الفنانه ميترا شادفر

Mitra Shadfar

لوحات الفنانة الإيرانيه خانم ميترا شادفر. ولدت الرسامه ميترا shadfar في عام 1968 في عائلة محبة للفنون. في عام 1987 بدأت تلقي دروس في الرسم، تحت إشراف الرسام الإيراني مرتضى كاتوزيان خلال سنوات من الجهد المتواصل. شاركت في العديد من المعارض. على مدى السنوات ال 15 الماضية وقد رافقت المعلم مرتضى كاتوزيان في تدريس طلابه في نفس الاستوديو. لمشاهدة المزيد على الرابط الفنانه ميترا شادفر

فائدة الإبداع بين أفلاطون وأرسطو

يصنف الإبداع ضمن خانة الموضوعات الانسانية الأكثر دقة وحيوية وصعوبة من حيث الدراسة والتناول ، وما يقتضيه ذلك من استحضار ووقوف عند مختلف الجوانب المتدخلة في هذه العملية الكيميائية المعقدة ، خصوصا عندما يلتقي ذلك مع كون الإبداع إدمانا محمودا على التمرد والثورة الدؤوبين على القواعد القائمة والقوانين الثابتة والقوالب الجاهزة ، وذلك بهدف التفرد والتميز عن الأقران والنظائر من خلال استثمار شحنة انفعالية تحركها دوافع تعتمل فيها الذاتية والموضوعية ،فتبث طاقة إيجابية ملهمة في العمل الأدبي الإبداعي ، من خلال الارتباط بمادة خام – يبقى تحديد مصدرها من أكبر الاشكالات إلى يوم الناس هذا – ينطلق منها المبدع لتشكيل صور فنية تحمل تجربة إنسانية في شكل يستعصي على الضبط والتحديد والتسييج كلما ارتفع منسوب القدرة الابتكارية وازداد حجم التحرر من النموذج وسطوته التي تقف سدا منيعا أمام سياحة الذات في محيط الابداع الفسيح .

فمن شأن الابداع أن يواجه الموت ويهزمها ويتيح لنفسه الخلود على امتداد الحياة الأزلية – الفانية وقد عبر عن ذلك الشاعر العربي نزار قباني في أحد حواراته بقوله “لا يهزم الموت إلا الفن ، والفنانون هم الوحيدون الذين يخافهم الموت ويحسب حسابهم ، فشكسبير زاره الموت من أربعمائة سنة ولكنه لم يستطع أن يصرعه بالضربة القاضية ، ف(هاملت) لا يزال حتى الآن واقفا في حلبة الملاكمة يرد ضربات الموت ، ولم تنته المباراة بعد ، والمتنبي هاجمه الموت أكثر من ألف سنة ولكنه هرب أمام شجاعة المتنبي وصموده وكبرياء نفسه ، إني عندما أكتب شعرا أشعر بالقوة والمناعة فالشعر (…) هو شهادة تأمين ضد الموت .” (حوارات مع الشعراء العرب) .

وقد رأى أفلاطون عكس ما سبق في التعامل مع الشعراء وما تجود به قرائحهم من إبداع وفن ، فالفن عند أفلاطون يساهم في إفساد شباب أثينا وذلك لأن “الفن قائم على المحاكاة (فهو) بعيد كل البعد عن الحقيقة ، ولذا كان يستطيع أن يتناول كل شيء ، (وبالتالي فإن) هذا الجزء ليس إلا شبحا ” ، أما أرسطو فقد عمل على إقامة نظرية المحاكاة التي أسّس بنيانها أفلاطون على أسس جديدة تطبعها الإيجابية والمنفعية وذلك من خلال اقترانها بعملية التطهير وأثرها المحمود على نفوس الجماهير ، والتي ” يؤمن فيها أرسطو بأن التراجيديا تنمي عاطفتي الشفقة والخوف ، ولكنها تجعل المشاهدين أكثر قوة من خلال عملية التطهير ” ، كما يرى أرسطو “أن الأديب حين يقيم فنه على المحاكاة فإنه لا يكتفي بالنقل فقط ، بل يتصرف في هذا المنقول ويحاكي ما يمكن أن يكون أو ما ينبغي أن يكون بالضرورة أو بالاحتمال” فيغدو الإبداع بذلك وفق تصور أرسطو ذا طابع مثالي ينحو تجاه تجاوز الواقع المشوه ويرفض أن يكون مجرد صورة طبق الأصل عن الحياة الانسانية المحمومة .

نلاحظ مما تقدم أن قيمة الابداع الفني – الأدبي تتفاوت بين الفيلسوفين “العظيمين” أفلاطون وأرسطو ، فقد بخّس أفلاطون من قيمة الفن والأدب ممثلا في الشعر واعتبره خطرا شديدا لأنه يفسد شباب أثينا التي لم تكن في حاجة إلى الشعر ، وقد عمل أفلاطون على حماية شباب المدينة من خطر الشعر خصوصا وأنهم في طور التشكيل والبناء ، إذ قسّم أفلاطون المجتمع إلى فئات هرمية القيمة ، متراتبة الأهمية تأتي على رأس قائمتها فئة الحكام – السياسيين مرورا بفئة الجنود وانتهاء بفئة العمال والصناع والحرفيين وما تبقّى من مكونات المجتمع ، الذي يراه ويريده أفلاطون متماسكا وقويا من خلال الدور الذي تؤديه كل فئة .

وقد أنشأ أفلاطون الأكاديمية ليعد هذه الفئات لما ينتظرها من مهام وذلك بالاعتماد على المنطق والرياضيات والفلسفة وكل ما يتعلق بالمعارف والحقائق المطلقة واليقينية التي لا يتطرّق إليها الشك ولا يتلبّس بها الشعر ذلك الهيام والهذيان الذين لا ينضبطان لمنطق ولا يحيلان إلى حقيقة ، ومن ثمة يبقى الشعر مجرد ترف بل هو شر مستطير يحيق خطره بالمجتمع “الأثيني” إن هو تسلل إلى نفوس وعقول شبابه ، ومن كل ذلك حكم أفلاطون على عبثية الشعر ولا جدواه فأقصاه وأبعده من “هندسة” التعليم والتثقيف والتكوين التي تعد الأجيال لما ولدت له وحدّد لها منذ البدء والولادة .

وعندما “بلغ أرسطو أشدّه”عمل على إعادة الاعتبار إلى الشعر وذلك بالإشادة بالدور الكبير والمنفعة الجليلة التي يقدّمها للجماهير، عبر تطهير النفوس والتنفيس عنها وتخليصها من متراكماتها الشعورية بواسطة العزف على وتر الروح والوجدان وإثارة المشاعر والأحاسيس والعواطف التي تتراوح بين الخوف والشفقة، من خلال التراجيديا التي تخضع تجارب مريرة لأبطال من طبقات المجتمع العليــا –بالضرورة- إلى التشريح مما يثير مجموعة من الانفعالات التي تخفف من توهجها وهيجانها دموع الخوف والشفقة بعيدا عن العقل والمنطق والرياضيات ، وبذلك يكون أرسطو قد عمل على ترميم بناء وجدان النفس الذي هدّمه طغيان الرياضة العقلية وتهميش التغذية الروحية ، وعلى تعديل ميزان الآدمية من خلال إحداث التوازن بين كفة الآلية الراجحة وكفة الانسانية المرجوحة .

وختاما يبدو لي أن أفلاطون – ورغم عظمته وريادته – قد ظلم الانسانية من خلال الإرث الذي لم تستطع العقول عبر التاريخ التخفف من أحماله ،وخصوصا من خلال مجموعة من الموافق التي كانت في حينها تبدو متقدمة ومتنورة إلا أن سيرورة الحياة وعجلة الزمن قد كشفت عنها غطاءها ، فأضحت متخلفة بمعيار الواقع ، فكيف طاوعته سريرته في حرمان الانسانية من مكون أساسي من مكونات الحضارة البشرية وهو الأدب، كما ظلمها من خلال تحديد مصير الأفراد منذ ولادتهم دون تمتيعهم بإمكانية تحسين أوضاعهم والترقي في مدارج المجتمع ، فضلا عن حرمان السواد الأعظم من أفراد المجتمع من المشاركة في الحياة المدنية عبر حرمانهم من حق المشاركة السياسية .

أحمد هيهات

المصدر:

altagreer.com/blogs/فائدة-الإبداع-بين-أفلاطون-وأرسطو/

 

الفنان عادل مقديش

artist adel megdiche

تلقى عادل مقديش تكوينه بمدرسة الفنون الجميلة بتونس، وأقام بمدينة الفنون بباريس سنة 1977، كما أنه درّس بالرباط ثم بعد عودته إلى تونس درّس بمدرسة الفنون الجميلة بتونس، وبالمعهد العالي للفن المسرحي بتونس. بدأ عادل مقديش بإنتاج أعمال تجريدية ثم جنح إلى الرسم السريالي. وهو يرسم على أوعية مختلفة من الخشب إلى القماش إلى البردي. ويسيطر على أعماله فنّ الخطّ. حصل عادل مقديش على الجائزة الكبرى لمدينة تونس سنة 1982، والجائزة الوطنية للفنون والآداب سنة 1997. كما أنه حصل على الصنف الثالث من وسام الاستحقاق الثقافي سنة 1993، ثمّ الصنف الرابع من وسام الجمهورية سنة 1996.

يعد الفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش، من أبرز الفنانين على الساحة العربية و الذي نشط لمدة تفوق الثلاثين عــاما دون انقطاع ولد عادل مقديش في مدينة صفاقس من الجمهورية التونسية سنة 1949 أقـــام عديد المعارض في تونـــس و خارجها, هو فنان أنتج عديد الأعمال الفنية المتميزة حيث تعد مواضيعه رصدا لذاكرة البشر تبدّلت من خلالها خاماته و تنوعت مرجعياته بين مرجعيات تاريخية و أخرى شعبية تنسج الذاكرة الجماعية وفق قصص و مدلولات بصرية و رمزية.
سوف نكتفي في هذا المقال بإعطاء لمحة تخص جانبا من جوانب بحثه الفني في علاقة مباشرة بتحديد مرجعياته المختلفة و للإطلال على “طقوسه الفنية” الخفيـــة و التـــي تعد قنطرة ذاكرته البصرية هو فنان مؤمـــن بتقـــاسيم الزمــــان، من ذكـرى و تذكــــر وتذكار، هو يذكرنا دائما بأن “الذاكرة البصرية” في التشكيل التونسي لها موقعا هاما، بحيث أن بعض التجارب التشكيلية التونسية و العربية المعاصرة جعلت منها إطارا مرجعيا ونقطة اشتغال تستند فيها على معطيات وثوابت ثقافية متغيرة راسخة في الأذهان، وتستوحي منها عناصرها التشكيلية الأكثر تعبيرا عن روح الأصالة و الإبداع، إننا نعني هنا بالذاكرة البصرية، ذلك الرصيد الهائل التاريخي والمتحوّل من مخزون فكري وبصري، موثق في الأذهان، والذي يجد موطنه الفعلي في البنية الثقافية الشعبية للفنان، على هذا النحو يمكننا الحديث عن تمثلات بصرية محددة، تبدأ بأشكـال ورمـوز أكـثر إغراقا في الرمزية، لتنتهي بأشكال و تصاوير تشخيصية نابعة من عمق التراث المحلي أو العربي الإسلامـي، مرورا بالصور الذهنية و الحُلمية الشخصية أو الجماعية المتخيلة.
رسمَ عادل مقديش فضاءات الذاكرة و جمع شخوصه من فضاءات الحلم, من أزمان ماضية من حروب, من تاريخ متحوّل, من حكايات شعبية مروية للجازية الهلالية …هذه هي مدارات الذاكرة البصرية المتخيلة للفنان عادل مقديش المتواترة على أعماله الفنية و التي أشهرها في عديد المناسبات بقوله:” لـــــــــــي ذكرى اليمة مع الروم و الأتراك و الأسبان و قبائل بني هلال الزاحفة و لي أيضا معاناة الإفرنج”[1] و يضيف قائلا ” أرسم خصوبة عليســة على جلود البقر المقدس أنحت وجه جـــوغرتا في أسواق الأفراس البربرية، حفرت على جدران المعابد الإفريقية رسم السفنالساحلية و أشرعتها المنسوجة بشعر النساء (…) كل رسم لي ومضة البرق في السماء أفريقية و أجراس الخيول الآتية تعزف خيوط الألوان لولبية على كف أندلسية في ليلة زفافها”[2].
من ثمة، فإن الاشتغال التشكيلي وفقا للزخم المرجعي الذي تمنحه هذه الذاكرة قد شكل دوما مجالا للإبداع لدى ثلة مهمة من الفنانين التونسيين وحذا بهم إلى البحث المضني والغني عن مواطن انغماس العمل التشكيلي في تربته المحلية، كما أن ارتباط الأعمال الفنية بالأساطير و الحكايات الشعبية في أعمال الفنان عادل مقديش له مكانته الخاصة في الوجدان الشعبي ، فالموروث الثقافي تتلاقى فيه الأصالة مع الحداثة في جمع بين خبرة الفنان ومعرفة بمفهوم الموروث وحفاظه على الهوية، وأشكال الإبداع الفني الأصيل.
لقد تراوح المخزون البصري للفنان عادل مقديش بين موروث شعبي ذا علاقة مباشرة بحكاياتنا الشعبية المتداولة مثل (مجموعة هلاليات لسيرة بني هلال) حيث نجد أن الرسم قد تلاقى بالحكاية الشعبية فارتسم على شكل صورة مروية، لصورة الجازية الهلالية، ورسوم أخرى تستند على طابــع غرائبي بمسحة من الخيال وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات و أوائل الثمانينات وتواصلت إلى حدود التسعينات لكن بتغيير جزئي ,حيث نجد الفنان عادل مقديش يؤسس عالم تحكمه التصورات الغريبة و الغير مألـوفة تصـورات سريالية في رسم الجازية الـهلالية وأبو زيد الهلالي. كذلك نجد مخزونا تاريخيا و حضاريا شمل الحضارة الإسلامية (الزخرفة و الحروفية) و الحضــــارة الفــارسية و مخزونا فنيا يتوافق مع السريالية أو المافوق واقعية أحيانا, حيث نجد أن الشبكة الرمزية التي يُدخل فيها الفنان عادل مقديش موضوعاتـــه الفنـــية هي شبكـة، شائكة ومعقدة بحيث أن التمـــائم والطـــلاسم و الرموز تدور معظمها حول قضايا إنسانية وجودية خالصة، مما يجعلنا نزعم بأن “الصورة المجازية” التأريخية أحد المحاور المركزية لهذه الذاكرة ومنبع خصب من منابعها،. لكن كيف تتم هذه العلاقة بين الرســـــم و طرائق الاستحضار للصور المروية ووفقا لأي تناول وانتقاء؟

لقد سعى عادل مقديش في تكوين فضاءاته التشكيلية إلى التسجيل وليس التسجيل بمفهوم التمثيل و إنما تسجيل اللحظات الإبداعية الفنية الخاطفة التي تمرّ على كل فنان في أوقات لا نعرف تحديدها، فينهل منها كل فنان مبدع ما استطاع، ولعل إنجازاته الخطية الغرافيكية تقدم قيمة الإبداع وما خلـّـفه التصور المتفرد, فأعمال هـذا الفنان ذات خصوصية فنية لا على مستوى الإنجاز فحسب, بل و على ما تحققه من صدى تخيلي وإيحائي يطل على الوهم الذي ينشئ التصورات الجديدة للواقع المتخيل, ليجعلنا نفكر بالمجازات البصرية الواقعية من “أحلام اليقظة” لتتحول إلى مفاهيم لا يحدها حاجز عن المتلقي الذي قد يتعامل معها في الحقيقة، كنفيسة من نفائس التعلق بالصورة الما فوق واقعية . فعادل مقديش يؤسس فضاء، و يجعل من عملية تأويله عملية صعبة و ذلك نتيجة تشعب الدلالات داخل نفس الفضاء، حيث يقوم بإقحام عديد الرموز داخل نفس الفضاء بكل حرفية ويجعل من التأليف بينها هدفا في تكوينه وهذا ما يثري العمل الفني في مجمله ويجعله منفتحا على مجال تأويلي شاسع فرسوماته الخطية في رسم الجسد مثلا، تألفت بمنحى غرائبي. حيث يقدم لنا أنسجة من الخيــال تنسج الجســد بمبدأ تشكيله على نحو غرائبي, فيحاول جمع ما تبقى في ذاكرته ليؤثث فضاء المتعة, متعة الذاكرة و الذكرى في تقص حقائق الجسد.
وفي أعمال أخرى تتفرغ الكتابة من طاقتها التركيبية ومن إمكاناتها الدلالية اللغوية لتغدو بذلك كيانا سابقا على اللغة والتواصل أو متجاوزة لهما، أي جسدا حرفيا يتسربل بإمكاناته الحرة في الانزواء خارج كل منطق أو مقصدية تعبيرية مباشرة. حيث نجد ذلك التلاقح الذي يتم بين تشكيله للحرف وتشكيله للجسد بطابع تأليفي و تفاعلي ، بحيث تنمحي الحدود بينهما ويأويان إلى مجال حركي وفضائي واحد. بيد أن هذا الحضور “التشخيصي للحرف ليس أبدا حضورا للغة، بل تغييبا لها واحتفاءً لا بجوهرها وإنما بجانبها المادي المحسوس بصريا. فتتحول لديه العلامة الخطية من علامة مقروءة إلى علامة لا محددة وغير قابلة للتفكيك. إنها تغدو مجرد شكل،أي تخطيطا مجردا ومطلقا.
كما تمتزج رسوم الفنان عادل مقديش بطابع حلمي أحيانا فرسوماته الليلية (أجساد مرسومة في زمن الليل) تخضع أحيــــانا إلــى جانب كبير من العتمة والانفراد في فضاءات أسطورية ويقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق فــي إحــدى معــارضه بــمركز الثــقافي الفـــرنسي بالربـــاط ” أنطلـــــق في رسوماتي من مثيولوجيات و من أساطــير شعبيـــة و مــن خرافات الطفولة و من الـلاوعي الجماعي و من فزع التمزق الذاتي بين الحلم و الواقع و بين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع و احد (…) حيث تلتحـم كل مقومـات و مــدارك الــذات في تعاملها الديناميكي مع المحيط المتحرك”[3]

جاءت رسوم عادل مقديش من أمـاكن ارتسمت في الذاكرة بأحلى الألوان، من أحـــلام و حكايات، تمد الإنسان بذاكرة الإنسان. حيث احتلت بعض الشخصيات لوحاته و اتخذت موقعا هاما في تصور الفنان فنلتمس تشكيلا سرديا يرسم الشخصيات والأبطال، وفي هذا السياق من الكلام يقول وحيد السعفي في حديثه عن أعمال الفنان عادل مقديش: ” طاف مقديش في عالم من الذكرى ، هذه الجازية ، وهذه بلقيس و هذه ولادة تمنح قبلتها من يشتهيها , هذه عبلة ذات لثام يقبلها صاحبها ثلاثا في اللثام” [4] ثم يضيف قائلا في نفس السياق: “جــازية اللوحـــة لا تقود الحملة بـــل يقودها الركاب و الأميرة ذات الهمة لا تحكم في الناس بهمة وبلقيس لا تخضع لأمرها سليمان وهدهده عنبر و الكاهنة طيف لا يصيب الغائر بسوء ، و عليسة لم تنحر الثور قربانا لما أرست عند الساحل و لم تملك الأرض الجـــــلد و امرأة شاعرة لا تسحر شاعرها و لا تسلب عقله البالي المرأة هنا أسيرة الرسام يحفر في وجهها قصة الزمان”[5].

و من هذا المنطلق نلاحظ محاولة عادل مقديش صياغة الحدث الروائي لبعض القصص و النظر في تفاصيلها كحدث ذا أبعاد فنية، تقوم على تداخلات عدة ، بين القصص ورموز تشكيلها، في سبيل الوصول إلـى رؤية فنية جديدة، وهذه الخصوصية الفنية ليست إلا وسائل إيضاح يعتمدها الفنان في “سرد لوحاته” داخل حياته الفنية بكل بساطة تركيبية، فيها المغامرة التشكيلية المعقدة ترتبط ارتباطا وثيقا مع حكايات الأساطير.

