم لم نرضى فهذا جزء من ذاكرة الوطن الذى لاا نستطيع أن نمحيه أو نطمسه أو نشوهه.
أما الذى نستطيع أن نفعله وفى حدود قدراتنا أن نحققه فهو توثيق وحفظ كل ما كتب وكل ما كتب عنه وأخذ شهادة منن عاصروه واقتربوا منه ولا يزالوا على قيد الحياة، وسوف نحقق بهذا هدفا مزدوجا، أن نخفف العبء عن المؤرخين والدارسين من بعدنا ، ونضيف بعدا جديدا لرصيدنا الثقافى الراهن ، فقد عاش حسن سليمان فترة فارقة فى تاريخنا المعاصر وكان جزءا هاما من نسيجها، وكانت حياته بالغة الثراء ذات أبعاد عديدة مركبة وعاصر واتصل بكثير من شوامخ مفكرى ومبدعى هذه الأمة .
إننى على يقين أن محبيه والمخلصين من أصدقائه لن يبخلوا فى العطاء بما لديهم ، ولكن الحكمة والموضوعية تقتضيانن بأن يكون هناك من سيحمل الشعلة ويقود المسيرة ..فهل من مجيب ؟
سمير فؤاد
مجلة إبداع 2008

حديث مع حسن سليمان .. كلمات مكرم حنين
أنا ضد الشللية فى كل نواحى الفن.. والفنانون لا يدخلون الحظائر ولهذا رفضت كل المناصب ولا يمكن لأى دولة أنن تفرض فنانا على الشعب والفنان الحقيقى يعيش فى وجدان الأمة.. والفنانون الجادون فقط هم الذين سيكتب لهم البقاء والخلود..
كانت هذه آخر كلمات الفنان الراحل المبدع حسن سليمان فى حواره معى قبل رحيله عن عالمنا يوم الجمعة الخامسس عشر من أغسطس الماضى عن ثمانين عاما، امتد إبداعه خلال ما يقرب من ستين عاما ونال بسبب هذه الجدية والإنتاج الفنى المدهش والغزير شهده محلية وعالمية هائلة، حيث تنوعت أعماله فى التصوير من الواقعية إلى الواقعية الرمزية إلى التجريدية وكان يختار موضوعاته وينفذها بمنتهى الجدية سواء كانت طبيعة صامتة أو فن البورتريه أو المعمارى أو الموضوعات الإنسانية وكان إنتاجه الفذ فى الطبيعة الصامتة وراء شهرته الإبداعية الكبيرة .
سألته ..لماذا دخلت كلية الفنون الجميلة ؟ وكيف استطعت اجتياز اختباراتها ؟
أبى كان يرغب فى دخولى كلية الطب أو الهندسة ولكنى أخذت ملحقا فى الثانوية العامة فتقدمت للفنون الجميلة ولم يكنن امتحان الدخول مثل اختبارات هذه الأيام وعدد المقبولين لم يكن يزيد عن عشرين طالبا فى كل الأقسام، وأذكر أنه فى اليوم الأول كان علينا القيام بعمل تمثال من الجص والفحم وبعد أن انتهيت قررت مسحه بقطعة قماش فاكتشفت أنه أكثر تعبيراً عن خامة الجص ولم يكن يحتاج إلى شئ يذكر وقد نجحت وكان ترتيبى الثالث على 180 طالبا تقدموا للامتحان ومن بين زملاء تلك الدفعة حامدا ندا وكان يكبرنى بثلاث سنوات أما الجزار فسبقنا بدفعات وأذكر أيضا أن سعد الجرجاوى لم يكمل الدبلوم وهاجر إلى ألمانيا وهناك نال شهرة كبيرة أما أعز أصدقائى فكان الفنان ، وليم أسحق وكنت أنا أصغر طلاب الدفعة.
كيف كانت أنشطتك فى فترة الدراسة بالفنون الجميلة ..؟
كنت مشحونا دائما بالاحتجاج وكراهية القهر الاجتماعى والشخصى وانضممت مع زميلى وليم اسحق إلى جمعية أنصارر الحرية وخرجنا فى مظاهرات وهتافات وبخلاف ذلك كانت القراءة باللغتين الفرنسية والإنجليزية هى دعامة ثقافتى الفنية فقرأت فى السياسة والفن والأدب وأحببت الشعر والكتابة وتوثقت علاقتى بعبد الهادى الجزار الذى كان كثيرا ما يحذرنى من حامد ندا لأنه كان ينقل عنى كلاما للأستاذ بيكار لم يبدر عنى .
هل كانت الدراسة الأكاديمية تشكل عائقا أمام فنك؟
الدراسة والرسم والتلوين هى أساس هام لأى فنان ونلاحظ أن الفنانين الذين لم يكملوا فترة مناسبة فى الدراسة الأكاديميةة هم هواة وفنهم ناقص وهروبى .. أما أنا فقد كنت غاوى شخبطة وكنت مولعا بحرية يدى فى التعبير، وهذه النقطة بالذات هو سر تفردى فى الإنتاج الفنى، وهذه الشخبطة نفعتنى جدا فى الرسوم الصحفية التى كانت تتحول إلى قطعة من الزنك معدة لطباعة وكان ` بار باريان ` الأرمنى يعدها باقتدار ونتائج الشخبطة كانت أقرب ما يكن ` لليتوجراف ` .
معنى ذلك أن الرسم هو الأساس .. الخطوط ذات اللون الأسود فإن الرسم كان ومازال هو أساس تطور فن التصوير منذذ عهد الفراعنة وحتى الآن الخطوط الخارجية للتمثال هى التى تحدد جمال العمل من عدمه وبدون الرسم يصبح العمل الفنى خاملا؟
وما هى الأهمية التى تمثلها دراسة الموديل لإكساب الفنان الخبرة؟
إذا لم يفهم الطالب ويدرك قيمة الموديل وقيمة الطبيعة فلن يستطيع أن يدرك معنى الفن مهما كانت عبقريته فإن الطبيعةة والموديل هما البوابة العظيمة للإبداع ، وأنا أقول ذلك لأنى فوجئت بمجموعة من الناس تقول عن نفسها بأنها تمثل فنانى الستينيات وحقيقة الأمر أنهم هواة وقد استغلوا مواقعهم ووضعوا أعمالهم إلى جوار الجزار وندا وغيرهما من الفنانين الراحلين وأنا أقول لو كانوا الطبيعة لرفضوهم .وكما يقول المثل الشعبى `جاءوا لتطويق الخيل مدت أم قويعة رجلها `
هل ترى أن مواقعهم القريبة من السلطة ساعدتهم على ذلك؟
أحب أن أقول إنه لا يمكن لأى دولة أن تفرض فنانا على الشعب الفنان الحقيقى يعيش فى وجدان الشعب ماضى وتاريخخ وحياة ومعايشة واستمرارية وممارسة وإنتاج وتواصل وأصحاب الأعمال الرصينة هم الباقون فى العالم الآن.
-هل ترى أن الحركة الفنية الآن تسير فى طريق الإبداع؟
الفنانون الجادون هم الذين سيكتب لهم البقاء وتخلد أعمالهم أما المهرجون فلن يبقى منهم للتاريخ شىء .
أنت من الفنانين القلائل الذين يعيشون من فنهم وفى العالم كله اثنان فى المائة فقط هم الذين يمكنهم ذلك هل هذا صحيح ؟
فعلا ويمكن أن تقول ذلك للمدعين الذين يقولون إنهم يبيعون اللوحة بمائة ألف جنيه وقد يحدث ذلك كنوع من المجاملة أوو رد الجميل لشخصيات ذات نفوذ ولكن ذلك لن يستمر قطعا وعندما أقيم معرضا لأعمالى فإن جميعها بلا استثناء تباع وقد يباع المعرض كله قبل الافتتاح لأنى أضع أسعارى دون مبالغة ولأن الجمهور يعرف أنه رابح بشراء هذه الأعمال فأشعارها تتضاعف بعد ذلك.
بماذا تفسر الإقبال على أعمالك إلى هذا الحد ..؟
-المعرض الناجح هو الذى يكشف عن المعايشة العميقة للأشكال أو الأشياء المرسومة حتى لو كان فرع شجرة جافا كماا أن الشخصية الفنية الناضجة تجعل الفنان يضمن أعماله وتاريخه وخبراته ورأيه فى الحياة وتصوره لما يمكن أن تكون عليه العلاقات الفنية والخطوط والألوان والمساحات والأعماق المختلفة كما أننى أخدم القيم الفنية والابتكار والتجديد.
فى معارضك الأخيرة تختار موضوعا واحدا مثل البحر، الإوز ، نشر الغسيل ، الورد، الزهور الذابلة ، الأوانى . ماهوو هدفك من هذه الاختيارات ؟
أرى أن هذه المعارض هى رسالتى لتأمل الموجودات والأشياء حيث إن التأمل مفقود يا ولدى ..أرسلها إلى أجيال الفنانينن وإلى تلاميذى وإلى الإنسان المصرى وإلى المتذوقين أيضا وهناك العديد من القيم الجمالية التى أحرص عليها فأنا أهتم كثيراً بأن يعرف الجميع قيمة الضوء كقيمة مجردة وقيم الظل كقيمة مجردة وبالإضافة إلى قيمة الأضواء والظلال المجردة فإنها تلعب دورا هاما فى الفورم وفى إعطاء الشكل والثقل المناسب دون الإخلال بالعلاقات وبالتكوين وبالرسم وبالتركيب المعمارى الذى يحترمه الجميع .
هل يكون ذلك سببا فى أنك تقلل من استخدام الألوان ومعظم أعمالك يدخل فيها اللون الأسود والرمادى بشكل أساسى ؟
أنا أصنع اللون بحيث لا يؤثر على الفورم أو على المساحات بحيث لا يظهر معطلا للقيم أو مؤثرا على الفورم القوى أوو التكوين وأنا قلت لتلاميذى لا تهتموا كثيرا بعرض أعمالكم ولكنهم لا يهتمون بالنصيحة ومعظمهم يفرح بزيادة الطلب على أعمالهم باعتبارهم تابعين لمدرستى الفنية.
كنت أتوقع اختيارك لمنصب فاعل فى مجال الفن فى فترات ماضية فلماذا لم يحدث ذلك؟
لا ..لقد سبق أن أعرض على منصب وكيل وزارة وكان عمرى 37 سنة ورفضت لأننى أرفض الارتباط وأكره القيود … وذات مرة قال وزير الثقافة إنه نجح فى إدخال كل المثقفين إلى حظيرة وزارة الثقافة ولكننى لم ولن أدخل الحظيرة فنحن كفنانين لا ندخل الحظائر ، كما أننى ضد الشللية فى كل نواحى الفن.
لماذا توقفت عن الكتابة ؟
الكتابة عندى عجزت عن الصمود أمام فن الرسم الذى وهبته حياتى وفى الخمسينيات ترجمت أيضا كتاب معنى الفنن لهربرت ريد ولكنه لم ينشر لأن أحمد يوسف أراد أن يضع اسمه عليه معى وعندما قرأت الترجمة التى نشرت دهشت لمستواها المتواضع والاختصار الشديد لهذا المرجع الهام كما أننى قرأت الترجمة لكتاب كاندنسكى وهى ترجمة ليست جيدة وفيها مغالطات لأن كاندنسكى نفسه كان بعيدا تماما عن الروحانية. لقد كان حسابيا وأشكاله لا توحى بأى روحانية فأى روحانية فى المثلثات أو الدوائر أو المخروط .. هذا الكتاب يحوى مغالطات فنية فادحة .
كاندنسكى كان يريد أن يفك نفسه إن ذلك يحزنى لأنه يضلل الأجيال
من خلال نافذة مرسمه رأيت الضوء الكاشف الذى يدخل إلى مرسمه العتيق الذى شهد صورته وابتكاراته الفنية التىى التف حولها خبراء الفن فى مصر والعالم .. إنه الضوء الذى يأتى لنا من بعيد ليضع إكليل الخلود على رأس الفنان المصرى الكبير الخالد أبدا بفنه المتفرد ورؤيته التى تتحدى الفناء .
مجلة إبداع
سمير فؤاد 2008

اضافه بتاريخ 31 يوليو 2014:

«خان الخليلى»..لماذا أضعنا كل شىء؟

هذا المقال واحد من بين مجموعة مقالات غير منشورة كتبها الفنان التشكيلي الراحل حسن سليمان قبيل وفاته وتركها ضمن اوراق كثيرة تعمل ابنته ليلى المخرجة المسرحية على نشرها وتبويبها ،ضمن مشروع تبنته الهيئة المصرية العامة للكتاب لاعادة نشر مؤلفاته

وتشير ليلى الى ان هذه المقالات كتبت ضمن مشروع ألح على الفنان لكتابة مذكراته ، ففي ايامه الاخيرة كان دائم الحنين لاماكن وشخوص ارتبط بها في حياته ، ومع تأخر حالته الصحية نصحه اصدقاء من بينهم التشكيلي السوري يوسف عبد لكي والتشكيلي عادل السيوي بكتابة مذكراته كما طلب منه اخرون ان يسجلها بصوته على شرائط كاسيت يتم تفريغها فيما بعد

وتحكي سكرتيرته هبة الله أحمد للزميل سيد محمود حسن الذى نجح فى الحصول على هذه المقالات كيف ذهبت معه لشراء كاسيت حديث من احد المحالات الشهيرة ، غير انه انحاز لكاسيت اقرب للطراز القديم وتتابع « كان يصحو في وقت مبكربسبب مشكلاته الصحية ويحاول التعامل مع الشرائط ، في عزلته المختارة لكنه عاد للكتابة بالقلم مستجيبا لعلاقته الاثيرة بالكتابة وكتب هذه المقالات التي لم يمهله القدر لتبويبها ».

وتشير ليلى الى ان المقالات التي بحوزتها كتبها والدها كحنين لاماكن ارتبطت بذاكرته بشأن صورة المدينة سواء كانت القاهرة او الاسكندرية ، ومن هذا المدخل كان يتناول صور التدهور التي لاحظها في اشياء كثيرة من حوله.

وحسن سليمان احد ابرز فناني مصر في الخمسينيات وما تلاها وبخلاف قيمته كمصور بارع ، هو ايضا منظر وناقد اتسمت كتاباته بخلاف حساسيتها الادبية بنوع من الاستبصار والقدرة على التأمل الى جانب لغة فريدة تفتح على فنون كثيرة وتتسم بخاصية الاقتصاد اللغوي وهي خاصية اكتسبها من علاقته بالكاتب الراحل يحيي حقي الذي عمل معه في مجلة الهلال .

وبسبب تمكنه من لغات عديدة اتسمت كتابات سليمان بالغزارة واتساع معارفه وهو امر يمكن الاستدلال عليه من مراجعة مؤلفاته العديدة ، خاصة « حرية الفنان وكتابات في الفن الشعبي وترجماته للنصوص الشعرية كما في كتابه « ذلك الجانب الاخر « فضلا عن سلسلة مؤلفاته التعليمية التي كتبها لحفز القراء على التعامل مع الثقافة البصرية والتي شملت كيف تقرأ خط وكيف تقرأ لون»

وعبر مشروعه كفنان تشكيلي تأكد انحيازه إلى البسطاء والحياة الشعبية، سواء فى المشاهد التى حرص على نقلها من الريف أو تسجيلها عن الأحياء المتواضعة (الفقيرة)، أو حين يرسم شخوص الطبقات المتوسطة فى لوحاته، ولم تبعده الحياة الأرستقراطية عن تأمل هؤلاء القاطنين على الهامش.

كما يشيع في اعماله بحسب نقاده ملمح قصصى حيث تراه يسجل مشهدا قد يكون بداية الحكى أو عقدة القص، أو خاتمة السرد، ولكن لوحاته تحمل قصة ما صامتة. لكنه فيما يبدو كان يعوض هذا النقص بالكتابة كأنه يجاور بين سردين ، سرد لوني واخر بالكتابة.

ومعروف ان الفنان كتب نصوصا كثيرة شاع فيها تعبيره عن نفسه بضمير الغائب فى بعضها وفى البعض الآخر اعتمد على صيغة القرين، إذ يخاطب قرينه كأنما يواجه مرآة عاكسة لقلق لا ينتهي. (ملحق الجمعة)

كانت خالة أمى، ترتق كل ملاءة سرير قديمة، ترتق، ترتق. وتصر قائلة: «من ليس له قديم، ليس له جديد». نحن الأطفال كنا نتندر عليها.

والآن بعد أن تقدم بى السن، أشعر أنها كانت على صواب، بل كانت حضاريًاً أنضج منا. لم أدرك معنى هذا التصرف والإصرار إلا وأنا شاب أتسكع فى خان الخليلى. وأتردد على محال العاديات والتحف القديمة. يحمل لى خان الخليلى عبق حضارة أخشى أن تندثر نهائيًاً. ذكرياتى عن خان الخليلى حنينٌ نازفٌ لماضٍ لم يعد. أزقة تحلم فى الظلمة. ووقع أقدامٌ هامسة، ضوء خافت يتسلل من حوانيت شبه مغلقة إلا من العاديات والقطع الفنية النادرة وراء واجهات زجاجية لم يأبه البائع فى إضاءتها أو إزالة التراب عنها. فهو واثق من سمعته وواثق من بضاعته. سجاجيد ملقاه بإهمال بأركان المحلات، سجايد لم يعد لها وجود الآن فى العالم. يقدح المكان من حين لأخر بشذا بخور ينبعث من داخل المحل شبه مظلم مع رائحة الشاى بالعنبر أو بالنعناع. كل شىء فى خان الخليلى كان هامسًا، حتى كلام البائعين مع الزبائن همس. انكباب البائع والمشترى على قطعة فنية أو عقد قديم من «اللابس» أو «التوباز». صمت من حين لآخر، يكسر انسياب ذلك الحلم طرقات خفيفة لعامل يوشى صينية أو إناء نحاسى بأسلاك الفضة .

…………..

أحن دائما أن تلمس يدى قطعة فنية رائعة، أدفع فيها كل ما في جيبي كأنها كنزٌ. كانت متعة لا تجاريها متعة بالنسبة لي كفنان شاب إذ كان هذا التصرف مقصورا علي الأجانب الموسرين المقيمين في مصر. رغم أن اقتناء العاديات سمة لكافة المثقفين في العالم، فهي جزء من تكوينهم الثقافي، تحدد إلي أى مدى ارتبطوا بماضي وحضارة العالم. أما في مصر فنحن نفتقد مثل هذا الارتباط علي الرغم من أنه ما يزال يقظاً حياً مهماً في أنحاء العالم بالنسبة للفنانين والمثقفين والأثرياء يذكرهم بأهمية وجودهم للحفاظ علي الحضارة.

يصرون علي استمرارها، فبالنسبة لهم تمثال مهشم أو سجادة ممزقة في سكونها تحمل سحر وعبق الماضي. كلها أشياء يرتاحون لها وتحنو عليهم، في عصر سيطرت فيه الألية وجمود العجائب الصناعية.

…………..

خان الخليلي بالنسبة لي كان حنيني إلي جذورى الضاربة في أعماق الوجود، يشعل في ذاكرتي كلمات خالة أمي: «من ليس له قديم، ليس له جديد»، ما زلت أذكر أكلاتي في مطعم أصفهان، وأشتاق إلي الأكلات الفارسية المضخمة بالزعفران، فمعظم من يعملون هناك في المطاعم والمقاهي كانوا من الشيعة والإيرانيين، أين أنا من مثل هذا الماضي وشاى الإصطباحة بجانب عباس الذى اشتهرت حقائبه عالمياً وبجانبة أشهر قصبجي -أى من يوشي الملابس بالقصب. أين أنا الآن من كل هذا؟

…………..

لم يعد شىء يستثيرني الآن ولا واجهة محل في خان الخليلي، لقد أمم قطان وذهب، ورحل نصار. فلم يعد قطان ولا نصار ولا العجاتي، وابن عم صابر أصبح يصنع مشربيات جديدة رديئة. أولاد عم جندى والمنصورى اكتفوا ببيع فضة مزيفة. لقد أصبح الآن مرورى في خان الخليلي حملٌ ثقيل. أصبح الخان: صراخ، أضواء فجة لم تعد تتحملها عيني، اختفت أرستقراطية البائع والشارى والحرفي من خان الخليلي، إنه ضياعٌ لتراثٍ عريق عبر الآف السنين كاد أن يمحي نهائياً مع وجود السائح غير المثقف الذى يريد تذكارًاً رخيصًاً عن مصر. كل ما حولي ضجيج وإزعاج وإسفاف وذوق فاسد وأضواء يزعجك تلاحقها وتصادمها مع بعض. وفي وسط هذا مقهي ينم عن فساد ذوق مهندس الديكور، مقهي ومطعم «نجيب محفوظ»، المكان مزعج وكل ما يقدم فيه سئ. ولماذا في خان الخليلي الذى اشتهر فيما سبق بالمقاهي والمطاعم التي تقدم أفضل أنواع الشاى والأطعمه الشرقية. وإن كان نجيب محفوظ قد تحدث عن «زقاق المدق» و»قصر الشوق»، هل ضاق بهم «زقاق المدق» و»قصر الشوق» حتي أتوا إلي خان الخليلي ليزيده تشويهًاً؟ لماذا نضيع كل شئ جميل في حياتنا؟ ولماذا نتباكي علي السياحة؟ ومن المسئول عن هذا التشويه؟

…………..

كنا دائماً إذا سرنا وسط أزقة القاهرة، نجد أنفسنا وسط ضجة منبعثة من المكان، قد تكون ورشة حداده أو نجارة أو مسبك نحاس، أو أصوات صبية ترتل القرآن فى كتاب قد تهالكت جدرانه، أو مخزن كتب قديمة ومخطوطات. أما الآن فهى تعد بالبوتيكات التى تبيع الملابس الجاهزة ذات الأقمشة الصناعية الرخيصة بألوانها الفجة، بدلاً من الورش والصناعات اليدوية.

…………..

ووصل بنا الأمر أن تسرق وتختفى حتى اللوحات التى كانت ملصقة بأسماء الحارات والعطفات، المصنوعة من المينا وكتبها أحسن الخطاطين، وكذلك اللوحات بالمينا عن أرقام المنازل، لقد وجدتها تباع على أنها نماذج من الفن والخط العربى الرفيع لدى بائعى الأنتيكات بلندن وألمانيا، وأحللنا محلها على جدران منزلنا كتابات رديئة بأصباغ ضعيفة تحمل أسماء الحارات والأزقة، لماذا نضيع كل شئ؟ لماذا لا نبقى على ما هو قديم لدينا؟ إما أن نحطمه أو نبيعه للإفرنج، ولماذا نتحسر على أننا بعنا أشياء من ماضينا؟ وقد وصل بنا الأمر أننا كدنا نبيع أنفسنا، فبكل تبجح صرح مسئول اسرائيلى بأنه لا خوف من مصر لقد اخترقناها من الداخل، لا أريد أن أعلق على هذا.

…………..

أحن دوماً أن أكون بجوار جدران أحببتها، أن ألمسها، تذكرنى بمدى الحمل الثقيل الذى حملته مصر بالنسبة لحضارات العالم ولم تكن أوروبا قد استيقظت بعد.

كففت منذ فترة قصيرة عن الذهاب إلى تلك المناطق حتى لا أشعر بضياع ولا يضيع منى حلم مضى. بدأت الآن بعثات الترميم والمعونات فى ترميم تلك المناطق. لا أستطيع التكهن إلى أى مدى وصلت تلك البعثات. فثورة معظم الناس على ما رمم وما يجرى ترميمه تتزايد يوماً بعد يوم، إضافة إلى أن الأقاويل والإشاعات تجعلنا نضع علامة استفهام على نوايا وإمكانية بعثات الترميم هذه. هذا إلى جانب سبب آخر يجعلنا نشعر ألا جدوى من الترميم فالأثر مرتبط بزقاق أو شارع بالتأكيد سيكون قاصراً على المبنى فقط، لكن ما هو الحل بالنسبة لما يحيط الأثر من أكوام القمامة وعبث صبية وعدم مسئولية القاطنين. قال لى ذات مرة أحد السكان: «نترك نحن بلا مياه ولا مجارى ويرممون أثر، هل الإنسان أصبح بلا قيمة، لو استطاعت أن أحرق هذه الجدران لفعلت. عند الصفر تتساوى كل القيم، ومن الصعب أن نجعل مثل هذا الرجل يشعر بأهمية الحفاظ على هذا الأثر وشعوره بالفخر لوجود مثل هذه البناية في زقاقه، فيحاول دوماً الحفاظ عليها وأن يبقى ما حولها نظيفًا.

…………..

حينما كنت أجول بتلك المناطق، آه لوكنت معى ومررنا بجانب مجمع قلاوون وصادف فى ذلك الوقت وقوف اللورى الذى يحمل صناديق المياة الغازية، لا تنزعج أبداً لو رأيت رجالا يتصببون عرقاً مرتبكين عصبيي المزاج يحولون الصناديق إلى مجمع قلاوون، لا تنزعج لو رأيت صندوقاً يصطدم بالباب النحاس أو الحائط الحجرى القيم وينتزع جزءاً من نقش حجري، لا تنزعج، فمنذ مدة طويلة حول أحدهم مدخل قلاوون لتخزين صناديق المياة الغازية. ولا تنزعج وأنت بجانب شيخون لو اندفع إليك كبش رُبط فى النافذة وكاد أن يخلعها وأكوام التبن ملقاة عاليه بجانب موقد غاز مشتعل. ولا تنزعج أبداً من أن باعة الفاكهة قد أتلفوا جدران ونوافذ جامع أبو الذهب. كذلك سرقت كل القناديل التى كانت مدلاة سليمة حتى وقت ليس بالبعيد من المساجد، وحلت محلها المصابيح النيون البشعة. لا شئ يهم لو اكتشفت أن أرضية «جامع أبو بكر مظهر» وجدران تتناقص منها والخردة «الموزايك» التى تكسوه يوماً بعد يوم، وزوجة الحارس مشغولة عنك بصنع حلة محشى. لا تنزعج لو فوجئت ببقال قد علق حوائجه وجلس يبيع داخل وكالة قايتباى لمئات العائلات التى قطنت حجرات الوكالة الضيقة، ولا تنزعج أبداً لو منعتك مياه المجارى من الولوج داخل الأثر. لا تنزعج بتاتاً فكل هذه الأماكن من بقايا وكالات ومساجد وخنقاوات أصبحت تسكن حتى المقابر. وأصبح المسيطر على جدران مثل هذه الأماكن صورة لاعب كرة قدم أوممثل أو راقصة، ولا تنسى أسلاك الكهرباء والغسيل المنشور وأكوام القمامة وشجار النسوة مع بعضهن، ماذا تعنى الأثار بالنسبة لهم، ويوماً بعد يوم تتناقص أو تتأكل أو تختفى «وزرة خشبية» أو نقش حجرى أو جزء من مشربية، كما أختفت المقابض البرونزية لباب قلاوون النحاسي الضخم، وهى مازالت لدى فى الصور الفوتوغرافية. المرارة تملؤنا لكننا نقول البلد يمر بظروف صعبة، وسيأتى يوم نتدارك فيه مثل هذه الأوضاع ونتجاوزها. لكن هل سنتدارك بعد فوات الوقت؟ ونتعجب إلى أى مدى كانت وصاية الموظفين الإنجليز والفرنسيين على الآثار المصرية يحدوها الحب والإخلاص لكل ما يمت للحضارة المصرية العريقة. لماذا حرص الأوربيون على آثارنا وتراثنا بينما نحن ندعه يسرق ويتحطم.