أعمال الفنان عــادل مقديش: جدل بين المرجعية التاريخية والذاكرة البصرية
حسّان بنرحومة – تونس- من كتـــــّاب موقع بوّابــتي

الفنان عــادل مقديش
الفنان عادل مقديش

يعد الفنان التشكيلي التونسي عادل مقديش، من أبرز الفنانين التونسيين على الساحة العربية والذي نشط لمدة تفوق الثلاثين عــاما دون انقطاع, ولد عادل مقديش في مدينة صفاقس من الجمهورية التونسية سنة 1949. أقـــام عديد المعارض الفردية والجماعية في تونـــس وخارجها.
أنتج عادل مقديش عديد الأعمال الفنية المتميزة والتي يستند في انجازها على مرجعيــات تاريخيــة وأخرى مستمدة من الموروث الشفوي ومن الذاكرة الجماعية وفق حكايات تكتنز في طياتها مدلولات بصرية ورمزية متنوعة ساقها الفنان إلى فضاءاته على نحوه الخاص.
من خلال عملية مسح بصري لبعض اللوحات للفنان عادل مقديش, نلتمس ذلك التوظيف المكثف للرموز والإشارات الإيحائية التي تعد محور ذاكرته البصرية, حيث يقدم أعمالا فنية، يستند في انجازها على “مرجعيات تراثية” من خلال عملية التذكر, هو يذكرنا دائما بأن “الذاكرة البصرية” للموروث الثقافي والاجتماعي في التشكيل التونسي لها موقعا هاما، بحيث أن بعض التجارب التشكيلية التونسية المعاصرة جعلت منها إطارا مرجعيا، تستوحي منها عناصرها التشكيلية الأكثر تعبيرا عن الأصالة والإبداع، و إننا نعني هنا بالذاكرة البصرية، ذلك الرصيد الهائل التاريخي والمتحوّل من مخزون فكري وبصري موثق، والذي يجد موطنه الفعلي في بيئة الفنان، على هذا النحو يمكننا الحديث عن تمثلات بصرية محددة، تبدأ بأشكـال ورمـوز أكـثر إغراقا في الرمزية، لتنتهي بأشكال وتصاوير تشخيصية نابعة من عمق التراث المحلي أو العربي الإسلامـي، مرورا بالصور الذهنية والحُلمية المتخيلة.
رسمَ عادل مقديش فضاءات الذاكرة وجمّع شخوصه في فضاءات الحلم, من أزمان ماضية من ملاحم, من تاريخ متحوّل ومن حكايات مروية للجازية الهلالية, هذه هي مدارات الذاكرة البصرية للفنان عادل مقديش المتواترة على أعماله الفنية والتي أشهرها في عديد المناسبات بقوله:” لي ذكرى اليمة مع الروم والأتراك والأسبان وقبائل بني هلال الزاحفة ولي أيضا معاناة الإفرنج” (1) و يضيف قائلا ” أرسم خصوبة عليســة على جلود البقر المقدس أنحت وجه جـــوغرتا في أسواق الأفراس البربرية حفرت على جدران المعابد الإفريقية رسم السفن الساحلية وأشرعتها المنسوجة بشعر النساء (…) كل رسم لي ومضة البرق في السماء أفريقية وأجراس الخيول الآتية تعزف خيوط الألوان لولبية على كف أندلسية في ليلة زفافها”(2) .
من ثمة، فإن الاشتغال التشكيلي وفقا للزخم المرجعي الذي تمنحه هذه الذاكرة قد شكل دوما مجالا للإبداع لدى ثلة مهمة من الفنانين التونسيين وحذا بهم إلى البحث المضني عن مواطن انغماس العمل التشكيلي في تربته المحلية، كما أن ارتباط الأعمال الفنية بالأساطير والحكايات الشعبية في أعمال الفنان عادل مقديش لها مكانتها الخاصة، حيث تتلاقى فيها الأصالة مع الحداثة في جمع بين خبرة الفنان ودرايته العالية بتوظيف عناصر الموروث الشعبي.
لقد تراوح المخزون البصري في اللوحة للفنان عادل مقديش بين موروث شعبي ذا علاقة مباشرة بالحكايات الشعبية المروية المتداولة مثل مجموعة هلاليات المنجزة لسيرة بني هلال, فارتسمت أعماله على شكل صورة مروية لصورة الجازية الهلالية، وبين موروث بصري يتستند على طابــع غرائبي فيه مسحة من الخيال وذلك في الفترة الممتدة بين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات وتواصلت إلى حدود التسعينات لكن بتغيير جزئي, حيث نجد أن الفنان عادل مقديش من خلال هذه التجربة يؤسس عالما تحكمه التصورات الغريبة والغير مألـوفة تصـورات سريالية في رسم الجازية الـهلالية وأبو زيد الهلالي, كما نجد رسوما أخرى تنهل من المخزون التاريخي والحضاري الإسلامي فتنبع مدلولاتها من توظيف مكثف للزخرفة, مع اقتراب اللوحة أحيانا من اللوحة الحروفية .
كما نجد أن الشبكة الرمزية التي يُدخل فيها الفنان عادل مقديش موضوعاتـــه الفنـــية هي شبكـة شائكة ومعقدة بحيث أن التمـــائم والطـــلاسم والرموز تدور معظمها حول قضايا إنسانية وجودية خالصة،مما يجعلنا نزعم بأن “الصورة المعكوسة ” للحياة اليومية أحد المحاور المركزية لهذه الذاكرة ومنبع خصب من منابعها لكن كيف تتم هذه العلاقة بين الرســـــم وطرائق الاستحضار للصور المروية ووفقا لأي تناول وانتقاء ؟
لقد سعى عادل مقديش في تكوين فضاءاته التشكيلية إلى التسجيل وليس التسجيل بمفهوم التمثيل وإنما تسجيل اللحظات الإبداعية الفنية الخاطفة التي تمرّ على كل فنان في أوقات لا نعرف تحديدها، فينهل منها كل فنان مبدع ما استطاع، ولعل إنجازاته الخطية الغرافيكية تقدم لنا قيمة الإبداع وما أنتجه التصور المتفرد, فالأعمال الخطية الغرافيكية لهذا الفنان ذات خصوصية فنية لا على مستوى الإنجاز فحسب, بل وعلى ما تحققه من صدى تخيلي وإيحائي يطل على الوهم أحيانا, ذلك الوهم الذي ينشئ تصورات جديدة للواقع المتخيل, ليجعلنا نفكر بمجازات بصرية واقعية تتشكل على نحو صور تبرز “كأحلام يقظة” ولتتحول إلى مفاهيم لا يحدها حاجز عن المتلقي الذي قد يتعامل معها في حقيقة الأمر كنفيسة من نفائس الصورة الما فوق واقعية
فعادل مقديش يؤسس فضاءات فنية، و يجعل من عملية تأويلها عملية صعبة وذلك نتيجة لتشعب الدلالات داخل نفس الفضاء، حيث يقوم بإقحام عديد الرموز بكل حرفية ويجعل من التأليف بينها هدفا في تكوينه وهذا ما يثري أعماله الفنية في مجملها ويجعلها منفتحة على مجال تأويلي شاسع.
وفي أعمال أخرى تتفرغ الكتابة من طاقتها التركيبية ومن إمكاناتها الدلالية اللغوية لتغدو بذلك كيانا سابقا على اللغة والتواصل أو متجاوزة لهما، أي جسدا حرفيا يتسربل بإمكاناته الحرة في انزوائه خارج كل منطق تعبيرية مباشرة. حيث نجد ذلك التمازج العجيب الذي يتم من خلال تهجين الحرف والجسد بحيث تنمحي الحدود بينهما ويأويان إلى مجال حركي وبصري واحد. بيد أن هذا الحضور “التشخيصي للحرف” ليس أبدا حضورا للغة، بل تغييبا لها واحتفاءً لا بجوهرها وإنما بجانبها المادي المحسوس بصريا. فتتحول لديه العلامة الخطية من علامة مقروءة إلى علامة بصرية لا محددة وغير قابلة للتفكيك إنها تغدو مجرد شكل أو تخطيط .
كما تتضمن رسوم الفنان عادل مقديش طابعا مثيولوجيا أحيانا فرسوماته الليلية ( أجساد مرسومة في زمن الليل ) تخضع في كثير من الأحيان إلى جانب كبير من العتمة والانفراد في فضاءات أسطورية يمتزج فيها الوعي باللاوعي كما تحضر خرافات الطفولة والقصص المروية فضاءاته و يقول الفنان عادل مقديش في هذا السياق فــي إحدى معارضه بمركز الثــقافي الفرنسي بالرباط :” أنطلــق في رسوماتي من مثيولوجيات ومن أساطير شعبيـة ومن خرافات الطفولة ومن الـلاوعي الجماعي ومن فزع التمزق الذاتي بين الحلم والواقع وبين التقسيم الزمني في محاولة لتوحيدها في واقع واحد (…) حيث تلتحـم كل مقومـات ومــدارك الــذات في تعاملها الديناميكي مع المحيط المتحرك” (3)
جاءت رسوم عادل مقديش من أمـاكن ارتسمت في الذاكرة بأحلى الألوان، من أحـــلام وحكايات، تمد الإنسان بذاكرة الإنسان. حيث احتلت بعض الشخصيات لوحاته واتخذت موقعا هاما في تصور الفنان فنلتمس تشكيلا سرديا يرسم الشخصيات والأبطال، وفي هذا السياق من الكلام يقول وحيد السعفي في حديثه عن أعمال الفنان عادل مقديش: ” طاف مقديش في عالم من الذكرى ، هذه الجازية ، وهذه بلقيس و هذه ولادة تمنح قبلتها من يشتهيها , هذه عبلة ذات لثام يقبلها صاحبها ثلاثا في اللثام” (4) ثم يضيف قائلا في نفس السياق: “جــازية اللوحـــة لا تقود الحملة بـــل يقودها الركاب والأميرة ذات الهمة لا تحكم في الناس بهمة وبلقيس لا تخضع لأمرها سليمان وهدهده عنبر والكاهنة طيف لا يصيب الغائر بسوء ، وعليسة لم تنحر الثور قربانا لما أرست عند الساحل ولم تملك الأرض الجـــــلد وامرأة شاعرة لا تسحر شاعرها ولا تسلب عقله البالي المرأة هنا أسيرة الرسام يحفر في وجهها قصة الزمان” (5).
ومن هذا المنطلق نلاحظ محاولة عادل مقديش صياغة اللوحة الفنية كحدث روائي يستمد حضوره من بعض القصص الشعبية كحدث ذا أبعاد فنية بالأساس، يقوم على تداخلات عدة ، بين القصص ورموز تشكيلها، في سبيل الوصول إلـى رؤية فنية جديدة، وهذه الخصوصية الفنية ليست إلا وسائل إيضاح يعتمدها الفنان في “سرد لوحاته” .

عادل مقديش ، ثنائية ،زيت على قماش 64*53 صم 1984

هلاليات 2 ،أكريليك على قماش، 100*140 صم ، 1985

عادل مقديش حروف فارسية أكريليك على قماش 160*65 صم

لوحة عليسة ،أكريليك على قماش، 150*100 صم
—–
1 رياض العلوي ، جريدة الأنباء 16 سبتمبر 1981
2 نفس المرجع
3- عادل مقديش، ملحمة الحلم و الواقع، جريدة بلادي 20 مارس 1983
4- وحيد السعفي ، نص رحلة الجسد الجمال ، دار اليمامة للنشر 2002
5- نفس المرجع
———-
حسّان بنرحومة
باحث تونسي

 

المزيد من اعمال الفنان عادل مقديش

 

 

نذير نبعة

نذير نبعة يعرض استعادياً تجربته الفنية في صالة تجليات
صبايا الرمان يراقصن اللون والروح

«الفن تجريد استخلصه من الطبيعة بالتأمل فيها وأمعن التفكير جيداً بالخلق الناجم عن ذلك»، غوغان. وهكذا الفن لدى نذير نبعة استخلاص من الإنسان بالتأمل فيه وفيه. ثم يمعن أن يكون الناتج برحمة الجميل، بعد التغلغل بروحه وروحه كثيراً. أما كيف فهمت مقولة غوغان هذه، فإنه من خلال تأمله في الطبيعة نفذ إلى أغوار فيها، إلى أعمق من رؤية سطوح الأشياء، فأخذ من تلك الطبيعيات كنهها، ثم عاد ففكر بما أبدع تفكير عميقاً، ليكتشف ما مازج هذا الكنه من تلك الطبيعة حينما اتحد بعينيه من أثر في قلبه، والأثر قد يكون عن فعل الرسم أو الطبيعة فيه وفي الرسم، هكذا يأتي تفسير المعنى بالنسبة إليّ.

لكن نبعة يتجاوز هذا، فهو يتأمل في هذه الطبيعة كثيراً وكل ما يصادفه فيها ويقع في قلبه أو كان واقعاً به يغدو طبيعة أكثر مع محبته من خلال التعلق فيه، من الرمان إلى الجوري والناي وتفاح الأثداء إلى أصوات النسمات، كل هذا بمفرده يكون طبيعة ويُحول إلى فعل تأمل وله خلق إبداعي ناتج عنه يدفع إلى التأمل من جديد، بالنسبة للآخر فهذه الكلمات صدى لهذا التأمل الذي وجدت نفسي في رحابته، وأنا أتحدث عن تأمل ينبثق من المادي، ليغل بما هو أعمق من هذا، ليس كتجريد للأشياء عن الطبيعة، بل تحريك الخيال بهذه الأشياء في فضاء اللوحة، لتقود إلى فعل التأمل والجمال بعد هذا، وإن كنت تحدثت عن إيقاعات مادية الأشياء المتحركة في فضاء من جاذبية ولا جاذبية الوعي، إلا أني لم أدخل بعد في عتاقتها وتمازجاتها الحسية والانفعالية النفسية والإرثية والتاريخية العمقية إضافة لهذا البعد المادي المقشور السطح إلى دواخل العمق والرحابة، وحتى هنا فلا زلت في الجانب المادي من العمل بكل خصوصياته لكن الأمر يختلف لو دخلنا إلى الأبعاد المجردة فعلاً عندها سنكون بمواجهة إشراقات التأمل وجهاً لوجه أو روحاً لروح، هنا أفضل الصمت، هذا الصمت السكوني أمام تجليات.
«اكتشف سورية» التقى الفنان التشكيلي نذير نبعة في حوار يأخذنا بعيداً وطويلاً في فضاءات تجربته وروحه وجماليات عوالمه.

من أعمال الفنان نذير نبعة

رمزت الرمانة عند الرومان لربة الخصب أناهيتا لكنها ترمز عند الصينيين إلى الخصب والذرية وكذلك عند الزرادشتيين، وإضافة لهذا فهي ترمز إلى فكرة الموت والبعث، وفي الأيقونة المسيحية رمزت إلى الإحسان وهي تعني المعرفة لو كانت مفتوحة. نذير نبعة يكثر من رسم هذه المفردة الجمالية والرمزية في آن فهل يخبرنا أسرارها؟
الرمان كمفردة أستعملها موجودة في الموروث السوري، يقال: طاسة طرنطاسة بالبحر غطاسة جواتا لولو وبراتا نحاسة، وهي الرمانة، وأنا أعتبر الرمان رمزاً للشرق فهو فقير من الخارج و غني من الداخل، وهو كالبيت الشامي من الخارج طين وتبن لكنك ما إنن تدخل إلى الداخل حتى تجده جنة، فأنا عشت في بستان وكنت أرى الرمانة عبر مراحلها من الزهرة وحتى النضوج بما في ذلك تلونها من الخارج والداخل، وحتى الحروق البنية التي تصيبها بها الشمس أو التشققات اللاحقة وحتى تذوق طعومها، وهي ليست الرمانة التي أخذناها بالمراسم كطبيعة صامتة في الأكاديميات، فهي ليست مجرد طبيعة صامتة بل تذكرني بالأغاني الزجلية السورية والغزل الذي حظي به الرمان، إذ يندر أن يوجد مغني لم يتغن بالرمان، وهذه الأشياء تبقى أقرب إلي ّمن كل الثقافة التي حصلتها لاحقاً، فكل خبرتي عن جماليات الرمان كانت في مراحل تشكل الوعي وقبل ذلك من مراحل الطفولة، وهذا ما يجعلني أعجز عن تعريفه، إذ إن مجموع هذه التأثيرات التي تغلغلت فيّ ارتبطت بالكثير من الخبرات الجميلة، وهكذا أفسر الأمر، أما ما حصلته لاحقا من معرفة فهو إضافة تخدمني في توظيف هذا الرمز.

من أعمال الفنان التشكيلي نذير نبعة

التفاحة أيضاً ترمز في الغرب إلى الإغراء والموت أو إلى الأمل بالتجدد والسلام لو وضعت على شجرة الميلاد مثلاً، وقد تكون رمزاً للكون والكمال، وهي بالتحليل النفسي رمزاً لثدي المرأة، كيف يوظف الفنان نذير نبعة هذا الرمز الذي يتكرر كثيرا في لوحاته؟
أعيد أن طفولتي تشكلت في بستان يحتوي الكثير من الأشجار ومنها التفاح، والتفاحة تتمتع بشكل مميز وخاص يقترب من الدائرة وكل ما ذكرته من معاني ينتمي لهذه التفاحة، وفي أسطورة الخطيئة يقال أن حواء خبأت التفاحة في صدرها! وهذا يرمز لثدي المرأةة وإذ تنظر إلى سطح التفاحة ستجد الكثير من الخطوط والنقاط والتلاوين بحيث تبدو شهية وجميلة، التفاحة مبهجة بصريا وهذا الشكل يشدني منذ كنت طفلاً حتى أصبح عنصراً تشكيلياً، والمسألة هنا ليست قراراً، لأنها تشكل توافقاً مع مرجعية خبرات الطفولة الأولى، ثم يأتي الوعي والثقافة لتعزيز هذا المفهوم، فكل فنان ينشد عناصر معينة في الطبيعة يستطيع أن يبدع فيها، فالوجوه الموجودة في لوحاتي هي وجوه خيالية إلا أن الكثيرين يطلقون تشابيه عليها تعود إلى الواقع، وهي كهذه الوجوه تأتي من الخيال لتمنح اللوحة إيقاعات من الجمال وانعكاسات لرمزية المفاهيم.
تحتل القوقعة مكانة هامة في لوحتك وهي كرمز تختصر الحياة والموت، وكذلك ترمز لولادة فينوس عند الإغريق والرومان، ويجسدها بهذا المعنى بوتشيلي في إحدى لوحاته، إنها أيضاً رمز للحظ الجيد والخصوبة وللمرأة والجنس، كيف يرى نبعة القوقعة؟

من أعمال الأستاذ نذير نبعة

تعود علاقتي الشخصية بالقوقعة إلى أن أمي كانت تمتلك إحدى هذه القواقع وكنت أراها قرب المصحف في البيت عندما كنت صغيراً وهذا المخلوق الأملس الملون بألوان تشابه ألوان الشفق لها الكثير من الشاعرية الهامسة وهذا الشكل واللون كان يشدني، ولو سألتني لماذا؟ لا أعرف فهو يعود لمرحلة قبل الوعي. أما لاحقاً فكنت أشاهد هذه القواقع يحملنها الغجريات ليكشفن من خلالها الودع (التنجيم) ومن خلال رمي مجموعة القواقع على الأرض تقوم الصدفة بتوزيع شكل القواقع وكن يخبرن الأشخاص عن المستور أو يطلعونهم على الأسرار أو على ما يضمره الغيب لهم، ويجبن على ذاك التساؤل الذي لم يطرحونه، وكشف هذه الأسرار لطفل يحمل الكثير من التساؤلات ويكتنفه الغموض والتعجب! بعد ذلك تتعرف على القواقع من خلال الدراسة وتطلع على خصوصياتها ورمزيتها وتطلع على سبيل المثال على كيفية استخراج الأرجوان عند الفينيقيين من القواقع البحرية..
..يهمني هنا بمناسبة طرحك للأرجوان، السؤال إن كنت استخدمته في لوحاتك فأنا بالكاد ألحظه؟

من لوحات الدمشقيات
للفنان التشكيلي نذير نبعة

اللون الأرجواني لدي موجود في التجليات وهو موجود أيضاً في لوحات الدمشقيات، لكن لم يتبقَ لديّ أي من هذه اللوحات الآن، لقد رسمت الكثير من اللوحات التي تحتوي هذا اللون مستنداً إلى مرجعيته، هذا إضافة إلى أن هذا اللون جميل. وبالعودة إلى القواقع أذكر أني ذهبت إلى بورسعيد فالساحل هناك مغطى بالقواقع بدلاً من الرمل، هذا مشهد سريالي ويشبه الحلم ولا تستطيع إلا أن تلتقط بعضاً من هذه القواقع، ولا تشعر إلا وقد جمعت الكثير، وهذا ما فعلته إذ جمعت حقيبة منها. القوقعة بالنسبة إلى هذا الغموض الموجود بشكلها تشبه الغموض الموجود بالأنثى، فالمرأة باستمرار مخلوق لا يمكن اكتشافه، فهي لا تظهر كل ما لديها، وهي تمتلك على الدوام مزيداً من الأسرار! والقوقعة كذلك، إذ يكون اللؤلؤ في داخلها، والحصول عليه عملية تكتنفها صعوبات مميتة. هذا من الناحية المادية أو الشكل، أما المجهول فهو في الداخل، هذا المخلوق أو المفاجأة الساكنة في الداخل، فأنا أقرنها باستمرار بالأنثى وبالكنوز الموجودة فيها. عندما أضع المجوهرات عليها لا أقصد أنها مجوهرات تزيينية بل هذا المعدن على جسدها يحدث بصرياً تفاعلاً حسياً وانفعالاً خاصاً، وهذا ما أرمي إليه من ذلك.
هنا أحب أن أسألك، من خلال تعاملك مع القواقع في لوحاتك، هل أخذ هذا المفهوم شكلاً تصاعدياً من تطور الرمز وأشكال توضعاته على سطوح اللوحات؟

من أعمال التشكيلي السوري
نذير نبعة

نعم بالتأكيد، المفهوم يتطور فأنت تتذكر على سبيل المثال أنهم يقولون: لو وضعت القوقعة على أذنك فأنت تسمع صوت الهواء أو موج البحر، وهنا لا بد وأن يتداعى إلى ذهنك علاقتها بالماء، وكطفل ستعتقد أن البحر موجود في الداخل، وهذا يشكل عالماً من السحر والانجذاب إليها وليس لشكلها وحسب، لكنك عندما تقرأ عن رمز القوقعة ستعرف أنها رمز الماء، وهنا تتجاوز القوقعة معناها الخاص المحلي ليكون رمزاً عالمياً. وإذ تسألني لماذا أرجع هذه الأشياء إلى طفولتي وإلى بحري، رغم أن هذه الأشياء موجودة في كل مكان، لكني أصر على بحري أنا، هذا البحر السوري أكثر إيحاءً من كل البحور! أنا أنشد إلى قضاياي وصولاً إلى قضية فلسطين. أنا اهتم بقضايا فيتنام بالمعنى الإنساني ولدي هذا البعد، لكني ما يرتبط بي ويكون قريباً مني، أحبه أكثر، فالذي لا يحب نفسه لا يمكن أن يحب العالم.
لأنهي موضوع القواقع أحب أن استفسر عن إحدى لوحاتك والتي تعود إلى مشروع تخرجك في القاهرة، أرى فيها القواقع واستغرب وجودها في لوحة لأحد العمال في الوقت الذي أشاهدها في لوحات تتصل بالمرأة وبمعان جمالية أخرى، هنا أنا اسأل عن اختلافف التوظيف؟
المقالع كانت بداية مسيرتي التشكيلية في ذاك التاريخ، والمشاريع كانت ذات مواضيع بسيطة وكان ينظر إليها نظرة تبسيطية سياحية، سادت فيها المواضيع الاجتماعية والسياسية (فترة الستينات)، وكان أغلب الفنانين العرب في تلك الفترة في حالة بحث عن الذات،، بمعنى أن كل المناهج التي كنا ندرسها كانت مترجمة عن الأكاديميات الغربية، وكان علينا أن نرى جمالياتنا بعيوننا نحن، ونتجه إلى تراثنا القديم، الفينيقي، السومري، الآشوري، الفرعوني، وذلك من الستينات، وتلاحظ أن التشخيص الموجود في اللوحات من تلك المرحلة، مأخوذ من الرليفات (النقوش النافرة) السومرية والتدمرية، باعتبار أن مرجعياتنا بالرسم تعود إلى تلك الفترات من تاريخ الأجداد، وهذه من جهة تعتبر واحدة من جمالياتنا، قبل ذلك، كنا نستلهم جماليات لوحات عصر النهضة والرومانتيكية والواقعية، ونستوحي من تلك التراكمات الثقافية الغربية، هذه التجربة دفعتها ظروف قدماً، لكن أخرى أحبطتها، وخصوصاً فترة النكسة وما انعكس على مفكري وفناني الأمة من إحباط، أعتقد أنه عندما يحدث انكسار أو هزيمة في حياة الأمة يتجه مفكروها إلى مهاجمة أنفسهم وتقريع ذواتهم، في تلك الفترة نفذت عدداً من اللوحات عن النابالم الذي استخدمته إسرائيل، وعن الفدائي باعتباره الوحيد الذي كان يقاوم إسرائيل بعد انهزام الجيوش العربية. وبالعودة إلى السؤال، تعود بداية عرض القواقع إلى عرضي الأول في صالة الفن الحديث في سورية، والمعرض كان بأغلبه عن أساطير الفرات، وأساطير كنت استوحيتها من قراءاتي، ومنها أسطورة سيزيف التي تجسد عناء الإنسان وتحديه، وقد دمجت سيزيف الأسطوري بهذا الحديث، أي الإنسان العربي وجسدته في إحدى اللوحات، أي أن القواقع أتت من الأساطير وخصوصاً الفراتية منها (إنليل، ننليل، كاهنة مردوخ)، وهذه القواقع مرتبطة بالماء والمرأة كفينوس وعشتار التي وُلدت أمها من رغوة ماء الفرات، أي أن الأسطورة التي رسمتُها هي أسطورة تخصنا..

ربة الموسيقى
للفنان التشكيلي نذير نبعة

..ألهذا تظهر عشتار في لوحتك سمراء بدوية؟
المسيح لدى الإفريقيين أسود، وكل ثقافة رموزها تشبهها.
هنا أحب أن أسألك لتجيب بطريقة التداعي الحر وباختصار عن هذه الرموز الموجودة في لوحاتك؟
أشجار الغرب: هي أشجار أدهشتني أول الأمر في فصل الربيع، لما فيها من قوة الخصوبة.
السمكة: هي رمز الشر في إحدى لوحاتي، وهي رمز الخير، وهي رمز جنسي، إضافة لأن شكل السمكة الجميل بصرياً، هو الأهم عندي.
الناي: رمز لوحدة الماء والنبات والهواء، وهذه الوحدة تخلق الموسيقى، وهو رمز –كشكل- لحرف الألف!
الصلب: ليس الآتي فقط من صلب المسيح، بل يصل إلى كل المناضلين، الذين حاولوا أن يقدموا فكراً متنوراً.
القنديل: هو رمز النار والنور، كنا نشعل النار منه ونستضيء به، رافقني بمراحل دراستي.
ثدي المرأة يظهر في لوحاتك وحتى الشرقي منها! هنا محظور إرثي بمقابل متاح تشكيلي، كيف استطاع نبعة أن يوفق بينهما، دون الوقوع في توصيف اللوحة بالاستشراقية؟

من أعمال نذير نبعة

الله خلق الإنسان من دون ثياب، ثم يعود ويقف في يوم الحشر بدونها أيضاً. الإنسان عندما أخطأ وضع على نفسه الثياب، وهذه الإجابة أقولها دائماً، عندما اُسأل عن هذا الموضوع. أنا أعود إلى الطفولة الأولى فأول ما يتحسسه الطفل ثم يراه هو ثدي المرأة، وهذا كله قبل الوعي. هذا الشكل (الثدي) بالمقارنة مع صيرورة التطور بالنسبة للرجل يكون مختلفاً (فيزيولوجياً)، وهذا محرض قوي كشكل بالنسبة للرسام، ولاحقاً تضيف الثقافة مع تطور الوعي، فتعرفه أكثر كرمز عند الأقوام والثقافات، بالتأكيد هو شيء مقدس، لدرجة أني رسمت الثدي كموضوع مستقل. أما العاري لدي فلا يوحي أبداً بأنه فاضح بقدر ما يوحي بالخصب والجمال والحياة، أذكر هنا أنه في معرضي في المركز الثقافي العربي سنة 1979، جاءت سيدة ورفعت المنديل عن وجهها أمام إحدى اللوحات العارية، ثم سألتني أليست هذه أمنا حواء يا بني؟ فقلت لها نعم، وهذا التوصيف من أفضل التوصيفات وهو تماما ما أريده، هذه اللوحة كانت عن وادي الربوة، والعاري كان إضافة مركبة، لأعبر عن شدة حبي وتعلقي بهذا الوادي. أما الاستشراق أو المستشرقون، فقدموا عن الشرق المفهوم العاري الحسي كما يفهمونه هم، وهذا غير المفهوم لدينا..
..كأني أفهم أنك ترد على اللوحة الاستشراقية بمفهوم مختلف؟
في الفن الشعبي، العاري المسموح هو آدم وحواء، وإذا اعتبر العاري عيباً، فقد كان هذا العاري في الكثير من البيوت، العري بالمفهوم الشرقي ليس ذاته بالمفهوم الاستشراقي، فالقاموس اللغوي لكل معاني الحب والجنس والعري مختلف في الثقافتين، أما من يرىى في لوحتي بعداً استشراقياً فهو مع الاسف أعمى.
لوحتك تمنح العين القدرة على التفكير والحلم، وهي تأخذ منك الكثير من الوقت، فحتى إنجاز اللوحة، بماذا تكون تفكر؟
إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعنيي أنه يحب الآخر، وهذا الآخر هو الإنسان، وهذه المحبة تفرض على الفنان أن يحب لوحته لتصل هذه المحبة إلى الآخر، المسألة تتجاوز التفكير لأنه مع تدخل العقل أفقد اللوحة! عندما يتدخل العقل في اللوحة ويكون له الدور الأول تصبح باردة، المسألة مختلطة بما نحمله من مشاعر المحبة للآخر بدءاً بمحبة الأنثى وانتهاءً بالتواصل مع الآخر. معنى المعرض هو التواصل مع الآخر، فالمعرض ينبغي أن يحمل جديداً لأتحاور به مع الآخر، فالمشهد الجميل وحده لا يكفي، ولهذا تكون الفترات بعيدة بين معارضي.
مارست الفن كرسم وتصوير وأرشفت مشهديات شرقية ودمشقية كثيرة، بحساسيات بلغت الأعماق الروحية لهذا التراث ونحن ندين لك بهذه التسجيلية الحلمية التعبيرية، بعد كل هذا التاريخ من العمل والعطاء على الموضوع التراثي والأسطوري التراثي، هل ُتعتبرر «تجليات» تسجيلاً لعوالمك الداخلية بكل ما تحتويه من تقشفات وجماليات، من رهبنة وثراء؟

من دمشقيات
نذير نبعة

ما تقوله مقاربة جيدة وهذا طبيعي فالإنسان يمر بفترات نمو مختلفة من الطفولة إلى الكهولة، وبالتالي الإنسان ليس ذاته بكل منها بل بتلك الإضافات من الخبرات والمعارف، في الجانب التشكيلي تنمو هذه الخبرات وتتطور وكذلك الاهتمامات. «تجليات» هي مشهد واقعي من الحياة ولكنه يتحول في لوحتي إلى مشهد تأملي، ولكنها ليست «كرت بوستال» لهذا الواقع بحيث تستطيع القول مثلاً هذه صورة لتدمر أو معلولا أو غابة خريف أو غير ذلك. هذا الميل للمشهد التأملي بدأ منذ 1964 -عندما كنت أدرس في دير الزور- من رحلات الصيد مع بعض الأصدقاء، وكنت أرافقهم فقط حيث كنت أشاهد الجبال التي كانت صخورها تتمتع بمنظر غاية في الجمال حتى أني كنت اطلب كاميرا لأصور هذه الصخور، وتستطيع القول أن أول إنتاجي بهذا الاتجاه يعود إلى أوائل الثمانينات، ولم أكن انتهيت بعد من مرحلة الدمشقيات حتى أن هذه الأجواء موجودة في خلفيات بعض اللوحات من تلك الفترة.

في تجربتي الأخيرة «تجليات»، حذفت موضوعي الشخصي، مكتفياً مهنياً وتقنياً بذات أدواتي من لون وملمس لأرضية اللوحة من حيث الخشونة أو النعومة ، النافر أو الغائر، واستثنيت الأشكال حتى الأشكال الهندسية أو النباتية منها، والهدف أن أدعو الآخر إلى لوحتي ليرى موضوعه هو، عاطفتي تدفعني لأحتضن الآخر في لوحتي ليرى فيها ما يحب، فقد يرى فيها غابة أو صخراً ملوناً أو غروباً، هذا يغني اللوحة. يقولون عن الجوكندة أنها لوحة جميلة لكن ما كتب عنها والتفسيرات العديدة لها يجعلها أجمل، تلك النصوص الموازية تمنحها آفاقاً من الجماليات، وعندما يرون في لوحاتي (تجليات) أكثر من موضوع فهذا إغناء للوحة.

في عرضي (تجليات) في صالة أتاسي (عام 2003)، قدمت المعرض ببيان يعتبر مدخلاً لقراءة العرض، وهو عبارة عن قصيدة أخاطب الآخر في بعض منها:
«أدعوك لترسم في لوحتي لوحتك
أدعوك لترسم في فرحي غضبك
أدعوك لترسم في منظري.. وجهك
لأن هناك نافذة أخرى للرؤية..»
نصك التشكيلي البصري يشبه كثيراً خصوصيتك، أأستطيع تسميته نصاً تجريدياً؟
لا، أعتقد أني أقدم مشهداً واقعياً تأملياً، لأنني لا ألجأ إلى الأشكال التي قدمها التجريديون.
من «معلولا» إلى «المدن المحروقة» لوحات فيها ذات الإيقاعات الملمسية والخصوبات اللونية الحسية والروحية المتقشفة، وبالوصول إلى «تجليات» نكاد لا نلمس فرقاً كبيراً من حيث التقنية أو العجائن اللونية، أأخلص إلى أنك تصير جزءاً من هذه العجائن؟
سأقرأ لك جزءاً ثانياً من قصيدة «تجليات»:
«يتخذ سطح اللوحة مسرحاً للوجود
ملعباً لسيولة المادة تحت سطح سكين الرسم
أرضاً خصبة للأشكال تنمو وتتوالد تحت ضغط الحد وحنان الأصابع
ورحمة العاطفة
يولد من نزق الانفعال، وحماقة الغضب
وفعل الغرائز، ورقص الفرح
وشطحات البصيرة..
الفرح يصبح لوناً معربداً في النافر
ويمسي الانكسار غارقاً في ظلال الغائر
الموضوع بعد الثبات والموت
يهب حياً متجولاً حراً.. مليئاً بالاحتمالات
…».
المدن المحروقة هي بغداد، بيروت، قانا، جنين، غزة، ولو أني أرسم بغداد بالشكل التقليدي للحرائق والدمار، أو كيف ُحرق المسجد الأقصى، لكانت الكاميرا أفضل من الرسم، بهذه الطريقة من الرسم، الاحتمالات لا نهائية المهم لديّ توالد الأسئلة ومشاركة الآخرر في طرحها والإجابة عليها، نستطيع القول أنه تنزيه عن الشيء الواقعي، فعندما كانت بغداد تحترق، أكان يجب أن نعبر عن ذلك، بأن نرسم مدينة يخرج منها اللهب؟! المسألة تتجاوز هذا، كنا نشعر بالعجز عن فعل شيء وما كان يحدث في الصدر هو نوع من الحرقة أو الاحتراق، بحيث يشعر الإنسان أن الدخان يخرج مع أنفاسه، ويكون التعبير مختلطاً بما تحدثه السكين على سطوح اللوحة من إحساسات غائرة أو نافرة، وبهذا اللون الممزوج بالمشاعر، هكذا يتم الأمر..
..تستوقفني هنا كلمة «تنزيه» وأحب أن استبدلها بكلمة «تجريد» الذي يعني نزع القشرة عن الشيء والدخول إلى قلبه، وهذه مقاربة صوفية، لكن ابن سينا هو الأدق هنا ويتفق مع طرحك، إذ يعتبر التجريد هو تجريد للمادة من بعض لواحقها،
وهو ما فعلته أنت بالصخور إذ أبقيت الملمس وسطح الشكل، ثم تركت الخيال ليرتفع بهذه الصورة إلى مصاف التأمل، هل توافقني في هذه الرؤية؟
كلمة تنزيه هنا أتت لتكون مختلفة عن المصطلح الغربي «abstract» (التجريد)، إذ يخلط الناس في هذا المفهوم ويرون التجريد فقط فيما قدمه الغربيون، وهذا يتجذر في الثقافة اليومية عند الكثيرين، ولهذا استخدمت كلمة تنزيه لأنها أقرب إلى قاموسنا، ولتشكلل اختلافاً عن كلمة تجريد بالمعنى المتداول.
أرى في عملك (تجليات) ارتقاءً شخصياً وروحياً، ولكنه (أفقياً) يتخذ معنى أرضياً وإنسانياً، وهو قريب منا كفاية لنشعره في أرواحنا، وأنت هنا ربما مختلف عن المتصوفة ومن يشبههم في أشكال التجلي العمودي أي مع السماء والنور، إلا أنك تحدث أثراً مشابهاً!! ففي الوقت الذي تستدعي الآخر إليك، أنت تستدعي المكان أيضاً، وكأنها دعوة لأن نكون أكثر تواضعاً على هذه الأرض؟!
من شاء سما وتوحد، ومن شاء كبا وتبدد! وهنا كبا ليست بمعناها السلبي، وهكذا تبدد. كبا هنا بقرار وبإرادة ورغبة بمعنى الموت في هذا التراب والبعث من جديد، هي عودة إلى الجذور والانطلاق منها، هنا الرؤية متسعة ولكن العبارة تضيق. إن أول ما يلعب بهه الأطفال هو التراب والطين، هو أول الأبجدية والوعي، وبعد أن رحلت بعيداً لا بد من العودة إلى ترابي وطيني الأول، أنا يهمني أن يعرفني قومي قبل أن يعرفني الآخرون، إحساسي يوم افتتاح المعرض بأن الناس كانت تحضنني ، لا يقابل بكنوز، ذلك لأني بينهم. أنا لا أجد نفسي بالخارج، أنا هنا، أنا اعتبر الفينيقيين والسومريين والآشوريين والفراعنة أجدادي، أنا ابن لهؤلاء.
أراك تأخذ من الفراعنة قوة الشكل وثباته، كما تأخذ من الفينيقيين لطف الشكل وجمالياته وترحالاته، فنرى من فترة السبعينيات بروز ملامح النحت في تشكيلك، لكن الحركة والأمواج وخصوصاً في الشعر والحرائر تجعلني أراك في الجانب الفينيقي السوري وكأنكك مسكون بتلك هذه الروح الفرعونية والسورية، كيف لي أن أفسر هذا الإصرار على استحضارها في لوحتك؟

جاء الرومان إلى سورية واحتلوها عسكرياً، لكن تدمر بقيت سوريّة ولم تصبح رومانية، وكذلك الفن فيها بقي سورياً ولم يصنعه الرومان، وهذا ما حصل في مصر، إلا أنهم ذابوا في الحضارة الفرعونية ولم يؤثروا في الحضارة القائمة ولم يحدث فن روماني ولا بجزء من الجوهر، صحيح أنهم كانوا أقوى عسكرياً، لكن ثقافتهم ليست أقوى من الثقافتين الفرعونية والسورية، ولذلك لم يكن لهم هذا التأثير على الفن، حتى أنني أعتقد أن ثقافتهم في جزء كبير منها أتت من عندنا، فأوروبا إبنة قدموس وخرجت من صيدا على ظهر بوزيدون، ومن هنا جاء اسم أوروبا القارة حسب الأسطورة.
في نقاشاتي مع بعض الفنانين نختلف على تحديد ما إذا كان هناك فن سوري، وأكثرهم يرجع بداية الفن في سورية إلى الرواد أو إلى الخمسينيات أو ما قبل ذلك بقليل، إلا أني أرى أن أمة تعود في عمرها لأكثر من عشرة آلاف عام من الحضارة يجعلها متجذرة فيناا إرثاً ذاكرياً جمعياً، هذا إضافة للكثير من الروليفات واللوحات الفسيفسائية وحتى النقوش والرسوم على الأواني التي تعود إلى الحضارة الفينيقية المكتشفة، ومن الطبيعي لمن لديه كل هذا، أن يكون لديه إرث فني بأي شكل من الأشكال، سواء كان بصرياً خيالياً أو بصرياً مادياً، وإن كانت الوسائل التعبيرية عبر اللوحة المحمولة جاءت متأخرة بعض الشيء، إلا أن هذا لا ينفي برأيي أن يكون لدينا فن سوري، وعلى الفنان أن يعود لجذوره ليعيد استخراجها بلغة بصرية تواكب الأشكال التعبيرية الحديثة، مع الحفاظ على خصوصية الهوية، ماذا يقول نبعة في هذا الشأن؟