…………..

فلنمض سويا إلى مقهى بيجو فى قبوه القديم بجانب حانوت عبده صابر، لازال كما كان بدكة واحدة بطول القبو، وبيجو ليس اسمه الحقيقى إذا أطلق عليه هذا الاسم تاجر يهودى كان يذهب إليه ببراد الشاى. أفضل شئ حينما تكون مع بيجو أن تنبشه بكلمة ثم تغمض عينيك تركاً بيجو يسترسل فى الحديث عن ماض غابر لن يعود ثانية، ولننصت إلى بيجو: «هل تعلم أن ببوابة الوكالة التى بها هذا المقهى كان أسفلها من الرخام، مع تراكم القذورات والأتربه وارتفاع الطريق لم تعد نرى الرخام اللامع. لم يحاول أحد أن يرجع الأرضية الرخامية كما كانت. لم يكن المقهي في ذلك القبو الضيق بالوكالة، أبي هو الذى انتقل إليه، المقهي كان أيام جدى يشمل كل المساحة التي تحت عقد مدخل الوكالة بأرضيتها الرخامية، مصطبة في كل جانب وكثيرًاً ما كان يأتي الشاعر بربابته. كان جدى يحاول دائماً أن يبقي المكان لامعاً كأن البناؤون تركوه منذ ساعات، هل تغيرنا ؟ كان كل واحد أيام جدى يريد أن يثبت لكل من حوله من التجار الأجانب رغم فقره، إنه لا يقل عنهم نظافة أو نظاماً، لماذا لم يعد المصرى يبالي الآن بمثل هذا التحدى؟ كان التجار الأجانب يحترمونه ويتهافتون علي طلب الشاى منه. وأنا ما أزال أذكر الأستاذ حسن عبد الوهاب (المهتم بالآثار) حين يأتي إلينا ويظل يسأل كل المسنين وجدى عن العقارات الموجودة والوكالات وكيف كان حالها والأسماء التي كانت تطلق عليها والخنقاوات ومن كان يرتادها. يردد دائماً لجدى أنه لو اكتشف نقصان شئ أو تغيير في جدار منزل، فعليه ألا يتواني عن الإتصال به حتي يخطر المسئولين الأجانب. هل كان يجرؤ أحد يدق مسمارًاً واحدًاً فى حائط قديم؟ أبدًاً. لو حدث هذا كان حسن عبد الوهاب يغضب ويثور ويذهب إلى كل الجهات وإلى كل المسئولين، ولا يرتاح حتى يزال المسمار من مكانه.

…………..

أعصابى مرهقة ولا أريد أن أتعبها أكثر فالأفضل ألا أتحدث لأنى لا أريد تذكر مثل هذه المسائل. التركة ثقيلة، والمشكلة قائمة، والخطر يتزايد، والخطأ فينا نحن. لم يعد لدينا إنضباط التزام آباءنا فى الثلاثينيات وغيرتهم على بلدهم وتقديرهم للمسئولية والتزامهم الأمانة والدقة. «بيجو» مرهق وتعب، وأنا مرهق وتعب.

وأنظر إلى صورة جد بيجو فى إطارها من الخرط العربى المحلى بالصدف، قهوجى قاهرى من أوائل هذا القرن. يضع العمامة صغيرة فى ناحية من مؤخرة رأسه أما حزامه الحريرى «الألاجا» فقد عقده فى خاصرته وتدلت أطرافه في استرخاء فوق القفطان. يحمل كل كبرياء الماضى ويملك كل شجاعة القاهرى لكى يقف في وجه الإستعمار الأجنبي، فهذه بلدهم وهذه هى مدينتهم، وهذا هو تراثهم هم. رجل بسيط مضى في سكون، لم يكن خبيراً فى الآثار ولكنه كان يغسل الحائط الحجرى. كان يستطيع أن يبيع ويشترى ويسرق وينتزع لكنه اكتفى بأن يمد حسن عبد الوهاب الذى لن يأتى لنا المستقبل بمثله، بحبه لتراثه الإسلامى، يمده بكل ما يعلم، ويساعده في المحافظة على ما بناه أجداده. أجل، رجلاً متحضراً أكثر بكثير من مئات المتشدقين بما لا يعلمون. أين نحن الآن بترحيبنا غريب الشكل لكل أجنبى وافد حتى لو كان أحقر منا. لماذا حطمنا الآثار التى حافظ عليها ورممها المسئولون الإنجليز والفرنسيين؟ وأعطوها أرقام وسجلوها، وبعد ذهابهم عنا تضاءل عدد اللوحات الزرقاء المصنوعة من المينا التى كتب عليها أثر رقم 703 أو 520. لماذا يتزايد العد التنازلى حتى كادت العقارات والأثار أن تندثر؟ إن هذا يحقق مقولة ابن بطوطة حين زار مصر: «يصنعون الدرر ثم يزيلونها»، فلقد ضايقه أكوام القمامة حول مساجد وأبنية لا يوجد مثلها فى العالم. ما الحال لو أن ابن بطوطة زار مصر الآن؟ ماذا كان سيقول؟

…………..

لكن لماذا لا يوجد الآن حسن عبد الوهاب آخر، لم يحصل على شهادة ومع ذلك كان حجة بالنسبة للآثار الإسلامية، لا يمكن إغفاله عن أن يكون عضواً في أى لجنة للآثار الإسلامية. لماذا تضيع الحدود بين المسئوليات والجهات المختلفة؟ مثلاً قرار تتخذه اضطراراً جهة ما مخفية خطأ ما، يترتب عليه الخطأ والخطأ يترتب عليه خطأ آخر إلى آخره. وفي أية محاولة لمصلحة الآثار أو بوليس السياحة لفعل لشئ تكون النتيجة عكسية، ويكون هذا الفعل بمثابة الضوء الأحمر الذى يحذر المهربين الحقيقين والتجار فيهرعون إلى حجورهم مخفين كل شئ. لماذا يتصرف الفرد منا على أنه الرجل الوحيد الذكى وأن البقية أغبياء؟ إن الجرح يدمى، وكلنا نعلم أن الآثار تنهب وتتآكل وتتهشم من «توكر» إلى «رشيد». المشكلة أننا أثرياء جدًاً في الكم الحضارى، أننا بالضبط كوريث كسول، غبى متلاف لثروة طائلة يصر على تبديدها.. تحطيمها باسم المعاصرة والتجديد. وتبقى الحسرة والفاقة ومرارة الذكرى، لما فعلته سيدة عجوز مثل خالة أمى فى صمت، وما فعله رجل قاهرى بسيط كجد «بيجو»، وما فعله رجل مثل حسن عبد الوهاب لا يحمل (الدكتورهات) الزائفة، لكنه فعل وكتب ما عجز عنه المتخصصون بعده.

الثلاثة كانوا يقظين لانتمائهم الوطنى وموقفهم الحضارى والإجتماعى. أما نحن فنغط في سبات عميق ثم نتصدى ما ليس له قيمة تذكر. ماذا كان سيقول ابن بطوطة لو زار مصر ورأى العامة يتبولون أسفل الكبارى لعدم وجود دورات المياه نهائياً حتى تأكل الأسمنت والحديد وقالوا إن كبارى القاهرة مهددة بالسقوط ، بينما كان هناك دورات مياه في كل شارع – لو رأى أيضاً القذارة والورق واعقاب السجائر تغطى الطرقات لعدم وجود سلة واحدة للمهملات بينما في الأربعينيات كانت سلة للمهملات معلقة بأعمدة النور كل عشرة أمتار. ويقال إننا بعنا تلك الأعمدة مع سور الأزبكية، بعناها لكى تكمل بها مدن أوروبا أعمدتها التى حطمها النازى بغاراته، إن سور الأزبكية كان يتتضاءل بجانبه ضخامة وجمال سور حديقة «الرينج» التى تتباهى بها فيينا. ترى أين هو سور الأزبكية الآن؟ والحجر المعصرانى الذى كان يغطى أرضية منازلها في القرون الأربعة الماضية، هناك من يصّدره إلى أمريكا لتغطية أرضيات منازل الأثرياء، كما تخلع أرضيات أزقتنا من كتل الحجر البازلت ليغطوها بأسفلت هش وتباع لتكميل أزقة وحارات المدن التى ضربها هلتر بالقنابل. وبينما أوروبا لازالت تبذل قصارى جهدها في المحافظة على مدنها كما كانت في الماضى، نحن باسم المعاصرة نخرب مدننا، وفي الثلاثينيات في أحد أعداد مجلة «كونسنس» التى لدىّ، فوجئت بأنه في مسابقة تمت في تلك السنة عن أجمل مدينة، حصلت القاهرة على الجائزة الأولى.

الحمد لله أن لا أحد أصبح يثق فيما تنشره الجرائد لدينا. ومن رأيى أن يوقف التلفزيون المصرى عرض الأفلام القديمة حتى لا يبكى المصريون على ما مضى. أتساءل سنظل نبكى ونبكى ونبكى؟ وهل فقدنا شرف القدرة على محاولة أن نتغير؟

…………..

خطواتى البطيئة وأنا ذاهب إلى محل البن البرازيلى لشرب القهوة لم تمنع شخصاً أن يصدمنى وهو يحمل جهاز تسجيل تنبعث منه بصوت عال أغنية «قوم أقف وأنت بتكلمنى»، ابتسمت لأنه حتى لم يعتذر لى، قد تكون معانى الكلمات في الأغنية تحمل مدلولاً آخر، لكنها وجدت صدى عند الناس لأنها تمثل محنتهم، فالكل أصبح يشعر أن الآخر لا يحترمه.

حين وصلت إلى البن البرازيلى فوجئت بالتلفزيون يبث أغنية «قوم أقف وأنت بتكلمنى»، ما الذى جعل لمثل هذه الأغنية شيوعا؟ هل انتهت كل متاعبنا ومشاكلنا؟ هل فقدنا كل شىء؟ حتى انحسرت أمنية كل فرد في مدينة كالقاهرة –ما دامت هذه الأغنية لاقت هذا الشيوع– هل انحسرت رغبته فقط في أن يطلب احترام الآخر له؟ هل فقدنا كل شىء؟ أظن أن من السخرية أن نجعل إنساناً فقد كل شئ، ولم يعد له مطلب سوى أن يحترمه الآخر ويحافظ على آثار أجداده وهو لم يجد من يحافظ عليه.

انصرفت بخطوات متثاقلة حزينة شاعراً بأنه لم يعد لنا أمل في ان نحافظ على ماضينا أو حاضرنا حتى.

فجأة وجدت صبياً يثب كأنه مخدر بين السيارات دون خوف، ملابسه رثة جداً أصبحت لا لون لها من القذارة لكن لدهشتى وجدته يرفع ياقة جاكيتته ويرتدى نظارة قاتمة، مقلداً اعلانات البذل الجديدة أو إعلانات النظارات في واجهات المحلات، اكتملت دهشتي عندما وجدته حافى القدمين والوحل والقذارة قد كستهما كلية، لم يلبث حتى اندفع بجانبى إلى ماسح الأحذية الذى افترش الرصيف، نفث دخان سيجارته بعظمة. لم يترك فرصة للرجل بل وضع قدمه بكل جسارة وبسرعة أخرج جنيهاً أعطاه لماسح الأحذية قائلاً: «أن تدهن رجلى جلد أسود أجلاسيه». أحياناً تسبب المفاجأة بلبلة في التفكير، وقفت أتأمل هذا المنظر السريالى إذ إن «ماجريد» عاشت صورته التى رسم فيها حذاء ذا أصابع قدمين حتى الآن، لكن هذا الصبي حقق أكثر إذ جعل قدماه حذاء أسود أجلاسيه، أمنيته أن يمتلك حذاء أسود أجلاسيه. بلا شك أن الصبى من أولئك الصبية الذين لا منازل لهم، ولدوا على الرصيف وعاشوا على الرصيف واتخذوا من الشحاذة مهنة لهم وربما السرقة لكن بالتأكيد هو مثل باقى المتسولين والمشردين يدمن المخدرات. تسمرت في مكانى ناظراً إلى ماسح الأحذية الذى صبغ قدم الصبى إلى الساقين. وضع الورنيش. أخذ يتظاهر بأنه يلمعها بالفرشاة وقطعة القماش، الحيرة امتلكتنى وأنا أنظر إليهما. ألم ّ بى اليأس وتساءلت ما جدوى الكتابة؟ هل مثل هذا الصبي يعلم شيئاً عن تراثنا وآثارنا وما قيمة كل هذا بالنسبة له؟ إنه وكثيرون غيره سيشكلون المستقبل وهل ماسح الأحذية الذى امتهن نفسه وامتهن الصبى من أجل جنيه يفهم شيئاً عن التراث وعن ضرورة الحفاظ على الماضى كى يكون لنا غد لا يقل عن ماضينا، أين هو الغد؟ إذا كان هو صبغ قدمي إنسان غطتهما القذارة والوحل باللون الأسود.

لقد قلت ما فيه الكفاية الأفضل أن أصمت وأمضى في طريقى أجتر جرعة المرارة التي تملأ فمى. في تهكم مر تمتمت بكلمات خالة أمى: «من ليس له، ليس له جديد».

المصدر: ahram.org.eg/NewsQ/290736.aspx

اسم الشهرة : حسن سليمان

تاريخ الميلاد : 17/9/1928
محل الميلاد : القاهرة
تاريخ الوفاة : 18/8/2008
التخصص : تصوير
المراحل الدراسية
بكالوريوس كلية الفنون الجميلة 1951 ( تصوير ) القاهرة .
دراسات عليا فى سيكولوجية البعد الرابع اكاديمية بريرا ـ ميلانو 1966 .
دراسات فى اسس التصميم ومحاضرات حول مساجد القاهرة منها السلطان حسن والشيخة صفية وبعض خصائصص العمارة الاسلامية .
الوظائف و المهن التى اضطلع بها الفنان
عمل مدرسا للرسم بالجامعة الشعبية للهواه ثم فى الثقافة الجماهيرية .
مدرس بمعهد السينما وكلية الفنون الجميلة 641972.
أستاذ الدراسات العليا فى جامعة بلاكسبورج قسم العمارة ولاية فيرجينيا بأمريكا .
المعارض الخاصة
معرض بقاعة إخناتون بمجمع الفنون بالزمالك 1952 .
المعرض العاشر بالأتيليه 1963 .
معرض بقاعة إخناتون بمجمع الفنون بالزمالك 1964 .
معرض بقاعة إخناتون بمجمع الفنون بالزمالك 1966 .
معرض بقاعة إخناتون بمجمع الفنون بالزمالك 1971 .
معرض بالهناجر بعنوان ( طبيعة صامته ) 1988 .
معرض بالأتيليه 1995 .
معرض بقاعة اكستر 1996 .
معرض بالمجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب بقاعة أحمد العدوانى بالكويت 1997 .
معرض بالهناجر بعنوان ( البحر ) 2000 .
معرض بجاليرى المشربية 2001 .
معرض بقاعة دروب 2002 .
معرض بقاعة الهناجر بأرض الاوبرا 2008 .
المعارض الجماعية المحلية
شارك فى المعارض العامة منذ 52 1967 .
حفل تأبين وتكريم خمسة فنانين من عيون الحركة الفنية المصرية ممن رحلوا عن عالمنا خلال عام 2008 والحفل يومم 25 نوفمبر 2008 .
المعارض الجماعية الدولية
مثل مصر فى بينالى فينيسيا الدولى .
البعثات و المنح
بعثة الى الاقصر 1952 ـ 1953 بمرسم الفنون الجميلة .
المؤلفات و الأنشطة الثقافية
له عدة مؤلفات فى الفن التشكيلى منها كتاب ` حرية الفنان ` 1980، الحركة فى الفن والحياة ـ كيف تقرأ صورة (( المكتبة الثقافية رقم 213 ) ، سيكلوجية الخطوط ( المكتبة الثقافية رقم 175 ) ، كتابات فى الفن الشعبى 1976 ـ سيكولوجية الحركة ، الملمس وكتاب ( ذلك الجانب الآخر ) ـ محاولة فهم الموسيقى الباطنية للشعر والفن .
اسس مجلة جاليرى عام 1977.
درس فى مرسمه عدد كبير من الفنانين أصبح معظمهم فى مصاف كبار الفنانين .
صمم الديكور والملابس والاضاءة لعدد من المسرحيات التى عرضها المسرح القومى .
أشرف على اخراج وتحرير باب الفنون التشكيلية فى مجلة الكاتب ومجلة المجلة كتابات فى الفن الشعبى الاذاعةة المصرية ـ الآداب .
الجوائز المحلية
ـ جائزة مسابقة العمل فى الحقل 1964 .
مقتنيات خاصة
مجموعات خاصة بمصر وخارجها .
مقتنيات رسمية
متحف الفن المصرى الحديث .
متحف الفنون الجميلة الإسكندرية .
بيانات أخرى
أعتزل الحياة الثقافية منذ عام 1987 وظل ينتج فى مرسمه .
له اعمال فى جاليرى ( جوجونيونا ) بروما منذ عام 19666 .

Hassan Soliman Ahmed Personal Data
Fame Name : Hassan Soliman
Birth date : 17/9/1928
Place of birth : Cairo
Date of death : 18/8/2008
Activities : Painting
Education
BA in paintingFaculty of Fine ArtsCairo1951.
Postgraduate Studies in the psycology of the 4dBraier Academy, Milan1966.
Researches in the Fundementals of Design.
Lectures about Cairo Mosques and the Islamic Features of Islamic Architecture.
Jobs
a reader at the Public University of the Amateurs and at the Mass Culture.
Associate Professor at the Cinema Institute and the Faculty of Fine Arts 1964: 1972.
PhD Supervisor Architecture DepartmentLuxemburge UniversityVerginiaUSA.
Solo shows
at Ekhnaton GalleryArts CenterZamalek1952.
10th Atelier Exhibition1963.
at Ekhnaton GalleryArts CenterZamalek1964.
at Ekhnaton GalleryArts CenterZamalek1966.
at Ekhnaton GalleryArts CenterZamalek-1971.
`Silent Nature` Al-Hanager Center1988.
at Cairo Atelier1995.
at Extra Gallery1996.
at Ahmed Odwani Gallerythe National Council for Art and CultureKuwait1997.
`the Sea`AlHanager2000.
At Mashrabia Gallery2001.
at Doroub Gallery2002.
Local exhibitions
has been participating in the local exhibitions since 1952
International exhibitions
Represented Egypt in Venice International Biennale.
Publications and activities
Wrote many Bools about the Fine Art:
`the Artist`s Freedom` 1980`the Motion in Art and Live“How to Read a Picture“the Psycology of Calligraphy“Scripts from the Folklore“the Motion Psycology“the Touch and the Bookthis other aspect“an Attempt to Understand the Potential Music of Art and Poetry`.
Local recognition
the prize of the Field work1964.
Private collection
at art lovers in Egypt and abroad.
State collection
the Egyptian Modern Art Museum.
the Fine Art ExhibitionAlexandria.

hasan soliman

الفنان جاسم محمد

جاسم محمد / العراق عام 1970

درست الخط العربي على يد الاستاذ عباس البغدادي
عضو نقابة الفنانين العراقيين
عضو المركز الثقافي العراقي
عضو جمعية الخطاطين العراقيين

المشاركات

المعارض الجماعية في العراق وخارجه
أكثر من 25 معرضا مشتركا في دمشق وخارجها 2006-2012
العرض الشخصي الاول دمشق 2010
المعرض الفردي الثاني في فندق انتركونتيننتال – المملكة العربية السعودية عام2010
المعرض الشخصي الثالث الاردن عمان قاعة رجال الاعمال العراقي 2013
شاركت بجائزة البردة بدبي 2010
شاركت في مهرجان غرناطة الدولي للفنون اسبانيا 2010
شاركت ايضا في مهرجان غرناطة للفنون الدولي لعام 2012
وشارك في الاجتماع الشارقة 2012
شاركت بملتقى الشارقة 2012
شهادة وجوائز

نظمت للامم المتحدة بدمش بفندق الفور سيزن وقد نال عملي من بي 43 عمل افضل عمل واعلى سعر بالمزاد وقد حصلت كتاب تقدير وشكر من الامم المتحدة
حصلت على شهادة تقديرية من ملتقى الشارقة للاعوام 2010-2012
ميدالية ذهبية ودرع المشاركة في مهرجان الرواد الرابع – بغداد

المقتنيات:

المتحف الوطني السوري -اقتنت الفنانة الامريكية انجلينا جولي احد اعمالي 2012 خلال زيارتها سوريا – السفارة الكندية – سفارة السويد – السفارة الهندية -سفارة الولايات المتحدة الأمريكية والعديد من الدول العربية وأوروبا وغيرها

Mr. Jassem Mohammad
Born in 1970 Jassem Mohammad Iraq .
Study and work

He has practiced drawing since 1985
Mr. Abas Baghdadi taught him Arabic source
A member of the Union of Iraqi artists
A member of the Iraqi Cultural Centre
A member of the Iraqi Union of calligraphers
Participants

Exhibitions in Iraq
More than 18 exhibitions in Damascus 2006-2011
First exhibition in the Gallery of handsfree – Damascus 2010 alone
Second solo exhibition at the Intercontinental Hotel – KSA 2010
Solo exhibition 3 in fba gallery -Amman Jordan 2013
He participated in the Burdah rewards
Participated in Gharnatah international festival of Arts
He participated in Gharnatah 2012 Arts international festival
He participated in reward to Burdah 2012
He participated in sharjah meeting 2012
Awards & certification

His painting has the highest price in Afak exposure and has a letter of evaluation of United Nations.
A certification assessment confluence of Sharjah.
Medal of gold & participant shield at the fourth festival of pioneers – Baghdad.
Collections:
Syria national Museum – the India Embassy Canadian Embassy – Embassy of Sweden – – USA and many other Arab countries & Europe.
Enter text or webpage URL

الاعمال المعروضه للإقتناء على هذا الرابط وليس هنا في هذه الصفحه: http://wooarts.com/jassim/

الفنان محمد السالمي

هي بورتريهات نابضة بمعاني النبل ، والسمو ، والحب الصادق، لايختلف حولها هعقلي ، وقلبي، ولا يمكن أن تكون إلا استجابة عفوية ، لنداء الروح، واعترافا راقيا بمكانة هذه الوجوه النيرة ، التي اعتبرها قيمة مضافة ، لا يستقيم نبض الحياة بدونها في جنوب الروح . . برورتريهات أشدُّ وهَجا ، وتألقا من الحياة العادية نفسها، جلَّتها أناملُ الفنان المُبدع متلبسة بحالتها الخاصة ،والرائقة كما نرغب نحن أن نراها ، ونتملى طلعتها في سيرورة العمر. بورتريهات عمّقت ِ زاوية النظر إلى أصحابها، حتى لأنك تظل تنقل البصر ، يا كل الرضي، عن حقيقة
الوجه ، وزهو الصورة ، في غبطة منتشيا ، وراضالألوان. بوراريهات زاوجتْ بين الواقع والمثال ، الذي يسعى الفن إلى ديمومته وترسيخ فعاليته المثلى في عالم يمور بالزيف والأحقاد أثرٌ فني دال، يؤكد على الصلة الوثيقة بين البورتريهات ذات القيمة العالية ، الفنان الوفي في أن يركب باللون، والخطوط ، والسيمة لوحة حب ورغبةإنساني دافئ ، لا تبدله مواسم العمر، وأحوال القر ، والنسيان. نماذج لحالات إنسانية ، تشرفنا، وبمهارة ، في مستوى بدلها ، وعطائها ، ترسم معالم النبل ، والطيبوبة ، والأمان . تود لو أن الحياة لا تجود إلا بمثلها ، كي تصفو سماء الأحزان ، وتسمو أرواح الأنام . دامت لك الفرشاة ، أيها الفنان الرائع ولك أجر الفن ، وأجر الحب الصادق ، والقدرة على الرسم بلون الإنسان. محمد شاكر

شذرات من الحلم: قراءة في لوحات الفنان التشكلي محمد السالمي. اين تنتهي ملامح محمد السالمي لتبدأ قسمات لوحاته ؟ وبأية وسيلة يمكن فصل ماهية إبداع يركن لقيمة الجمال في بعديها النفسي والصوفي عن جسد مبدع تسكنه نار الفن المقدسة فينذر ذ رات ذ رات ذاته المتشظية المثقلة بالفن والتاريخ والرؤى. لينثر كمياها في الفضاء اللا متناهي للقماش ؟

حين تحاول اقتحام لوحات السالمي يقتحمك العمل و يصادر كل خلفياتك المرجعية. يخلخل كل مسلماتك فتستسلم بانتشاء.تنكسر بين يديك معاول التحليل الجاهز على صخرة ابداع زئبقي منفلت. يتمنع بغنج عن التصنيف والاحكام المسطرة قبليا.