خولة بنت الأزور
لنذير نبعة

لدينا فن سوري بالتأكيد، فنحن قدمنا للعالم حضارة عظيمة، نحن هنا نتكلم عن أجدادنا، أما إذا كنا نتحدث عن الحاضر فأمامنا الكثير من العمل لنقول أن هذا الإنتاج الفني عندما يصل إلى العالم يستطيع أن يراه العالم على أنه يحمل الطابع أو الهوية السورية، كما يقال مثلاً: هذا فن هندي أو صيني. لماذا يجب أن يقال هذه لوحة سورية؟ لأن فيها ملامح خاصة، أيّاً كانت اللوحة واقعية أو تعبيرية أو تجريدية، تميزها عن أية لوحة تنتمي لحضارة مختلفة، هذا لم نقدر أن نفعله بعد، بسبب الكثير من الظروف السياسية، وإن كنا بدأنا بذلك مرحلة الستينيات ثم توقفنا لذات الأسباب السياسية، نحن توقفنا عند جماليات الشعارات، الآن يجب أن نعود لنعي ذاك المشروع كي نستأنفه من جديد، هذا كان هم الفنانين من المشرق إلى المغرب..
..هل نملك برأيك مقومات فن سوري يحمل عناصر التشكيل البصري؟
بالتأكيد، لكن المناخ هو ما نحن بحاجة إليه، كما أن النبات بحاجة لمناخ وشروط لينمو، والفن بحاجة لمناخات من الحريات المختلفة لينمو، وهكذا الإبداع بكل صورة.
لون على لون، هل يساوي نور على نور صوفياً؟
أنت تقارن عملية فيزيائية أو كيميائية بعملية روحية، وإذا دخلت الكيمياء بالروحانيات كما فعل أجدادنا، فنعم..
..أشعر أن سؤالي وصلك، لكنك لم تجب، ما أقصده أن اللون في العصارة، يبقى لوناً حتى حتى تلامسه أصابع الريشة ثم سطح اللوحة، عندها يتحول إلى شعاع من ضوء..
كان لدينا في الأكاديميات التي درست بها مادة اسمها تكنولوجيا اللون، ولم تكن تلك المادة من أجل أن نخترع ألواناً بل من أجل أن نعرف خصائص اللون، كالألوان التي تتأكسد بمخالتطها لأنواع محددة من الألوان أو تلك التي تتآلف مع بعضها، فلون على لون هوو تآلف كيميائي لهذه الألوان والتآلف محبة، هناك مواد تتآلف مع مواد أخرى ما يصنع الجمال أو ما يسمى بهارموني لوني فرح أو حزين أو هارموني متناسب مع الجو الملحمي في اللوحة مثلاً..
..حسناً، لنقلب صيغة السؤال نور على نور، كيف يساوي صوفياً لوناً على لوناً؟
الله نور السموات والأرض، حتى اللون الأسود وإن كان لا يوجد لون أسود، فهناك أسود مضيء، كما كان يقول لي أستاذي عبد العزيز درويش، فكنت أسأله كيف هذا؟! وكان يقول لي عندما تكبر ستعرف! عندها كنت في السنة الأولى في القاهرة. وهنا أقصد النورر الذي يصدر من اللون نفسه وليس عن المصدر الخارجي كالشمس، وما تتركه من نور وظلال على الأشياء، أنا أتكلم عن النور الموجود بألوان الأحجار الكريمة، إذ هو نور داخلي وليس خارجياً، ولما تكون الإضاءة من الداخل تكون نوراً على نور، أما عندما تكون خارجية عندها يكون ظل وضوء! القمر لا يُصدر نوره بل ما يعكسه عن الشمس، ويزول بغيابها..
..هذه الرؤى «الجوانية» هل تنعكس بتجليات؟
بالتأكيد، أنا تعلمت من حركة الشمس على سطح الصخر النافر والغائر فيه، وكذلك من تأثيرات حركة الزمن عليه أو عوامل الطبيعة، هذه ألوان لا يمكن أن تخرجها من الأنبوبة فهي ليست مجرد ألوان جاهزة، هي هنا ألوان اشتركت بنسجها عوامل الطبيعة والزمنن وتراكمات التاريخ بما يحمل من حضارة وإشراقات نور الشمس. أنا رسمت توشيحاً على المادة التي هي عبارة عن لدائن سميكة ألفت سطح اللوحة، وما قمت به هو توشيح أو تلوين على هذه السطوح بشفافيات لونية لتصبح هذا النور على نور، بلون شفاف غير كتيم، أي نور اللون أو إضاءته، فأنا لم أستخدم الأحمر بل نور الأحمر، وكذلك الأصفر فانا أوشح بضوئه وليس بلونه، حاولت أن أتعلم من الشمس كيف تلون الطبيعة، ولا زلت أحاول وأتعلم.
تحرضنا سطوح الصخر في لوحاتك لنكشف ما تحت وفوق سطوحها، كيف يفعّل نبعة هذه الطاقات ليختلط المادي بالمعنوي إلى هذا الحد؟
الصخر الذي رسمته هو من الأماكن التي زرتها شرق وشمال سورية، إضافة للبتراء في الأردن، لأقل من سورية ما قبل سايكس بيكو، ما تعلمته من هذه الجبال كمخلوقات، أن الإنسان ليس المخلوق الوحيد على هذه الأرض، برأيي أن الإنسان آخر التطورات علىى الأرض، في إطار وحدة الوجود نجد أن كل هذا الكائنات على سطح هذه الأرض متآخية، وإذ تؤمن بهذا تصبح معاملتك لهذه الموجودات معاملة مختلفة، في الموروث الشعبي يقولون: إن النخلة هي أخت آدم، إذاً النخلة عمتي! الصخر كما فهمته من هذه المرجعية هو مني أو أنا جزء منه، فكيف أنظر إليه كجزء أقل مني!؟ إنه كما نراه في الملاحم الشعبية أقوام تحولوا بسبب لعنات إلى صخور!، ويقول أحد الشعراء: خفف الوطء إن هذا الثرى من عيون ساحرة الإحورار. تقول إحدى الأساطير الشعبية التي قصها علي أحد الفلاحين في جبال اللاذقية عندما أشار إلى صخور عالية في أحد الجبال، قائلاً: هل تشاهد هذا الملك في الأعلى! استغربت هذا الكلام إذ كنت مستغرقاً في ألوان وأنوار المكان، وسألته: أين؟ أشار إلى صخرة في أعلى الجرف، وقال: هذا وجهه، إنه يصرخ! ومكان التاج على رأسه، ثمة شجرة! نظرت وإذ بوجه فعلاً، فحكى لي قصة هذا الملك الذي خانه أصدقاؤه حتى تاه في البراري، وظل الناس يسمعون صوت بكائه كصوت الريح إلى أن تحجر كما تراه في الأعلى. ولقد كتبت هذا النص وختمت على أنه حادثة واقعية، لكني عندما نظرت إلى الوراء لم أشاهد هذا الفلاح الذي حكى لي هذه الحكاية، ولا أعرف أكان هذا الشخص حقيقة أم لا، أو أنه عندما وجدني مستغرقاً إلى هذا الحد تركني ورحل، واختفى داخل المشهد! عندما ترى ذاك المشهد فإنه يأخذك فيه.. حدثتك بهذا لتعرف كيف أرى الطبيعة وكيف أتفاعل معها، وإن كنت أطلت عليك فاعذرني. أنا لن أرسم هذا الفلاح وتلك الصخرة التي تشبه الملك، أنا أرسم روح الأشياء.
من خلال ما قلت يصبح الولوج إلى «المدن المحروقة» و«التجليات» من ذات التفاعل ما بين البصري والروحي، النفسي والمعرفي أمراً محسوماً، إذ نستطيع أكثر أن نعرف كيف يبلغ نبعة كنه التعبير، من خلال سطوح الصخر والنفاذ إلى حرقة الألم، إلا أنن الرؤية ليست كاملة لدي بعد، فثمة أبعاد أكثر جمالية في الصخر لم تحدثني عنها؟
كنا في عرنة (على حافة الجولان المحتل) في إحدى المرات مع بعض الأصدقاء وبالصدفة شاهدت وردة حمراء تخرج من صخرة، لم يكن في الصخرة تجاويف بل أقرب إلى أن تكون ملساء، وكيف تخرج هذا الوردة؟! سأسمعك إحدى رباعيات صلاح شاهين،، باللهجة المصرية كما هي مكتوبة: «يلي بتبحث عن إله تعبدو، بحث الغريق عن أي شي ينجدو، الله جميل الله حليم الله رحمن رحيم، احمل صفاتو وانت رح توجدو». هكذا أفهم أنا الأمور، عندما تصبح الوردة داخلية، هكذا يكون!! لو قالت هذه الوردة أن الظروف صعبة لما كانت خرجت من تلك الصخرة، خرجت وهي تعرف أن حياتها القصيرة ربما تنتهي دون أن يلاحظها أحد، إلا أنها خرجت لتعلن عن جمالها، ومن لم يلاحظ هذا يكون قد خسر..!
..أأفهم أنك تعلن شيئاً مشابهاً في لوحتك، وأنك تحرضنا لنرى هذا؟
نعم، لأنه عندما لا ُيرى هذا الشيء الذي أتقصد إيجاده في اللوحة، لا تكون مشكلتي، الوردة تلك في مكان من لوحتي، ومن لا يراها فهو المسؤول عن عدم رؤيته!
لو ربحت الجائزة الكبرى هل كنت ستترك الرسم لتتفرغ لشراء أعمال الفنانين الحقيقيين، كما أخبرت أحمد معلا. هنا سؤالان، هل تستطيع أن تتوقف عن الرسم؟ ومن هم الفنانون الحقيقيون؟
هذا يشبه النكتة، أنه عندما يكون لديك نقود تصبح كسولاً، إلا أن حبك للفن يبقى، فتشتري ما تحب من أعمال فنية. أما التوقف عن الرسم فلا، تلك مزحة لا أكثر، الفنان عندما يتوقف عن الرسم يموت! الفنان الحقيقي هو الإنسان الذي يعي طريقه بشكل صادق بماا يمنعه من التورط باستعراض قدراته كي لا يفقد حقيقية فنه! هناك الكثير من الرسامين تغريهم الصنعة فنراهم يلحون على استعراض قدراتهم، إنهم يشبهون لاعبي كمال الأجسام، أي أن كل شي مضبوط، لكنه ليس جميلاً! رغم أن الكثيرين يقولون أن هذا هو الشكل الجميل. وهذا رأيي، أحس أن هذا المثال يشبه حالة الشاعر الذي تهمه البحور أكثر من الشعر، أو الكاتب الذي تهمه قواعد اللغة أكثر من اللغة ذاتها، أهم شيء هو صدق الطريق والطريقة، فالفن يفضح، يفضح الكاذب إذ يظهر هذا جلياً في اللوحة، هكذا أفهم أنا الفنان الحقيقي، الصدق قبل كل شيء، قبل الصنعة المتينة، فالصنعة المتينة أو المهنية العالية هي مجرد أداة لتساعد الفنان على قول صدقه.
في قصيدتك بكاتالوج معرض «تجليات» الماضي قلت: «محال أن تعبر عن البربرية الحديثة بنفس الريشة التي رسمت جمال عشتروت، أصبح من الكذب أن ترسم شجرة أو طريقاً أو بيتاً»، أيكون عرض تجليات من هنا مصالحةً حقيقية مع الذات عبر التجريدد كطريقة تعبيرية توصل بها ما يحيطنا من قهر؟

لو رسمت حريق بغداد كمشهد واقعي (أبنية مدمرة ومحترقة) سيكون عاجزاً عن التعبير، والأفضل هنا الصورة الفوتوغرافية فهي أكثر وثائقية، أنا رسمت الحرقة الداخلية التي حصلت عندي وأنا أرى الحريق وأعجز عن إطفائه، تلك المرارة التي أحسستها في فمي وأنا أرى مئات القتلى في الشوارع دون أن أستطيع فعل شيء، أعتقد – لشدة وقع الحدث- أن الواقعي الكلاسيكي كما كنا نعبر من خلاله سابقاً، لم يعد يصور المشهد، ملحمية المشهد تحتاج أدوات تعبيرية أخرى أو أسلوباً آخر أو شكلاً مختلفاً من التعبير..
..هل نقول هنا أن التجريد (وفق تعريف القاموس العربي) هو الشكل الأرقى للتعبير؟
المسألة هي صراع بين فردية الفنان وبين علاقته بالآخرين، فهو باستمرار مشدود بين طرفي المعادلة، فهو يقترب من نفسه أكثر كلما اقترب وفي داخله اللاشعور الجمعي، وإلا يصبح الفنان فردياً وهكذا تجريده، فيميل عندها تعبيره أكثر إلى السطحية، كالتجريدد الأوروبي الذي نشاهده. ومن هنا أتقصد أن أترك بعض الإشارات (أشكال ذات ملامح معرفة) على سطوح لوحتي، ليستطيع الآخر تلمسها وبالتالي دخول اللوحة، التواصل مع الآخر حاجة لدي..
..لكن ماذا لو فرغت اللوحة لديك من الشكل، ومن الإشارات، وصارت لوحة لا شكلية أو لنقل لونية، فكأن لوحتك تتحرك في هذا الاتجاه،هل ستصل إلى هذا؟
هذا يعني أن ألغي الشكل في اللوحة، أو الغي اللوحة، وأدخل في فرديتي، هذا يعني أني اقتربت من اللوحة الموجودة في خيالي، وهكذا أصبح فردياً نهائياً، أي أن هذه اللوحة لا تعني ولا تحاور غيري..
.. وليكن هذا أين المشكلة!؟
المشكلة أنني أكون قطعت علاقتي مع الآخر، لم أعد أحاور الآخر وأكون قد اكتفيت بلوحتي لنفسي، وأنا على تواصل مع الآخر باستمرار، وهذا بالنسبة لي ضرورة..
..حتى لو ألغيت الشكل يبقى اللون، واللون هو مدخل للقراءة والتواصل مع الآخر؟
هذا يجعلني أقول لك: أنه كلما وسعت الرؤية تضيق العبارة، وتصبح هناك صعوبة أكبر بالتواصل. أنا معك بخصوص اللون لكن هذا بحاجة إلى إنسان آخر أيضاً وليس إلى إنسان يتعرض إلى هذا الكم من التلوث البصري والسمعي والفكري في كل مكان. هذاا إنسان لا يمكن أن تطلب منه أن يرى روحانية اللون قبل أن تملأ معدته، وتهيئ له فكراً نظيفاً، وربما هذا ما شدني إلى السياسة في بداية حياتي..

.. يفاجئني هذا الإصرار على التواصل مع المتلقي حتى عندما تصل إلى ضفاف التجريد، ألا يغويك الدخول إلى هذا الأكثر!؟
أنا أحاول أن أجد على الدوام طريقاً إلى المتلقي، ولذلك قلت لك في بداية الحديث أنا لا أصنع لوحة تجريدية، وليس معنى هذا أني أنفي تهمة، فالتجريد ليس تهمة، ولكني أرسم مشهداً تأملياً.

من دمشقيات
نذير نبعة

يمكن إطلاق صفة الأنثوية على موضوع لوحاتك إذا استثنينا اللوحات ذات الطروحات الأكاديمية وخصوصاً من مرحلة التخرج، فهل سبق وانتبهت إلى هذا الانحياز الكبير واللافت إلى هذه الأنثوية، أم أنك تتقصد منحنا هذا الكثير من أنثويات الجمال؟

وجدت نفسي أرسم المرأة، وبعد ذلك أحاول أن أفهم ماذا أفعل، لنعيد الأمر إلى بداية العلاقة مابين المذكر والمؤنث كقطبين متقابلين يسعى كلاهما إلى الحركة باتجاه الآخر، فلحركة المذكر هذه معنى الشوق أو الحب! وهذا الشوق هو الشوق للجزء الآخر عند الفنان. أول ما تقع عليه عينا الطفل أمه كأول أنثى، وهذا يترسب باللاشعور قبل الوعي، هناك المرأة التي أحببتها، زوجتي إذ يتلألأ وجهها في الكثير من اللوحات. ولأقل على سبيل النكتة: غضبي من وعلى الرجال الذين ضيعوا بلادهم ولم يكونوا أبناء صالحين. الرجل الوحيد الذي رسمته هو الشهيد والفدائي وهذا العامل. فالمرأة تتجاوز أبعادها المادية في لوحتي، لتتحول إلى رمز كأم وكحبيبة ومدينة ووطن (سورية ياحبيبتي..).
بغياب الرجل عن اللوحة هل يمكننا اعتبار رموزٍ مثل السكين، المفتاح، والهدهد، رموزاً ذكورية؟

الطائر في شعرنا وفي الزجل يمثل صورة الرجل، فبسبب حياء الأنثى والعادات يٌرمز لهذا الحبيب بطائر الحمام أو بالغزال. والسكين أيضاً هي من أدوات الرجل وهي ترمز إليه، وكذلك المفتاح رمز البيت والرجل، ويمكن أن تحمل الرموز هذه أبعادها النفسية والجنسية أيضاً، وأنا أتقصد وضعها لأثير وأحرك العين في أرجاء اللوحة وخصوصاً عندما أضع هذه المجوهرات على الجسد، أتقصد أن أخلق هذا التضاد الحسي اللمسي.

الكل يشهد لك بالأستاذية، ورغم هذا لم نسمع أنك مارست هذا الدور! ألم يكن همّ الحراك التشكيلي السوري يشغلك؟ أم أن دورك اتخذ طابعاً آخر؟
لو مارسته ما شهدوا لي! أساساً لا أستطيع أن أعطي إلا لصديقي، فالطالب أصادقه أولاً ثم أعطيه، وبذا تلغى كلمة أستاذ ونصبح أصدقاء، فلا يكون هناك حاجز أمام عطائي! عندما استلم دفعات جديدة من الطلاب، أحدد ثلاثة أشهر حتى يمتنعوا عن مناداتي بدكتورر أو أستاذ وينادوني باسمي وهذا ما يضايق زوجتي أحياناً، أنا لا يزعجني هذا بالعكس أشعر أن الطالب يقترب مني أكثر وهذا يجعله يتخطى خجله ليسأل في حال بقي شيءٌ غير واضح بالنسبة إليه، هذا أساس العلاقة بيني وبين الطلاب، وهناك طلاب لم أدرسهم يقولون أستاذنا نذير نبعة، أنا افتخر بهذا كوني استطعت أن أنقل ما تعلمته عن أساتذتي في القاهرة (عبد العزيز درويش، عبد الهادي الجزار، حامد ندا، وعلى رأسهم حسين بيكار)، هؤلاء لم يكونوا مجرد أساتذتي بل كانوا أصدقائي. قمت بالكثير من الأدوار بمرحلة الشباب، إلا أنني بعد ذلك اتجهت إلى هم البحث عن الذات في اللوحة نفسها ومحاولة إيجاد فن عربي شاركني فيه العديد من الفنانين العرب، وهو الذي لم نستطع تحقيقه، فالحروب لم تتوقف أبداً في منطقتنا وهذا يعرقل هذا الحراك، هذا الجو يمنع الحركة السلسة لإيجاد هوية فنية للوحة في سورية والمنطقة العربية، وحتى المتطلبات الأخرى لم تكن متاحة، لم يشتغل أحد على التراكمات التي بها وعليها تبنى انتصارات صغيرة تساعد على الاستمرار، قدمنا أشياء جيدة ولكن لم يأتي أحد ليبني عليها، وهكذا تتلاشى الأشياء. مثلاً: في الرسم الصحفي في الموقف الأدبي حققنا حضور اسم الرسام ضمن هيئة التحرير لأول مرة في سورية، وبعد أن تركت الموقف الأدبي، جاء بعدي من لم يهتم بهذا التقليد فعدنا إلى الصفر! الظروف نفسها لم تخلق تراكماً يعتد به، وظروف الحياة القاسية تفرض تنازلات على الأشخاص ما يمنع من حدوث هذا التراكم ليشكل تقليداً ُيبنى عليه فتمحى هذه الانتصارات الصغيرة ولا نصل إلى نتيجة. مثال آخر، قمنا بعمل مجلة أسامة وهي مجلة أطفال، وكانت بفترة من الفترات تعتبر أول مجلة عربية من ناحية المضمون والشكل، ولم تستمر بهذه السوية! وهناك أمثلة أخرى إضافة لهذا.