كيف تنرسم لوحات هدا الفنان الممسك, في رحلة النور والنارالانكسار والانتصار, بتلابيب طفولة آبقة وفرشاة؟ كيف تتشكل ذاتيا؟ وهي التي توهمك بجنسها الانطباعي التعبيري الرصين لتخلص بك الى الايمان ان الاتجاه والتقنية,بكل دقتها, والاسلوب رغم فرادته مجرد درائع. وان الفن الحقيقي لا يحتاج ذ سلفا لأي مفتاح .وحسبك ان تسلم وتلج عوالمه بفطرتك لينساب جمالا بين يديك ويسلمك اسرار عدريته.سيصيبك ولاشك مس المبدع بشحناته الصوفية. وتناجي الاضواء والظلال فتحس ان موضوعات محمد السالمي لم ترصد فحسب على القماش بل تنبعث بحيوات أخرى تجاور الواقع. تجاوره تم حتما تتجاوزه.
تغازل التشكيلات حواسك الستة, فترى اللون في احتفاليته السيريمونية.تتحسس المادة المشكلة كمعمار خجول يمعن فيي الاستتار. تلمس تجاعيد الزمن ونتوءات الارض والثنايا.تسمع همسات الطبيعة العدراء الماسية وهي تروي حكاية الارض والبناء وزخم التاريخ ولغو النظرات وهمس الخوالج, فتشتم رائحة الانسانوالتراب والاشياء.
تتداخل سمرة الوجوه بقدسية المكان ببراءة الطبيعة في رحلة التوحد. فتكتمل ملحمة الخلودينتشي بها اللون برقصة الحياةة لتصدح الحمرة بنشيدها السرمدي أن لا داكرة للنسيان.
تتأكسد عقارب الوقت و يتكلس التاريخ على الشفاه والنظرات والجدران والنخيل في صمت سيمفوني طروب. اداكك تدعوك بتحد اللوحات المتمردة على اطاراتها , أن عد للبدايا ت . تستفزك الاجساد المسترخية في دينامية السكون ان اهرب من أوهامكواحضن الحلم الازلي الجاثم في زاوية منسية من جوانية الانسان فيك قبل أن يعلوه الصدأ.
بمثل هده الرؤية الفلسفية وبعيدا عن كل تصوير كارطبوسطالي يكتب السالمي القصيد بريشة الوان تحبل بأجواء المرحح الحالم والحلم الواعي المرح. وككميائي متمرس يمزج اللون في نقاءه الفطري بالميتافور والايقاعات الداخلية والابعاد الرمزيةوالمرجعية الثقافية والرؤى الجمالية. وبمهنية الفنانين الكبار يغمس ريشته مباشرة في باليت الطبيعة والمكان والانسان. فتترقرقجداول الفن الراقي من رحم يخصب داته باستمرار بتواطؤ غير مشروط مع مبدع يؤثت فرغات أرواحنا بتحف الامتلاء البادخة
عوالم السالمي تفرض استثنائية بعدهاالجمالي.فالشخوص تمتلك شحنات وجدانية والسماءات تتناسل فيها تدرجات الحلمم الزرقاء اللامتناهية. الهوية الثقافية المحدودة في الجغرافية تكتسب بعدها الجمعي الكوني في النهاية. والبعد الاجتماعي يقدم نفسه بسرعة ليتوارى زخات كثيفة من البدخ الآسر.
فإن تصور الفقربادخالثراء والهدوء صاخبا والحنين استشرافا للآتي والصحراء مفعمة بالحركة. فلدلك وصفة يملكك سرها هدا الفنان المسكون باسرار الداكرة , داكرة تافيلالت. داكرة الإنسان.
مولاي علي أفردو السجلماسي

العين ترتاح لظلال وفضاءات الجنوب

يحتضن رواق صندوق الإيداع والتدبير بالرباط، الأعمال الجديدة للفنان التشكيلي، محمد السالمي، في معرض يحمل عنوان ” شذرات من الحلم” مابين 12 يونيو و4 يوليوز المقبل.
تندرج الأعمال الفنية ضمن المدرسة الانطباعية التعبيرية، فالشخوص حالمة وطافحة بنشوة الحلم والأمل والحنين إلىى مدارج الألفة والتوحد، حيث الواحد في المتعدد، والمتعدد في الواحد.
ميثاق السالمي البصري بيان ينشد الانطباعية والواقعية الحسية، إذ الألوان صافية كبياض الثلج ونثفه، ودافئة كظلالل الجنوب وشموسه.
ضرورة التجديد هدف يحفز الفنان التشكيلي محمد السالمي لارتياد فضاءات رحبة بمواضيع مختلفة، فالإبداع، حسبب السالمي، ثمرة مجهود روحي وذاتي معا.
يقول السالمي الذي كان يتحدث إلى المغربية, إن” شذرات من الحلم” معرض “مشرع على الأمل، وعلى رفع القناع عنن أشخاص يبدون مهمشين، لكنني أوظف الجمالية في هذا الجانب، فحينما أقف أمام السند الأبيض، واللوحة العذراء، أجدني أنغمس بروحي وكياني، كي أشارك المتلقي هذا الحلم، وأتقاسم معه هذه اللحظة الاستثنائية”.
ويضيف السالمي أن الصور, التي استلهمها من الجنوب، هي مواضيع مفتوحة على الفنانين التشكيليين جميعا، ولا تخصص فنانا دون آخر، وإنما العين فقط ترتاح لمثل هذه المواضيع، باحثة عن شحنات الجمال في الأشياء والكائنات الضاجة حركة وسكونا. ومضى يقول “شخصيا أستثمر كل ما تلتقطه عيني بشكل ميكروسكوبي, وإذا اختمرت اللوحات في الذهن، أكشف عنها، وعن جمالها اللامرئي، ليصير مرئيا، ومن ثمة أتقاسمه مع المتلقي، كما أشاركه اللحظات الصوفية ونشوة الإبداع والخلق والحلم، وأقدم له العصارة في طبق من الألوان الدافئة والصافية، كما أسعى إلى إبراز محاسن الطبيعة وجمالها، مستجيبا لصوت داخلي، ولطقس أبداعي أعيشه خلال تناول السند بالفرشاة والألوان”.
وأبرزالسالمي أن أعماله الفنية قد تكون انطباعية أوتجريدية أو واقعية حسية، أو حتى تكعيبية، حسب الكتابات النقدية،، إلا أن الأهم هو تفجير ما يسكن الدواخل والأحاسيس، والسفر بالمتلقي والمتتبع والجمهور النوعي، إلى العوالم السفلى والعليا.
السالمي يؤسس لذاكرة جماعية، ويبعث الدفء والألفة والحنين في الكائنات والأشياء والأشخاص المنذورين لقيم إنسانيةة حقيقية، وهم في الواقع سفراء الثقافة، وحاملو رسالة إنسانية عظيمة، وهي مجرى قوتهم في الظهور والوجود. لوحات الفنان تدعونا إلى حلم بعيون مفتوحة، على حد تعبير الناقد الجمالي بقالي سيدي أحمد.
في كلمة حول المعرض، كتب الناقد مولاي علي أفردو السجلماسي ما يلي: “أين تنتهي ملامح محمد السالمي لتبدأأ قسمات لوحاته؟ وبأي وسيلة يمكن فصل ماهية أبداع يركن لقيمة الجمال في بعديها النفسي والصوفي عن جسد مبدع تسكنه نار الفن المقدسة فينذر ذرات ذاته المتشظية المثقلة بالفن والتاريخ والرؤى، لينثر كمياها في الفضاء اللامتناهي للقماش؟ حين تحاول اقتحام لوحات السالمي يقتحمك العمل ويصادر كل خلفياتك المرجعية، يخلخل كل مسلماتك، فتستسلم بانتشاء، تنكسر بين يديك معاول التحليل الجاهز على صخرة إبداع زئبقي منفلت، يتمنع بغنج عن التصنيف والأحكام المسطرة قبليا”.
ويمضي السجلماسي مسلطا ضوء النقد البناء الموضوعي في الورقة ذاتها، التي أعدت خصيصا للمعرض، قائلا:: “تغازل التشكيلات حواسك الستة، فترى اللون في احتفاليته السيريمونية، تتحسس المادة المشكلة كمعمار خجول، يمعن في الاستتار، تتلمس تجاعيد الزمن ونتوءات الأرض والثنايا، تسمع همسات الطبيعة العذراء الماسية، وهي تروي حكاية الأرض والبناء وزخم ولغو النظرات وهمس الخوالج، فتشتم رائحة الإنسان والتراب والأشياء.
تتداخل سمرة الوجوه، بقدسية المكان ببراءة الطبيعة، قي رحلة التوحد، فتكتمل ملحمة الخلود ينتشي بها اللون برقصةة الحياة، لتصدح الحمرة بنشيدها السرمدي ألا ذاكرة للنسيان.
تتأكسد عقارب الوقت ويتكلس التاريخ على الشفاه والنظرات والجدران والنخيل، في صمت سيمفوني طروب، إذاكك تدعوك بتحد اللوحات المتمردة على إطاراتها، تستفزك الأجساد المسترخية في دينامية السكون. ان اهرب من أوهامك واحضن الحلم الأزلي الجاثم في زاوية منسية من جوانية الإنسان فيك قبل أن يعلوه الصدأ”.
بمثل هذه الرؤية الفلسفية يرتاد السالمي مجالات الجنوب وفضاءاته، بعيدا عن مقصدية اختزال الفنون الجميلة فيي أكليشيهات ظرفية عابرة، أوصور كاربوسطالية، فالسالمي يكتب القصيد بريشة المبدع وبألوان تحبل بأجواء الفرح والحلم والحنين الواعي المرح.
في شذرات من الحلم يؤرخ الفنان لقيم الحياة وللذاكرة الجماعية في تجلياتها، وفي أحلامها الصغرى والكبرى، ومن ثمةة فعالم الفنان الصباعي مفتوح على الغرائبي والعجائبي، عالم يتسع للجميع دون إقصاء أونبذ للآخر، في صورة تكسر الحواجز مابين التشخيصية والواقعية بعفوية تنتصر للخصوصية، ولاتجد فيها ضعفا، وإنما قوة ضد الإيديولوجية والشمولية، بهذا المفهوم يبني السالمي قيم الذاكرة الحية للمغرب الجمعي، مغرب التسامح والشموخ والمواطنة في بعدها العالمي.
Galerie de l’artiste plasticien
Mohamed Salmi
رواق الفنان محمد السالمي
محمد السالمي : فنان تشكيلي من مواليد مدينة الرشيدية ، سنة 1961 ،خريج مركز التكوين بمراكش،
فوج:1978/19899 ، يشتغل حاليا أستاذا لمادة الفنون التشكيلية بمدينة تمارة.

Nom incontournable de la figuration académique et figure illustre de la nouvelle sensibilité, Assalmi a su élaborer un style personnalisé marqué par la profondeur et l’abondance et voué à la quête identitaire conditionnée par l’originalité et un retour aux sources. Hypersensible, cet artiste gère tout un espace pictural qui nous fait penser aux scènes pittoresques de notre terroir. Sa peinture allusive met en relief une nostalgie qui reflète le regard profond du Maroc pluriel via le mouvement et la richesse des couleurs et des paysages. Il a pu créer l’alchimie des couleurs et des scintillements, en donnant une âme aux personnages, et mettant en scène les détails et l’effet chromatique. Avec passion, il exprime sa passion pour sa terre natale qu’il dépeint avec doigté et minutie.Armé de sa grande sensibilité, observateur avisé, éclectique dans ses choix d’artiste et tout aussi populaire dans sa générosité, Assalmi est un véritable témoin de son temps dont l’œuvre demeure une plate forme pour scénariser le pinceau, la peinture. Il est considéré comme le chantre des fresques intérieures du monde familier, voire l’ambassadeur attitré des gens de l’ombre.Sujets de prédilection, les personnages et les paysages vivants dégagent une intimité finement tracée et engagent une profonde quête quasi personnelle. Halo de mystère et monde visuel autonome, la peinture pour Assalmi est un hymne à l’être dans tous ses états d’âme.Un voyage dans le temps et dans l’espace, l’art se veut le miroir d’une exigence : porter comme un blason, un style et une écriture limpide et pénétrante.La peinture de Assalmi est un carrefour polyforme qui se présente comme un musée imaginaire et une voix du silence. C’est aussi un témoignage à la mémoire tatouée avec laquelle nous partageons tant d’espaces artistiques où la création demeure l’univers d’expression commune.

Assalmi travaille sur l’univers de la beauté apparente, de l’esprit et de l’art, par un chemin enrichi d’une expérience picturale singulière continuellement remise en cause et des contemplations puisées dans une réflexion évolutive. Peintre de l’impressionnisme nostalgique, il a savamment mêlé poèmes et magie chromatique dans ses toiles qui témoignent de son incontestable talent. ».Abdellah CHEIKH
ASSALMI Mohamed
Artiste peintre

الفنانه ميترا شادفر

Mitra Shadfar

لوحات الفنانة الإيرانيه خانم ميترا شادفر. ولدت الرسامه ميترا shadfar في عام 1968 في عائلة محبة للفنون. في عام 1987 بدأت تلقي دروس في الرسم، تحت إشراف الرسام الإيراني مرتضى كاتوزيان خلال سنوات من الجهد المتواصل. شاركت في العديد من المعارض. على مدى السنوات ال 15 الماضية وقد رافقت المعلم مرتضى كاتوزيان في تدريس طلابه في نفس الاستوديو. لمشاهدة المزيد على الرابط الفنانه ميترا شادفر

الفنان عادل مقديش

artist adel megdiche

تلقى عادل مقديش تكوينه بمدرسة الفنون الجميلة بتونس، وأقام بمدينة الفنون بباريس سنة 1977، كما أنه درّس بالرباط ثم بعد عودته إلى تونس درّس بمدرسة الفنون الجميلة بتونس، وبالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس. بدأ عادل مقديش بإنتاج أعمال تجريدية ثم جنح إلى الرسم السريالي. وهو يرسم على أوعية مختلفة من الخشب إلى القماش إلى البردي. ويسيطر على أعماله فنّ الخطّ. حصل عادل مقديش على الجائزة الكبرى لمدينة تونس سنة 1982، والجائزة الوطنية للفنون والآداب سنة 1997. كما أنه حصل على الصنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي سنة 1993، ثمّ الصنف الرابع من وسام الجمهورية سنة 1996.

يعد الفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش، من أبرز الفنانين على الساحة العربية و الذي نشط لمدة تفوق الثلاثين عــاما دون انقطاع ولد عادل مقديش في مدينة صفاقس من الجمهورية التونسية سنة 1949 أقـــام عديد المعارض في تونـــس و خارجها, هو فنان أنتج عديد الأعمال الفنية المتميزة حيث تعد مواضيعه رصدا لذاكرة البشر تبدّلت من خلالها خاماته و تنوعت مرجعياته بين مرجعيات تاريخية و أخرى شعبية تنسج الذاكرة الجماعية وفق قصص و مدلولات بصرية و رمزية.
سوف نكتفي في هذا المقال بإعطاء لمحة تخص جانبا من جوانب بحثه الفني في علاقة مباشرة بتحديد مرجعياته المختلفة و للإطلال على “طقوسه الفنية” الخفيـــة و التـــي تعد قنطرة ذاكرته البصرية هو فنان مؤمـــن بتقـــاسيم الزمــــان، من ذكـرى و تذكــــر وتذكار، هو يذكرنا دائما بأن “الذاكرة البصرية” في التشكيل التونسي لها موقعا هاما، بحيث أن بعض التجارب التشكيلية التونسية و العربية المعاصرة جعلت منها إطارا مرجعيا ونقطة اشتغال تستند فيها على معطيات وثوابت ثقافية متغيرة راسخة في الأذهان، وتستوحي منها عناصرها التشكيلية الأكثر تعبيرا عن روح الأصالة و الإبداع، إننا نعني هنا بالذاكرة البصرية، ذلك الرصيد الهائل التاريخي والمتحوّل من مخزون فكري وبصري، موثق في الأذهان، والذي يجد موطنه الفعلي في البنية الثقافية الشعبية للفنان، على هذا النحو يمكننا الحديث عن تمثلات بصرية محددة، تبدأ بأشكـال ورمـوز أكـثر إغراقا في الرمزية، لتنتهي بأشكال و تصاوير تشخيصية نابعة من عمق التراث المحلي أو العربي الإسلامـي، مرورا بالصور الذهنية و الحُلمية الشخصية أو الجماعية المتخيلة.
رسمَ عادل مقديش فضاءات الذاكرة و جمع شخوصه من فضاءات الحلم, من أزمان ماضية من حروب, من تاريخ متحوّل, من حكايات شعبية مروية للجازية الهلالية …هذه هي مدارات الذاكرة البصرية المتخيلة للفنان عادل مقديش المتواترة على أعماله الفنية و التي أشهرها في عديد المناسبات بقوله:” لـــــــــــي ذكرى اليمة مع الروم و الأتراك و الأسبان و قبائل بني هلال الزاحفة و لي أيضا معاناة الإفرنج”[1] و يضيف قائلا ” أرسم خصوبة عليســة على جلود البقر المقدس أنحت وجه جـــوغرتا في أسواق الأفراس البربرية، حفرت على جدران المعابد الإفريقية رسم السفنالساحلية و أشرعتها المنسوجة بشعر النساء (…) كل رسم لي ومضة البرق في السماء أفريقية و أجراس الخيول الآتية تعزف خيوط الألوان لولبية على كف أندلسية في ليلة زفافها”[2].
من ثمة، فإن الاشتغال التشكيلي وفقا للزخم المرجعي الذي تمنحه هذه الذاكرة قد شكل دوما مجالا للإبداع لدى ثلة مهمة من الفنانين التونسيين وحذا بهم إلى البحث المضني والغني عن مواطن انغماس العمل التشكيلي في تربته المحلية، كما أن ارتباط الأعمال الفنية بالأساطير و الحكايات الشعبية في أعمال الفنان عادل مقديش له مكانته الخاصة في الوجدان الشعبي ، فالموروث الثقافي تتلاقى فيه الأصالة مع الحداثة في جمع بين خبرة الفنان ومعرفة بمفهوم الموروث وحفاظه على الهوية، وأشكال الإبداع الفني الأصيل.
لقد تراوح المخزون البصري للفنان عادل مقديش بين موروث شعبي ذا علاقة مباشرة بحكاياتنا الشعبية المتداولة مثل (مجموعة هلاليات لسيرة بني هلال) حيث نجد أن الرسم قد تلاقى بالحكاية الشعبية فارتسم على شكل صورة مروية، لصورة الجازية الهلالية، ورسوم أخرى تستند على طابــع غرائبي بمسحة من الخيال وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينات وتواصلت إلى حدود التسعينات لكن بتغيير جزئي ,حيث نجد الفنان عادل مقديش يؤسس عالم تحكمه التصورات الغريبة و الغير مألـوفة تصـورات سريالية في رسم الجازية الـهلالية وأبو زيد الهلالي. كذلك نجد مخزونا تاريخيا و حضاريا شمل الحضارة الإسلامية (الزخرفة و الحروفية) و الحضــــارة الفــارسية و مخزونا فنيا يتوافق مع السريالية أو المافوق واقعية أحيانا, حيث نجد أن الشبكة الرمزية التي يُدخل فيها الفنان عادل مقديش موضوعاتـــه الفنـــية هي شبكـة، شائكة ومعقدة بحيث أن التمـــائم والطـــلاسم و الرموز تدور معظمها حول قضايا إنسانية وجودية خالصة، مما يجعلنا نزعم بأن “الصورة المجازية” التأريخية أحد المحاور المركزية لهذه الذاكرة ومنبع خصب من منابعها،. لكن كيف تتم هذه العلاقة بين الرســـــم و طرائق الاستحضار للصور المروية ووفقا لأي تناول وانتقاء؟

لقد سعى عادل مقديش في تكوين فضاءاته التشكيلية إلى التسجيل وليس التسجيل بمفهوم التمثيل و إنما تسجيل اللحظات الإبداعية الفنية الخاطفة التي تمرّ على كل فنان في أوقات لا نعرف تحديدها، فينهل منها كل فنان مبدع ما استطاع، ولعل إنجازاته الخطية الغرافيكية تقدم قيمة الإبداع وما خلـّـفه التصور المتفرد, فأعمال هـذا الفنان ذات خصوصية فنية لا على مستوى الإنجاز فحسب, بل و على ما تحققه من صدى تخيلي وإيحائي يطل على الوهم الذي ينشئ التصورات الجديدة للواقع المتخيل, ليجعلنا نفكر بالمجازات البصرية الواقعية من “أحلام اليقظة” لتتحول إلى مفاهيم لا يحدها حاجز عن المتلقي الذي قد يتعامل معها في الحقيقة، كنفيسة من نفائس التعلق بالصورة الما فوق واقعية . فعادل مقديش يؤسس فضاء، و يجعل من عملية تأويله عملية صعبة و ذلك نتيجة تشعب الدلالات داخل نفس الفضاء، حيث يقوم بإقحام عديد الرموز داخل نفس الفضاء بكل حرفية ويجعل من التأليف بينها هدفا في تكوينه وهذا ما يثري العمل الفني في مجمله ويجعله منفتحا على مجال تأويلي شاسع فرسوماته الخطية في رسم الجسد مثلا، تألفت بمنحى غرائبي. حيث يقدم لنا أنسجة من الخيــال تنسج الجســد بمبدأ تشكيله على نحو غرائبي, فيحاول جمع ما تبقى في ذاكرته ليؤثث فضاء المتعة, متعة الذاكرة و الذكرى في تقص حقائق الجسد.
وفي أعمال أخرى تتفرغ الكتابة من طاقتها التركيبية ومن إمكاناتها الدلالية اللغوية لتغدو بذلك كيانا سابقا على اللغة والتواصل أو متجاوزة لهما، أي جسدا حرفيا يتسربل بإمكاناته الحرة في الانزواء خارج كل منطق أو مقصدية تعبيرية مباشرة. حيث نجد ذلك التلاقح الذي يتم بين تشكيله للحرف وتشكيله للجسد بطابع تأليفي و تفاعلي ، بحيث تنمحي الحدود بينهما ويأويان إلى مجال حركي وفضائي واحد. بيد أن هذا الحضور “التشخيصي للحرف ليس أبدا حضورا للغة، بل تغييبا لها واحتفاءً لا بجوهرها وإنما بجانبها المادي المحسوس بصريا. فتتحول لديه العلامة الخطية من علامة مقروءة إلى علامة لا محددة وغير قابلة للتفكيك. إنها تغدو مجرد شكل،أي تخطيطا مجردا ومطلقا.
كما تمتزج رسوم الفنان عادل مقديش بطابع حلمي أحيانا فرسوماته الليلية (أجساد مرسومة في زمن الليل) تخضع أحيــــانا إلــى جانب كبير من العتمة والانفراد في فضاءات أسطورية ويقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق فــي إحــدى معــارضه بــمركز الثــقافي الفـــرنسي بالربـــاط ” أنطلـــــق في رسوماتي من مثيولوجيات و من أساطــير شعبيـــة و مــن خرافات الطفولة و من الـلاوعي الجماعي و من فزع التمزق الذاتي بين الحلم و الواقع و بين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع و احد (…) حيث تلتحـم كل مقومـات و مــدارك الــذات في تعاملها الديناميكي مع المحيط المتحرك”[3]

جاءت رسوم عادل مقديش من أمـاكن ارتسمت في الذاكرة بأحلى الألوان، من أحـــلام و حكايات، تمد الإنسان بذاكرة الإنسان. حيث احتلت بعض الشخصيات لوحاته و اتخذت موقعا هاما في تصور الفنان فنلتمس تشكيلا سرديا يرسم الشخصيات والأبطال، وفي هذا السياق من الكلام يقول وحيد السعفي في حديثه عن أعمال الفنان عادل مقديش: ” طاف مقديش في عالم من الذكرى ، هذه الجازية ، وهذه بلقيس و هذه ولادة تمنح قبلتها من يشتهيها , هذه عبلة ذات لثام يقبلها صاحبها ثلاثا في اللثام” [4] ثم يضيف قائلا في نفس السياق: “جــازية اللوحـــة لا تقود الحملة بـــل يقودها الركاب و الأميرة ذات الهمة لا تحكم في الناس بهمة وبلقيس لا تخضع لأمرها سليمان وهدهده عنبر و الكاهنة طيف لا يصيب الغائر بسوء ، و عليسة لم تنحر الثور قربانا لما أرست عند الساحل و لم تملك الأرض الجـــــلد و امرأة شاعرة لا تسحر شاعرها و لا تسلب عقله البالي المرأة هنا أسيرة الرسام يحفر في وجهها قصة الزمان”[5].

و من هذا المنطلق نلاحظ محاولة عادل مقديش صياغة الحدث الروائي لبعض القصص و النظر في تفاصيلها كحدث ذا أبعاد فنية، تقوم على تداخلات عدة ، بين القصص ورموز تشكيلها، في سبيل الوصول إلـى رؤية فنية جديدة، وهذه الخصوصية الفنية ليست إلا وسائل إيضاح يعتمدها الفنان في “سرد لوحاته” داخل حياته الفنية بكل بساطة تركيبية، فيها المغامرة التشكيلية المعقدة ترتبط ارتباطا وثيقا مع حكايات الأساطير.

أعمال الفنان عــادل مقديش: جدل بين المرجعية التاريخية والذاكرة البصرية
حسّان بنرحومة – تونس- من كتـــــّاب موقع بوّابــتي

الفنان عــادل مقديش
الفنان عادل مقديش

يعد الفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش، من أبرز الفنانين التونسيين على الساحة العربية والذي نشط لمدة تفوق الثلاثين عــاما دون انقطاع, ولد عادل مقديش في مدينة صفاقس من الجمهورية التونسية سنة 1949. أقـــام عديد المعارض الفردية والجماعية في تونـــس وخارجها.
أنتج عادل مقديش عديد الأعمال الفنية المتميزة والتي يستند في انجازها على مرجعيــات تاريخيــة وأخرى مستمدة من الموروث الشفوي ومن الذاكرة الجماعية وفق حكايات تكتنز في طياتها مدلولات بصرية ورمزية متنوعة ساقها الفنان إلى فضاءاته على نحوه الخاص.
من خلال عملية مسح بصري لبعض اللوحات للفنان عادل مقديش, نلتمس ذلك التوظيف المكثف للرموز والإشارات الإيحائية التي تعد محور ذاكرته البصرية, حيث يقدم أعمالا فنية، يستند في انجازها على “مرجعيات تراثية” من خلال عملية التذكر, هو يذكرنا دائما بأن “الذاكرة البصرية” للموروث الثقافي والاجتماعي في التشكيل التونسي لها موقعا هاما، بحيث أن بعض التجارب التشكيلية التونسية المعاصرة جعلت منها إطارا مرجعيا، تستوحي منها عناصرها التشكيلية الأكثر تعبيرا عن الأصالة والإبداع، و إننا نعني هنا بالذاكرة البصرية، ذلك الرصيد الهائل التاريخي والمتحوّل من مخزون فكري وبصري موثق، والذي يجد موطنه الفعلي في بيئة الفنان، على هذا النحو يمكننا الحديث عن تمثلات بصرية محددة، تبدأ بأشكـال ورمـوز أكـثر إغراقا في الرمزية، لتنتهي بأشكال وتصاوير تشخيصية نابعة من عمق التراث المحلي أو العربي الإسلامـي، مرورا بالصور الذهنية والحُلمية المتخيلة.
رسمَ عادل مقديش فضاءات الذاكرة وجمّع شخوصه في فضاءات الحلم, من أزمان ماضية من ملاحم, من تاريخ متحوّل ومن حكايات مروية للجازية الهلالية, هذه هي مدارات الذاكرة البصرية للفنان عادل مقديش المتواترة على أعماله الفنية والتي أشهرها في عديد المناسبات بقوله:” لي ذكرى اليمة مع الروم والأتراك والأسبان وقبائل بني هلال الزاحفة ولي أيضا معاناة الإفرنج” (1) و يضيف قائلا ” أرسم خصوبة عليســة على جلود البقر المقدس أنحت وجه جـــوغرتا في أسواق الأفراس البربرية حفرت على جدران المعابد الإفريقية رسم السفن الساحلية وأشرعتها المنسوجة بشعر النساء (…) كل رسم لي ومضة البرق في السماء أفريقية وأجراس الخيول الآتية تعزف خيوط الألوان لولبية على كف أندلسية في ليلة زفافها”(2) .
من ثمة، فإن الاشتغال التشكيلي وفقا للزخم المرجعي الذي تمنحه هذه الذاكرة قد شكل دوما مجالا للإبداع لدى ثلة مهمة من الفنانين التونسيين وحذا بهم إلى البحث المضني عن مواطن انغماس العمل التشكيلي في تربته المحلية، كما أن ارتباط الأعمال الفنية بالأساطير والحكايات الشعبية في أعمال الفنان عادل مقديش لها مكانتها الخاصة، حيث تتلاقى فيها الأصالة مع الحداثة في جمع بين خبرة الفنان ودرايته العالية بتوظيف عناصر الموروث الشعبي.
لقد تراوح المخزون البصري في اللوحة للفنان عادل مقديش بين موروث شعبي ذا علاقة مباشرة بالحكايات الشعبية المروية المتداولة مثل مجموعة هلاليات المنجزة لسيرة بني هلال, فارتسمت أعماله على شكل صورة مروية لصورة الجازية الهلالية، وبين موروث بصري يتستند على طابــع غرائبي فيه مسحة من الخيال وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات وتواصلت إلى حدود التسعينات لكن بتغيير جزئي, حيث نجد أن الفنان عادل مقديش من خلال هذه التجربة يؤسس عالما تحكمه التصورات الغريبة والغير مألـوفة تصـورات سريالية في رسم الجازية الـهلالية وأبو زيد الهلالي, كما نجد رسوما أخرى تنهل من المخزون التاريخي والحضاري الإسلامي فتنبع مدلولاتها من توظيف مكثف للزخرفة, مع اقتراب اللوحة أحيانا من اللوحة الحروفية .
كما نجد أن الشبكة الرمزية التي يُدخل فيها الفنان عادل مقديش موضوعاتـــه الفنـــية هي شبكـة شائكة ومعقدة بحيث أن التمـــائم والطـــلاسم والرموز تدور معظمها حول قضايا إنسانية وجودية خالصة،مما يجعلنا نزعم بأن “الصورة المعكوسة ” للحياة اليومية أحد المحاور المركزية لهذه الذاكرة ومنبع خصب من منابعها لكن كيف تتم هذه العلاقة بين الرســـــم وطرائق الاستحضار للصور المروية ووفقا لأي تناول وانتقاء ؟
لقد سعى عادل مقديش في تكوين فضاءاته التشكيلية إلى التسجيل وليس التسجيل بمفهوم التمثيل وإنما تسجيل اللحظات الإبداعية الفنية الخاطفة التي تمرّ على كل فنان في أوقات لا نعرف تحديدها، فينهل منها كل فنان مبدع ما استطاع، ولعل إنجازاته الخطية الغرافيكية تقدم لنا قيمة الإبداع وما أنتجه التصور المتفرد, فالأعمال الخطية الغرافيكية لهذا الفنان ذات خصوصية فنية لا على مستوى الإنجاز فحسب, بل وعلى ما تحققه من صدى تخيلي وإيحائي يطل على الوهم أحيانا, ذلك الوهم الذي ينشئ تصورات جديدة للواقع المتخيل, ليجعلنا نفكر بمجازات بصرية واقعية تتشكل على نحو صور تبرز “كأحلام يقظة” ولتتحول إلى مفاهيم لا يحدها حاجز عن المتلقي الذي قد يتعامل معها في حقيقة الأمر كنفيسة من نفائس الصورة الما فوق واقعية
فعادل مقديش يؤسس فضاءات فنية، و يجعل من عملية تأويلها عملية صعبة وذلك نتيجة لتشعب الدلالات داخل نفس الفضاء، حيث يقوم بإقحام عديد الرموز بكل حرفية ويجعل من التأليف بينها هدفا في تكوينه وهذا ما يثري أعماله الفنية في مجملها ويجعلها منفتحة على مجال تأويلي شاسع.
وفي أعمال أخرى تتفرغ الكتابة من طاقتها التركيبية ومن إمكاناتها الدلالية اللغوية لتغدو بذلك كيانا سابقا على اللغة والتواصل أو متجاوزة لهما، أي جسدا حرفيا يتسربل بإمكاناته الحرة في انزوائه خارج كل منطق تعبيرية مباشرة. حيث نجد ذلك التمازج العجيب الذي يتم من خلال تهجين الحرف والجسد بحيث تنمحي الحدود بينهما ويأويان إلى مجال حركي وبصري واحد. بيد أن هذا الحضور “التشخيصي للحرف” ليس أبدا حضورا للغة، بل تغييبا لها واحتفاءً لا بجوهرها وإنما بجانبها المادي المحسوس بصريا. فتتحول لديه العلامة الخطية من علامة مقروءة إلى علامة بصرية لا محددة وغير قابلة للتفكيك إنها تغدو مجرد شكل أو تخطيط .
كما تتضمن رسوم الفنان عادل مقديش طابعا مثيولوجيا أحيانا فرسوماته الليلية ( أجساد مرسومة في زمن الليل ) تخضع في كثير من الأحيان إلى جانب كبير من العتمة والانفراد في فضاءات أسطورية يمتزج فيها الوعي باللاوعي كما تحضر خرافات الطفولة والقصص المروية فضاءاته و يقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق فــي إحدى معارضه بمركز الثــقافي الفرنسي بالرباط :” أنطلــق في رسوماتي من مثيولوجيات ومن أساطير شعبيـة ومن خرافات الطفولة ومن الـلاوعي الجماعي ومن فزع التمزق الذاتي بين الحلم والواقع وبين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع واحد (…) حيث تلتحـم كل مقومـات ومــدارك الــذات في تعاملها الديناميكي مع المحيط المتحرك” (3)
جاءت رسوم عادل مقديش من أمـاكن ارتسمت في الذاكرة بأحلى الألوان، من أحـــلام وحكايات، تمد الإنسان بذاكرة الإنسان. حيث احتلت بعض الشخصيات لوحاته واتخذت موقعا هاما في تصور الفنان فنلتمس تشكيلا سرديا يرسم الشخصيات والأبطال، وفي هذا السياق من الكلام يقول وحيد السعفي في حديثه عن أعمال الفنان عادل مقديش: ” طاف مقديش في عالم من الذكرى ، هذه الجازية ، وهذه بلقيس و هذه ولادة تمنح قبلتها من يشتهيها , هذه عبلة ذات لثام يقبلها صاحبها ثلاثا في اللثام” (4) ثم يضيف قائلا في نفس السياق: “جــازية اللوحـــة لا تقود الحملة بـــل يقودها الركاب والأميرة ذات الهمة لا تحكم في الناس بهمة وبلقيس لا تخضع لأمرها سليمان وهدهده عنبر والكاهنة طيف لا يصيب الغائر بسوء ، وعليسة لم تنحر الثور قربانا لما أرست عند الساحل ولم تملك الأرض الجـــــلد وامرأة شاعرة لا تسحر شاعرها ولا تسلب عقله البالي المرأة هنا أسيرة الرسام يحفر في وجهها قصة الزمان” (5).
ومن هذا المنطلق نلاحظ محاولة عادل مقديش صياغة اللوحة الفنية كحدث روائي يستمد حضوره من بعض القصص الشعبية كحدث ذا أبعاد فنية بالأساس، يقوم على تداخلات عدة ، بين القصص ورموز تشكيلها، في سبيل الوصول إلـى رؤية فنية جديدة، وهذه الخصوصية الفنية ليست إلا وسائل إيضاح يعتمدها الفنان في “سرد لوحاته” .

عادل مقديش ، ثنائية ،زيت على قماش 64*53 صم 1984

هلاليات 2 ،أكريليك على قماش، 100*140 صم ، 1985

عادل مقديش حروف فارسية أكريليك على قماش 160*65 صم

لوحة عليسة ،أكريليك على قماش، 150*100 صم
—–
1 رياض العلوي ، جريدة الأنباء 16 سبتمبر 1981
2 نفس المرجع
3- عادل مقديش، ملحمة الحلم و الواقع، جريدة بلادي 20 مارس 1983
4- وحيد السعفي ، نص رحلة الجسد الجمال ، دار اليمامة للنشر 2002
5- نفس المرجع
———-
حسّان بنرحومة
باحث تونسي

 

المزيد من اعمال الفنان عادل مقديش

 

 

نذير نبعة

نذير نبعة يعرض استعادياً تجربته الفنية في صالة تجليات
صبايا الرمان يراقصن اللون والروح

«الفن تجريد استخلصه من الطبيعة بالتأمل فيها وأمعن التفكير جيداً بالخلق الناجم عن ذلك»، غوغان. وهكذا الفن لدى نذير نبعة استخلاص من الإنسان بالتأمل فيه وفيه. ثم يمعن أن يكون الناتج برحمة الجميل، بعد التغلغل بروحه وروحه كثيراً. أما كيف فهمت مقولة غوغان هذه، فإنه من خلال تأمله في الطبيعة نفذ إلى أغوار فيها، إلى أعمق من رؤية سطوح الأشياء، فأخذ من تلك الطبيعيات كنهها، ثم عاد ففكر بما أبدع تفكير عميقاً، ليكتشف ما مازج هذا الكنه من تلك الطبيعة حينما اتحد بعينيه من أثر في قلبه، والأثر قد يكون عن فعل الرسم أو الطبيعة فيه وفي الرسم، هكذا يأتي تفسير المعنى بالنسبة إليّ.

لكن نبعة يتجاوز هذا، فهو يتأمل في هذه الطبيعة كثيراً وكل ما يصادفه فيها ويقع في قلبه أو كان واقعاً به يغدو طبيعة أكثر مع محبته من خلال التعلق فيه، من الرمان إلى الجوري والناي وتفاح الأثداء إلى أصوات النسمات، كل هذا بمفرده يكون طبيعة ويُحول إلى فعل تأمل وله خلق إبداعي ناتج عنه يدفع إلى التأمل من جديد، بالنسبة للآخر فهذه الكلمات صدى لهذا التأمل الذي وجدت نفسي في رحابته، وأنا أتحدث عن تأمل ينبثق من المادي، ليغل بما هو أعمق من هذا، ليس كتجريد للأشياء عن الطبيعة، بل تحريك الخيال بهذه الأشياء في فضاء اللوحة، لتقود إلى فعل التأمل والجمال بعد هذا، وإن كنت تحدثت عن إيقاعات مادية الأشياء المتحركة في فضاء من جاذبية ولا جاذبية الوعي، إلا أني لم أدخل بعد في عتاقتها وتمازجاتها الحسية والانفعالية النفسية والإرثية والتاريخية العمقية إضافة لهذا البعد المادي المقشور السطح إلى دواخل العمق والرحابة، وحتى هنا فلا زلت في الجانب المادي من العمل بكل خصوصياته لكن الأمر يختلف لو دخلنا إلى الأبعاد المجردة فعلاً عندها سنكون بمواجهة إشراقات التأمل وجهاً لوجه أو روحاً لروح، هنا أفضل الصمت، هذا الصمت السكوني أمام تجليات.
«اكتشف سورية» التقى الفنان التشكيلي نذير نبعة في حوار يأخذنا بعيداً وطويلاً في فضاءات تجربته وروحه وجماليات عوالمه.

من أعمال الفنان نذير نبعة

رمزت الرمانة عند الرومان لربة الخصب أناهيتا لكنها ترمز عند الصينيين إلى الخصب والذرية وكذلك عند الزرادشتيين، وإضافة لهذا فهي ترمز إلى فكرة الموت والبعث، وفي الأيقونة المسيحية رمزت إلى الإحسان وهي تعني المعرفة لو كانت مفتوحة. نذير نبعة يكثر من رسم هذه المفردة الجمالية والرمزية في آن فهل يخبرنا أسرارها؟
الرمان كمفردة أستعملها موجودة في الموروث السوري، يقال: طاسة طرنطاسة بالبحر غطاسة جواتا لولو وبراتا نحاسة، وهي الرمانة، وأنا أعتبر الرمان رمزاً للشرق فهو فقير من الخارج و غني من الداخل، وهو كالبيت الشامي من الخارج طين وتبن لكنك ما إنن تدخل إلى الداخل حتى تجده جنة، فأنا عشت في بستان وكنت أرى الرمانة عبر مراحلها من الزهرة وحتى النضوج بما في ذلك تلونها من الخارج والداخل، وحتى الحروق البنية التي تصيبها بها الشمس أو التشققات اللاحقة وحتى تذوق طعومها، وهي ليست الرمانة التي أخذناها بالمراسم كطبيعة صامتة في الأكاديميات، فهي ليست مجرد طبيعة صامتة بل تذكرني بالأغاني الزجلية السورية والغزل الذي حظي به الرمان، إذ يندر أن يوجد مغني لم يتغن بالرمان، وهذه الأشياء تبقى أقرب إلي ّمن كل الثقافة التي حصلتها لاحقاً، فكل خبرتي عن جماليات الرمان كانت في مراحل تشكل الوعي وقبل ذلك من مراحل الطفولة، وهذا ما يجعلني أعجز عن تعريفه، إذ إن مجموع هذه التأثيرات التي تغلغلت فيّ ارتبطت بالكثير من الخبرات الجميلة، وهكذا أفسر الأمر، أما ما حصلته لاحقا من معرفة فهو إضافة تخدمني في توظيف هذا الرمز.

من أعمال الفنان التشكيلي نذير نبعة

التفاحة أيضاً ترمز في الغرب إلى الإغراء والموت أو إلى الأمل بالتجدد والسلام لو وضعت على شجرة الميلاد مثلاً، وقد تكون رمزاً للكون والكمال، وهي بالتحليل النفسي رمزاً لثدي المرأة، كيف يوظف الفنان نذير نبعة هذا الرمز الذي يتكرر كثيرا في لوحاته؟
أعيد أن طفولتي تشكلت في بستان يحتوي الكثير من الأشجار ومنها التفاح، والتفاحة تتمتع بشكل مميز وخاص يقترب من الدائرة وكل ما ذكرته من معاني ينتمي لهذه التفاحة، وفي أسطورة الخطيئة يقال أن حواء خبأت التفاحة في صدرها! وهذا يرمز لثدي المرأةة وإذ تنظر إلى سطح التفاحة ستجد الكثير من الخطوط والنقاط والتلاوين بحيث تبدو شهية وجميلة، التفاحة مبهجة بصريا وهذا الشكل يشدني منذ كنت طفلاً حتى أصبح عنصراً تشكيلياً، والمسألة هنا ليست قراراً، لأنها تشكل توافقاً مع مرجعية خبرات الطفولة الأولى، ثم يأتي الوعي والثقافة لتعزيز هذا المفهوم، فكل فنان ينشد عناصر معينة في الطبيعة يستطيع أن يبدع فيها، فالوجوه الموجودة في لوحاتي هي وجوه خيالية إلا أن الكثيرين يطلقون تشابيه عليها تعود إلى الواقع، وهي كهذه الوجوه تأتي من الخيال لتمنح اللوحة إيقاعات من الجمال وانعكاسات لرمزية المفاهيم.
تحتل القوقعة مكانة هامة في لوحتك وهي كرمز تختصر الحياة والموت، وكذلك ترمز لولادة فينوس عند الإغريق والرومان، ويجسدها بهذا المعنى بوتشيلي في إحدى لوحاته، إنها أيضاً رمز للحظ الجيد والخصوبة وللمرأة والجنس، كيف يرى نبعة القوقعة؟

من أعمال الأستاذ نذير نبعة

تعود علاقتي الشخصية بالقوقعة إلى أن أمي كانت تمتلك إحدى هذه القواقع وكنت أراها قرب المصحف في البيت عندما كنت صغيراً وهذا المخلوق الأملس الملون بألوان تشابه ألوان الشفق لها الكثير من الشاعرية الهامسة وهذا الشكل واللون كان يشدني، ولو سألتني لماذا؟ لا أعرف فهو يعود لمرحلة قبل الوعي. أما لاحقاً فكنت أشاهد هذه القواقع يحملنها الغجريات ليكشفن من خلالها الودع (التنجيم) ومن خلال رمي مجموعة القواقع على الأرض تقوم الصدفة بتوزيع شكل القواقع وكن يخبرن الأشخاص عن المستور أو يطلعونهم على الأسرار أو على ما يضمره الغيب لهم، ويجبن على ذاك التساؤل الذي لم يطرحونه، وكشف هذه الأسرار لطفل يحمل الكثير من التساؤلات ويكتنفه الغموض والتعجب! بعد ذلك تتعرف على القواقع من خلال الدراسة وتطلع على خصوصياتها ورمزيتها وتطلع على سبيل المثال على كيفية استخراج الأرجوان عند الفينيقيين من القواقع البحرية..
..يهمني هنا بمناسبة طرحك للأرجوان، السؤال إن كنت استخدمته في لوحاتك فأنا بالكاد ألحظه؟

من لوحات الدمشقيات
للفنان التشكيلي نذير نبعة

اللون الأرجواني لدي موجود في التجليات وهو موجود أيضاً في لوحات الدمشقيات، لكن لم يتبقَ لديّ أي من هذه اللوحات الآن، لقد رسمت الكثير من اللوحات التي تحتوي هذا اللون مستنداً إلى مرجعيته، هذا إضافة إلى أن هذا اللون جميل. وبالعودة إلى القواقع أذكر أني ذهبت إلى بورسعيد فالساحل هناك مغطى بالقواقع بدلاً من الرمل، هذا مشهد سريالي ويشبه الحلم ولا تستطيع إلا أن تلتقط بعضاً من هذه القواقع، ولا تشعر إلا وقد جمعت الكثير، وهذا ما فعلته إذ جمعت حقيبة منها. القوقعة بالنسبة إلى هذا الغموض الموجود بشكلها تشبه الغموض الموجود بالأنثى، فالمرأة باستمرار مخلوق لا يمكن اكتشافه، فهي لا تظهر كل ما لديها، وهي تمتلك على الدوام مزيداً من الأسرار! والقوقعة كذلك، إذ يكون اللؤلؤ في داخلها، والحصول عليه عملية تكتنفها صعوبات مميتة. هذا من الناحية المادية أو الشكل، أما المجهول فهو في الداخل، هذا المخلوق أو المفاجأة الساكنة في الداخل، فأنا أقرنها باستمرار بالأنثى وبالكنوز الموجودة فيها. عندما أضع المجوهرات عليها لا أقصد أنها مجوهرات تزيينية بل هذا المعدن على جسدها يحدث بصرياً تفاعلاً حسياً وانفعالاً خاصاً، وهذا ما أرمي إليه من ذلك.
هنا أحب أن أسألك، من خلال تعاملك مع القواقع في لوحاتك، هل أخذ هذا المفهوم شكلاً تصاعدياً من تطور الرمز وأشكال توضعاته على سطوح اللوحات؟

من أعمال التشكيلي السوري
نذير نبعة

نعم بالتأكيد، المفهوم يتطور فأنت تتذكر على سبيل المثال أنهم يقولون: لو وضعت القوقعة على أذنك فأنت تسمع صوت الهواء أو موج البحر، وهنا لا بد وأن يتداعى إلى ذهنك علاقتها بالماء، وكطفل ستعتقد أن البحر موجود في الداخل، وهذا يشكل عالماً من السحر والانجذاب إليها وليس لشكلها وحسب، لكنك عندما تقرأ عن رمز القوقعة ستعرف أنها رمز الماء، وهنا تتجاوز القوقعة معناها الخاص المحلي ليكون رمزاً عالمياً. وإذ تسألني لماذا أرجع هذه الأشياء إلى طفولتي وإلى بحري، رغم أن هذه الأشياء موجودة في كل مكان، لكني أصر على بحري أنا، هذا البحر السوري أكثر إيحاءً من كل البحور! أنا أنشد إلى قضاياي وصولاً إلى قضية فلسطين. أنا اهتم بقضايا فيتنام بالمعنى الإنساني ولدي هذا البعد، لكني ما يرتبط بي ويكون قريباً مني، أحبه أكثر، فالذي لا يحب نفسه لا يمكن أن يحب العالم.
لأنهي موضوع القواقع أحب أن استفسر عن إحدى لوحاتك والتي تعود إلى مشروع تخرجك في القاهرة، أرى فيها القواقع واستغرب وجودها في لوحة لأحد العمال في الوقت الذي أشاهدها في لوحات تتصل بالمرأة وبمعان جمالية أخرى، هنا أنا اسأل عن اختلافف التوظيف؟
المقالع كانت بداية مسيرتي التشكيلية في ذاك التاريخ، والمشاريع كانت ذات مواضيع بسيطة وكان ينظر إليها نظرة تبسيطية سياحية، سادت فيها المواضيع الاجتماعية والسياسية (فترة الستينات)، وكان أغلب الفنانين العرب في تلك الفترة في حالة بحث عن الذات،، بمعنى أن كل المناهج التي كنا ندرسها كانت مترجمة عن الأكاديميات الغربية، وكان علينا أن نرى جمالياتنا بعيوننا نحن، ونتجه إلى تراثنا القديم، الفينيقي، السومري، الآشوري، الفرعوني، وذلك من الستينات، وتلاحظ أن التشخيص الموجود في اللوحات من تلك المرحلة، مأخوذ من الرليفات (النقوش النافرة) السومرية والتدمرية، باعتبار أن مرجعياتنا بالرسم تعود إلى تلك الفترات من تاريخ الأجداد، وهذه من جهة تعتبر واحدة من جمالياتنا، قبل ذلك، كنا نستلهم جماليات لوحات عصر النهضة والرومانتيكية والواقعية، ونستوحي من تلك التراكمات الثقافية الغربية، هذه التجربة دفعتها ظروف قدماً، لكن أخرى أحبطتها، وخصوصاً فترة النكسة وما انعكس على مفكري وفناني الأمة من إحباط، أعتقد أنه عندما يحدث انكسار أو هزيمة في حياة الأمة يتجه مفكروها إلى مهاجمة أنفسهم وتقريع ذواتهم، في تلك الفترة نفذت عدداً من اللوحات عن النابالم الذي استخدمته إسرائيل، وعن الفدائي باعتباره الوحيد الذي كان يقاوم إسرائيل بعد انهزام الجيوش العربية. وبالعودة إلى السؤال، تعود بداية عرض القواقع إلى عرضي الأول في صالة الفن الحديث في سورية، والمعرض كان بأغلبه عن أساطير الفرات، وأساطير كنت استوحيتها من قراءاتي، ومنها أسطورة سيزيف التي تجسد عناء الإنسان وتحديه، وقد دمجت سيزيف الأسطوري بهذا الحديث، أي الإنسان العربي وجسدته في إحدى اللوحات، أي أن القواقع أتت من الأساطير وخصوصاً الفراتية منها (إنليل، ننليل، كاهنة مردوخ)، وهذه القواقع مرتبطة بالماء والمرأة كفينوس وعشتار التي وُلدت أمها من رغوة ماء الفرات، أي أن الأسطورة التي رسمتُها هي أسطورة تخصنا..