هنا يحضرني مجموعة العشرة الذين كنت من بينهم والتي تشكلت عام 1970 كرد على تردي عمل إدارة الفنون آنذاك، ألا تعتقد أننا بحاجة لمثل هذه المجموعة اليوم، لا سيما وأن مزيداً من هذا التردي أصبح يستدعي ذلك؟

التأمت هذه المجموعة من مشارب واتجاهات مختلفة لكن ما كان يجمعهم هو جديتهم بالتعاطي مع القضايا الفنية، لكن يبدو أن العمل الجماعي كممارسة أمر لم نتقنه بعد، الصلة بالآخر حتى لو كان زميلاً لا تكون ثمينة، يبدو أن الشخصية الفردية غالبة حتى اليوم، أي أن كل شخص يعمل بمفرده، وهذا برأيي على مستوى الوطن والأمة! لأنه حتى اليوم لم نستطع أن نشكل وحدة! كنا نحلم أن يكون لنا تجمع ُيصلح حال الحركة الفنية في سورية، رداً على المساواة بين الصالح والطالح من قبل المؤسسة الفنية آنذاك، فأي شخص يمتلك صوتاً عالياً وبإمكانه أن يقول أنا فنان عشر مرات كان يصير فناناً! حاولنا أن ُنحدث حالة تعتمد التقييم الجدي والشجاع والانتقاء السليم للفنانين وللأعمال الفنية، للمعارض والمشاركات، وحتى على مستوى عدالة توزيع الجوائز، لكننا لم ننجح!..
..نحن حالياً بأمس الحاجة لمثل هكذا مجموعة، هل يمكن تحقيق ذلك؟
لا، لا يمكن، هذا رأيي في القريب المنظور، لكننا بحاجة إلى العمل الجماعي ليس في الفن بل في كل الأشياء، فالعمل الفردي بطيء الحركة وقليل المردود، ولا يحدث تراكماً، لدينا فنانون ولكن ليس لدينا حركة فنية، فكل المؤسسات الفنية الخاصة والعامة ليس لديهاا برنامج، فإذا كانت مؤسسة ثقافية ليس لديها برنامج ثقافي، كيف ستسهم بإحداث هذا التراكم والبناء؟! سابقاً لم أكن أجيب على مثل هذا النوع من الأسئلة، إلا أني أجيبك الآن!
مشروع تخرجك في مصر كان عن عمال المقالع الحجرية، في باريس قدمت نباتات، كيف لي أن افهم هذا الاختلاف؟
لا، الفرق يعود لفارق السن بين المرحلتين، والاهتمامات بين الشباب وما بعد ذلك.
يختلط على البعض إن كان الموضوع هو الذي يفرض الشكل في اللوحة، أو أن الشكل هو الذي يستجر الموضوع، إلا أن رأياً آخر يقول: الشكل أو الموضوع حجة الرسم وحسب، كيف يفض الفنان نذير نبعة هذا الإشكال؟
إذا كان الفنان لا يهمه الموضوع، عندها يكون الشكل بالنسبة إليه هو الأهم. هذا فكر. هذا يدخل ضمن إشكاليات وتنظيرات الفن، كمقولة الفن للفن أو الفن للمجتمع، أنا أعتقد أنه عندما تتعمق في المسألة، يتماهى الاثنان مع بعضهما، ويصبحان شيئاً واحداً، لا يمكنن للوحة تخلو من الفكر أن تكون قابله للحياة! إذ تكون سطحية، أي شيئاً جميلاً إذا أخذته كجزء ووضعته في المكان المناسب، الجمال السطحي يصبح شيئاً لا فناً ولا يشكل ثقافة وعلاقة بالآخرين. تماهي الشكل والمضمون يجعله فناً إنسانياً، فيتجاوز حدود المكان والزمان. مثلاً، فن أنتج في عصر النهضة أو ما قبل الميلاد لا نزال نتذوقه ونحسه لأن فيه إنساناً، أي أن الموضوع إنساني، أما الموضوع عندما يؤخذ من ناحية سطحية كالحصاد، الساحل، الجبل، ومن منظار سياحي يكون عندها حجة للتلوين.
اللوحة عبارة عن رسالة بصرية هذا في المستوى الأول، لكنها تتعدى هذا لتحمل رسائل أخرى، في لوحتك ما هي هذه الرسائل؟
علاقتي بالإنسان هي هذه الرسائل، هنا لنرجع للثوار الكبار الذين نظروا للفن وهم ليسوا بالضرورة فنانين (مثل ماوتسي تونغ)، يجب أن يكون الفن الثوري فناً أولاً بعد ذلك يكون فناً ثورياً، وأكبر دليل على ذلك ما حصل في الاتحاد السوفييتي بعهد لينين، حيثث كان كاندنسكي هو فنان الثورة، وهو الذي أسس لقيام الأكاديميات والمتاحف، لكن بعهد ستالين تدنت درجة بعض الفنانين من فنان الشعب إلى مشتغلين بالرسوم التوضيحية. بعد ذلك ظهر فن اسمه الواقعية الاشتراكية، لكن لاهي اشتراكية ولاهي فن. ماياكوفسكي شاعر الثورة البلشفية انتحر عندما استشعر هذا التردي القادم.
تميل إلى تسمية لوحاتك، في اعتقادك ألا يؤثر هذا على شكل التلقي، أم أن التسمية تأتي لتكون ضمن هذه الرسائل إلى الآخر؟
أنا أعتبر التسمية مثل المفتاح تعطيه للآخر ليدخل إلى اللوحة، ومع التقدم في العمر تصبح التسمية أكثر تجريداً، فالعامل الذي يحمل تلك الصخرة أسميته سيزيف، هنا يوجد ترميز لإضافة بعد فلسفي للموضوع الإنساني، هذا المفتاح هو نوع من الرحمة وعدمم التعالي على المتلقي من الفنان، وهذا مطلوب من الفنان. هناك من يسمي اللوحة ليزيد إرباك الآخر، أنت كفنان تدعو الآخر للوحتك، هذا يعني أنك مضيف
وعليك أن تقوم بواجب الضيافة هذا، وليس لتقول له أنا أفضل منك، وممنوع أن تغلط.
ترسم الورد الجوري وهذا له خصوصية، كما ترسم التوليب وأشكالاً أخرى من النباتات، فهل يكون الورد حجة للرسم (وهنا أعتذر منك لقولي حجة)، فانا أجد فارقاً كبيراً بين الجوري والتوليب، أتتقصد توظيفات بعينها؟

من الدمشقيات
لنذير نبعة

أغلب العناصر التي أرسمها في لوحاتي لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً الورد الجوري كان عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وكان كل هذا السور من الورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، وكان الطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له! من هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقاتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق. مجموع هذا هو الوردة، أنا لم ارسم التوليب بل الزنبق، وأنا شخصياً لم أسميها توليب، بل وجدتهم في أحد المعارض الرسمية لوزارة الثقافة وقد أطلقوا على هذه اللوحة اسم التوليب! أنا تعنيني ورودي، فالوردة الجورية تختلف عن كل ورود العالم، إذ لها مركزان بينما للجوري الآخر مركز واحد، بمعنى قطبين وكأنها ذكر وأنثى.
ملامح الوجوه الأنثوية في لوحاتك لها أكثر من خصوصية، إلا أنها تكون حاملة لذات التراثية الشرقية أو الدمشقية، كيف نفهم هذا الاختلاف في الملامح والاتفاق ببقية العناصر؟
الوجه الذي أرسمه هو الوجه الذي أحبه وأحب تفاصيله، الوجنات البارزة، الملامح التي تخرج جماليات تنضح بالرحمة الموجودة بالوجه، وليس تلك الجماليات المادية أو المعيارية المتفق عليها، أنا لا أفكر عندما أرسم في أن تكون الملامح شرقية أو غربية، أناا أتقصد الملامح الموحية والملهمة والمؤثرة للوجوه في لوحتي، وتجد بين هذه الوجوه ابنتي أو زوجتي، حتى أنك قد تجد ملامح ممثلة فرنسية غير مشهورة، زارت سورية سابقاً، بشكل عام ثمة وجوه تبقى في ذاكرتك كشكل مجرد أو كشكل وعلاقة شخصية، ليس مهماً إلى ماذا تقود الملامح، أنا يهمني جمال الرحمة وذاك الجمال الروحي، فجمال عارضات الأزياء والممثلات لا يعنيني.
في لوحتك لم تكن أسير الأيديولوجيا السياسية، فلقد كان ولاؤك للإنسان والجمال والتراث، متى انتبهت أن البقاء للفن وليس للأيدولوجيات المتغيرة؟
كنت منتبهاً لهذا منذ البداية، فالفكر الذي انتميت له كان مع الإنسان وانتميت له لهذا، لذلك لم أكن أسيره كنظريات، فأنا أنتمي إلى أي فكر فيه هذه الصفات، حتى لو كان في الجانب الآخر، أنا أحب الفلسفة البوذية وكذلك تجربة طاغور وغاندي، غيفارا من هؤلاء،، أنطون سعادة كان يمتلك في فكره السياسي تلك الرومانسية غير الموجودة عند الآخرين، فالثورة بالنسبة إليه كانت حلماً، وهكذا بالنسبة لبقية الثوار الذين أحبهم، لم تكن زعامة، كانت حلماً لتغيير واقع الإنسان ولصنع شيء أجمل. مثلاً أنا أعرّف أصدقائي على ناديا خوست بأنها المناضلة التي تحب الوردة، المناضل إذ يحب الوردة ليس برجوازياً، معنى هذا أنه يحب الجمال. هكذا أفهم المسائل، ليس بشكل مذهبي أو غير ذلك، أنا أنتمي للإنسان، أي فكر يحمل هذا الإنسان فأنا منحاز إليه.
الخط العربي بمعنى الكتابة يأخذ في لوحتك أكثر من شكل، فهو واضح أحياناً وذا معنى محدد، وغير ذلك أحياناً، فهل المقصود تأكيد المرجعية العربية للوحتك وليس الشرقية وحسب؟
جاءت في إحدى لوحاتي عبارة الشام شامة على الدنيا، وهنا جاءت العبارة واضحة لأني أتقصد هذا، لكن الكثير من الأشياء في خلفية اللوحة تقبع وراء الشكل الأساسي لتؤدي أدواراً جمالية وتشكيلية، وليس بالضرورة أن يكون الخط واضحاً إذ يغدو عندها ضمنن المفردات التشكيلية.

أرى أنك تنحاز إلى التصوير في اللوحة بينما كنت في مراحلك السابقة لا تفعل هذا إذ كان الرسم أكثر بروزاً إلى جانب التصوير ، كيف تفسر هذا؟
بالنسبة لي، فإن الرسم أو التصوير أو باقي المفردات التقنية هي عبارة عن أدوات لأداء الفكرة أكانت بصرية أو فكرية فلسفية. وتحتاج أحياناً في الأداء كما في الموسيقى إلى ميلودي، أي شيء فردي، كما الخط في اللوحة، وأحياناً تحتاج إلى السرد في اللغة الأدبيةة أي تفصيل إلى جانب تفصيل في اللوحة، حركة أو سرعة هذا السرد تؤدي فكرة ما بصرياً أو فكرياً، كما السجادة، فهي عبارة عن تجاورات شكلية ولونية متوالدة من بعضها لتؤدي شكل المشهد النهائي، أي أن بؤرة العمل الفني متحركة وموزعة على كامل المشهد. عندما ترسم وجهاً يغدو هو ذاته البؤرة البصرية، وأحياناً يفرض الموضوع نوع الأداء، أحياناً تقول كلاماً بصرياً بحتاً في اللوحة، يكون لأدائه الخاص من اللمسة أو اللون (أي الأداء التصويري) أهمية أكبر من الخط، كل هذا يسمى نوعاً من التجول بين الخط والتصوير، وملمس اللوحة من الخشن أو الناعم وآليات اللون البارد والحار. في «تجليات» لا يوجد رسم بمعنى الخط، لكنه موجود في أعمال أخرى..
..إذاً أنت تتفق مع من يقولون أن الخط هو شرف الفنان، في إصرار على تواجده في اللوحة، رغم أنه غير متواجد في الطبيعة، وليس الإصرار عليه إلا ترسبات كلاسيكية؟

لا، ليس هكذا، فالعملية الفنية كلها شرف للفنان، هناك من يعتبر أن الخط أهم من اللون، وهناك من يعتبر أن اللون هو التصوير، إنه صراع بين المذاهب الفنية، وهذا فعل إنساني، يغني العملية الإبداعية.
في قصيدتك من كاتالوج تجليات تعامل الألوان ككائنات تتنفس، برأيك هل هي كذلك فعلاً؟ وهل لنذير لونه الخاص كانعكاس نفساني؟
علمنا المتصوفة أن الحروف مخلوقات تتنفس، ولها حياتها، هذا من قراءاتي، وبالتالي أنا انظر لكل الموجودات كمخلوقات بما فيها الألوان، لأنه إذا لم يكن اللون كائناً يتنفس، فإنه لا يؤدي دوره، بل يبقى كما هو داخل الأنبوب، إذا لم يكن الأحمر على سطح اللوحةة مخلوقاً ليقول الفرح، الثورة، الحرارة، يبقى مجرد مادة ميتة، ولا يحرك على السطح شيئاً. من هنا فالألوان مخلوقات لها حياتها على سطح اللوحة تتآلف وتتنافر وتصنع مشهداً بصرياً مليئاً بالموسيقى والحركة. وإلا لا يكون هناك لوحة وتبقى صامتة، فالألوان لها علاقتها بالحالة النفسية والمزاجية، وأنت عندما تريد رسم الفرح لا ترسمه بالأسود! المسألة انعكاس للحالة النفسية..
..إذاً فأنت تؤمن بدلالات اللون النفسية والتراثية، وتعتبر أن كل لون يأخذ شكلاً من التعبير؟
بالتأكيد، وإلا ما معنى ما يحدثه اللون من أشياء محددة فينا! أخضر (فيرونيز) وهو اسم فنان من عصر النهضة كان يميزه هذا اللون من الأخضر وعرف به. أو أزرق نيلي أي تابع للنيل أي مصري وموجود بلوحات الفراعنة ويختلف عن أي أزرق آخر، وكانن المصريون القدماء يدهنون وجوههم به عندما يموت لديهم عزيز.
مع أنك أحببت مصر ودرست فيها إلى جانب عدد من الفنانين السوريين إلا أن الفن المصري لم يغويك كثيراً؟
أنا أعتبر أن كل فنون المنطقة هي ينابيع استقيت منها، لكن تكويني الفكري الناضج تشكل أثناء دراستي في مصر، إلا أني أحمل فكراً وطنياً وإنسانياً، أي أن انتمائي الفكري كان إنسانياً بالدرجة الأولى، وأنا أؤمن أن الإنسان إذا لم يحب نفسه لا يمكنه أن يحبب غيره! أي إذا لم أكن سورياً، لا يمكن أن أكون عربياً، وإذا لم أكن عربياً لا يمكن أن أكون عالمياً، حتى الآن أنا غير مهتم للعرض في الخارج، لأني مؤمن أنني إذا لم أحقق هذه التراكمات هنا، لا أكون بالنسبة للآخرين مقبولاً! عندما كنت صغيراً جف حليب أمي فشربت حليب أم أخرى، وهذا شيء شخصي جداً، ربما جعلني هذا أحب القاهرة، أمي الثانية بعد دمشق.

عشتار تزور سد الفرات

ما أبرز المواضيع السورية التي شغلتها لوحاتك، وهل في جعبة لوحتك مواضيع لم تتناولها بعد؟
كل المواضيع التي تناولتها في لوحاتي مواضيع سوريّة، وفي المستقبل سأتناول مواضيع سورية، أنا لا تعنيني إلا المواضيع السورية، الموضوع الفلسطيني أليس سورياً؟ الموضوع الإنساني أليس سورياً؟ بمعنى أني أتناول مجموع مواضيعي من خلال الإنسانن السوري، وأعبر عن هذا بلغتي السورية، ولهذا ربما أحسست أنت أني لم أتأثر بالفن الفرعوني، مع أني متأثر بالفن الفرعوني، أنا متأثر بالفرعوني والآشوري العراقي والمنجزات الفنية العالمية، ولكني أعبر عنها بلغتي السورية، أنا أتعلم من مجموع هذا، ولست مقلداً له.
عندما زرت جبال اللاذقية برفقة أحد الفنانين وكنت في نقطة ما بين السماء والبحر، من تلك النقطة البرزخية، كيف تواردتك سورية؟
التماهي مع الطبيعة والإحساس بأن هذا المكان موحي وجميل وعبقري هو التعبير عن سؤالك، وهو دليل على إحساسي بأن له هذا الشيء الخاص، كثير من الناس يقولون لي بأن هناك صخوراً في المنطقة الفلانية أجمل من صخور هذه الجبال، المسألة ليست مباراةة أيها أجمل، المكان هنا أكثر إيحاءً، وقد تماهيت فيه وأحس بأني خرجت من نفسي لأشاهد نفسي وأنا أشاهد المنظر، شيء أقرب إلى الجنون منه إلى الخيال! رهبة الجمال البصري أمامي تجعلني أتجاوز نفسي لأتماهى مع المكان، لأني أعرف أن هذه أرضي وهذا عالمي..
..من تلك الإطلالة تشاهد البحر إلا أني لم أجد أمواجه في لوحاتك؟ فهل استعضت عنه بأمواج من الحرائر؟
لقد رسمت البحر كموضوع، وإن كنت لم أرسمه كثيراً، باعتباري ابن دمشق والسهول فأنا منشد إلى الأرض أكثر، لكن للبحر معانٍ أخرى، فهو كائن جميل، كائن الانطلاق للآخر، فالموجة عندما تنطلق تأخذ شيئاً وعندما تعود تعود بشيء! تلك الحركة الموجودةة في الموج تشبه حركة الفرشاة على سطح اللوحة، هو موجود هنا بهذا الإيقاع وبتلك الرائحة والصوت.
إن كنتم بلا خطيئة فلترموها بحجر، أنت رميتها بقلادة، وهنا اقصد لوحة مريم المجدلية، فأي قلادة هذه؟
لو دققت في القلادة لوجدتها عبارة عن ثلاث رصاصات وهو شعار من شعارات الثورة الفلسطينية ثورة حتى النصر، أنا ألفت قلادة وعلقتها على صدر مريم المجدلية لأقول أن المجدلية ظلمت كما المسيح، وهكذا فلسطين! مريم المجدلية قديسة دافع عنها المسيحح دفاعه عن الإنسان بأخطائه وجماله، أنا أدافع عن القضية الفلسطينية هكذا.
الحزن الممزوج بالموسيقى وآفاق من الجمال في لوحة «الشهيد»، ذاك الذي يسقط من يده السيف وتبقى الوردة الحمراء، هذا المشهد الغرائبي يتخذ بعداً من القداسة، هذا الشهيد الجميل من؟
علاقة المقدس بالشهيد تعطينا فكرة أن هذا الشهيد لا يزال حياً معنا، هذا الشهيد الذي دافع عن الأمة. عندما تريد أن تحول هذه الأدبيات إلى شيء بصري ورمزي ستبحث عن الأسلوب المناسب لتعبر عن هذه الفكرة، فاخترت اللون الأزرق الحزين الممزوجج بالأسود المسيطر على اللوحة، والذي فيه لمسات لونية من الورد الأحمر في أرجاء اللوحة وهالة من ألوان مضيئة خلف الشهيد لتؤدي دوراً رمزياً بصرياً، يتفاعل مع اللون البارد الأزرق عبر تلك الومضات الموجودة باللون الأحمر، حركة السيف والوردة هي أدبيات تساعد المتلقي على امتلاك المفاتيح لولوج اللوحة، بحيث يمكن للمتلقي العادي أو المثقف على حد سواء، التواصل معها.
لازال لدي الكثير من الأسئلة لكني أختم الآن بسؤال خاص، نعرف أن لكل شخص من اسمه نصيب، فأنا يثير فضولي اسمك وكنيتك، نذير ونبعة، فهل تلح على أن تكون نبعة من التشكيل السوري؟
أتمنى أن أكون هذه النبعة وأن أحمل معنى اسمي، هناك ذو النون المصري، وأنا ذو النونين السوري والمصري، فالنونان هنا تشكلان بداية اسمي وكنيتي، ولدت في 5 حزيران 1938، ثم صادف هذا التاريخ 5 حزيران يوم النكسة، و1938 هي السنة التي تم فيهاا سلخ لواء الاسكندرون عن سورية، أنا اسمي نذير وليس بشير!