ربة الموسيقى
للفنان التشكيلي نذير نبعة

..ألهذا تظهر عشتار في لوحتك سمراء بدوية؟
المسيح لدى الإفريقيين أسود، وكل ثقافة رموزها تشبهها.
هنا أحب أن أسألك لتجيب بطريقة التداعي الحر وباختصار عن هذه الرموز الموجودة في لوحاتك؟
أشجار الغرب: هي أشجار أدهشتني أول الأمر في فصل الربيع، لما فيها من قوة الخصوبة.
السمكة: هي رمز الشر في إحدى لوحاتي، وهي رمز الخير، وهي رمز جنسي، إضافة لأن شكل السمكة الجميل بصرياً، هو الأهم عندي.
الناي: رمز لوحدة الماء والنبات والهواء، وهذه الوحدة تخلق الموسيقى، وهو رمز –كشكل- لحرف الألف!
الصلب: ليس الآتي فقط من صلب المسيح، بل يصل إلى كل المناضلين، الذين حاولوا أن يقدموا فكراً متنوراً.
القنديل: هو رمز النار والنور، كنا نشعل النار منه ونستضيء به، رافقني بمراحل دراستي.
ثدي المرأة يظهر في لوحاتك وحتى الشرقي منها! هنا محظور إرثي بمقابل متاح تشكيلي، كيف استطاع نبعة أن يوفق بينهما، دون الوقوع في توصيف اللوحة بالاستشراقية؟

من أعمال نذير نبعة

الله خلق الإنسان من دون ثياب، ثم يعود ويقف في يوم الحشر بدونها أيضاً. الإنسان عندما أخطأ وضع على نفسه الثياب، وهذه الإجابة أقولها دائماً، عندما اُسأل عن هذا الموضوع. أنا أعود إلى الطفولة الأولى فأول ما يتحسسه الطفل ثم يراه هو ثدي المرأة، وهذا كله قبل الوعي. هذا الشكل (الثدي) بالمقارنة مع صيرورة التطور بالنسبة للرجل يكون مختلفاً (فيزيولوجياً)، وهذا محرض قوي كشكل بالنسبة للرسام، ولاحقاً تضيف الثقافة مع تطور الوعي، فتعرفه أكثر كرمز عند الأقوام والثقافات، بالتأكيد هو شيء مقدس، لدرجة أني رسمت الثدي كموضوع مستقل. أما العاري لدي فلا يوحي أبداً بأنه فاضح بقدر ما يوحي بالخصب والجمال والحياة، أذكر هنا أنه في معرضي في المركز الثقافي العربي سنة 1979، جاءت سيدة ورفعت المنديل عن وجهها أمام إحدى اللوحات العارية، ثم سألتني أليست هذه أمنا حواء يا بني؟ فقلت لها نعم، وهذا التوصيف من أفضل التوصيفات وهو تماما ما أريده، هذه اللوحة كانت عن وادي الربوة، والعاري كان إضافة مركبة، لأعبر عن شدة حبي وتعلقي بهذا الوادي. أما الاستشراق أو المستشرقون، فقدموا عن الشرق المفهوم العاري الحسي كما يفهمونه هم، وهذا غير المفهوم لدينا..
..كأني أفهم أنك ترد على اللوحة الاستشراقية بمفهوم مختلف؟
في الفن الشعبي، العاري المسموح هو آدم وحواء، وإذا اعتبر العاري عيباً، فقد كان هذا العاري في الكثير من البيوت، العري بالمفهوم الشرقي ليس ذاته بالمفهوم الاستشراقي، فالقاموس اللغوي لكل معاني الحب والجنس والعري مختلف في الثقافتين، أما من يرىى في لوحتي بعداً استشراقياً فهو مع الاسف أعمى.
لوحتك تمنح العين القدرة على التفكير والحلم، وهي تأخذ منك الكثير من الوقت، فحتى إنجاز اللوحة، بماذا تكون تفكر؟
إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعنيي أنه يحب الآخر، وهذا الآخر هو الإنسان، وهذه المحبة تفرض على الفنان أن يحب لوحته لتصل هذه المحبة إلى الآخر، المسألة تتجاوز التفكير لأنه مع تدخل العقل أفقد اللوحة! عندما يتدخل العقل في اللوحة ويكون له الدور الأول تصبح باردة، المسألة مختلطة بما نحمله من مشاعر المحبة للآخر بدءاً بمحبة الأنثى وانتهاءً بالتواصل مع الآخر. معنى المعرض هو التواصل مع الآخر، فالمعرض ينبغي أن يحمل جديداً لأتحاور به مع الآخر، فالمشهد الجميل وحده لا يكفي، ولهذا تكون الفترات بعيدة بين معارضي.
مارست الفن كرسم وتصوير وأرشفت مشهديات شرقية ودمشقية كثيرة، بحساسيات بلغت الأعماق الروحية لهذا التراث ونحن ندين لك بهذه التسجيلية الحلمية التعبيرية، بعد كل هذا التاريخ من العمل والعطاء على الموضوع التراثي والأسطوري التراثي، هل ُتعتبرر «تجليات» تسجيلاً لعوالمك الداخلية بكل ما تحتويه من تقشفات وجماليات، من رهبنة وثراء؟

من دمشقيات
نذير نبعة

ما تقوله مقاربة جيدة وهذا طبيعي فالإنسان يمر بفترات نمو مختلفة من الطفولة إلى الكهولة، وبالتالي الإنسان ليس ذاته بكل منها بل بتلك الإضافات من الخبرات والمعارف، في الجانب التشكيلي تنمو هذه الخبرات وتتطور وكذلك الاهتمامات. «تجليات» هي مشهد واقعي من الحياة ولكنه يتحول في لوحتي إلى مشهد تأملي، ولكنها ليست «كرت بوستال» لهذا الواقع بحيث تستطيع القول مثلاً هذه صورة لتدمر أو معلولا أو غابة خريف أو غير ذلك. هذا الميل للمشهد التأملي بدأ منذ 1964 -عندما كنت أدرس في دير الزور- من رحلات الصيد مع بعض الأصدقاء، وكنت أرافقهم فقط حيث كنت أشاهد الجبال التي كانت صخورها تتمتع بمنظر غاية في الجمال حتى أني كنت اطلب كاميرا لأصور هذه الصخور، وتستطيع القول أن أول إنتاجي بهذا الاتجاه يعود إلى أوائل الثمانينات، ولم أكن انتهيت بعد من مرحلة الدمشقيات حتى أن هذه الأجواء موجودة في خلفيات بعض اللوحات من تلك الفترة.

في تجربتي الأخيرة «تجليات»، حذفت موضوعي الشخصي، مكتفياً مهنياً وتقنياً بذات أدواتي من لون وملمس لأرضية اللوحة من حيث الخشونة أو النعومة ، النافر أو الغائر، واستثنيت الأشكال حتى الأشكال الهندسية أو النباتية منها، والهدف أن أدعو الآخر إلى لوحتي ليرى موضوعه هو، عاطفتي تدفعني لأحتضن الآخر في لوحتي ليرى فيها ما يحب، فقد يرى فيها غابة أو صخراً ملوناً أو غروباً، هذا يغني اللوحة. يقولون عن الجوكندة أنها لوحة جميلة لكن ما كتب عنها والتفسيرات العديدة لها يجعلها أجمل، تلك النصوص الموازية تمنحها آفاقاً من الجماليات، وعندما يرون في لوحاتي (تجليات) أكثر من موضوع فهذا إغناء للوحة.

في عرضي (تجليات) في صالة أتاسي (عام 2003)، قدمت المعرض ببيان يعتبر مدخلاً لقراءة العرض، وهو عبارة عن قصيدة أخاطب الآخر في بعض منها:
«أدعوك لترسم في لوحتي لوحتك
أدعوك لترسم في فرحي غضبك
أدعوك لترسم في منظري.. وجهك
لأن هناك نافذة أخرى للرؤية..»
نصك التشكيلي البصري يشبه كثيراً خصوصيتك، أأستطيع تسميته نصاً تجريدياً؟
لا، أعتقد أني أقدم مشهداً واقعياً تأملياً، لأنني لا ألجأ إلى الأشكال التي قدمها التجريديون.
من «معلولا» إلى «المدن المحروقة» لوحات فيها ذات الإيقاعات الملمسية والخصوبات اللونية الحسية والروحية المتقشفة، وبالوصول إلى «تجليات» نكاد لا نلمس فرقاً كبيراً من حيث التقنية أو العجائن اللونية، أأخلص إلى أنك تصير جزءاً من هذه العجائن؟
سأقرأ لك جزءاً ثانياً من قصيدة «تجليات»:
«يتخذ سطح اللوحة مسرحاً للوجود
ملعباً لسيولة المادة تحت سطح سكين الرسم
أرضاً خصبة للأشكال تنمو وتتوالد تحت ضغط الحد وحنان الأصابع
ورحمة العاطفة
يولد من نزق الانفعال، وحماقة الغضب
وفعل الغرائز، ورقص الفرح
وشطحات البصيرة..
الفرح يصبح لوناً معربداً في النافر
ويمسي الانكسار غارقاً في ظلال الغائر
الموضوع بعد الثبات والموت
يهب حياً متجولاً حراً.. مليئاً بالاحتمالات
…».
المدن المحروقة هي بغداد، بيروت، قانا، جنين، غزة، ولو أني أرسم بغداد بالشكل التقليدي للحرائق والدمار، أو كيف ُحرق المسجد الأقصى، لكانت الكاميرا أفضل من الرسم، بهذه الطريقة من الرسم، الاحتمالات لا نهائية المهم لديّ توالد الأسئلة ومشاركة الآخرر في طرحها والإجابة عليها، نستطيع القول أنه تنزيه عن الشيء الواقعي، فعندما كانت بغداد تحترق، أكان يجب أن نعبر عن ذلك، بأن نرسم مدينة يخرج منها اللهب؟! المسألة تتجاوز هذا، كنا نشعر بالعجز عن فعل شيء وما كان يحدث في الصدر هو نوع من الحرقة أو الاحتراق، بحيث يشعر الإنسان أن الدخان يخرج مع أنفاسه، ويكون التعبير مختلطاً بما تحدثه السكين على سطوح اللوحة من إحساسات غائرة أو نافرة، وبهذا اللون الممزوج بالمشاعر، هكذا يتم الأمر..
..تستوقفني هنا كلمة «تنزيه» وأحب أن استبدلها بكلمة «تجريد» الذي يعني نزع القشرة عن الشيء والدخول إلى قلبه، وهذه مقاربة صوفية، لكن ابن سينا هو الأدق هنا ويتفق مع طرحك، إذ يعتبر التجريد هو تجريد للمادة من بعض لواحقها،
وهو ما فعلته أنت بالصخور إذ أبقيت الملمس وسطح الشكل، ثم تركت الخيال ليرتفع بهذه الصورة إلى مصاف التأمل، هل توافقني في هذه الرؤية؟
كلمة تنزيه هنا أتت لتكون مختلفة عن المصطلح الغربي «abstract» (التجريد)، إذ يخلط الناس في هذا المفهوم ويرون التجريد فقط فيما قدمه الغربيون، وهذا يتجذر في الثقافة اليومية عند الكثيرين، ولهذا استخدمت كلمة تنزيه لأنها أقرب إلى قاموسنا، ولتشكلل اختلافاً عن كلمة تجريد بالمعنى المتداول.
أرى في عملك (تجليات) ارتقاءً شخصياً وروحياً، ولكنه (أفقياً) يتخذ معنى أرضياً وإنسانياً، وهو قريب منا كفاية لنشعره في أرواحنا، وأنت هنا ربما مختلف عن المتصوفة ومن يشبههم في أشكال التجلي العمودي أي مع السماء والنور، إلا أنك تحدث أثراً مشابهاً!! ففي الوقت الذي تستدعي الآخر إليك، أنت تستدعي المكان أيضاً، وكأنها دعوة لأن نكون أكثر تواضعاً على هذه الأرض؟!
من شاء سما وتوحد، ومن شاء كبا وتبدد! وهنا كبا ليست بمعناها السلبي، وهكذا تبدد. كبا هنا بقرار وبإرادة ورغبة بمعنى الموت في هذا التراب والبعث من جديد، هي عودة إلى الجذور والانطلاق منها، هنا الرؤية متسعة ولكن العبارة تضيق. إن أول ما يلعب بهه الأطفال هو التراب والطين، هو أول الأبجدية والوعي، وبعد أن رحلت بعيداً لا بد من العودة إلى ترابي وطيني الأول، أنا يهمني أن يعرفني قومي قبل أن يعرفني الآخرون، إحساسي يوم افتتاح المعرض بأن الناس كانت تحضنني ، لا يقابل بكنوز، ذلك لأني بينهم. أنا لا أجد نفسي بالخارج، أنا هنا، أنا اعتبر الفينيقيين والسومريين والآشوريين والفراعنة أجدادي، أنا ابن لهؤلاء.
أراك تأخذ من الفراعنة قوة الشكل وثباته، كما تأخذ من الفينيقيين لطف الشكل وجمالياته وترحالاته، فنرى من فترة السبعينيات بروز ملامح النحت في تشكيلك، لكن الحركة والأمواج وخصوصاً في الشعر والحرائر تجعلني أراك في الجانب الفينيقي السوري وكأنكك مسكون بتلك هذه الروح الفرعونية والسورية، كيف لي أن أفسر هذا الإصرار على استحضارها في لوحتك؟

جاء الرومان إلى سورية واحتلوها عسكرياً، لكن تدمر بقيت سوريّة ولم تصبح رومانية، وكذلك الفن فيها بقي سورياً ولم يصنعه الرومان، وهذا ما حصل في مصر، إلا أنهم ذابوا في الحضارة الفرعونية ولم يؤثروا في الحضارة القائمة ولم يحدث فن روماني ولا بجزء من الجوهر، صحيح أنهم كانوا أقوى عسكرياً، لكن ثقافتهم ليست أقوى من الثقافتين الفرعونية والسورية، ولذلك لم يكن لهم هذا التأثير على الفن، حتى أنني أعتقد أن ثقافتهم في جزء كبير منها أتت من عندنا، فأوروبا إبنة قدموس وخرجت من صيدا على ظهر بوزيدون، ومن هنا جاء اسم أوروبا القارة حسب الأسطورة.
في نقاشاتي مع بعض الفنانين نختلف على تحديد ما إذا كان هناك فن سوري، وأكثرهم يرجع بداية الفن في سورية إلى الرواد أو إلى الخمسينيات أو ما قبل ذلك بقليل، إلا أني أرى أن أمة تعود في عمرها لأكثر من عشرة آلاف عام من الحضارة يجعلها متجذرة فيناا إرثاً ذاكرياً جمعياً، هذا إضافة للكثير من الروليفات واللوحات الفسيفسائية وحتى النقوش والرسوم على الأواني التي تعود إلى الحضارة الفينيقية المكتشفة، ومن الطبيعي لمن لديه كل هذا، أن يكون لديه إرث فني بأي شكل من الأشكال، سواء كان بصرياً خيالياً أو بصرياً مادياً، وإن كانت الوسائل التعبيرية عبر اللوحة المحمولة جاءت متأخرة بعض الشيء، إلا أن هذا لا ينفي برأيي أن يكون لدينا فن سوري، وعلى الفنان أن يعود لجذوره ليعيد استخراجها بلغة بصرية تواكب الأشكال التعبيرية الحديثة، مع الحفاظ على خصوصية الهوية، ماذا يقول نبعة في هذا الشأن؟

خولة بنت الأزور
لنذير نبعة

لدينا فن سوري بالتأكيد، فنحن قدمنا للعالم حضارة عظيمة، نحن هنا نتكلم عن أجدادنا، أما إذا كنا نتحدث عن الحاضر فأمامنا الكثير من العمل لنقول أن هذا الإنتاج الفني عندما يصل إلى العالم يستطيع أن يراه العالم على أنه يحمل الطابع أو الهوية السورية، كما يقال مثلاً: هذا فن هندي أو صيني. لماذا يجب أن يقال هذه لوحة سورية؟ لأن فيها ملامح خاصة، أيّاً كانت اللوحة واقعية أو تعبيرية أو تجريدية، تميزها عن أية لوحة تنتمي لحضارة مختلفة، هذا لم نقدر أن نفعله بعد، بسبب الكثير من الظروف السياسية، وإن كنا بدأنا بذلك مرحلة الستينيات ثم توقفنا لذات الأسباب السياسية، نحن توقفنا عند جماليات الشعارات، الآن يجب أن نعود لنعي ذاك المشروع كي نستأنفه من جديد، هذا كان هم الفنانين من المشرق إلى المغرب..
..هل نملك برأيك مقومات فن سوري يحمل عناصر التشكيل البصري؟
بالتأكيد، لكن المناخ هو ما نحن بحاجة إليه، كما أن النبات بحاجة لمناخ وشروط لينمو، والفن بحاجة لمناخات من الحريات المختلفة لينمو، وهكذا الإبداع بكل صورة.
لون على لون، هل يساوي نور على نور صوفياً؟
أنت تقارن عملية فيزيائية أو كيميائية بعملية روحية، وإذا دخلت الكيمياء بالروحانيات كما فعل أجدادنا، فنعم..
..أشعر أن سؤالي وصلك، لكنك لم تجب، ما أقصده أن اللون في العصارة، يبقى لوناً حتى حتى تلامسه أصابع الريشة ثم سطح اللوحة، عندها يتحول إلى شعاع من ضوء..
كان لدينا في الأكاديميات التي درست بها مادة اسمها تكنولوجيا اللون، ولم تكن تلك المادة من أجل أن نخترع ألواناً بل من أجل أن نعرف خصائص اللون، كالألوان التي تتأكسد بمخالتطها لأنواع محددة من الألوان أو تلك التي تتآلف مع بعضها، فلون على لون هوو تآلف كيميائي لهذه الألوان والتآلف محبة، هناك مواد تتآلف مع مواد أخرى ما يصنع الجمال أو ما يسمى بهارموني لوني فرح أو حزين أو هارموني متناسب مع الجو الملحمي في اللوحة مثلاً..
..حسناً، لنقلب صيغة السؤال نور على نور، كيف يساوي صوفياً لوناً على لوناً؟
الله نور السموات والأرض، حتى اللون الأسود وإن كان لا يوجد لون أسود، فهناك أسود مضيء، كما كان يقول لي أستاذي عبد العزيز درويش، فكنت أسأله كيف هذا؟! وكان يقول لي عندما تكبر ستعرف! عندها كنت في السنة الأولى في القاهرة. وهنا أقصد النورر الذي يصدر من اللون نفسه وليس عن المصدر الخارجي كالشمس، وما تتركه من نور وظلال على الأشياء، أنا أتكلم عن النور الموجود بألوان الأحجار الكريمة، إذ هو نور داخلي وليس خارجياً، ولما تكون الإضاءة من الداخل تكون نوراً على نور، أما عندما تكون خارجية عندها يكون ظل وضوء! القمر لا يُصدر نوره بل ما يعكسه عن الشمس، ويزول بغيابها..
..هذه الرؤى «الجوانية» هل تنعكس بتجليات؟
بالتأكيد، أنا تعلمت من حركة الشمس على سطح الصخر النافر والغائر فيه، وكذلك من تأثيرات حركة الزمن عليه أو عوامل الطبيعة، هذه ألوان لا يمكن أن تخرجها من الأنبوبة فهي ليست مجرد ألوان جاهزة، هي هنا ألوان اشتركت بنسجها عوامل الطبيعة والزمنن وتراكمات التاريخ بما يحمل من حضارة وإشراقات نور الشمس. أنا رسمت توشيحاً على المادة التي هي عبارة عن لدائن سميكة ألفت سطح اللوحة، وما قمت به هو توشيح أو تلوين على هذه السطوح بشفافيات لونية لتصبح هذا النور على نور، بلون شفاف غير كتيم، أي نور اللون أو إضاءته، فأنا لم أستخدم الأحمر بل نور الأحمر، وكذلك الأصفر فانا أوشح بضوئه وليس بلونه، حاولت أن أتعلم من الشمس كيف تلون الطبيعة، ولا زلت أحاول وأتعلم.
تحرضنا سطوح الصخر في لوحاتك لنكشف ما تحت وفوق سطوحها، كيف يفعّل نبعة هذه الطاقات ليختلط المادي بالمعنوي إلى هذا الحد؟
الصخر الذي رسمته هو من الأماكن التي زرتها شرق وشمال سورية، إضافة للبتراء في الأردن، لأقل من سورية ما قبل سايكس بيكو، ما تعلمته من هذه الجبال كمخلوقات، أن الإنسان ليس المخلوق الوحيد على هذه الأرض، برأيي أن الإنسان آخر التطورات علىى الأرض، في إطار وحدة الوجود نجد أن كل هذا الكائنات على سطح هذه الأرض متآخية، وإذ تؤمن بهذا تصبح معاملتك لهذه الموجودات معاملة مختلفة، في الموروث الشعبي يقولون: إن النخلة هي أخت آدم، إذاً النخلة عمتي! الصخر كما فهمته من هذه المرجعية هو مني أو أنا جزء منه، فكيف أنظر إليه كجزء أقل مني!؟ إنه كما نراه في الملاحم الشعبية أقوام تحولوا بسبب لعنات إلى صخور!، ويقول أحد الشعراء: خفف الوطء إن هذا الثرى من عيون ساحرة الإحورار. تقول إحدى الأساطير الشعبية التي قصها علي أحد الفلاحين في جبال اللاذقية عندما أشار إلى صخور عالية في أحد الجبال، قائلاً: هل تشاهد هذا الملك في الأعلى! استغربت هذا الكلام إذ كنت مستغرقاً في ألوان وأنوار المكان، وسألته: أين؟ أشار إلى صخرة في أعلى الجرف، وقال: هذا وجهه، إنه يصرخ! ومكان التاج على رأسه، ثمة شجرة! نظرت وإذ بوجه فعلاً، فحكى لي قصة هذا الملك الذي خانه أصدقاؤه حتى تاه في البراري، وظل الناس يسمعون صوت بكائه كصوت الريح إلى أن تحجر كما تراه في الأعلى. ولقد كتبت هذا النص وختمت على أنه حادثة واقعية، لكني عندما نظرت إلى الوراء لم أشاهد هذا الفلاح الذي حكى لي هذه الحكاية، ولا أعرف أكان هذا الشخص حقيقة أم لا، أو أنه عندما وجدني مستغرقاً إلى هذا الحد تركني ورحل، واختفى داخل المشهد! عندما ترى ذاك المشهد فإنه يأخذك فيه.. حدثتك بهذا لتعرف كيف أرى الطبيعة وكيف أتفاعل معها، وإن كنت أطلت عليك فاعذرني. أنا لن أرسم هذا الفلاح وتلك الصخرة التي تشبه الملك، أنا أرسم روح الأشياء.
من خلال ما قلت يصبح الولوج إلى «المدن المحروقة» و«التجليات» من ذات التفاعل ما بين البصري والروحي، النفسي والمعرفي أمراً محسوماً، إذ نستطيع أكثر أن نعرف كيف يبلغ نبعة كنه التعبير، من خلال سطوح الصخر والنفاذ إلى حرقة الألم، إلا أنن الرؤية ليست كاملة لدي بعد، فثمة أبعاد أكثر جمالية في الصخر لم تحدثني عنها؟
كنا في عرنة (على حافة الجولان المحتل) في إحدى المرات مع بعض الأصدقاء وبالصدفة شاهدت وردة حمراء تخرج من صخرة، لم يكن في الصخرة تجاويف بل أقرب إلى أن تكون ملساء، وكيف تخرج هذا الوردة؟! سأسمعك إحدى رباعيات صلاح شاهين،، باللهجة المصرية كما هي مكتوبة: «يلي بتبحث عن إله تعبدو، بحث الغريق عن أي شي ينجدو، الله جميل الله حليم الله رحمن رحيم، احمل صفاتو وانت رح توجدو». هكذا أفهم أنا الأمور، عندما تصبح الوردة داخلية، هكذا يكون!! لو قالت هذه الوردة أن الظروف صعبة لما كانت خرجت من تلك الصخرة، خرجت وهي تعرف أن حياتها القصيرة ربما تنتهي دون أن يلاحظها أحد، إلا أنها خرجت لتعلن عن جمالها، ومن لم يلاحظ هذا يكون قد خسر..!
..أأفهم أنك تعلن شيئاً مشابهاً في لوحتك، وأنك تحرضنا لنرى هذا؟
نعم، لأنه عندما لا ُيرى هذا الشيء الذي أتقصد إيجاده في اللوحة، لا تكون مشكلتي، الوردة تلك في مكان من لوحتي، ومن لا يراها فهو المسؤول عن عدم رؤيته!
لو ربحت الجائزة الكبرى هل كنت ستترك الرسم لتتفرغ لشراء أعمال الفنانين الحقيقيين، كما أخبرت أحمد معلا. هنا سؤالان، هل تستطيع أن تتوقف عن الرسم؟ ومن هم الفنانون الحقيقيون؟
هذا يشبه النكتة، أنه عندما يكون لديك نقود تصبح كسولاً، إلا أن حبك للفن يبقى، فتشتري ما تحب من أعمال فنية. أما التوقف عن الرسم فلا، تلك مزحة لا أكثر، الفنان عندما يتوقف عن الرسم يموت! الفنان الحقيقي هو الإنسان الذي يعي طريقه بشكل صادق بماا يمنعه من التورط باستعراض قدراته كي لا يفقد حقيقية فنه! هناك الكثير من الرسامين تغريهم الصنعة فنراهم يلحون على استعراض قدراتهم، إنهم يشبهون لاعبي كمال الأجسام، أي أن كل شي مضبوط، لكنه ليس جميلاً! رغم أن الكثيرين يقولون أن هذا هو الشكل الجميل. وهذا رأيي، أحس أن هذا المثال يشبه حالة الشاعر الذي تهمه البحور أكثر من الشعر، أو الكاتب الذي تهمه قواعد اللغة أكثر من اللغة ذاتها، أهم شيء هو صدق الطريق والطريقة، فالفن يفضح، يفضح الكاذب إذ يظهر هذا جلياً في اللوحة، هكذا أفهم أنا الفنان الحقيقي، الصدق قبل كل شيء، قبل الصنعة المتينة، فالصنعة المتينة أو المهنية العالية هي مجرد أداة لتساعد الفنان على قول صدقه.
في قصيدتك بكاتالوج معرض «تجليات» الماضي قلت: «محال أن تعبر عن البربرية الحديثة بنفس الريشة التي رسمت جمال عشتروت، أصبح من الكذب أن ترسم شجرة أو طريقاً أو بيتاً»، أيكون عرض تجليات من هنا مصالحةً حقيقية مع الذات عبر التجريدد كطريقة تعبيرية توصل بها ما يحيطنا من قهر؟

لو رسمت حريق بغداد كمشهد واقعي (أبنية مدمرة ومحترقة) سيكون عاجزاً عن التعبير، والأفضل هنا الصورة الفوتوغرافية فهي أكثر وثائقية، أنا رسمت الحرقة الداخلية التي حصلت عندي وأنا أرى الحريق وأعجز عن إطفائه، تلك المرارة التي أحسستها في فمي وأنا أرى مئات القتلى في الشوارع دون أن أستطيع فعل شيء، أعتقد – لشدة وقع الحدث- أن الواقعي الكلاسيكي كما كنا نعبر من خلاله سابقاً، لم يعد يصور المشهد، ملحمية المشهد تحتاج أدوات تعبيرية أخرى أو أسلوباً آخر أو شكلاً مختلفاً من التعبير..
..هل نقول هنا أن التجريد (وفق تعريف القاموس العربي) هو الشكل الأرقى للتعبير؟
المسألة هي صراع بين فردية الفنان وبين علاقته بالآخرين، فهو باستمرار مشدود بين طرفي المعادلة، فهو يقترب من نفسه أكثر كلما اقترب وفي داخله اللاشعور الجمعي، وإلا يصبح الفنان فردياً وهكذا تجريده، فيميل عندها تعبيره أكثر إلى السطحية، كالتجريدد الأوروبي الذي نشاهده. ومن هنا أتقصد أن أترك بعض الإشارات (أشكال ذات ملامح معرفة) على سطوح لوحتي، ليستطيع الآخر تلمسها وبالتالي دخول اللوحة، التواصل مع الآخر حاجة لدي..
..لكن ماذا لو فرغت اللوحة لديك من الشكل، ومن الإشارات، وصارت لوحة لا شكلية أو لنقل لونية، فكأن لوحتك تتحرك في هذا الاتجاه،هل ستصل إلى هذا؟
هذا يعني أن ألغي الشكل في اللوحة، أو الغي اللوحة، وأدخل في فرديتي، هذا يعني أني اقتربت من اللوحة الموجودة في خيالي، وهكذا أصبح فردياً نهائياً، أي أن هذه اللوحة لا تعني ولا تحاور غيري..
.. وليكن هذا أين المشكلة!؟
المشكلة أنني أكون قطعت علاقتي مع الآخر، لم أعد أحاور الآخر وأكون قد اكتفيت بلوحتي لنفسي، وأنا على تواصل مع الآخر باستمرار، وهذا بالنسبة لي ضرورة..
..حتى لو ألغيت الشكل يبقى اللون، واللون هو مدخل للقراءة والتواصل مع الآخر؟
هذا يجعلني أقول لك: أنه كلما وسعت الرؤية تضيق العبارة، وتصبح هناك صعوبة أكبر بالتواصل. أنا معك بخصوص اللون لكن هذا بحاجة إلى إنسان آخر أيضاً وليس إلى إنسان يتعرض إلى هذا الكم من التلوث البصري والسمعي والفكري في كل مكان. هذاا إنسان لا يمكن أن تطلب منه أن يرى روحانية اللون قبل أن تملأ معدته، وتهيئ له فكراً نظيفاً، وربما هذا ما شدني إلى السياسة في بداية حياتي..