عمار حسن
اكتشف سورية

المصدر: discover-syria.com/news/3680

ولد الفنان نذير نبعة في دمشق عام 1938 درس الفن ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1959 – 1964 ثم في باريس بالاكاديمية العليا للفنون الجميلة للفنون في فرنسا 1971 – 1974 م وبدأ بأقامة معارض فنية منذ نهاية الخمسينات من القرن العشرين في سوريا والدول العربية وفي العديد من دول العالم .
يعد نذير نبعة واحداً من الفنانين الذين أسسوا للحركة التشكيلية الفنية الحديثة في سورية، ساهم في الحركة السورية والعربية منذ 1952 وحتى الآن وقد حصل على جوائز كثيرة ، وله تجارب ومشاركات في مجال الرسم الصحفي ورسوم كتب الأطفال والكتابة فيي مجال الفنون التشكيلية،
عمل نذير نبعة مدرسا للرسم في مدينة دير الزور في شمال شرق سورية صارت لوحاته قريبة لحضارة ما بين النهرين فوجد نفسه يستفيد من جغرافية المكان وحضارته ومن القراءات المتعددة التي تطور الفكر وأسلوب المعالجة التي جعلت من أعماله فرصةة لترجمة مشاعره التي تعد جزءاً أيضاً من مشاعر وهموم المجموع العام. ومن وحي تلك الأساطير استطاع نبعة أن يوصل للمتلقي حالة من النشوة الروحية الصوفية التي ظهرت في العديد من شخوصه ولاسيما أن الأنثى في لوحاته هي أقرب إلى عشتار لكنها إنسانية ومشذبة بعيدا عن جبروت الآلهة التي ظهرت به في الأساطير والميثولوجيا القديمة وهذا ما جعلها أقرب إلى المرأة السورية المتطبعة بصفات مجتمعها والحالمة أيضاً بحكايا ألف ليلة وليلة، لكن هي في الوقت ذاته تشبه إلى حد كبير زوجته المصرية الفنانة التشكيلية شلبية ابراهيم .
كان لمدينة دمشق القديمة حضورا واسعا في لوحاته وقد عمل لمرحلة معينة على موضوع دمشق وقد سمى تلك المرحلة بالشاميات ودمشق في لوحاته لاتأخذ بناصية الوصف التسجيلي السياحي، وإنما ترسم لها حدوداً تعبيرية، ومواصفات شكلية منسوجة فيي حضرة مخيلة، ورغبة في نبش ركام المُتخيل، القائم على حيز الرسم الأسطوري والمسحة التعبيرية الفاقعة لحياة الناس المُتخيلة داخل البيوت الدمشقية الحافلة بالقصص والحكايات، التي تُذكرنا بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع. تخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. في كل لوحة من لوحاته حكاية سردية متكاملة المواصفات، شكلاً ومضموناً وغاية جمالية، تستقوي بخبرات الفنان التقنية، ومقدرته الفائقة على رسم وتلوين مكوناته، ورصف عناصره المتناثرة داخل بنيتها الشكلية. تأخذ بناصية الاتجاهات الواقعية التعبيرية كمجال حيوي في تأليف مقاماته البصرية، متكئة على بنية أكاديمية مؤتلفة من نسيج ذاته الباحثة والمُجربة، والمتمكنة من احتواء السطوح والخامات والتقنيات اللونية المتعددة التي يجمعها في دربة شكلية ملحوظة جامعة لمتآلفات المشهد البصري المقصود.
دمشق التي يرسمها الفنان نبعة ليست معنية بالكسوة الشكلية الخارجية والنمطية السطحيةللبيوت والأوابد التاريخية المتبعة في رسوم وتصوير الآخرين، إنما هي رسوم ولوحات معنية بخفايا البيوت المغلقة على مفاتن الأسرار، وجماليات متسعة على الحكايةة وروحية الأسطورة السورية، التي ابتكر الفنان شخوصها وبيئتها الشكلية الحاضنة. بيئة شكلية متيمة بالأنثى، والنسوة الجميلات في لحظة تصوير وتجلٍّ فكري وجمالي. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، الذي يرمز الى الحضارة والفكر التنويري ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفية الموقف المنشود. والموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف التي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والمجوهرات والأشياء المادية الثمينة، والصناديق الخشبية المطعمة بالصدف والفضة الغنية بالزخارف والزركشات والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.
هكذا باتت رمزية دمشق في متواليته اللونية ملاذاً لهواجسه وحدسه، وربما رداً صريحاً على تيارات تشكيلية، لم يجد نفسه في نسيجها. في هذه الأعمال، يتجاور الجمال الشرقي الآسر لنسائه المسربلات بالحزن والفتنة، مع عناصر زخرفية، تؤكد على هوية محليةة في تأصيل تجربته وبصمته الشخصية المغايرة .
وكذلك فإن البعد التزييني في حضوره الشاعري، لم يطغَ وحده على الوحدات السردية في طبقات اللوحة وتوليفاتها الواقعية والأسطورية. هناك إذاً مسافة واضحة بين ما أنجزه نبعة بدأب ودراية وصمت والبعد الإعلاني والإعلامي لتجارب سواه. المرحلة التيي أطلق عليها «دمشقيات» واستمرت طويلاً نسبياً، مقارنةً بمراحل أخرى، وكانت نواة تجربته اللاحقة، سيفتح الباب على مصراعيه للحلم الشرقي بألوانه المبهجة وفتنته الطاغية، مفصحاً عن قيم الجمال الدمشقي، وذلك بتطويع العلاقة بين ما هو واقعي وأسطوري واستنفار جماليات الموروث الشرقي الشعبي في منمنمات مرسومة بدقة.
نترككم مع لوحات فناننا العبقري المتجدد الفنان نذير نبعة الذي اكتفيت بعرض جزء يسير من لوحاته فقط التي تحكي مدينة دمشق

الفنان التشكيلي السوري نذير نبعة من مواليد مدينة دمشق عام ،1938 تخرج في قسم التصوير من كلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة عام ،1965 أتم دراساته العليا في المدرسة الوطنية العليا للفنون بالعاصمة الفرنسية باريس عام 1972. مارس مهنة تدريس الفنون في مدارس مدينة دير الزور ودمشق، ومواد التصوير في كلية الفنون الجميلة وطلاب الدراسات العليا. وعمل رسام موتيف ومصمم غرافيك للرسوم الداخلية للعديد من الصحف والملصقات في بيروت ودمشق. وهو قامة تشكيلية سورية متطاولة في ميادين الحركة التشكيلية المحلية والعربية العالمية، وواحد من روّاد الحداثة التعبيرية السورية المميزين، ومشرف على عشرات مشاريع التخرج لطلاب كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق. أقام مجموعة من المعارض الفردية والجماعية والمجموعات، وحصل على مجموعة شهادات التقدير والتميُّز والجوائز.

لوحاته التصويرية خارجة من جلابيب ذاكرة الأمكنة السورية البصرية، متدثرة ومتناغمة مع جميع تجلياته اليومية المعيشة والأسطورية المُتخيلة بتقاسيمها التشكيلية التي تفيض حيوية وحركة، وجماليات معانٍ وقيم تشكيلية مدروسة ومتوازنة ورصينة. يسبح في متنها الوصفي في فضاء العزف التقني المتنوع السمات والخصائص والمواد والأدوات، يدندن بخطوطه ومساحاته الملونة العاكسة لشخوصه وأوابد مكانه السوري أنشودة المواطنة السورية في أبهى مظاهرها الوصفية. يستعير مكوناته من معينها خلسة وينثرها صريحة الأشكال والمكونات فوق سطوح خاماته المستعملة. يجوب فيها ومعها برحاب التيارات الواقعية التعبيرية، والتعبيرية التأثيرية الرمزية والتعبيرية التجريدية مجتمعة أو متفرقة، والمتناسقة مع خيارات مواضيعه المطروحة في هذه اللوحة أو ذلك العمل الفني.

النسوة حاضرات بقوة في جميع طقوسه الشكلية، يتصدرن المشاهد البصرية، ويلعبن أدوارهن الطبيعية في استكمال دورة الحياة السورية بما يمثلن من رمزية المكان السوري وأصالته، والمحاكية لحديث الأرض وذاكرة الإنسان في تجليات الأمل والعمل المثمر والمفيد والمزين بالعلم والمعرفة ومواكبة دورات الحياة الحرة والعيش الكريم من خلال إشارات نصيّة تشكيلية رمزية. وهي تارة محمولة بحديث النسوة وخلواتهن في ناصية قصة هنا وحكاية هناك، تدخل معترك الواقع المعيش بالمتخيل الرمزي والأسطوري في حسبة تقنية فائقة الجودة والرصف المتوازن والمتكامل لعناصر الموضوع ومفرداته التشكيلية في فضاء كل لوحة من لوحاته.

دمشق القديمة في بيوتها الملتحفة بالأسرار والحكايات والتي تُعيد الشيخ إلى صباه، هي مجاله الحيوي في نسج معالم صوره المرسومة والملونة بأناقة تعبيرية وباقتدار فني وتقني وجمالي، من فنان امتلك جميع مقومات الابتكار فكرة وتخيلاً وتطويعاً لمواد وأدوات لمصلحة خياراته التصويرية، ومداد رؤاه التشكيلية التي تُعطيه التميز والخصوصية والتفرد ما بين أقرانه في الحركة التشكيلية في زمانه ومن تبعه من أجيال فنية تشكيلية سورية سابحة في محيط مقاماته وولائمه البصرية. يجد المتلقي في تفاصيل لوحاته متسعاً لمقولات التراث والحداثة، يذكرهم بسوالف ألف ليلة وليلة الدمشقية، المفتوحة على ذاكرة الإنسان وملامح الوجوه الحالمة، ورقص الأجساد المتحركة في فضاء التكوين وهندسته المعمارية الرتيبة، والمتجلية في أزياء وملابس متنوعة الألوان والصنائع.

تُخفي في جدرانها الخلفية والمزخرفة ضجيج الزمن العربي المتعاقب. تستعير الجمال الدمشقي (الشامي) بكل غوايته، وتستنجد بالزخرفة العربية الإسلامية ومظاهر الحياة الحالمة والحافلة بمعطيات الأمل، والبوح الجميل المتوالد من قنديل الإضاءة، ومزمار الحي ورقص الحسان فرادى وجماعات في حضرة المشهد البصري، وخلفياته الموشاة بأزهار وورود دمشق الغنية عن الوصف والتعريف، والتي تحتل مكانها المناسب داخل متن اللوحات. ولتستكمل الحلي والجواهر والأشياء المادية الثمينة، والمتناسبة مع زمن عربي غابر دورة الوصف البصري في جماليات مضافة. تقربنا خطوة من فهم نسيج حكاياته ومقولته الفنية والفكرية والجمالية، والقول بأن دمشق الفنان متخفية في رمزية الأنثى وقدرتها على الحضور في مساحة وصف وذاكرة، ودلالة على الحب والمودة والزمن الدمشقي المتواصل والجميل.

لوحاته في بنيتها اللونية لا تخرج عن دائرة الألوان الرئيسة (الأساسية والمساعدة) والمتوالدة في ملونات مشتقة ومتناسبة، مع طبيعة المشهد الوصفي. كل لون فيها مدروس بعناية وفهم تقني خاص، لا نشاز فيها لخط أو لون وحتى مكونات تشريحية في رسم معالم شخوصه ومتمماته الخلفية وتصويرها، عامرة بملونات الحياة الطبيعية ومكوناته المرصوفة من فنون رقص وموسيقا وعلوم ومعارف وآداب ومعايشة، مدرجة في قوالب شكلية جميلة تفصح عن جودة مؤلفها، وموقعه المميز في ذاكرة الفن التشكيلي السوري الحديث والمعاصر.

المصدر: an-nour.com

نذير نبعة … تبدلات الانفعال الفني أمام الموضوع

حلب
فنون تشكيلية
الخميس 14-6 – 2012
ابراهيم داود

إن الإحساس أو الانفعال يتبدل ويختلف أمام الموضوع ، أو أمام كل موضوع جديد ، بل يختلف أحيانا في الموضوع الواحد في لحظات مختلفة ، وبالتالي يتبدل الأسلوب بصورة حتمية.
الفنان التشكيلي نذير نبعة كان قد ذكر هذه الكلمات قبل معرفتي به في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عندما كان يعلمني مادة الرسم وأسسه لمدة أربع سنوات متتالية وهو الآن أحد رواد الفن التشكيلي السوري .‏

ففي عام 1965 أقام الفنان نذير نبعة معرضا لأعماله الفنية في دمشق وأثار هذا المعرض ضجة كبيرة لأن ما رآه النقاد والفنانون آنذاك يمثل تجربة جديدة غريبة في أسلوبها وتتجلى فيها قوة فنان يحمل رصيدا فنيا ويسعى لإيجاد أسلوب فني خاص يمكن إن نسميه أسلوب نذير نبعة.‏

وكانت حصيلة الجدل حول المعرض تتلخص في مشاكل جديدة طرحت أمام الحركة الفنية في سورية في الستينيات مفادها بأنه هل يحق للفنان أن يرسم عدة لوحات متقاربة الزمن بأساليب مختلفة أم أن أسلوب الفنان وطريقته يجب أن يظهرا في كل عمل من أعماله والى أي مدى يمكن أن تندمج الأساليب الفنية المختلفة ضمن لوحة واحدة وهل يعتبر الرسام فنانا إذا لم يصل إلى أسلوب متميز واضح والى نقطة انطلاق أسلوب ؟! والأسلوب الذي رسم به نذير نبعة لوحاته كان يمثل وجهة نظره للفن لأن معرضه عبارة عن مجموعة محاولات للتعبير عن أفكار هي في الواقع أساس التجربة وهي التي رسمت الخلفية فيها بأسلوب واقعي جدا يقترب من التسجيل الحرفي وبين مقدمة اللوحة التي حاول الفنان فيها أن يجري بعض التحوير على رسم الأشخاص ليتلاءم مع الفكرة التي يريده .‏

وتوصل النقاد آنذاك بأن معرض نذير نبعة يختلف في أسلوبه تبعا للفكرة التي يريد التعبير عنها وان أفكاره الجديدة هي التي تمثل أسلوبه الحديث ولا يتميز بأسلوب فني محدد بل يستخدم كل الأساليب المعروفة للتعبير عن فكرته.‏

وأصبح من الممكن استخدام الواقعية التسجيلية بجانب التعبيرية أو التجريدية في لوحة واحدة للتعبير عن الأسطورة التي يحاول الفنان تضمينها معنى جديدا عصريا.‏

وان تجربة الفنان نذير الأولى كان يغلب عليها الطابع الواقعي التي تمتد من محاولاته في الرسم أيام الطفولة والتي أولع فيها برسم الطبيعة حتى المرحلة التي أنهى فيها دراسته الفنون في القاهرة ونال شهادته على مشروع التخرج الذي قدمه بعنوان (عمال مقالع الأحجار ) وكان آنذاك يتجه نحو تحوير الواقع وتحريفه متأثرا بأعمال بعض الفنانين المصريين وكانت ألوانه تعكس شاعرية استغرقها الألم والجانب الشعري فيها مأساوي أيضا ونستطيع التأكيد على أن ألوان البيئة التي درس فيها قد أثرت عليه كثيرا وذلك لوضوح تقارب ألوانه مع ألوان الفنانين الذين رجعوا من القاهرة وان اختلفوا بالأسلوب فيما بعد ويتجلى تأثر الفنان بالفن الفرعوني في إعطاء التكوينات شكل الهرم وإبرازه الكتل الضخمة بالحجوم الراسخة كما كان تأثره بالسريالية والتي يتجلى واضحا في اعتماده على الأساطير القديمة والحديثة حتى إننا نستطيع القول بأن كل لوحة من لوحاته تحتاج إلى ثقافة والى معرفة بالفكرة الموحية وبهذا قام الفنان بعملية دمج التراث الفرعوني مع التراث الأسطوري ليعبر عن فكرته للإنسان وعن أزمته تجاه أحداث العالم.‏

وفي قول للفنان ( على الإنسان أن يحمل في قلبه وفي كل خلية من خلايا أعصابه روح قومه أن يفهم بعمق علاقة الإنسان بالشجرة التي يغرسها في الأرض).‏

وبعد تلك المرحلة التي تحدثنا عنها طور عمله لتصبح الأشكال معتمدة على الخط الخارجي الذي يمثل الأشخاص والموجودات الأخرى ويكون مبسطا لتبرز الحجوم وإعطاء اللون الواحد المتدرج القيم للتأكيد على هذه الحجوم وإعطاء القيم التشكيلية المختلفة ثم تبدلت الألوان بعد ذلك لتصبح مشرقة وأصبح التعبير رمزيا وبدأنا نرى أن التعبير عن الجو الأسطوري قد أخذ شكلا غير مباشر يميزه عن أعماله الأولى ولكن هذه التجربة لم تستمر كثيرا لأن نكسة حزيران وما تلا النكسة من أحداث قد بدلت نذير نبعة تبديلا عميقا وجعلت أعماله ترتبط بأحداث وتعكس رؤيته للظروف الراهنة التي تمر بها الأمة العربية .‏

فيقول الفنان نذير (سفري إلى باريس جاء بعد نكسة 67 بعامين، كنت وقتها في حالة إحباط شديد. البعد عن المكان والذهاب إلى الغرب ومواجهة حضارته وثقافته أدخلني في تجربة التصوف أنا لست متصوفا ولم أكن.. لكن في باريس تعرفت على شاب مصري هو احمد قاسم ابن الدكتور محمود قاسم الذي كان عميدا لكلية دار العلوم وجدت لديه كتيباً صغيراً لنص محاضرة ألقاها والده في الأربعينيات عن (الخيال عن ابن عربي).‏

المحاضرة كانت بلغة بسيطة وبعيدة عن لغة الفلاسفة الغامضة هذا الكتيب فتح لي الكثير من أبواب المعرفة وعرفت من خلاله طرق التصور عند شعوب الشرق من خلال أفكار المتصوفة فهم يعتبرون أن الحياة الحقيقية للموجودات تكمن في الخيال.‏

لو بسطنا الأمر:أنت في الواقع ترى الشجرة في حالة واحدة في فصل الصيف أو الشتاء أو الربيع أو الخريف. تراها شجرة تفاح أو جميز أو مانجو لكن عندما تقول (شجرة) فقط ، فأنت ترى جميع الأشجار في خيالك في لحظة واحدة، وفي جميع الفصول والأزمنة حياة الشجرة الحقيقية تراها في الخيال أكثر مما تراها في الواقع وجدت في هذا التصور أفقاً واسعاً للتصورات التي كنا نبحث عنها، بمعنى العودة إلى الأشكال التي كانت مطروحة في الفنون القديمة أو في حكايات الجدات. صار بإمكانك أن تستخدم أدوات عالمية ولكن بروح ورؤية خاصة بك ومن خلال هذه الرؤية الخاصة يمكن أن نكسب هذه الأدوات صفات البيئة أو المنطقة التي خرجت منها!!).‏

و رغم انتقالاته المهمة في محطات و مراحل تجربته الفنية الطويلة و الغنية ظل اسم( نذير نبعة) مرادفا بشكل رئيسي للمحطة الأكثر إنتاجا و الأطول عمراً و التي اعتمد فيها واقعية خاصة. رمزية , شرقية فيها تأكيد على التفاصيل التي استوحاها من التراث الوطني السوري و العربي و من روح الذاكرة الجمعية لشعبه و رسم فيها (امرأة نذير) التي حورها من المرأة الواقعية إلى رمز يحمل معاني و دلالات تتجاوز صورتها. ملحا على التفاصيل التي تغني الموضوع و أحاطها غالبا برموز تتعلق بالأرض و التاريخ و المدينة و قيم الحق و الخير. يذكرنا بآلهة الجمال عشتار, بجمال يجمع بين الداخل و الخارج. الأساطير و الموروث و الخيال المجنح جنبا إلى جنب مع قضايا معاصرة على الصعيد الوطني , مارست تأثيرها عليه وعلى أبناء جيله . يرسم كل ذلك بمحبة عاشق و حرفية معلم متمكن.‏

و لكن الفنان نذير نبعة تخطى ( كما يليق بفنان كبير) في تجربة جديدة عرض جزءا منها في العام 2003 تحت عنوان تجليات, حدود عالمه المعروف في مغامرة تشكيلية تمثل بالنسبة إليه محاولة لتلمس هواء آخر . نوع من التنفس و إشراقا, أكثر علوا و ثراء و دهشة. و في صعوده تلمس طريقه في رواق حياة فنية و إنسانية زاخرة أوصلته إلى ذلك البعد الفريد من صبوة العقل للغوص و الاكتشاف و الابتكار في تحولات هادئة حينا. و انبثاقات أخذت بعدا مدهشا حينا آخر ، مستندا إلى تاريخ غني يبرر تلك النقلة بمقدار ما يغذيها .‏

تحتفي لوحاته في تجربته الأخيرة بتضاريس الأرض السورية و هو يحضر بعجينته البيضاء اثلاما و نتوءات و تهشيرات منشئا عالما من الغرافيك الصافي تحبه العين و تحار في مساراته و تشكيلاته و لا تطمئن لعزلته حيث لا بشر و لا طير .‏

لكن لعبة البصر في الانتقال من تشابهات واقعية إلى بحث في قيم تجريدية يقودها اللوم و الملمس و القيم الغرافيكية ستشكل لازمة إجبارية لمشاهدة هذه التجربة بكاملها. و لن يكف العقل عن التساؤل و القلق فيما يواجهه من إشكال و تكمن الهنا بالذات اهمية الجملة الجديدة لنذير نبعة حيث لا نقترب من تغريب الشكل إلى درجة القطيعة مع روح التشكيل و ثقافة البصر و حداثة الرؤى الفنية.‏

حياة الفنان التشكيلية حافلة بالعطاء وغنية بالمواضيع والمحطات، حتى غدا مرجعية بصرية للعديد من الفنانين التشكيليين الشباب، ولا يُمكن لأي دارس إلا التوقف الجاد والمتأمل في كافة جوانبها وخلفياتها الفكرية والجمالية ومتن بنيتها التشكيلية شكلاً ومقولة ومضموناً.‏

ولد الفنان في دمشق 1938 ودرس التصوير في القاهرة ما بين 1949-1959، ثم في باريس ما بين 1971- 1974 له عدة معارض شخصية كما شارك في معارض مشتركة ما بين 1964- 2002 في موسكو- طوكيو – لايبزغ – براتسلافا. وقد نال عدة جوائز عربية وعالمية.‏

المصدر: jamahir.alwehda.gov.sy/

الفن لدى “نذير نبعة” استخلاص من الطبيعة والإنسان

علاء الجمّال
أقامت غاليري “تجليات” للفنون الجميلة في “دمشق” معرضاً استعادياً لأعمال الفنان التشكيلي السوري “نذير نبعة” قدمت فيه مجموعة من لوحاته القديمة التي شغلت ضمن فترات متفاوتة كل منها ينتمي إلى مرحلة من المراحل التي دخل بها وجسد فيها تأثرهه الجمالي وهاجسه البحثي بين عوالم الطبيعة .
نرى في اللوحات تعبيرية فاتنة مثقلة بالسكينة والحزن المكتوم، وواقعية تصويرية لرؤى حلمية مشبعة بالحس الإنساني النبيل تجسد شفافية المرأة وعذرية الجمال مع عناصر حيوية من الطبيعة الصامتة (الرمان والجوري والقوقعة والقنديل وساعة الوقت) جميعهاا عناصر تثير التساؤل في دلالتها، وتجذب في تكوينها تأملات البصر.

يقول الفنان “نبعة” في حوار أجراه معه الناقد التشكيلي السوري “عمار حسن” حول رؤيته للوحة المتحولة بنسيج الخيال: «إن اللوحة الموجودة في الخيال هي أجمل من أي لوحة، لأنها ليست ثابتة بل متحركة بشكل دائم، شكلاً ولوناً، ولو كان الرسام يكتفي بهذا المتحرك في الخيال لما رسم اللوحة، فهو يرسم ليتواصل مع الآخر عبر لوحته التي يحققها على القماش، ويحاوره، وهذا يعني أنه يحب الآخر».

وحول الطبيعة الصامتة في أعماله، ولاسيما (الورد الجوري)، يقول: «أغلب العناصر التي أرسمها لها علاقة بي بشكل شخصي، مثلاً (الورد الجوري) عبارة عن سور جارنا أبو سالم، وهذا السور مغطى بالورد الجوري بدل الأسلاك الشائكة، فالطرف الخارجي من الورد للناس، بينما الداخلي له، ومن هذا السور شممت رائحة ولون الورد وتكونت علاقتي معه، وبعد ذلك قرأت عنه في الشعر وتعرفت عليه من مصادر متنوعة وصولاً إلى ما يرمزه عند المتصوفة، إذ يرمز عندهم إلى المطلق».

عين على العالم والروح.

رافق افتتاح المعرض توقيع كتاب توثيقي للفنان، صادر عن الغاليري نفسها بعنوان (“نذير نبعة” ـ عين على العالم… عين على الروح) ويقع الكتاب في /182/ صفحة من القطع الكبير ، حيث يضم في جزئه الأول قراءة تحليلية وجدية لمختلف المراحل التي مرّ بها الفنان “نبعة” كتبها الباحث والفنان التشكيلي السوري “يوسف عبدلكي”، ويطلعنا في جزئه الثاني على ومضات من حياته الماضية في “دمشق” و”القاهرة”… والجزء الأخير يحمل صوراً فوتوغرافية للوحاته اختيرت من المراحل التي مرت بها تجربته الفنية.

يقول الباحث “عبدلكي” في رؤيته التحليلية حول حضور النساء: «إن حضور النساء الحالمات وملامح الحزن المكتوم وغلالات الغموض والحكايات المهموسة والأماكن الرومانسية المغلقة لدى الفنان “نبعة” إضافة إلى سيطرته التقنية وقدرته على جمع النقائض في بوتقة واحدة، كونت للوحته مكانها الفريد في تاريخ التصوير السوري».

ويضيف: «بشيء من التأمل نرى أن نساء لوحات “نذير” لسن نساء نراهم في الحياة العادية، إنهن نساء نائيات.. من المستحيل ملاقاتهن، والتحدث إليهن، وملامستهن. إنهن نساء حلم قادمات من عالم الخيال والرغبات… هكذا نرى أن المصور الذي طالما عاين الواقع حوله ها هو يمضي بعيداً عن هذا الواقع، وكأنه بعد أن تمثل طويلاً تشوهات الواقع المعاش قرر أن الاحتجاج الاعتيادي غير مجد فانكفأ إلى قوقعته ليحتج على طريقته وليرسم لنا عالماً بديلاً عن عالم البشاعة..

عالمً من الجمال والسكينة والانسجام .

وربما يكون الواقع السياسي المرير في السبعينات والثمانينات هو أحد دوافعه لبناء هذا العالم».

 وفيما يتعلق بتحليله لموقف الفنان “نبعة” من الاعتبارات التي سادت الأجواء التشكيلية، والنقد الذي أشار إلى تراجعه عن أعماله السابقة، يقول “عبدلكي”: «في هذه السلسة التي نلمح فيها ظلال مثالية ورومانسية “بوتشيلي” ورمزية وغموض “غوستاف مورو” كسب “نبعة” اعترافاً غير متنازع عليه بأستاذيته في الرسم، ولكنه أيضاً كسب الكثير من همس الفنانين في أنه لا يدفع تجربته وموهبته إلى النهاية وأن هذه السلسلة بقدر ما توضح تمكنه فإنها تشكل تراجعاً عن عمله السابق، و”نذير” يدافع دائماً عن عمله بقوله: “أني أريد إعادة الإعتبار إلى فضيلة الرسم، وإعادة الإعتبار إلى القيم المهنية في اللوحة”، وفي أحد وجوهه عبر عن استيائه من الأجواء الفنية التي تزداد فيها نزعة السهولة والركاكة والاستعراض، وتدخل الاعتبارات السياسية لتكريس فنانين في مقدمة المسرح التشكيلي رغم ضحالة مواهبهم ومسوخ لوحاتهم».

 استحضر الناقد التشكيلي “عمار حسن” رؤية “لغوغان” بالفن وأسندها إلى أعمال الفنان “نبعة”، وكانت مهداً لحواره معه، يقول فيها: «الفن تجريد استخلص من الطبيعة بالتأمل فيها وإمعان التفكير جيداً بالخلق

عمر حمدي (مالفا)

خمسون سنةً من التفرّغ، وأنا أحمل في داخلي قصةَ شعبٍٍ، قصةَ بحثٍ عن سر اللون وقدسيّة التفاصيل، في زمن يحكمه النفاق بدلاً من العدالة؛
أحمل ملامح أطفالي وذاكرة جسدي في جواز سفر مزوَّر من مكان إلى آخر في هذا العالم.
لم أملك سوٍى المنفى في لوحتي، لغةً
أو وطناً يرسم مكان موتي..
خمسون سنةً وأنا ما زلت هذا المتأمّل الفاحش بصمتٍ لجسد الإنسان والشجر والصخر، أكتب رسائلي إلى ساحات القتل وأقبية الاستبداد…
أجلس بجانب إمرأة أحبها تشبه الشمس،
وأنتظر…
عمر حمدي/مالفا
2012 فيينا

عمر حمدي
1951 – ولد في الحسكة ، سورية.
درس الفن دراسة خاصة.
– مارس الفن منذ الطفولة، وعين مدرسا للفنون بعد انهائه لأهلية التعليم الابتدائي عام 1970.
-عمل رساما وغرافيكيا في الصحف وفي مديرية الكتب المدرسية 1971-1978.
– كتب في النقد الفني وله محاولات شعرية.
– صدرت العديد من المطبوعات والكتب المصورة عن أعماله.
– عضو في الاتحاد العام للفنانين النمساويين واليونسكو.
– عضو في الكونستيلر هاوس في فيينا.
– متفرغ للعمل الفني، ورئيس لجنة التحكيم في غاليري آرت فوروم للفن الدولي المعاصر بفيينا، النمسا.
أعماله موزعة في عدد من صالات العرض وتمثل أعماله كاليري فيندلي بنيويورك وغاليري آرت فوروم بفيينا.
وأعماله مفتناة من قبل تجار الفن، و صالات العرض، ومتاحف وبنوك ووزارات ثقافة وعدد كبير من المقتنيات الخاصة في أمريكا، كندا، النمسا، ألمانيا، فرنسا، ايطاليا، هولندا، اليابان، سيريلانكا، وروسيا.
– سافر الى فيينا منذ عام 1978 وحمل الجنسية النمساوية ومقيم فيها.
بعض من مؤلفاته:
1976 (مالفا) عمر حمدي: الحياة واللون، باللغة العربية، دمشق.
1994 (من من) الفن العالمي، سويسرا.
1999 قاموس عالم النقد الفني، باللغة الانكليزية، فلاش أرت للنشر.
2004 ألبوم (مالفا) إلى الألفية الجديدة، معرض أرنوت، نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية.
– معارض خاصة
مختارات من معارضه الفردية:
1976 صالة الشعب بدمشق.
1977 المتحف الوطني بحلب.
1979 فيينا، البنك النمساوي المركزي – آرت غاليري بشيكاغو، غاليري ليتسون بتينيسي ناشفيل – غاليري كرال بسان فرانسيسكو – وغاليري آرنوت بنيويورك.
1990 غاليري اتيليه – وغاليري سيليستة بفيينا ودار الفن بكوتينكن بألمانيا.
1991 غاليري فرانكين شتاين ببرلين.
1992 غاليري فيندلي بنيويورك وباريس.
1993 غاليري آرت فوروم للفن الدولي المعاصر بفيينا.
– معارض مشتركة
مختارات من معارضه المشتركة:
1972 – 1977 مشاركة بمعارض الخريف السنوية في المتحف الوطني بدمشق والمعارض الدورية لنقابة الفنون الجميلة بصالة الشعب.
1980 – 1992 مشاركة بمعارض الاتجاد العام للفنانين النمساويين داخل النمسا وخارجها.
1989 قصر المعارض بفيينا – والمهرجان العربي الأول للفنون – دار الفن بكوتينكين بألمانيا.
1985 – 1993 مشاركة بالمعارض العالمية السنوية للفنون بفرانكفورت، ألمانيا.
1989 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في مدريد، اسبانيا.
1990 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في ميلانو، إيطاليا.
1991 المشاركة بمعرض آرت جونكسيون الدولي في نيس، فرنسا.
1992 المشاركة بمهرجان بولونيا للفن المعاصر، ايطاليا. ومهرجان فيرونا للفن الأوروبي. ومعرض دار الفن في النمسا، والمعرض العالمي في اسبانيا، والمعرض الفني في مهرجان المحبة والسلام في اللاذقية، سورية.
1993 المشاركة بالمعرض العالمي للفن المعاصر في بودابست، هنغاريا.

Omar “Malva” Hamdi was a Syrian Kurdish artist. From 1978 to 2015, he lived and worked in Vienna, Austria.
Biography
Omar “Malva” Hamdi was a Syrian Kurdish artist. Born in 1951 in Al-Hasakah, Syria, he worked as a graphic artist for the Syrian Press, where he also wrote articles on an Artistic Criticism. He settled in Vienna in 1978 and was awarded the Austrian Nationality, he was a member of the General Federation of Austrian Artists and the UNESCO, and a member of the Künstlerhaus – Wien.
His works of Art are widely exhibited in several art Galleries, including in particular, Arnot Gallery New York, which acted as a representative gallery of his works.
His works are acquired by art collectors and dealers, art galleries and exhibitions, museums, banks and Ministries of Culture, in addition to a large number of private property acquisitions in America, Canada, Austria, Germany, France, Italy, the Netherlands, Japan, Sri Lanka, and Russia.
Many of his works have been printed in postcards and posters by several publishing houses and are being distributed in numerous countries worldwide.
His life was devoted to full-time artistic work.

Omar Hamdy Malfa
Omar Hamdy Malfa
Omar Hamdy

بشار العيسى

“آآآآآه يا جارتي في تلك الايام تجاورت مجزرتان واحدة في العراق بعد اتفاقية الجزائر بين العراق وشاه ايران وتم اجتياح كردستان وحدث نزوح مليوني وحرائق الروح واهانة النساء والحدث التاني تم بعد الاول وفي غطائه اجتياح مخيم تل الزعتر بتعاون اسد الاب واسرائيل والكتائب وخرجت من تحت سكاكينهما 3000 اشرف روح انسانية نبيلة.”

“ما أشبه اليوم بالبارحة قبل خمس وثلاثين سنة كانت جيوش حافظ الاسد تجتاح لبنان وتحاصر مخيم تل الزعتر الفلسطيني بالتعاون مع الكتائب اللبنانية وباشراف من الخبراء الاسرائيليين. معا دمروا مخيما على رؤوس 3000 آلاف فلسطيني.
اليوم نفس الجيوش بقيادة الاولاد، اولاد حافظ الاسد وخؤولتهم، تجتاح البلاد السورية وتحاصر اليوم حمص بعد خمس وثلاثين سنة يدمرون المدينة على رؤوس اكثر من مليون مواطن سوري.
ومع ذلك ترى من شبيحة السلطة السياسية من يرفع عقيرته بالغيرة على الوطن حين يقول صوت نريد للشعب حماية دولية انسانية” -الفنان التشكيلي السوري الأستاذ بشار العيسى

سرقت اللوحة من المتحف الفلسطيني في بيروت وقت حصار بيروت

مدونة خاصة

” تل الزعتر” زيت على قماش، 100X70سم; سنة 1976/1977

بشار العيسى
بشار العيسى

يوسف عبدلكي

يوسف عبدلكي يوسف عبدلكي (بالسريانية: ܣܘܪܝܝܐ) فنان تشكيلي سوري ولد في القامشلي عام 1951 وحاصل على إجازة من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1976 وعلى دبلوم حفر من المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة في باريس عام 1986 ثم الدكتوراه من جامعة باريس الثامنة عام 1989.
الأعمال
أقام أول معارضة الفردية عام 1973 في دمشق، كما أقام العديد من المعارض في تونس والقاهرة والأردن وبيروت والشارقة ودبي…، ويقتني المتحف البريطاني في لندن أربعة أعمال له (عملين من عام 1993 وعملين من عام 2004) ومتحف معهد العالم العربي في باريس عملين (1990 و1995) ومتحف دينه لي باين (Digne-Les-Bains Museum) بفرنسا عملين من عام 1986 كما يقتني متحف الكويت الوطني أربعة من أعماله (2004) في حين يقتني متحف عمان للفن الحديث عملاً من أعماله الفنية (من عام 2003) بدأ عمله في الكاريكاتير منذ سنة 1966 م، وكان ذلك بتشجيع من والده الذي أحب العمل السياسي التي أدت لاعتقاله بين العامين 1978 م و1980 م بسبب مواقفه السياسية. كذلك رسم للأطفال في كتب للأطفال وفي مجلات للأطفال وشارك في عدة تظاهرات الرسوم الكاريكاتورية.
يعد يوسف عبدلكي اليوم من أشهر فناني الحفر عند العرب، وأبرز فناني الجرافيك وتصميم الملصقات والأغلفة، والشعارات، كما يعدّ من الفنانين المهمين في مجال الكاريكاتير كما صدرت له عدة دراسات في الكاريكاتير العربي.
يعتبر يوسف عبدلكي من الفنانين السوريين الناشطين والمخلصين لوطنه سورية إذ لابد ان يقوم من حين لآخر بعمل معارض فنية في دمشق، كان أخرها في خان أسعد باشا الرائع وسط دمشق القديمة ويشارك بفعالية وتميز في الفعاليات الفنية السورية.
عاد عام 2005 م إلى سوريا بعد أن غاب عنها ربع قرن.
قام النظام السوري باعتقاله في طرطوس في 19 تموز 2013 .

مقدم الحلقة بدون
ضيف الحلقة – يوسف عبدلكي، فنان تشكيلي سوري
تاريخ الحلقة 12/02/2001