.. يفاجئني هذا الإصرار على التواصل مع المتلقي حتى عندما تصل إلى ضفاف التجريد، ألا يغويك الدخول إلى هذا الأكثر!؟
أنا أحاول أن أجد على الدوام طريقاً إلى المتلقي، ولذلك قلت لك في بداية الحديث أنا لا أصنع لوحة تجريدية، وليس معنى هذا أني أنفي تهمة، فالتجريد ليس تهمة، ولكني أرسم مشهداً تأملياً.

من دمشقيات
نذير نبعة

يمكن إطلاق صفة الأنثوية على موضوع لوحاتك إذا استثنينا اللوحات ذات الطروحات الأكاديمية وخصوصاً من مرحلة التخرج، فهل سبق وانتبهت إلى هذا الانحياز الكبير واللافت إلى هذه الأنثوية، أم أنك تتقصد منحنا هذا الكثير من أنثويات الجمال؟

وجدت نفسي أرسم المرأة، وبعد ذلك أحاول أن أفهم ماذا أفعل، لنعيد الأمر إلى بداية العلاقة مابين المذكر والمؤنث كقطبين متقابلين يسعى كلاهما إلى الحركة باتجاه الآخر، فلحركة المذكر هذه معنى الشوق أو الحب! وهذا الشوق هو الشوق للجزء الآخر عند الفنان. أول ما تقع عليه عينا الطفل أمه كأول أنثى، وهذا يترسب باللاشعور قبل الوعي، هناك المرأة التي أحببتها، زوجتي إذ يتلألأ وجهها في الكثير من اللوحات. ولأقل على سبيل النكتة: غضبي من وعلى الرجال الذين ضيعوا بلادهم ولم يكونوا أبناء صالحين. الرجل الوحيد الذي رسمته هو الشهيد والفدائي وهذا العامل. فالمرأة تتجاوز أبعادها المادية في لوحتي، لتتحول إلى رمز كأم وكحبيبة ومدينة ووطن (سورية ياحبيبتي..).
بغياب الرجل عن اللوحة هل يمكننا اعتبار رموزٍ مثل السكين، المفتاح، والهدهد، رموزاً ذكورية؟

الطائر في شعرنا وفي الزجل يمثل صورة الرجل، فبسبب حياء الأنثى والعادات يٌرمز لهذا الحبيب بطائر الحمام أو بالغزال. والسكين أيضاً هي من أدوات الرجل وهي ترمز إليه، وكذلك المفتاح رمز البيت والرجل، ويمكن أن تحمل الرموز هذه أبعادها النفسية والجنسية أيضاً، وأنا أتقصد وضعها لأثير وأحرك العين في أرجاء اللوحة وخصوصاً عندما أضع هذه المجوهرات على الجسد، أتقصد أن أخلق هذا التضاد الحسي اللمسي.

الكل يشهد لك بالأستاذية، ورغم هذا لم نسمع أنك مارست هذا الدور! ألم يكن همّ الحراك التشكيلي السوري يشغلك؟ أم أن دورك اتخذ طابعاً آخر؟
لو مارسته ما شهدوا لي! أساساً لا أستطيع أن أعطي إلا لصديقي، فالطالب أصادقه أولاً ثم أعطيه، وبذا تلغى كلمة أستاذ ونصبح أصدقاء، فلا يكون هناك حاجز أمام عطائي! عندما استلم دفعات جديدة من الطلاب، أحدد ثلاثة أشهر حتى يمتنعوا عن مناداتي بدكتورر أو أستاذ وينادوني باسمي وهذا ما يضايق زوجتي أحياناً، أنا لا يزعجني هذا بالعكس أشعر أن الطالب يقترب مني أكثر وهذا يجعله يتخطى خجله ليسأل في حال بقي شيءٌ غير واضح بالنسبة إليه، هذا أساس العلاقة بيني وبين الطلاب، وهناك طلاب لم أدرسهم يقولون أستاذنا نذير نبعة، أنا افتخر بهذا كوني استطعت أن أنقل ما تعلمته عن أساتذتي في القاهرة (عبد العزيز درويش، عبد الهادي الجزار، حامد ندا، وعلى رأسهم حسين بيكار)، هؤلاء لم يكونوا مجرد أساتذتي بل كانوا أصدقائي. قمت بالكثير من الأدوار بمرحلة الشباب، إلا أنني بعد ذلك اتجهت إلى هم البحث عن الذات في اللوحة نفسها ومحاولة إيجاد فن عربي شاركني فيه العديد من الفنانين العرب، وهو الذي لم نستطع تحقيقه، فالحروب لم تتوقف أبداً في منطقتنا وهذا يعرقل هذا الحراك، هذا الجو يمنع الحركة السلسة لإيجاد هوية فنية للوحة في سورية والمنطقة العربية، وحتى المتطلبات الأخرى لم تكن متاحة، لم يشتغل أحد على التراكمات التي بها وعليها تبنى انتصارات صغيرة تساعد على الاستمرار، قدمنا أشياء جيدة ولكن لم يأتي أحد ليبني عليها، وهكذا تتلاشى الأشياء. مثلاً: في الرسم الصحفي في الموقف الأدبي حققنا حضور اسم الرسام ضمن هيئة التحرير لأول مرة في سورية، وبعد أن تركت الموقف الأدبي، جاء بعدي من لم يهتم بهذا التقليد فعدنا إلى الصفر! الظروف نفسها لم تخلق تراكماً يعتد به، وظروف الحياة القاسية تفرض تنازلات على الأشخاص ما يمنع من حدوث هذا التراكم ليشكل تقليداً ُيبنى عليه فتمحى هذه الانتصارات الصغيرة ولا نصل إلى نتيجة. مثال آخر، قمنا بعمل مجلة أسامة وهي مجلة أطفال، وكانت بفترة من الفترات تعتبر أول مجلة عربية من ناحية المضمون والشكل، ولم تستمر بهذه السوية! وهناك أمثلة أخرى إضافة لهذا.

هنا يحضرني مجموعة العشرة الذين كنت من بينهم والتي تشكلت عام 1970 كرد على تردي عمل إدارة الفنون آنذاك، ألا تعتقد أننا بحاجة لمثل هذه المجموعة اليوم، لا سيما وأن مزيداً من هذا التردي أصبح يستدعي ذلك؟

التأمت هذه المجموعة من مشارب واتجاهات مختلفة لكن ما كان يجمعهم هو جديتهم بالتعاطي مع القضايا الفنية، لكن يبدو أن العمل الجماعي كممارسة أمر لم نتقنه بعد، الصلة بالآخر حتى لو كان زميلاً لا تكون ثمينة، يبدو أن الشخصية الفردية غالبة حتى اليوم، أي أن كل شخص يعمل بمفرده، وهذا برأيي على مستوى الوطن والأمة! لأنه حتى اليوم لم نستطع أن نشكل وحدة! كنا نحلم أن يكون لنا تجمع ُيصلح حال الحركة الفنية في سورية، رداً على المساواة بين الصالح والطالح من قبل المؤسسة الفنية آنذاك، فأي شخص يمتلك صوتاً عالياً وبإمكانه أن يقول أنا فنان عشر مرات كان يصير فناناً! حاولنا أن ُنحدث حالة تعتمد التقييم الجدي والشجاع والانتقاء السليم للفنانين وللأعمال الفنية، للمعارض والمشاركات، وحتى على مستوى عدالة توزيع الجوائز، لكننا لم ننجح!..
..نحن حالياً بأمس الحاجة لمثل هكذا مجموعة، هل يمكن تحقيق ذلك؟
لا، لا يمكن، هذا رأيي في القريب المنظور، لكننا بحاجة إلى العمل الجماعي ليس في الفن بل في كل الأشياء، فالعمل الفردي بطيء الحركة وقليل المردود، ولا يحدث تراكماً، لدينا فنانون ولكن ليس لدينا حركة فنية، فكل المؤسسات الفنية الخاصة والعامة ليس لديهاا برنامج، فإذا كانت مؤسسة ثقافية ليس لديها برنامج ثقافي، كيف ستسهم بإحداث هذا التراكم والبناء؟! سابقاً لم أكن أجيب على مثل هذا النوع من الأسئلة، إلا أني أجيبك الآن!
مشروع تخرجك في مصر كان عن عمال المقالع الحجرية، في باريس قدمت نباتات، كيف لي أن افهم هذا الاختلاف؟
لا، الفرق يعود لفارق السن بين المرحلتين، والاهتمامات بين الشباب وما بعد ذلك.
يختلط على البعض إن كان الموضوع هو الذي يفرض الشكل في اللوحة، أو أن الشكل هو الذي يستجر الموضوع، إلا أن رأياً آخر يقول: الشكل أو الموضوع حجة الرسم وحسب، كيف يفض الفنان نذير نبعة هذا الإشكال؟
إذا كان الفنان لا يهمه الموضوع، عندها يكون الشكل بالنسبة إليه هو الأهم. هذا فكر. هذا يدخل ضمن إشكاليات وتنظيرات الفن، كمقولة الفن للفن أو الفن للمجتمع، أنا أعتقد أنه عندما تتعمق في المسألة، يتماهى الاثنان مع بعضهما، ويصبحان شيئاً واحداً، لا يمكنن للوحة تخلو من الفكر أن تكون قابله للحياة! إذ تكون سطحية، أي شيئاً جميلاً إذا أخذته كجزء ووضعته في المكان المناسب، الجمال السطحي يصبح شيئاً لا فناً ولا يشكل ثقافة وعلاقة بالآخرين. تماهي الشكل والمضمون يجعله فناً إنسانياً، فيتجاوز حدود المكان والزمان. مثلاً، فن أنتج في عصر النهضة أو ما قبل الميلاد لا نزال نتذوقه ونحسه لأن فيه إنساناً، أي أن الموضوع إنساني، أما الموضوع عندما يؤخذ من ناحية سطحية كالحصاد، الساحل، الجبل، ومن منظار سياحي يكون عندها حجة للتلوين.
اللوحة عبارة عن رسالة بصرية هذا في المستوى الأول، لكنها تتعدى هذا لتحمل رسائل أخرى، في لوحتك ما هي هذه الرسائل؟
علاقتي بالإنسان هي هذه الرسائل، هنا لنرجع للثوار الكبار الذين نظروا للفن وهم ليسوا بالضرورة فنانين (مثل ماوتسي تونغ)، يجب أن يكون الفن الثوري فناً أولاً بعد ذلك يكون فناً ثورياً، وأكبر دليل على ذلك ما حصل في الاتحاد السوفييتي بعهد لينين، حيثث كان كاندنسكي هو فنان الثورة، وهو الذي أسس لقيام الأكاديميات والمتاحف، لكن بعهد ستالين تدنت درجة بعض الفنانين من فنان الشعب إلى مشتغلين بالرسوم التوضيحية. بعد ذلك ظهر فن اسمه الواقعية الاشتراكية، لكن لاهي اشتراكية ولاهي فن. ماياكوفسكي شاعر الثورة البلشفية انتحر عندما استشعر هذا التردي القادم.
تميل إلى تسمية لوحاتك، في اعتقادك ألا يؤثر هذا على شكل التلقي، أم أن التسمية تأتي لتكون ضمن هذه الرسائل إلى الآخر؟
أنا أعتبر التسمية مثل المفتاح تعطيه للآخر ليدخل إلى اللوحة، ومع التقدم في العمر تصبح التسمية أكثر تجريداً، فالعامل الذي يحمل تلك الصخرة أسميته سيزيف، هنا يوجد ترميز لإضافة بعد فلسفي للموضوع الإنساني، هذا المفتاح هو نوع من الرحمة وعدمم التعالي على المتلقي من الفنان، وهذا مطلوب من الفنان. هناك من يسمي اللوحة ليزيد إرباك الآخر، أنت كفنان تدعو الآخر للوحتك، هذا يعني أنك مضيف
وعليك أن تقوم بواجب الضيافة هذا، وليس لتقول له أنا أفضل منك، وممنوع أن تغلط.
ترسم الورد الجوري وهذا له خصوصية، كما ترسم التوليب وأشكالاً أخرى من النباتات، فهل يكون الورد حجة للرسم (وهنا أعتذر منك لقولي حجة)، فانا أجد فارقاً كبيراً بين الجوري والتوليب، أتتقصد توظيفات بعينها؟

من الدمشقيات
لنذير نبعة

أغلب العناصر التي أرسمها في لوحاتي لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً الورد الجوري كان عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وكان كل هذا السور من الورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، وكان الطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له! من هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقاتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق. مجموع هذا هو الوردة، أنا لم ارسم التوليب بل الزنبق، وأنا شخصياً لم أسميها توليب، بل وجدتهم في أحد المعارض الرسمية لوزارة الثقافة وقد أطلقوا على هذه اللوحة اسم التوليب! أنا تعنيني ورودي، فالوردة الجورية تختلف عن كل ورود العالم، إذ لها مركزان بينما للجوري الآخر مركز واحد، بمعنى قطبين وكأنها ذكر وأنثى.
ملامح الوجوه الأنثوية في لوحاتك لها أكثر من خصوصية، إلا أنها تكون حاملة لذات التراثية الشرقية أو الدمشقية، كيف نفهم هذا الاختلاف في الملامح والاتفاق ببقية العناصر؟
الوجه الذي أرسمه هو الوجه الذي أحبه وأحب تفاصيله، الوجنات البارزة، الملامح التي تخرج جماليات تنضح بالرحمة الموجودة بالوجه، وليس تلك الجماليات المادية أو المعيارية المتفق عليها، أنا لا أفكر عندما أرسم في أن تكون الملامح شرقية أو غربية، أناا أتقصد الملامح الموحية والملهمة والمؤثرة للوجوه في لوحتي، وتجد بين هذه الوجوه ابنتي أو زوجتي، حتى أنك قد تجد ملامح ممثلة فرنسية غير مشهورة، زارت سورية سابقاً، بشكل عام ثمة وجوه تبقى في ذاكرتك كشكل مجرد أو كشكل وعلاقة شخصية، ليس مهماً إلى ماذا تقود الملامح، أنا يهمني جمال الرحمة وذاك الجمال الروحي، فجمال عارضات الأزياء والممثلات لا يعنيني.
في لوحتك لم تكن أسير الأيديولوجيا السياسية، فلقد كان ولاؤك للإنسان والجمال والتراث، متى انتبهت أن البقاء للفن وليس للأيدولوجيات المتغيرة؟
كنت منتبهاً لهذا منذ البداية، فالفكر الذي انتميت له كان مع الإنسان وانتميت له لهذا، لذلك لم أكن أسيره كنظريات، فأنا أنتمي إلى أي فكر فيه هذه الصفات، حتى لو كان في الجانب الآخر، أنا أحب الفلسفة البوذية وكذلك تجربة طاغور وغاندي، غيفارا من هؤلاء،، أنطون سعادة كان يمتلك في فكره السياسي تلك الرومانسية غير الموجودة عند الآخرين، فالثورة بالنسبة إليه كانت حلماً، وهكذا بالنسبة لبقية الثوار الذين أحبهم، لم تكن زعامة، كانت حلماً لتغيير واقع الإنسان ولصنع شيء أجمل. مثلاً أنا أعرّف أصدقائي على ناديا خوست بأنها المناضلة التي تحب الوردة، المناضل إذ يحب الوردة ليس برجوازياً، معنى هذا أنه يحب الجمال. هكذا أفهم المسائل، ليس بشكل مذهبي أو غير ذلك، أنا أنتمي للإنسان، أي فكر يحمل هذا الإنسان فأنا منحاز إليه.
الخط العربي بمعنى الكتابة يأخذ في لوحتك أكثر من شكل، فهو واضح أحياناً وذا معنى محدد، وغير ذلك أحياناً، فهل المقصود تأكيد المرجعية العربية للوحتك وليس الشرقية وحسب؟
جاءت في إحدى لوحاتي عبارة الشام شامة على الدنيا، وهنا جاءت العبارة واضحة لأني أتقصد هذا، لكن الكثير من الأشياء في خلفية اللوحة تقبع وراء الشكل الأساسي لتؤدي أدواراً جمالية وتشكيلية، وليس بالضرورة أن يكون الخط واضحاً إذ يغدو عندها ضمنن المفردات التشكيلية.

أرى أنك تنحاز إلى التصوير في اللوحة بينما كنت في مراحلك السابقة لا تفعل هذا إذ كان الرسم أكثر بروزاً إلى جانب التصوير ، كيف تفسر هذا؟
بالنسبة لي، فإن الرسم أو التصوير أو باقي المفردات التقنية هي عبارة عن أدوات لأداء الفكرة أكانت بصرية أو فكرية فلسفية. وتحتاج أحياناً في الأداء كما في الموسيقى إلى ميلودي، أي شيء فردي، كما الخط في اللوحة، وأحياناً تحتاج إلى السرد في اللغة الأدبيةة أي تفصيل إلى جانب تفصيل في اللوحة، حركة أو سرعة هذا السرد تؤدي فكرة ما بصرياً أو فكرياً، كما السجادة، فهي عبارة عن تجاورات شكلية ولونية متوالدة من بعضها لتؤدي شكل المشهد النهائي، أي أن بؤرة العمل الفني متحركة وموزعة على كامل المشهد. عندما ترسم وجهاً يغدو هو ذاته البؤرة البصرية، وأحياناً يفرض الموضوع نوع الأداء، أحياناً تقول كلاماً بصرياً بحتاً في اللوحة، يكون لأدائه الخاص من اللمسة أو اللون (أي الأداء التصويري) أهمية أكبر من الخط، كل هذا يسمى نوعاً من التجول بين الخط والتصوير، وملمس اللوحة من الخشن أو الناعم وآليات اللون البارد والحار. في «تجليات» لا يوجد رسم بمعنى الخط، لكنه موجود في أعمال أخرى..
..إذاً أنت تتفق مع من يقولون أن الخط هو شرف الفنان، في إصرار على تواجده في اللوحة، رغم أنه غير متواجد في الطبيعة، وليس الإصرار عليه إلا ترسبات كلاسيكية؟

لا، ليس هكذا، فالعملية الفنية كلها شرف للفنان، هناك من يعتبر أن الخط أهم من اللون، وهناك من يعتبر أن اللون هو التصوير، إنه صراع بين المذاهب الفنية، وهذا فعل إنساني، يغني العملية الإبداعية.
في قصيدتك من كاتالوج تجليات تعامل الألوان ككائنات تتنفس، برأيك هل هي كذلك فعلاً؟ وهل لنذير لونه الخاص كانعكاس نفساني؟
علمنا المتصوفة أن الحروف مخلوقات تتنفس، ولها حياتها، هذا من قراءاتي، وبالتالي أنا انظر لكل الموجودات كمخلوقات بما فيها الألوان، لأنه إذا لم يكن اللون كائناً يتنفس، فإنه لا يؤدي دوره، بل يبقى كما هو داخل الأنبوب، إذا لم يكن الأحمر على سطح اللوحةة مخلوقاً ليقول الفرح، الثورة، الحرارة، يبقى مجرد مادة ميتة، ولا يحرك على السطح شيئاً. من هنا فالألوان مخلوقات لها حياتها على سطح اللوحة تتآلف وتتنافر وتصنع مشهداً بصرياً مليئاً بالموسيقى والحركة. وإلا لا يكون هناك لوحة وتبقى صامتة، فالألوان لها علاقتها بالحالة النفسية والمزاجية، وأنت عندما تريد رسم الفرح لا ترسمه بالأسود! المسألة انعكاس للحالة النفسية..
..إذاً فأنت تؤمن بدلالات اللون النفسية والتراثية، وتعتبر أن كل لون يأخذ شكلاً من التعبير؟
بالتأكيد، وإلا ما معنى ما يحدثه اللون من أشياء محددة فينا! أخضر (فيرونيز) وهو اسم فنان من عصر النهضة كان يميزه هذا اللون من الأخضر وعرف به. أو أزرق نيلي أي تابع للنيل أي مصري وموجود بلوحات الفراعنة ويختلف عن أي أزرق آخر، وكانن المصريون القدماء يدهنون وجوههم به عندما يموت لديهم عزيز.
مع أنك أحببت مصر ودرست فيها إلى جانب عدد من الفنانين السوريين إلا أن الفن المصري لم يغويك كثيراً؟
أنا أعتبر أن كل فنون المنطقة هي ينابيع استقيت منها، لكن تكويني الفكري الناضج تشكل أثناء دراستي في مصر، إلا أني أحمل فكراً وطنياً وإنسانياً، أي أن انتمائي الفكري كان إنسانياً بالدرجة الأولى، وأنا أؤمن أن الإنسان إذا لم يحب نفسه لا يمكنه أن يحبب غيره! أي إذا لم أكن سورياً، لا يمكن أن أكون عربياً، وإذا لم أكن عربياً لا يمكن أن أكون عالمياً، حتى الآن أنا غير مهتم للعرض في الخارج، لأني مؤمن أنني إذا لم أحقق هذه التراكمات هنا، لا أكون بالنسبة للآخرين مقبولاً! عندما كنت صغيراً جف حليب أمي فشربت حليب أم أخرى، وهذا شيء شخصي جداً، ربما جعلني هذا أحب القاهرة، أمي الثانية بعد دمشق.

عشتار تزور سد الفرات

ما أبرز المواضيع السورية التي شغلتها لوحاتك، وهل في جعبة لوحتك مواضيع لم تتناولها بعد؟
كل المواضيع التي تناولتها في لوحاتي مواضيع سوريّة، وفي المستقبل سأتناول مواضيع سورية، أنا لا تعنيني إلا المواضيع السورية، الموضوع الفلسطيني أليس سورياً؟ الموضوع الإنساني أليس سورياً؟ بمعنى أني أتناول مجموع مواضيعي من خلال الإنسانن السوري، وأعبر عن هذا بلغتي السورية، ولهذا ربما أحسست أنت أني لم أتأثر بالفن الفرعوني، مع أني متأثر بالفن الفرعوني، أنا متأثر بالفرعوني والآشوري العراقي والمنجزات الفنية العالمية، ولكني أعبر عنها بلغتي السورية، أنا أتعلم من مجموع هذا، ولست مقلداً له.
عندما زرت جبال اللاذقية برفقة أحد الفنانين وكنت في نقطة ما بين السماء والبحر، من تلك النقطة البرزخية، كيف تواردتك سورية؟
التماهي مع الطبيعة والإحساس بأن هذا المكان موحي وجميل وعبقري هو التعبير عن سؤالك، وهو دليل على إحساسي بأن له هذا الشيء الخاص، كثير من الناس يقولون لي بأن هناك صخوراً في المنطقة الفلانية أجمل من صخور هذه الجبال، المسألة ليست مباراةة أيها أجمل، المكان هنا أكثر إيحاءً، وقد تماهيت فيه وأحس بأني خرجت من نفسي لأشاهد نفسي وأنا أشاهد المنظر، شيء أقرب إلى الجنون منه إلى الخيال! رهبة الجمال البصري أمامي تجعلني أتجاوز نفسي لأتماهى مع المكان، لأني أعرف أن هذه أرضي وهذا عالمي..
..من تلك الإطلالة تشاهد البحر إلا أني لم أجد أمواجه في لوحاتك؟ فهل استعضت عنه بأمواج من الحرائر؟
لقد رسمت البحر كموضوع، وإن كنت لم أرسمه كثيراً، باعتباري ابن دمشق والسهول فأنا منشد إلى الأرض أكثر، لكن للبحر معانٍ أخرى، فهو كائن جميل، كائن الانطلاق للآخر، فالموجة عندما تنطلق تأخذ شيئاً وعندما تعود تعود بشيء! تلك الحركة الموجودةة في الموج تشبه حركة الفرشاة على سطح اللوحة، هو موجود هنا بهذا الإيقاع وبتلك الرائحة والصوت.
إن كنتم بلا خطيئة فلترموها بحجر، أنت رميتها بقلادة، وهنا اقصد لوحة مريم المجدلية، فأي قلادة هذه؟
لو دققت في القلادة لوجدتها عبارة عن ثلاث رصاصات وهو شعار من شعارات الثورة الفلسطينية ثورة حتى النصر، أنا ألفت قلادة وعلقتها على صدر مريم المجدلية لأقول أن المجدلية ظلمت كما المسيح، وهكذا فلسطين! مريم المجدلية قديسة دافع عنها المسيحح دفاعه عن الإنسان بأخطائه وجماله، أنا أدافع عن القضية الفلسطينية هكذا.
الحزن الممزوج بالموسيقى وآفاق من الجمال في لوحة «الشهيد»، ذاك الذي يسقط من يده السيف وتبقى الوردة الحمراء، هذا المشهد الغرائبي يتخذ بعداً من القداسة، هذا الشهيد الجميل من؟
علاقة المقدس بالشهيد تعطينا فكرة أن هذا الشهيد لا يزال حياً معنا، هذا الشهيد الذي دافع عن الأمة. عندما تريد أن تحول هذه الأدبيات إلى شيء بصري ورمزي ستبحث عن الأسلوب المناسب لتعبر عن هذه الفكرة، فاخترت اللون الأزرق الحزين الممزوجج بالأسود المسيطر على اللوحة، والذي فيه لمسات لونية من الورد الأحمر في أرجاء اللوحة وهالة من ألوان مضيئة خلف الشهيد لتؤدي دوراً رمزياً بصرياً، يتفاعل مع اللون البارد الأزرق عبر تلك الومضات الموجودة باللون الأحمر، حركة السيف والوردة هي أدبيات تساعد المتلقي على امتلاك المفاتيح لولوج اللوحة، بحيث يمكن للمتلقي العادي أو المثقف على حد سواء، التواصل معها.
لازال لدي الكثير من الأسئلة لكني أختم الآن بسؤال خاص، نعرف أن لكل شخص من اسمه نصيب، فأنا يثير فضولي اسمك وكنيتك، نذير ونبعة، فهل تلح على أن تكون نبعة من التشكيل السوري؟
أتمنى أن أكون هذه النبعة وأن أحمل معنى اسمي، هناك ذو النون المصري، وأنا ذو النونين السوري والمصري، فالنونان هنا تشكلان بداية اسمي وكنيتي، ولدت في 5 حزيران 1938، ثم صادف هذا التاريخ 5 حزيران يوم النكسة، و1938 هي السنة التي تم فيهاا سلخ لواء الاسكندرون عن سورية، أنا اسمي نذير وليس بشير!

عمار حسن
اكتشف سورية

المصدر: discover-syria.com/news/3680

ولد الفنان نذير نبعة في دمشق عام 1938 درس الفن ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1959 – 1964 ثم في باريس بالاكاديمية العليا للفنون الجميلة للفنون في فرنسا 1971 – 1974 م وبدأ بأقامة معارض فنية منذ نهاية الخمسينات من القرن العشرين في سوريا والدول العربية وفي العديد من دول العالم .
يعد نذير نبعة واحداً من الفنانين الذين أسسوا للحركة التشكيلية الفنية الحديثة في سورية، ساهم في الحركة السورية والعربية منذ 1952 وحتى الآن وقد حصل على جوائز كثيرة ، وله تجارب ومشاركات في مجال الرسم الصحفي ورسوم كتب الأطفال والكتابة فيي مجال الفنون التشكيلية،
عمل نذير نبعة مدرسا للرسم في مدينة دير الزور في شمال شرق سورية صارت لوحاته قريبة لحضارة ما بين النهرين فوجد نفسه يستفيد من جغرافية المكان وحضارته ومن القراءات المتعددة التي تطور الفكر وأسلوب المعالجة التي جعلت من أعماله فرصةة لترجمة مشاعره التي تعد جزءاً أيضاً من مشاعر وهموم المجموع العام. ومن وحي تلك الأساطير استطاع نبعة أن يوصل للمتلقي حالة من النشوة الروحية الصوفية التي ظهرت في العديد من شخوصه ولاسيما أن الأنثى في لوحاته هي أقرب إلى عشتار لكنها إنسانية ومشذبة بعيدا عن جبروت الآلهة التي ظهرت به في الأساطير والميثولوجيا القديمة وهذا ما جعلها أقرب إلى المرأة السورية المتطبعة بصفات مجتمعها والحالمة أيضاً بحكايا ألف ليلة وليلة، لكن هي في الوقت ذاته تشبه إلى حد كبير زوجته المصرية الفنانة التشكيلية شلبية ابراهيم .
كان لمدينة دمشق القديمة حضورا واسعا في لوحاته وقد عمل لمرحلة معينة على موضوع دمشق وقد سمى تلك المرحلة بالشاميات ودمشق في لوحاته لاتأخذ بناصية الوصف التسجيلي السياحي، وإنما ترسم لها حدوداً تعبيرية، ومواصفات شكلية منسوجة فيي حضرة مخيلة، ورغبة في نبش ركام المُتخيل، القائم على حيز الرسم الأسطوري والمسحة التعبيرية الفاقعة لحياة الناس المُتخيلة داخل البيوت الدمشقية الحافلة بالقصص والحكايات، التي تُذكرنا بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع. تخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. في كل لوحة من لوحاته حكاية سردية متكاملة المواصفات، شكلاً ومضموناً وغاية جمالية، تستقوي بخبرات الفنان التقنية، ومقدرته الفائقة على رسم وتلوين مكوناته، ورصف عناصره المتناثرة داخل بنيتها الشكلية. تأخذ بناصية الاتجاهات الواقعية التعبيرية كمجال حيوي في تأليف مقاماته البصرية، متكئة على بنية أكاديمية مؤتلفة من نسيج ذاته الباحثة والمُجربة، والمتمكنة من احتواء السطوح والخامات والتقنيات اللونية المتعددة التي يجمعها في دربة شكلية ملحوظة جامعة لمتآلفات المشهد البصري المقصود.
دمشق التي يرسمها الفنان نبعة ليست معنية بالكسوة الشكلية الخارجية والنمطية السطحيةللبيوت والأوابد التاريخية المتبعة في رسوم وتصوير الآخرين، إنما هي رسوم ولوحات معنية بخفايا البيوت المغلقة على مفاتن الأسرار، وجماليات متسعة على الحكايةة وروحية الأسطورة السورية، التي ابتكر الفنان شخوصها وبيئتها الشكلية الحاضنة. بيئة شكلية متيمة بالأنثى، والنسوة الجميلات في لحظة تصوير وتجلٍّ فكري وجمالي. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، الذي يرمز الى الحضارة والفكر التنويري ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفية الموقف المنشود. والموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف التي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والمجوهرات والأشياء المادية الثمينة، والصناديق الخشبية المطعمة بالصدف والفضة الغنية بالزخارف والزركشات والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.
هكذا باتت رمزية دمشق في متواليته اللونية ملاذاً لهواجسه وحدسه، وربما رداً صريحاً على تيارات تشكيلية، لم يجد نفسه في نسيجها. في هذه الأعمال، يتجاور الجمال الشرقي الآسر لنسائه المسربلات بالحزن والفتنة، مع عناصر زخرفية، تؤكد على هوية محليةة في تأصيل تجربته وبصمته الشخصية المغايرة .
وكذلك فإن البعد التزييني في حضوره الشاعري، لم يطغَ وحده على الوحدات السردية في طبقات اللوحة وتوليفاتها الواقعية والأسطورية. هناك إذاً مسافة واضحة بين ما أنجزه نبعة بدأب ودراية وصمت والبعد الإعلاني والإعلامي لتجارب سواه. المرحلة التيي أطلق عليها «دمشقيات» واستمرت طويلاً نسبياً، مقارنةً بمراحل أخرى، وكانت نواة تجربته اللاحقة، سيفتح الباب على مصراعيه للحلم الشرقي بألوانه المبهجة وفتنته الطاغية، مفصحاً عن قيم الجمال الدمشقي، وذلك بتطويع العلاقة بين ما هو واقعي وأسطوري واستنفار جماليات الموروث الشرقي الشعبي في منمنمات مرسومة بدقة.
نترككم مع لوحات فناننا العبقري المتجدد الفنان نذير نبعة الذي اكتفيت بعرض جزء يسير من لوحاته فقط التي تحكي مدينة دمشق

الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة من مواليد مدينة دمشق عام ،1938 تخرج في قسم التصوير من كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة عام ،1965 أتم دراساته العليا في المدرسة الوطنية العليا للفنون بالعاصمة الفرنسية باريس عام 1972. مارس مهنة تدريس الفنون في مدارس مدينة دير الزور ودمشق، ومواد التصوير في كلية الفنون الجميلة وطلاب الدراسات العليا. وعمل رسام موتيف ومصمم غرافيك للرسوم الداخلية للعديد من الصحف والملصقات في بيروت ودمشق. وهو قامة تشكيلية سورية متطاولة في ميادين الحركة التشكيلية المحلية والعربية العالمية، وواحد من روّاد الحداثة التعبيرية السورية المميزين، ومشرف على عشرات مشاريع التخرج لطلاب كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. أقام مجموعة من المعارض الفردية والجماعية والمجموعات، وحصل على مجموعة شهادات التقدير والتميُّز والجوائز.

لوحاته التصويرية خارجة من جلابيب ذاكرة الأمكنة السورية البصرية، متدثرة ومتناغمة مع جميع تجلياته اليومية المعيشة والأسطورية المُتخيلة بتقاسيمها التشكيلية التي تفيض حيوية وحركة، وجماليات معانٍ وقيم تشكيلية مدروسة ومتوازنة ورصينة. يسبح في متنها الوصفي في فضاء العزف التقني المتنوع السمات والخصائص والمواد والأدوات، يدندن بخطوطه ومساحاته الملونة العاكسة لشخوصه وأوابد مكانه السوري أنشودة المواطنة السورية في أبهى مظاهرها الوصفية. يستعير مكوناته من معينها خلسة وينثرها صريحة الأشكال والمكونات فوق سطوح خاماته المستعملة. يجوب فيها ومعها برحاب التيارات الواقعية التعبيرية، والتعبيرية التأثيرية الرمزية والتعبيرية التجريدية مجتمعة أو متفرقة، والمتناسقة مع خيارات مواضيعه المطروحة في هذه اللوحة أو ذلك العمل الفني.

النسوة حاضرات بقوة في جميع طقوسه الشكلية، يتصدرن المشاهد البصرية، ويلعبن أدوارهن الطبيعية في استكمال دورة الحياة السورية بما يمثلن من رمزية المكان السوري وأصالته، والمحاكية لحديث الأرض وذاكرة الإنسان في تجليات الأمل والعمل المثمر والمفيد والمزين بالعلم والمعرفة ومواكبة دورات الحياة الحرة والعيش الكريم من خلال إشارات نصيّة تشكيلية رمزية. وهي تارة محمولة بحديث النسوة وخلواتهن في ناصية قصة هنا وحكاية هناك، تدخل معترك الواقع المعيش بالمتخيل الرمزي والأسطوري في حسبة تقنية فائقة الجودة والرصف المتوازن والمتكامل لعناصر الموضوع ومفرداته التشكيلية في فضاء كل لوحة من لوحاته.

دمشق القديمة في بيوتها الملتحفة بالأسرار والحكايات والتي تُعيد الشيخ إلى صباه، هي مجاله الحيوي في نسج معالم صوره المرسومة والملونة بأناقة تعبيرية وباقتدار فني وتقني وجمالي، من فنان امتلك جميع مقومات الابتكار فكرة وتخيلاً وتطويعاً لمواد وأدوات لمصلحة خياراته التصويرية، ومداد رؤاه التشكيلية التي تُعطيه التميز والخصوصية والتفرد ما بين أقرانه في الحركة التشكيلية في زمانه ومن تبعه من أجيال فنية تشكيلية سورية سابحة في محيط مقاماته وولائمه البصرية. يجد المتلقي في تفاصيل لوحاته متسعاً لمقولات التراث والحداثة، يذكرهم بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع.

تُخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفياته الموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف، والتي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والجواهر والأشياء المادية الثمينة، والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.

لوحاته في بنيتها اللونية لا تخرج عن دائرة الألوان الرئيسة (الأساسية والمساعدة) والمتوالدة في ملونات مشتقة ومتناسبة، مع طبيعة المشهد الوصفي. كل لون فيها مدروس بعناية وفهم تقني خاص، لا نشاز فيها لخط أو لون وحتى مكونات تشريحية في رسم معالم شخوصه ومتمماته الخلفية وتصويرها، عامرة بملونات الحياة الطبيعية ومكوناته المرصوفة من فنون رقص وموسيقا وعلوم ومعارف وآداب ومعايشة، مدرجة في قوالب شكلية جميلة تفصح عن جودة مؤلفها، وموقعه المميز في ذاكرة الفن التشكيلي السوري الحديث والمعاصر.

المصدر: an-nour.com

نذير نبعة … تبدلات الانفعال الفني أمام الموضوع

حلب
فنون تشكيلية
الخميس 14-6 – 2012
ابراهيم داود

إن الإحساس أو الانفعال يتبدل ويختلف أمام الموضوع ، أو أمام كل موضوع جديد ، بل يختلف أحيانا في الموضوع الواحد في لحظات مختلفة ، وبالتالي يتبدل الأسلوب بصورة حتمية.
الفنان التشكيلي نذير نبعة كان قد ذكر هذه الكلمات قبل معرفتي به في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عندما كان يعلمني مادة الرسم وأسسه لمدة أربع سنوات متتالية وهو الآن أحد رواد الفن التشكيلي السوري .‏

ففي عام 1965 أقام الفنان نذير نبعة معرضا لأعماله الفنية في دمشق وأثار هذا المعرض ضجة كبيرة لأن ما رآه النقاد والفنانون آنذاك يمثل تجربة جديدة غريبة في أسلوبها وتتجلى فيها قوة فنان يحمل رصيدا فنيا ويسعى لإيجاد أسلوب فني خاص يمكن إن نسميه أسلوب نذير نبعة.‏

وكانت حصيلة الجدل حول المعرض تتلخص في مشاكل جديدة طرحت أمام الحركة الفنية في سورية في الستينيات مفادها بأنه هل يحق للفنان أن يرسم عدة لوحات متقاربة الزمن بأساليب مختلفة أم أن أسلوب الفنان وطريقته يجب أن يظهرا في كل عمل من أعماله والى أي مدى يمكن أن تندمج الأساليب الفنية المختلفة ضمن لوحة واحدة وهل يعتبر الرسام فنانا إذا لم يصل إلى أسلوب متميز واضح والى نقطة انطلاق أسلوب ؟! والأسلوب الذي رسم به نذير نبعة لوحاته كان يمثل وجهة نظره للفن لأن معرضه عبارة عن مجموعة محاولات للتعبير عن أفكار هي في الواقع أساس التجربة وهي التي رسمت الخلفية فيها بأسلوب واقعي جدا يقترب من التسجيل الحرفي وبين مقدمة اللوحة التي حاول الفنان فيها أن يجري بعض التحوير على رسم الأشخاص ليتلاءم مع الفكرة التي يريده .‏

وتوصل النقاد آنذاك بأن معرض نذير نبعة يختلف في أسلوبه تبعا للفكرة التي يريد التعبير عنها وان أفكاره الجديدة هي التي تمثل أسلوبه الحديث ولا يتميز بأسلوب فني محدد بل يستخدم كل الأساليب المعروفة للتعبير عن فكرته.‏

وأصبح من الممكن استخدام الواقعية التسجيلية بجانب التعبيرية أو التجريدية في لوحة واحدة للتعبير عن الأسطورة التي يحاول الفنان تضمينها معنى جديدا عصريا.‏

وان تجربة الفنان نذير الأولى كان يغلب عليها الطابع الواقعي التي تمتد من محاولاته في الرسم أيام الطفولة والتي أولع فيها برسم الطبيعة حتى المرحلة التي أنهى فيها دراسته الفنون في القاهرة ونال شهادته على مشروع التخرج الذي قدمه بعنوان (عمال مقالع الأحجار ) وكان آنذاك يتجه نحو تحوير الواقع وتحريفه متأثرا بأعمال بعض الفنانين المصريين وكانت ألوانه تعكس شاعرية استغرقها الألم والجانب الشعري فيها مأساوي أيضا ونستطيع التأكيد على أن ألوان البيئة التي درس فيها قد أثرت عليه كثيرا وذلك لوضوح تقارب ألوانه مع ألوان الفنانين الذين رجعوا من القاهرة وان اختلفوا بالأسلوب فيما بعد ويتجلى تأثر الفنان بالفن الفرعوني في إعطاء التكوينات شكل الهرم وإبرازه الكتل الضخمة بالحجوم الراسخة كما كان تأثره بالسريالية والتي يتجلى واضحا في اعتماده على الأساطير القديمة والحديثة حتى إننا نستطيع القول بأن كل لوحة من لوحاته تحتاج إلى ثقافة والى معرفة بالفكرة الموحية وبهذا قام الفنان بعملية دمج التراث الفرعوني مع التراث الأسطوري ليعبر عن فكرته للإنسان وعن أزمته تجاه أحداث العالم.‏

وفي قول للفنان ( على الإنسان أن يحمل في قلبه وفي كل خلية من خلايا أعصابه روح قومه أن يفهم بعمق علاقة الإنسان بالشجرة التي يغرسها في الأرض).‏

وبعد تلك المرحلة التي تحدثنا عنها طور عمله لتصبح الأشكال معتمدة على الخط الخارجي الذي يمثل الأشخاص والموجودات الأخرى ويكون مبسطا لتبرز الحجوم وإعطاء اللون الواحد المتدرج القيم للتأكيد على هذه الحجوم وإعطاء القيم التشكيلية المختلفة ثم تبدلت الألوان بعد ذلك لتصبح مشرقة وأصبح التعبير رمزيا وبدأنا نرى أن التعبير عن الجو الأسطوري قد أخذ شكلا غير مباشر يميزه عن أعماله الأولى ولكن هذه التجربة لم تستمر كثيرا لأن نكسة حزيران وما تلا النكسة من أحداث قد بدلت نذير نبعة تبديلا عميقا وجعلت أعماله ترتبط بأحداث وتعكس رؤيته للظروف الراهنة التي تمر بها الأمة العربية .‏

فيقول الفنان نذير (سفري إلى باريس جاء بعد نكسة 67 بعامين، كنت وقتها في حالة إحباط شديد. البعد عن المكان والذهاب إلى الغرب ومواجهة حضارته وثقافته أدخلني في تجربة التصوف أنا لست متصوفا ولم أكن.. لكن في باريس تعرفت على شاب مصري هو احمد قاسم ابن الدكتور محمود قاسم الذي كان عميدا لكلية دار العلوم وجدت لديه كتيباً صغيراً لنص محاضرة ألقاها والده في الأربعينيات عن (الخيال عن ابن عربي).‏

المحاضرة كانت بلغة بسيطة وبعيدة عن لغة الفلاسفة الغامضة هذا الكتيب فتح لي الكثير من أبواب المعرفة وعرفت من خلاله طرق التصور عند شعوب الشرق من خلال أفكار المتصوفة فهم يعتبرون أن الحياة الحقيقية للموجودات تكمن في الخيال.‏

لو بسطنا الأمر:أنت في الواقع ترى الشجرة في حالة واحدة في فصل الصيف أو الشتاء أو الربيع أو الخريف. تراها شجرة تفاح أو جميز أو مانجو لكن عندما تقول (شجرة) فقط ، فأنت ترى جميع الأشجار في خيالك في لحظة واحدة، وفي جميع الفصول والأزمنة حياة الشجرة الحقيقية تراها في الخيال أكثر مما تراها في الواقع وجدت في هذا التصور أفقاً واسعاً للتصورات التي كنا نبحث عنها، بمعنى العودة إلى الأشكال التي كانت مطروحة في الفنون القديمة أو في حكايات الجدات. صار بإمكانك أن تستخدم أدوات عالمية ولكن بروح ورؤية خاصة بك ومن خلال هذه الرؤية الخاصة يمكن أن نكسب هذه الأدوات صفات البيئة أو المنطقة التي خرجت منها!!).‏

و رغم انتقالاته المهمة في محطات و مراحل تجربته الفنية الطويلة و الغنية ظل اسم( نذير نبعة) مرادفا بشكل رئيسي للمحطة الأكثر إنتاجا و الأطول عمراً و التي اعتمد فيها واقعية خاصة. رمزية , شرقية فيها تأكيد على التفاصيل التي استوحاها من التراث الوطني السوري و العربي و من روح الذاكرة الجمعية لشعبه و رسم فيها (امرأة نذير) التي حورها من المرأة الواقعية إلى رمز يحمل معاني و دلالات تتجاوز صورتها. ملحا على التفاصيل التي تغني الموضوع و أحاطها غالبا برموز تتعلق بالأرض و التاريخ و المدينة و قيم الحق و الخير. يذكرنا بآلهة الجمال عشتار, بجمال يجمع بين الداخل و الخارج. الأساطير و الموروث و الخيال المجنح جنبا إلى جنب مع قضايا معاصرة على الصعيد الوطني , مارست تأثيرها عليه وعلى أبناء جيله . يرسم كل ذلك بمحبة عاشق و حرفية معلم متمكن.‏

و لكن الفنان نذير نبعة تخطى ( كما يليق بفنان كبير) في تجربة جديدة عرض جزءا منها في العام 2003 تحت عنوان تجليات, حدود عالمه المعروف في مغامرة تشكيلية تمثل بالنسبة إليه محاولة لتلمس هواء آخر . نوع من التنفس و إشراقا, أكثر علوا و ثراء و دهشة. و في صعوده تلمس طريقه في رواق حياة فنية و إنسانية زاخرة أوصلته إلى ذلك البعد الفريد من صبوة العقل للغوص و الاكتشاف و الابتكار في تحولات هادئة حينا. و انبثاقات أخذت بعدا مدهشا حينا آخر ، مستندا إلى تاريخ غني يبرر تلك النقلة بمقدار ما يغذيها .‏

تحتفي لوحاته في تجربته الأخيرة بتضاريس الأرض السورية و هو يحضر بعجينته البيضاء اثلاما و نتوءات و تهشيرات منشئا عالما من الغرافيك الصافي تحبه العين و تحار في مساراته و تشكيلاته و لا تطمئن لعزلته حيث لا بشر و لا طير .‏

لكن لعبة البصر في الانتقال من تشابهات واقعية إلى بحث في قيم تجريدية يقودها اللوم و الملمس و القيم الغرافيكية ستشكل لازمة إجبارية لمشاهدة هذه التجربة بكاملها. و لن يكف العقل عن التساؤل و القلق فيما يواجهه من إشكال و تكمن الهنا بالذات اهمية الجملة الجديدة لنذير نبعة حيث لا نقترب من تغريب الشكل إلى درجة القطيعة مع روح التشكيل و ثقافة البصر و حداثة الرؤى الفنية.‏

حياة الفنان التشكيلية حافلة بالعطاء وغنية بالمواضيع والمحطات، حتى غدا مرجعية بصرية للعديد من الفنانين التشكيليين الشباب، ولا يُمكن لأي دارس إلا التوقف الجاد والمتأمل في كافة جوانبها وخلفياتها الفكرية والجمالية ومتن بنيتها التشكيلية شكلاً ومقولة ومضموناً.‏

ولد الفنان في دمشق 1938 ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1949-1959، ثم في باريس ما بين 1971- 1974 له عدة معارض شخصية كما شارك في معارض مشتركة ما بين 1964- 2002 في موسكو- طوكيو – لايبزغ – براتسلافا. وقد نال عدة جوائز عربية وعالمية.‏

المصدر: jamahir.alwehda.gov.sy/

الفن لدى “نذير نبعة” استخلاص من الطبيعة والإنسان

علاء الجمّال
أقامت غاليري “تجليات” للفنون الجميلة في “دمشق” معرضاً استعادياً لأعمال الفنان التشكيلي السوري “نذير نبعة” قدمت فيه مجموعة من لوحاته القديمة التي شغلت ضمن فترات متفاوتة كل منها ينتمي إلى مرحلة من المراحل التي دخل بها وجسد فيها تأثرهه الجمالي وهاجسه البحثي بين عوالم الطبيعة .
نرى في اللوحات تعبيرية فاتنة مثقلة بالسكينة والحزن المكتوم، وواقعية تصويرية لرؤى حلمية مشبعة بالحس الإنساني النبيل تجسد شفافية المرأة وعذرية الجمال مع عناصر حيوية من الطبيعة الصامتة (الرمان والجوري والقوقعة والقنديل وساعة الوقت) جميعهاا عناصر تثير التساؤل في دلالتها، وتجذب في تكوينها تأملات البصر.

يقول الفنان “نبعة” في حوار أجراه معه الناقد التشكيلي السوري “عمار حسن” حول رؤيته للوحة المتحولة بنسيج الخيال: «إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعني أنه يحب الآخر».

وحول الطبيعة الصامتة في أعماله، ولاسيما (الورد الجوري)، يقول: «أغلب العناصر التي أرسمها لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً (الورد الجوري) عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وهذا السور مغطى بالورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، فالطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له، ومن هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق».

عين على العالم والروح.

رافق افتتاح المعرض توقيع كتاب توثيقي للفنان، صادر عن الغاليري نفسها بعنوان (“نذير نبعة” ـ عين على العالم… عين على الروح) ويقع الكتاب في /182/ صفحة من القطع الكبير ، حيث يضم في جزئه الأول قراءة تحليلية وجدية لمختلف المراحل التي مرّ بها الفنان “نبعة” كتبها الباحث والفنان التشكيلي السوري “يوسف عبدلكي”، ويطلعنا في جزئه الثاني على ومضات من حياته الماضية في “دمشق” و”القاهرة”… والجزء الأخير يحمل صوراً فوتوغرافية للوحاته اختيرت من المراحل التي مرت بها تجربته الفنية.

يقول الباحث “عبدلكي” في رؤيته التحليلية حول حضور النساء: «إن حضور النساء الحالمات وملامح الحزن المكتوم وغلالات الغموض والحكايات المهموسة والأماكن الرومانسية المغلقة لدى الفنان “نبعة” إضافة إلى سيطرته التقنية وقدرته على جمع النقائض في بوتقة واحدة، كونت للوحته مكانها الفريد في تاريخ التصوير السوري».

ويضيف: «بشيء من التأمل نرى أن نساء لوحات “نذير” لسن نساء نراهم في الحياة العادية، إنهن نساء نائيات.. من المستحيل ملاقاتهن، والتحدث إليهن، وملامستهن. إنهن نساء حلم قادمات من عالم الخيال والرغبات… هكذا نرى أن المصور الذي طالما عاين الواقع حوله ها هو يمضي بعيداً عن هذا الواقع، وكأنه بعد أن تمثل طويلاً تشوهات الواقع المعاش قرر أن الاحتجاج الاعتيادي غير مجد فانكفأ إلى قوقعته ليحتج على طريقته وليرسم لنا عالماً بديلاً عن عالم البشاعة..

عالمً من الجمال والسكينة والانسجام .

وربما يكون الواقع السياسي المرير في السبعينات والثمانينات هو أحد دوافعه لبناء هذا العالم».

 وفيما يتعلق بتحليله لموقف الفنان “نبعة” من الاعتبارات التي سادت الأجواء التشكيلية، والنقد الذي أشار إلى تراجعه عن أعماله السابقة، يقول “عبدلكي”: «في هذه السلسة التي نلمح فيها ظلال مثالية ورومانسية “بوتشيلي” ورمزية وغموض “غوستاف مورو” كسب “نبعة” اعترافاً غير متنازع عليه بأستاذيته في الرسم، ولكنه أيضاً كسب الكثير من همس الفنانين في أنه لا يدفع تجربته وموهبته إلى النهاية وأن هذه السلسلة بقدر ما توضح تمكنه فإنها تشكل تراجعاً عن عمله السابق، و”نذير” يدافع دائماً عن عمله بقوله: “أني أريد إعادة الإعتبار إلى فضيلة الرسم، وإعادة الإعتبار إلى القيم المهنية في اللوحة”، وفي أحد وجوهه عبر عن استيائه من الأجواء الفنية التي تزداد فيها نزعة السهولة والركاكة والاستعراض، وتدخل الاعتبارات السياسية لتكريس فنانين في مقدمة المسرح التشكيلي رغم ضحالة مواهبهم ومسوخ لوحاتهم».

 استحضر الناقد التشكيلي “عمار حسن” رؤية “لغوغان” بالفن وأسندها إلى أعمال الفنان “نبعة”، وكانت مهداً لحواره معه، يقول فيها: «الفن تجريد استخلص من الطبيعة بالتأمل فيها وإمعان التفكير جيداً بالخلق

بشار العيسى

“آآآآآه يا جارتي في تلك الايام تجاورت مجزرتان واحدة في العراق بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وشاه ايران وتم اجتياح كردستان وحدث نزوح مليوني وحرائق الروح واهانة النساء والحدث التاني تم بعد الاول وفي غطائه اجتياح مخيم تل الزعتر بتعاون اسد الاب واسرائيل والكتائب وخرجت من تحت سكاكينهما 3000 اشرف روح انسانية نبيلة.”

“ما أشبه اليوم بالبارحة قبل خمس وثلاثين سنة كانت جيوش حافظ الاسد تجتاح لبنان وتحاصر مخيم تل الزعتر الفلسطيني بالتعاون مع الكتائب اللبنانية وباشراف من الخبراء الاسرائيليين. معا دمروا مخيما على رؤوس 3000 آلاف فلسطيني.
اليوم نفس الجيوش بقيادة الاولاد، اولاد حافظ الاسد وخؤولتهم، تجتاح البلاد السورية وتحاصر اليوم حمص بعد خمس وثلاثين سنة يدمرون المدينة على رؤوس اكثر من مليون مواطن سوري.
ومع ذلك ترى من شبيحة السلطة السياسية من يرفع عقيرته بالغيرة على الوطن حين يقول صوت نريد للشعب حماية دولية انسانية” -الفنان التشكيلي السوري الأستاذ بشار العيسى

سرقت اللوحة من المتحف الفلسطيني في بيروت وقت حصار بيروت

مدونة خاصة

” تل الزعتر” زيت على قماش، 100X70سم; سنة 1976/1977

بشار العيسى
بشار العيسى

يوسف عبدلكي

يوسف عبدلكي يوسف عبدلكي (بالسريانية: ܣܘܪܝܝܐ) فنان تشكيلي سوري ولد في القامشلي عام 1951 وحاصل على إجازة من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1976 وعلى دبلوم حفر من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1986 ثم الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة عام 1989.
الأعمال
أقام أول معارضة الفردية عام 1973 في دمشق، كما أقام العديد من المعارض في تونس والقاهرة والأردن وبيروت والشارقة ودبي…، ويقتني المتحف البريطاني في لندن أربعة أعمال له (عملين من عام 1993 وعملين من عام 2004) ومتحف معهد العالم العربي في باريس عملين (1990 و1995) ومتحف دينه لي باين (Digne-Les-Bains Museum) بفرنسا عملين من عام 1986 كما يقتني متحف الكويت الوطني أربعة من أعماله (2004) في حين يقتني متحف عمان للفن الحديث عملاً من أعماله الفنية (من عام 2003) بدأ عمله في الكاريكاتير منذ سنة 1966 م، وكان ذلك بتشجيع من والده الذي أحب العمل السياسي التي أدت لاعتقاله بين العامين 1978 م و1980 م بسبب مواقفه السياسية. كذلك رسم للأطفال في كتب للأطفال وفي مجلات للأطفال وشارك في عدة تظاهرات الرسوم الكاريكاتورية.
يعد يوسف عبدلكي اليوم من أشهر فناني الحفر عند العرب، وأبرز فناني الجرافيك وتصميم الملصقات والأغلفة، والشعارات، كما يعدّ من الفنانين المهمين في مجال الكاريكاتير كما صدرت له عدة دراسات في الكاريكاتير العربي.
يعتبر يوسف عبدلكي من الفنانين السوريين الناشطين والمخلصين لوطنه سورية إذ لابد ان يقوم من حين لآخر بعمل معارض فنية في دمشق، كان أخرها في خان أسعد باشا الرائع وسط دمشق القديمة ويشارك بفعالية وتميز في الفعاليات الفنية السورية.
عاد عام 2005 م إلى سوريا بعد أن غاب عنها ربع قرن.
قام النظام السوري باعتقاله في طرطوس في 19 تموز 2013 .

مقدم الحلقة بدون
ضيف الحلقة – يوسف عبدلكي، فنان تشكيلي سوري
تاريخ الحلقة 12/02/2001

المعلقة:
كعادته من بعد ظهيرة كل يوم يصل الرسام إلى محترفه، الأسود والأبيض، هدأة المكان واللهفة المستكينة لأشيائه، ضوء النهار القابع خلف النافذة حيوان سيثب إلى الداخل مفلتاً طريدته المثقلة بالضجيج.
وكعادته من كل يوم يُعِد يوسف عبدلكي قهوته قبل أن يُباشر عمله، نجلس في انتظاره ربما لأن اللوحة تحتاج إلى لحظة المخاض هذه قبل أن تخرج إلى النور، ربما لأنه يحتاج إلى مساحة صمت يخط عليها أفكاره وهواجسه قبل أن تكر مسبحة الكلام.
يوسف عبدلكي:
لا أعرف ماذا أسميها! أشياء ليست كلها أشياء، طبيعة صامتة ليست صامتة، طبيعة ميتة، أين الموت في كل هذه الخلايا النابضة؟ طبيعة ساكنة، ليست كذلك أيضاً، فحتى جدران الأسمنت المسلح ليست ساكنة، طبيعة جامدة.. ربما.. ربما إذا قُصِد من ذلك إنما يراد رسمه حي، ولكنه يجمِّد نفسه للحظة مثلما كان أجدادنا يجمدون عيونهم أمام آلة التصوير القديمة في الشوارع، ومن ثُمَّ ليعاودوا الحياة بعدها.
هكذا هي موضوعات هذه المجموعة، وردة أرسمها اليوم وأضعها غداً أمام النافذة لتتابع حياتها القصيرة، قوقعة.. قوقعة حتى وأنا أخطها على الورق تواصل شهيق وزفير الهواء الذي يصدمها باستمرار. هذه.. هذه بعض الوساوس أمام هذه الأعمال اليوم.. اليوم لأنه يأتي وقت أبعد من اختبارات هذه اللحظة، وقت يرسم فيه الرسام بالأسود على الفضاء الأسود، وقت يظهر فيه ما لا يُرى، يمحوه كي.. يجليه، لا يعود الرسم أقلاماً وورقاً، بل سفراً في العناصر. عند انتهاء العمل فراغ.. فراغ جسدي كأن الدماء غادرت كل الشرايين.
المعلقة:
أعرف أن يوسف عبدلكي لم يفرغ، ولم يتمم لوحته بعد، ومع ذلك أقاطعه لأسأله مِنْ أي مكان ترسم؟ وهل اختلطت دماؤك بدماء (باريس)؟
يوسف عبدلكي:
باريس هذا المكان اللي أنا عايش فيه ما عم بيؤثر بشكل مباشر على الشغل تبعي إلا بمعنى إن واحد عم يطلِّع ويشوف وتصير له فرصة، ما بيقدر الحقيقة يشوف هي أعمال وأعمال أصلية، وأعمال كتير كثير مهمة، لو كان موجود ببلد تاني من بلدان العالم الثالث يعني، بس غير هاي.. هذا الشيء اللي له علاقة بالحقيقة –-خليني أقول- بكمية الاطلاع، وبالتالي بكمية مراكمة الخبرة البصرية، المكان نفسه ماله وجود بالشغل تبعي، شغلي بالحقيقة مبني على كل الدينامو الخاص تبعي، الدينامو الجواني تبعي.
أنا إذا رجعنا شوية لورا أنا الحقيقة لما جيت لهون جيت لهون أقعد فترة مؤقتة وأرجع، هلاَّ وبعدين ما أتيحت لي الفرصة أرجع لأسباب سياسية إلى آخره، بس بدون خياري بالحقيقة هو نفس الخيار السابق، بمعنى خيار إنه أشتغل هون، أدرس، أخلِّص، أرجع.
هلاَّ هاي فترة الأخيرة عم تمط، وتمط، وتمط، صار لها 15 سنة عم بتمط يعني، بالتالي إنه هو بالحقيقة عجز عن إنه واحد يتأقلم مع الجو كذا، واحد يا أخي مش مقرر، هذا المكان بشكل أو بآخر لا يعنيني، فما عندي أنا دوافع جوانية حقيقية إنه أنتمي له، انتمائي الحقيقي اللي بالمعنى كتير كتير هيك اللي –خلينا نقول- كتير هيك الوجداني والعاطفي والإنساني يعني موجود بمكان ثاني، وبالتالي منه موقف -خليني أسميه- سياسي أو أيديولوجي أو بطيخ من الأسماء هذه ما له علاقة بكل القصص.
قصة إنه أنت قد أيش حاسس حالك آخذ بالحقيقة هيك الحيِّز الحقيقي تبعك، هون أو مكان ثاني، أنا حاسس إنه حيزي الحقيقي هو مش هون. بهذا.. بهذا المعنى أنا بأحس حالي إنه قاعد بلحظة انتظار، بس هاي لحظة الانتظار ما عاد فيها وأنا متكتِّف إيديا، عم بأشتغل بالحقيقة المشروع تبعي اللي لازم أشتغله اللي أنامقتنع إنه لازم أشتغله، سواء كنت هون أو محل آخر، هلاَّ بتقول لي: إنه إذا كنت قاعد بباريس مثل لو كنت قاعد بحمص؟ علاقة طبعاً مختلف، لاشك.
أنا تصوري كل مكان غير مكان الواحد الأصلي تبع طفولته ومراهقته هو مانه مكانه، أي مكان حتى ببلده، لكن كمان الواحد –بشكل أو بآخر- بيقدر يعمِّق هاي الهوة بينه وبين المكان، وبيقدر الحقيقة يصغر، هذا شيء ما مرتبط بس بقراره، مرتبط كمان بالمكان اللي بده يستقبله، قد أيه شو هو قادر الحقيقة على استقباله أو استقبال أي مهاجر آخر، أو أي بني آدم آخر.
بس بالنسبة للحالة تبعي أنا بالتحديد أنا أصلاً بالحقيقة لم أبذل مجهود، أنا صار لي 20 سنة ولا خطر لبالي أعمل معرض بباريس، ما بتخطر ببالي الفكرة ولا تعنيني.
المعلقة:
تتحول باريس إلى قاعة انتظار، فهل تُراه سيقيم في اللوحة كي يضفي إلفة ما على وحشة هذا المكان؟
يوسف عبدلكي:
يعني في ناس بيعتقدوا إنه –كتاب أو رسامين- أو.. إنه شغلهم عملهم هو –بشكل أو بآخر- انتمائهم، وبالتالي بشكل أو بآخر يعني بأشوف أنا حيلة حتى يلفوا على السوق الأساسي اللي هو إنه فعلاً وين بلدهم؟ بمعنى أو بآخر أنا بأعتقد بالحقيقة كل بلدان العالم هي أنا بحق لي تكون بلدي، مثل ما بلدي يمكن يكون هو بالحقيقة حق لكل الناس بالعالم، بس كمان بيحق للواحد إنه يكون ينتمي إلى ضيعة، و إلى شارع، وإلى حارة، وإلى زاروبة، هذا حقه مثل ما ذاك حقه تماماً، والاثنين ما بيختلفوا عن بعض ولا بيتناقضوا مع بعضهم.
وإذا كان شغل الواحد –بشكل أو بآخر- بيشكل له انتماء، أنا بأشوف إنه هذا شيء يمكن يكون بالحقيقة كمان حقيقي.
بس هذا ما بيلغي السؤال الثاني، إنه فيه عندك أنت حيز ولدت فيه، وولدت فيه مفاهيمك، وعواطفك، وطريقة حبك، وكيف بتشوف الناس والعالم والفكر، والبشر، والبني آدميين، وبالتالي كمان هذا حقك، مو بس إنه حقك انتمائك للوحتك أو للقصيدة تبعك وإلى الرواية، وإلى آخره، كله حقك، فما فيه داعي الواحد يتنازل عن واحدة من حقوقه بالحقيقة.
المعلقة:
لم تتنازل يا يوسف عبدلكي عن الحق ببلدك، ولكن ها أنت تقرع منذ سنوات فهل فُتح لك؟
يوسف عبدلكي:
أنا ما بأعتبر إنه بلدي مو عاطيني حق، أنا بأعتبر إنه هناك فيه قرار سياسي، عند شيء واحد موظف (معت) معبا غبرة على مخه، وعلى المكتب تبعه، وما بيشوف ضو، ولا بتيجيه شمس متخذ قرار إنه أنا ما بأروح على بلدي، طبعاً ها اللي عم بأحكيه صورة كاريكاتورية يعني، عم بأعمل إشارة بكل بساطة لكيف بيأخذ قرار، كيف بيفكر، كيف بيفهم إنه حق البشر بهاي الحياة، هذا هو الشيء (المعت) و(المرط) واللي معبا عليه غبرة.
المعلقة:
لنتصور أنك عُدت، أفلا تخشى أن تكتشف أن الأمكنة تشيخ وتموت كما يشيخ الناس؟
يوسف عبدلكي:
هي اللي .. بدها قصة؟! أنا عندي صار حصاري من جوة حصاري فظيعة بأعتقد إنه روح شوف بلد ماله علاقة بالبلد اللي موجود بذاكرتي، بس الشيء يمكن يكون مؤلم بالنسبة إلي هو إنه ما عم تتاح لي الفرصة من 20 سنة لهلاَّ أجرب هذا المكان، أشوفه إن هو بالحقيقة هو مكاني أو مكان آخر؟ هو بالفعل أنا بأنتمي له وبينتمي لي أو هو ما بينتمي لي ولا بأنتمي له؟
هذا الشيء يمكن مؤلم بالنسبة إلي أو لآلاف الناس ثانيين اللي ما بتتاح له إنهم.. ما بتتاح لهم الفرصة إنهم بالحقيقة يجربوا، يشوفوا إنه صح أو إن عم يركبوا قصور على أوهام.
المعلقة:
سافرت لوحاتك لتعرض في الشام مراراً، فهل كنت كمن يُرسِل بعضاً من روحه إلى الأهل فيما يبقى جسده أسير أبواب موصدة بآلاف الأقفال؟
يوسف عبدلكي:
يعني أعمال أنا بتروح.. بتروح ع الشام وبتنعرض (…) والله ما بأدري!! يعني.. يعني من سنوات طويلة بالحقيقة أعمالي بتروح ع الشام وبتنعرض، وأنا قاعد ما بأتحرك من هون.
بأحس الواحد كأنه عم يبعت للبلد، أو يبعت –بالتحديد- لأصحابه، للناس اللي بيحبهم وبيحبوه كأنه عم بيبعت لهم هيك رسالة يقول لهم فيها: إنه.. إن هم موجودين معه، وإنه –بشكل أو بآخر- الـ.. العصب تبع كل شغل هو بالحقيقة هناك.
المعلقة:
لشيءٍ من الاستراحة نغير موضوع الحديث، أسأل يوسف عبدلكي عن العصب الثاني لعمله (الكاريكاتير) إن كان يُشكل بالنسبة إليه نافذة أخرى يُطل منها على هموم البلد والناس؟ وهل أتاحت له مثلاً إقامته في باريس هامش حرية ما؟
يوسف عبدلكي:
بالحقيقة بلشت أشتغل كاريكاتير سنة 1966م، وعملت الرسوم الأولى بعد هيك بتحريض غير مباشر من والدي اللي كان يعني مهووس بالسياسة بشكل فظيع.
اللي بيصير إنه أنا بالحقيقة لأني بعيد عن البلاد اللي أصلاً بتطلع فيها الصحف اللي بأشتغل لها فأنا ما بأسمح لحالي بالحقيقة أشتغل على قصص لها علاقة بهيك الأحداث الاجتماعية، والأحداث القريبة من الناس كثير، لذلك من حوالي 20 سنة بالحقيقة ما بأشتغل غير عن الأحداث السياسية والأحداث الدولية يعني، وبالتالي ما بأتعرض أبداً ولا بحياتي سمحت لحالي أتعرض للمشاكل الاجتماعية اللي بتصير بالبلاد العربية.
الواحد الحقيقة واحدة من الشغلات اللي بيحسد الأوروبيين فيها هي هذا الهامش الكبير من حرية الرأي ومن الديمقراطية الموجودة بصحفهم يعني، وبالرغم من إن الواحد عايش هون صار له سنوات طويلة، لكن ما بأعتقد حالي إنه هيك غفلان على المدى الكبير اللي.. الموجود للرقابات العربية على الصحف. بس رغم هيك بالحقيقة على طول عندي يعني مبدأ بأشتغل فيه: إنه أنا بأشتغل الأفكار تبعي كما أشاء أن، وخلِّي الرقابة تعمل، الرقابة اللي بدها إياه.
على طول باحاول أستبعد الحقيقة الشرطي اللي ممكن يكون موجود بقلب كل واحد منا، وخلِّي هاي المهمة للناس الثانيين اللي هم بدهم ممكن يكونوا شرطة، هاي هذا شيء بالحقيقة بيعذبني، بأي معنى بيعذبني؟ بيعذبني بمعنى إنه بأعمل رسوم كثير وما بتنشر أو ما فيها أصلاً الصحف بتنشرها يعني، بالتالي الواحد بيصير أحياناً بيشتغل أكثر بكثير من المفروض، الواحد بيعرف بالحقيقة حدود (الأمان) بيعرف إنه شو يمكن بالحقيقة يرسم.. يرسمه وينشر وشو اللي بيرسمه وما بينشر، رغم هيك أنا بأرسمه وخليه ما ينشر معلش.
أُفضِّل هذا الحل على أنه أشتغل على طول –مثل ما قلت- بالشيء المضمون نشره، لكنه –بشكل أو بآخر- بيُنتقص بحيز كبير من هامش الحرية الصغير اللي بأحسه.
المعلقة:
وكل هذا العنف الذي يُشكِّل قاسماً مشتركاً بين أعمال الكاريكاتير ومجموعة كبيرة من اللوحات، ماذا عنه؟
يوسف عبدلكي:
العنف الموجود أحياناً برسومي الكاريكاتير هو بالحقيقة هيك العنف السياسي المباشر، وبالتالي هادولا يمكن هي تكون أكتر رسومي اللي يمكن تكون معرضة للرقابة يعني، بينما بشغلي الثاني –خاصة بالفترة اللي اشتغلت فيها المجموعة اللي أنها سميتها “مجموعة أشخاص”، واللي عملتها يعني من نهاية الثمانينات تقريباً لسنة 95لـ هاي العنف مش بس الشخصيات فيها بتضمر عنف كبير وكذا، لأ.. حتى طريقة الشغل فيها عنف كبير، وفيها يعني قسوة بالخط، بالنقل بين الأبيض والأسود، بـ (الكنترستات)، بالتناقضات الأبيض والأسود إلى آخره.
فالعنف ما عاد بتعبر عنه فقط بالشخصية، العنف صار هو البنية تبع العمل كله على بعضه. بأحس أنا إنه فيه عندي مخزون كبير من اختزان هذا العنف اللي بأشوفه ببلادنا ومجتمعاتنا، واللي بتمارسه السلطات بشكل فيه كتير هيك أحياناً حتى سفاهة على مواطنين تبعها، بأشوف ها الاختزال كبير لهذا العنف اللي غير مبرر، وما فيه شيء إنساني، ولا شيء شرعي ولا كذا، إنه لابد ما يطلع بشكل أو بآخر، فبتحسي إنه بلادنا مو بس إنه يعني فيها هيك تركيب سُلطوي عنيف وكذا إلى آخره كمان جاية من تاريخ كبير بالحقيقة بالعنف.
وهذا العنف كمان ما بيشوفه بس الواحد بالحقيقة بهيك، مستوى واحد بس سياسي، بيشوفه كمان حتى بين علاقات العائلة، وبيشوفه بعلاقات العمل، وبيشوفه بالمدرسة والجامعة وبكل المجالات، يعني بالشارع.
بس كما بالحقيقة دولنا (الوطنية) بعد الاستقلالات كثير كرستها، وبالتالي عملتها بالحياة هي بشكل أو بآخر الناظم الأساسي.. الناظم الأساسي للسلطة يعني بالتالي السلطات ما آخذة بشكل أو بآخر تحسي شرعيتها من رأي الناس هو مثل ما مفروض، وبالتالي شرعيتها الوحيدة جاية من العنف.
المعلقة:
إذا كان الوطن يا يوسف عبدلكي قد أورثك كل هذه الحمولة من القسوة والقتامة والعنف، فما الذي يشدك بعد إليه؟
يوسف عبدلكي:
بأحب أقول في البداية إنه عندي حساسية خاصة من كلمة (وطن) بأحس هاي الكلمة من كتر ما يعني تم هيك استهلاكها وجعلكتها وتمرير عشرات الأفكار والقصص من فوق راسها ومن قدامها ومن قفاها بيحس الواحد إنه يعني قصاد كلمة معلوكة إلى درجة ما عادة تعبر الحقيقة عن شيء.
أنا بأفضل إنه واحد إذا بده بيحكي عن بلد، بأحس أنه هاي واحدة من الكلمات –كلمة وطن- واحدة من الكلمات اللي عم تستعمل هيك بشكل يعني متواصل من 40، 50 سنة لتضليل الناس بالكذب عليهم إذا نبكاه.
منهم بكل البلد بأحسها كلمة إلها علاقة بالشوارع والناس والبيوت والشجر والأرض، لكن بنفس الوقت كلمة غير ممضوغة ماله مستهلكة، ما لنا مفقوسة ومشبوهة مثل.. كلمة (الوطن).
فشوقي.. شوقي هو إنه أعيش بشكل عادي ببلد عادي بمعنى آخر إنه بلدي مانه بلد استثنائي هو مثل كل بلدان العالم، بس هو ببساطة وبالصدفة بلدي أنا.
الواحد بيخطر لباله ببساطة يمشي بحارة من حارات باب شرقي، ويدخل بحارة اسمها (المسبك الجواني)، ويمكن يطلع يشوف أصحابه اللي كان بيعرفهم من 20 سنة يشرب معهم فنجان قهوة، ويرجع يتغدى مع والدته، بس مانه كتير إعجاز يعني هي قصة بكل بساطة اللي متوفرة لكل البشر وهاي.. وهي متوافرة لكل البشر بكل بساطة لأن هي حق كل البشر (نقطة على السطر).
المعلقة:
تضيق الأمكنة ولو اتسعت على مَنْ لا يجد مشهداً.. حجراً يعتاده ويركن إليه، فكيف يحيا يوسف عبدلكي كغريب؟ التفاصيل اليومية لإقامته الجبرية في باريس.
يوسف عبدلكي:
واحد من الأمكنة اللي بيحس الغريب إنه عم يعمل علاقة مع مدينة باريس هو المقهى.. المقهى اللي هو مكان لقاء.. مكان تمضية جزء من الوقت.. مكان مراقبة، بس مع التردد على نفس المقهى مصيره الواحد بيحس إنه.. إنه هذا المقهى بيخصه، مثل ما كان ممكن بحارته بشكل أو بآخر تخصه، المكان اللي هو المقهى بيصير يجمع الناس، ناس كمان ممكن يكونوا غرباء عن.. عن البلد، حتى إنه ما فيه من الفرنساوية اللي غرباء عن البلد، وبالتالي بيصير الجامع الحقيقي بيناتهم منه القهوة الحقيقة، هي غربتهم الحقيقية إنهم كلهم غرباء.