المعلقة:
كعادته من بعد ظهيرة كل يوم يصل الرسام إلى محترفه، الأسود والأبيض، هدأة المكان واللهفة المستكينة لأشيائه، ضوء النهار القابع خلف النافذة حيوان سيثب إلى الداخل مفلتاً طريدته المثقلة بالضجيج.
وكعادته من كل يوم يُعِد يوسف عبدلكي قهوته قبل أن يُباشر عمله، نجلس في انتظاره ربما لأن اللوحة تحتاج إلى لحظة المخاض هذه قبل أن تخرج إلى النور، ربما لأنه يحتاج إلى مساحة صمت يخط عليها أفكاره وهواجسه قبل أن تكر مسبحة الكلام.
يوسف عبدلكي:
لا أعرف ماذا أسميها! أشياء ليست كلها أشياء، طبيعة صامتة ليست صامتة، طبيعة ميتة، أين الموت في كل هذه الخلايا النابضة؟ طبيعة ساكنة، ليست كذلك أيضاً، فحتى جدران الأسمنت المسلح ليست ساكنة، طبيعة جامدة.. ربما.. ربما إذا قُصِد من ذلك إنما يراد رسمه حي، ولكنه يجمِّد نفسه للحظة مثلما كان أجدادنا يجمدون عيونهم أمام آلة التصوير القديمة في الشوارع، ومن ثُمَّ ليعاودوا الحياة بعدها.
هكذا هي موضوعات هذه المجموعة، وردة أرسمها اليوم وأضعها غداً أمام النافذة لتتابع حياتها القصيرة، قوقعة.. قوقعة حتى وأنا أخطها على الورق تواصل شهيق وزفير الهواء الذي يصدمها باستمرار. هذه.. هذه بعض الوساوس أمام هذه الأعمال اليوم.. اليوم لأنه يأتي وقت أبعد من اختبارات هذه اللحظة، وقت يرسم فيه الرسام بالأسود على الفضاء الأسود، وقت يظهر فيه ما لا يُرى، يمحوه كي.. يجليه، لا يعود الرسم أقلاماً وورقاً، بل سفراً في العناصر. عند انتهاء العمل فراغ.. فراغ جسدي كأن الدماء غادرت كل الشرايين.
المعلقة:
أعرف أن يوسف عبدلكي لم يفرغ، ولم يتمم لوحته بعد، ومع ذلك أقاطعه لأسأله مِنْ أي مكان ترسم؟ وهل اختلطت دماؤك بدماء (باريس)؟
يوسف عبدلكي:
باريس هذا المكان اللي أنا عايش فيه ما عم بيؤثر بشكل مباشر على الشغل تبعي إلا بمعنى إن واحد عم يطلِّع ويشوف وتصير له فرصة، ما بيقدر الحقيقة يشوف هي أعمال وأعمال أصلية، وأعمال كتير كثير مهمة، لو كان موجود ببلد تاني من بلدان العالم الثالث يعني، بس غير هاي.. هذا الشيء اللي له علاقة بالحقيقة –-خليني أقول- بكمية الاطلاع، وبالتالي بكمية مراكمة الخبرة البصرية، المكان نفسه ماله وجود بالشغل تبعي، شغلي بالحقيقة مبني على كل الدينامو الخاص تبعي، الدينامو الجواني تبعي.
أنا إذا رجعنا شوية لورا أنا الحقيقة لما جيت لهون جيت لهون أقعد فترة مؤقتة وأرجع، هلاَّ وبعدين ما أتيحت لي الفرصة أرجع لأسباب سياسية إلى آخره، بس بدون خياري بالحقيقة هو نفس الخيار السابق، بمعنى خيار إنه أشتغل هون، أدرس، أخلِّص، أرجع.
هلاَّ هاي فترة الأخيرة عم تمط، وتمط، وتمط، صار لها 15 سنة عم بتمط يعني، بالتالي إنه هو بالحقيقة عجز عن إنه واحد يتأقلم مع الجو كذا، واحد يا أخي مش مقرر، هذا المكان بشكل أو بآخر لا يعنيني، فما عندي أنا دوافع جوانية حقيقية إنه أنتمي له، انتمائي الحقيقي اللي بالمعنى كتير كتير هيك اللي –خلينا نقول- كتير هيك الوجداني والعاطفي والإنساني يعني موجود بمكان ثاني، وبالتالي منه موقف -خليني أسميه- سياسي أو أيديولوجي أو بطيخ من الأسماء هذه ما له علاقة بكل القصص.
قصة إنه أنت قد أيش حاسس حالك آخذ بالحقيقة هيك الحيِّز الحقيقي تبعك، هون أو مكان ثاني، أنا حاسس إنه حيزي الحقيقي هو مش هون. بهذا.. بهذا المعنى أنا بأحس حالي إنه قاعد بلحظة انتظار، بس هاي لحظة الانتظار ما عاد فيها وأنا متكتِّف إيديا، عم بأشتغل بالحقيقة المشروع تبعي اللي لازم أشتغله اللي أنامقتنع إنه لازم أشتغله، سواء كنت هون أو محل آخر، هلاَّ بتقول لي: إنه إذا كنت قاعد بباريس مثل لو كنت قاعد بحمص؟ علاقة طبعاً مختلف، لاشك.
أنا تصوري كل مكان غير مكان الواحد الأصلي تبع طفولته ومراهقته هو مانه مكانه، أي مكان حتى ببلده، لكن كمان الواحد –بشكل أو بآخر- بيقدر يعمِّق هاي الهوة بينه وبين المكان، وبيقدر الحقيقة يصغر، هذا شيء ما مرتبط بس بقراره، مرتبط كمان بالمكان اللي بده يستقبله، قد أيه شو هو قادر الحقيقة على استقباله أو استقبال أي مهاجر آخر، أو أي بني آدم آخر.
بس بالنسبة للحالة تبعي أنا بالتحديد أنا أصلاً بالحقيقة لم أبذل مجهود، أنا صار لي 20 سنة ولا خطر لبالي أعمل معرض بباريس، ما بتخطر ببالي الفكرة ولا تعنيني.
المعلقة:
تتحول باريس إلى قاعة انتظار، فهل تُراه سيقيم في اللوحة كي يضفي إلفة ما على وحشة هذا المكان؟
يوسف عبدلكي:
يعني في ناس بيعتقدوا إنه –كتاب أو رسامين- أو.. إنه شغلهم عملهم هو –بشكل أو بآخر- انتمائهم، وبالتالي بشكل أو بآخر يعني بأشوف أنا حيلة حتى يلفوا على السوق الأساسي اللي هو إنه فعلاً وين بلدهم؟ بمعنى أو بآخر أنا بأعتقد بالحقيقة كل بلدان العالم هي أنا بحق لي تكون بلدي، مثل ما بلدي يمكن يكون هو بالحقيقة حق لكل الناس بالعالم، بس كمان بيحق للواحد إنه يكون ينتمي إلى ضيعة، و إلى شارع، وإلى حارة، وإلى زاروبة، هذا حقه مثل ما ذاك حقه تماماً، والاثنين ما بيختلفوا عن بعض ولا بيتناقضوا مع بعضهم.
وإذا كان شغل الواحد –بشكل أو بآخر- بيشكل له انتماء، أنا بأشوف إنه هذا شيء يمكن يكون بالحقيقة كمان حقيقي.
بس هذا ما بيلغي السؤال الثاني، إنه فيه عندك أنت حيز ولدت فيه، وولدت فيه مفاهيمك، وعواطفك، وطريقة حبك، وكيف بتشوف الناس والعالم والفكر، والبشر، والبني آدميين، وبالتالي كمان هذا حقك، مو بس إنه حقك انتمائك للوحتك أو للقصيدة تبعك وإلى الرواية، وإلى آخره، كله حقك، فما فيه داعي الواحد يتنازل عن واحدة من حقوقه بالحقيقة.
المعلقة:
لم تتنازل يا يوسف عبدلكي عن الحق ببلدك، ولكن ها أنت تقرع منذ سنوات فهل فُتح لك؟
يوسف عبدلكي:
أنا ما بأعتبر إنه بلدي مو عاطيني حق، أنا بأعتبر إنه هناك فيه قرار سياسي، عند شيء واحد موظف (معت) معبا غبرة على مخه، وعلى المكتب تبعه، وما بيشوف ضو، ولا بتيجيه شمس متخذ قرار إنه أنا ما بأروح على بلدي، طبعاً ها اللي عم بأحكيه صورة كاريكاتورية يعني، عم بأعمل إشارة بكل بساطة لكيف بيأخذ قرار، كيف بيفكر، كيف بيفهم إنه حق البشر بهاي الحياة، هذا هو الشيء (المعت) و(المرط) واللي معبا عليه غبرة.
المعلقة:
لنتصور أنك عُدت، أفلا تخشى أن تكتشف أن الأمكنة تشيخ وتموت كما يشيخ الناس؟
يوسف عبدلكي:
هي اللي .. بدها قصة؟! أنا عندي صار حصاري من جوة حصاري فظيعة بأعتقد إنه روح شوف بلد ماله علاقة بالبلد اللي موجود بذاكرتي، بس الشيء يمكن يكون مؤلم بالنسبة إلي هو إنه ما عم تتاح لي الفرصة من 20 سنة لهلاَّ أجرب هذا المكان، أشوفه إن هو بالحقيقة هو مكاني أو مكان آخر؟ هو بالفعل أنا بأنتمي له وبينتمي لي أو هو ما بينتمي لي ولا بأنتمي له؟
هذا الشيء يمكن مؤلم بالنسبة إلي أو لآلاف الناس ثانيين اللي ما بتتاح له إنهم.. ما بتتاح لهم الفرصة إنهم بالحقيقة يجربوا، يشوفوا إنه صح أو إن عم يركبوا قصور على أوهام.
المعلقة:
سافرت لوحاتك لتعرض في الشام مراراً، فهل كنت كمن يُرسِل بعضاً من روحه إلى الأهل فيما يبقى جسده أسير أبواب موصدة بآلاف الأقفال؟
يوسف عبدلكي:
يعني أعمال أنا بتروح.. بتروح ع الشام وبتنعرض (…) والله ما بأدري!! يعني.. يعني من سنوات طويلة بالحقيقة أعمالي بتروح ع الشام وبتنعرض، وأنا قاعد ما بأتحرك من هون.
بأحس الواحد كأنه عم يبعت للبلد، أو يبعت –بالتحديد- لأصحابه، للناس اللي بيحبهم وبيحبوه كأنه عم بيبعت لهم هيك رسالة يقول لهم فيها: إنه.. إن هم موجودين معه، وإنه –بشكل أو بآخر- الـ.. العصب تبع كل شغل هو بالحقيقة هناك.
المعلقة:
لشيءٍ من الاستراحة نغير موضوع الحديث، أسأل يوسف عبدلكي عن العصب الثاني لعمله (الكاريكاتير) إن كان يُشكل بالنسبة إليه نافذة أخرى يُطل منها على هموم البلد والناس؟ وهل أتاحت له مثلاً إقامته في باريس هامش حرية ما؟
يوسف عبدلكي:
بالحقيقة بلشت أشتغل كاريكاتير سنة 1966م، وعملت الرسوم الأولى بعد هيك بتحريض غير مباشر من والدي اللي كان يعني مهووس بالسياسة بشكل فظيع.
اللي بيصير إنه أنا بالحقيقة لأني بعيد عن البلاد اللي أصلاً بتطلع فيها الصحف اللي بأشتغل لها فأنا ما بأسمح لحالي بالحقيقة أشتغل على قصص لها علاقة بهيك الأحداث الاجتماعية، والأحداث القريبة من الناس كثير، لذلك من حوالي 20 سنة بالحقيقة ما بأشتغل غير عن الأحداث السياسية والأحداث الدولية يعني، وبالتالي ما بأتعرض أبداً ولا بحياتي سمحت لحالي أتعرض للمشاكل الاجتماعية اللي بتصير بالبلاد العربية.
الواحد الحقيقة واحدة من الشغلات اللي بيحسد الأوروبيين فيها هي هذا الهامش الكبير من حرية الرأي ومن الديمقراطية الموجودة بصحفهم يعني، وبالرغم من إن الواحد عايش هون صار له سنوات طويلة، لكن ما بأعتقد حالي إنه هيك غفلان على المدى الكبير اللي.. الموجود للرقابات العربية على الصحف. بس رغم هيك بالحقيقة على طول عندي يعني مبدأ بأشتغل فيه: إنه أنا بأشتغل الأفكار تبعي كما أشاء أن، وخلِّي الرقابة تعمل، الرقابة اللي بدها إياه.
على طول باحاول أستبعد الحقيقة الشرطي اللي ممكن يكون موجود بقلب كل واحد منا، وخلِّي هاي المهمة للناس الثانيين اللي هم بدهم ممكن يكونوا شرطة، هاي هذا شيء بالحقيقة بيعذبني، بأي معنى بيعذبني؟ بيعذبني بمعنى إنه بأعمل رسوم كثير وما بتنشر أو ما فيها أصلاً الصحف بتنشرها يعني، بالتالي الواحد بيصير أحياناً بيشتغل أكثر بكثير من المفروض، الواحد بيعرف بالحقيقة حدود (الأمان) بيعرف إنه شو يمكن بالحقيقة يرسم.. يرسمه وينشر وشو اللي بيرسمه وما بينشر، رغم هيك أنا بأرسمه وخليه ما ينشر معلش.
أُفضِّل هذا الحل على أنه أشتغل على طول –مثل ما قلت- بالشيء المضمون نشره، لكنه –بشكل أو بآخر- بيُنتقص بحيز كبير من هامش الحرية الصغير اللي بأحسه.
المعلقة:
وكل هذا العنف الذي يُشكِّل قاسماً مشتركاً بين أعمال الكاريكاتير ومجموعة كبيرة من اللوحات، ماذا عنه؟
يوسف عبدلكي:
العنف الموجود أحياناً برسومي الكاريكاتير هو بالحقيقة هيك العنف السياسي المباشر، وبالتالي هادولا يمكن هي تكون أكتر رسومي اللي يمكن تكون معرضة للرقابة يعني، بينما بشغلي الثاني –خاصة بالفترة اللي اشتغلت فيها المجموعة اللي أنها سميتها “مجموعة أشخاص”، واللي عملتها يعني من نهاية الثمانينات تقريباً لسنة 95لـ هاي العنف مش بس الشخصيات فيها بتضمر عنف كبير وكذا، لأ.. حتى طريقة الشغل فيها عنف كبير، وفيها يعني قسوة بالخط، بالنقل بين الأبيض والأسود، بـ (الكنترستات)، بالتناقضات الأبيض والأسود إلى آخره.
فالعنف ما عاد بتعبر عنه فقط بالشخصية، العنف صار هو البنية تبع العمل كله على بعضه. بأحس أنا إنه فيه عندي مخزون كبير من اختزان هذا العنف اللي بأشوفه ببلادنا ومجتمعاتنا، واللي بتمارسه السلطات بشكل فيه كتير هيك أحياناً حتى سفاهة على مواطنين تبعها، بأشوف ها الاختزال كبير لهذا العنف اللي غير مبرر، وما فيه شيء إنساني، ولا شيء شرعي ولا كذا، إنه لابد ما يطلع بشكل أو بآخر، فبتحسي إنه بلادنا مو بس إنه يعني فيها هيك تركيب سُلطوي عنيف وكذا إلى آخره كمان جاية من تاريخ كبير بالحقيقة بالعنف.
وهذا العنف كمان ما بيشوفه بس الواحد بالحقيقة بهيك، مستوى واحد بس سياسي، بيشوفه كمان حتى بين علاقات العائلة، وبيشوفه بعلاقات العمل، وبيشوفه بالمدرسة والجامعة وبكل المجالات، يعني بالشارع.
بس كما بالحقيقة دولنا (الوطنية) بعد الاستقلالات كثير كرستها، وبالتالي عملتها بالحياة هي بشكل أو بآخر الناظم الأساسي.. الناظم الأساسي للسلطة يعني بالتالي السلطات ما آخذة بشكل أو بآخر تحسي شرعيتها من رأي الناس هو مثل ما مفروض، وبالتالي شرعيتها الوحيدة جاية من العنف.
المعلقة:
إذا كان الوطن يا يوسف عبدلكي قد أورثك كل هذه الحمولة من القسوة والقتامة والعنف، فما الذي يشدك بعد إليه؟
يوسف عبدلكي:
بأحب أقول في البداية إنه عندي حساسية خاصة من كلمة (وطن) بأحس هاي الكلمة من كتر ما يعني تم هيك استهلاكها وجعلكتها وتمرير عشرات الأفكار والقصص من فوق راسها ومن قدامها ومن قفاها بيحس الواحد إنه يعني قصاد كلمة معلوكة إلى درجة ما عادة تعبر الحقيقة عن شيء.
أنا بأفضل إنه واحد إذا بده بيحكي عن بلد، بأحس أنه هاي واحدة من الكلمات –كلمة وطن- واحدة من الكلمات اللي عم تستعمل هيك بشكل يعني متواصل من 40، 50 سنة لتضليل الناس بالكذب عليهم إذا نبكاه.
منهم بكل البلد بأحسها كلمة إلها علاقة بالشوارع والناس والبيوت والشجر والأرض، لكن بنفس الوقت كلمة غير ممضوغة ماله مستهلكة، ما لنا مفقوسة ومشبوهة مثل.. كلمة (الوطن).
فشوقي.. شوقي هو إنه أعيش بشكل عادي ببلد عادي بمعنى آخر إنه بلدي مانه بلد استثنائي هو مثل كل بلدان العالم، بس هو ببساطة وبالصدفة بلدي أنا.
الواحد بيخطر لباله ببساطة يمشي بحارة من حارات باب شرقي، ويدخل بحارة اسمها (المسبك الجواني)، ويمكن يطلع يشوف أصحابه اللي كان بيعرفهم من 20 سنة يشرب معهم فنجان قهوة، ويرجع يتغدى مع والدته، بس مانه كتير إعجاز يعني هي قصة بكل بساطة اللي متوفرة لكل البشر وهاي.. وهي متوافرة لكل البشر بكل بساطة لأن هي حق كل البشر (نقطة على السطر).
المعلقة:
تضيق الأمكنة ولو اتسعت على مَنْ لا يجد مشهداً.. حجراً يعتاده ويركن إليه، فكيف يحيا يوسف عبدلكي كغريب؟ التفاصيل اليومية لإقامته الجبرية في باريس.
يوسف عبدلكي:
واحد من الأمكنة اللي بيحس الغريب إنه عم يعمل علاقة مع مدينة باريس هو المقهى.. المقهى اللي هو مكان لقاء.. مكان تمضية جزء من الوقت.. مكان مراقبة، بس مع التردد على نفس المقهى مصيره الواحد بيحس إنه.. إنه هذا المقهى بيخصه، مثل ما كان ممكن بحارته بشكل أو بآخر تخصه، المكان اللي هو المقهى بيصير يجمع الناس، ناس كمان ممكن يكونوا غرباء عن.. عن البلد، حتى إنه ما فيه من الفرنساوية اللي غرباء عن البلد، وبالتالي بيصير الجامع الحقيقي بيناتهم منه القهوة الحقيقة، هي غربتهم الحقيقية إنهم كلهم غرباء.

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب – الجزء الرابع

بقلم :  الدكتور سامي يوسف جركس

ان ما حصل للأرمن و ما تم من انحرافات في تركيا كان بفعل التخطيط  اليهودي– الماسوني و بتشجيع استعماري .

فعمل الفنان اللبناني الراحل المنحدر من الجذور الأرمنية   “بول غيراغوسيان” جزء من هذه الحالة الانسانية المشحونة بذكريات الماضي المفجع المسيطرة في الشعور بالاحساس بالاضطهاد لشعبه ألأرمني الذي كان يحب الحياة و من حوله ،sami-jarkas ان انتزاع الحياة لهو الاستبداد بحد ذاته . ففي لوحته المبنية باسلوب “تجريدي” ^ المبنية على أشكال مجزئة بأشكال لونية مبعثرة بخطوط اختزالية لمشهد مواطنين كجزء من شعب يطالب بالحرية ، و يحكي لنا على المفاجعه عبر التاريخ وما لاقته الانسانية من الظلم و القمع و الموت .       ففي عمل “بول غيراغوسيان” نرى التفكك المصحوب بحزن من أعماقه وفي ملامسته للريشة و هي تخطو بالالوان بحنين حزين لابعاد اتجاهها ابعد من أن ترى بالعين المجردة ، فهي كتل و أحجام من أحاسيس مدونة بمساحات بين الماضي و الحاضر ، الماضي بذكريات الحرب المفجعة و الحاضر بنكبة أخرى من الحرب الحديثة، فقد عاش الفنان مرحلتين من ألآلام الانسانية معبرا عنها بلوحاته المتبقية بعد موته .

^- التجريدية :Abstract مصطلح واسع في ميادين القواميس اللغوية ، ففي الفنون التشكيلية و خاصة في الرسم كان من الطبيعي أن تتطور المفاهيم الفنية من خلال محاولات الفنانين عبر الحقب الزمنية من مختلف الظاهر الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، و لقد اتخذ الفنان المداخل المتعددة فهناك المدخل الذي جاء وليد التكعيبية ذاتها  ، يبدأ الفنان بالاصل الطبيعي و يرى عمله من زاوية اختزالية حتى تفقد الاشكال الطبيعية صفتها بالاصل ويتحول هذا الاختزال الى مساحات لونية معبرة عن الكيان الانساني بمحافظتها على الاشكال بنسب و مميزات مختلفة التي جردت من أصلها الطبيعي و تحولت لحالات و تحولات ايقاعية مترابطة ليس لها دلائل بصرية مباشرة .و لهذا اضيف اليها صفات حتى أصبح لدينا أنواع مختلفة من التجريد و أنواع من “المذاهب التجريدية “.

فالمذاهب التجريدية متعددة  الأساليب ، و ينطوي تحتها  مذاهب كثيرة لها مداخلها و نزعاتها  المتنوعة ، و تمثل كل نزعة روادها و أقطابها ، و التجريد   هو قياس للفن ذاته و يمكن ترتيب مجموعة من الاعمال التجريدة حسب معيار هذا الفن . فالمذهب التجريدي في عمومه ، و ان كان قد حرر الفنان من تبعات التقليد و التشبث بمظاهر أكاديمية لا تمت الى الفن بسبب ، الا أنه كان مدخلا يوحي بانطلاقة أكبر نحو تحقيق ابداعات جديدة قوية ، تفوق ما تحقق بوحي تقليد الطبيعة ، الا أن هذا  أمر متوقف على موهبة الفنان ذاته ، و بصيرته النافذة ، و جرأته في تخطي المجهول و الكشف عنه .

فعنف التجريد التعبيري و مضمونه و قدرته على تحريك وجدان المتفرج ، كلها امور متوقفة على استلهام الفنان للتجربة الفنية من مصادرها ، و تبسيطها الى معدلاتها الاولى ، بحيث يستطيع أن يحسها كل شخص ذواق يتعامل أصلا مع لغة التشكيل الفني و مقوماته  . و مهما قيل عن التجريد ، فالموضوع لا يتقلص او ينضب ، لأن  له أبعادا كثيرة عالجها فنانو القرن العشرين ، و من قبلهم ، و ما زال المفهوم يحتمل معالجات جديدة ستأتي بها الايام . و المعنى العام الذي يجب التعرض له في المقام الاول ، أن هذا الفن مهما اختلفت مظاهره  يبقى اساسه التجريد ، و يعني أساس الفن هذا في احكام العلاقات التشكيلية بين الاجزاء و الكل ، أو بين التفاصيل و الصيغة ، فليست العبرة في التجريد بالمدلول الظاهر ، و انما بجوهر العلاقات و تأصيلها و احكامها ، كعلاقات محكمة لها مدلولات بصرية تكتسب بالتجربة ولا تتقيد ببداية واحدة ، لها مظهر واحد ، و انما نجاح الأعمال التجريدية منوط بقدرة الفنان في احكام الروابط بين عناصره و بعضها البعض ، و يؤكد الروابط التي تستند اليها شتى التفاصيل ، فحينما يتم هذا الاحكام بحساسية الفنان المرهفة تسير النتيجة في اتجاه الفن التجريدي و ان تفاوتت في مستواها او اذا قورنت بغيرها من القطع الفنية .

لتكن الاعمال التجريدية الجديدة بداية الحداثة و بحس موضوعي لأظهار ثراء الحركة الفنية في القرن الواحد و العشرين و بمدخل جديد لمقررات التذوق الفني في الحقول الفنون التشكيلية .

عمل الفنان التركي “اسماعيل كوبان” المتمثل في لوحته “القتيل” المملوءة بالحزن عبر أشكال انسانية مدمرة كاشارة واضحة للقمع فأشخاصه المرسمون و ذوو الملامح المشوهة تتكرر أشكالهم و عذاباتهم أمام الاضطهاد و التشرد ، باسلوبه “التجريبي”^ حيث استعمل مادة الفحم كوسيط و آداة للتعبير في لوحته “القتيل” ليبين هذه الفاجعة و أهله المفجوعين ، لقد أعطى السواد الحزن المخملي و عصبية متوهجة شطر اللوحة الى جزئين السواد و البياض ، فقوة اللوحة تكمن في التنافر بين هذين اللونين الأبيض بتدرجاته الرمادية الملتهبة و الاسود العميق ، فهو ذاك الفنان الذي يتحدث عن بلاده في واقع مؤلم  وعبثي ، حتى أصبح الفنان هذا العبث نفسه كتعويض للواقع المهدم الذي تركته الحرب ورائها لقتيل يجر  عاهته في شوارع وطنه تعبيرا عن  قساوة الحرب و مدى ظلمتها الطاغية .sami-jarkas

^- التجريبية: Experimentalism مدرسة فنية أطلق عليها هذه التسمية الفنان ” آسجار جورن”. فهي نزعة في الاعمال الفنية ، تثور على التقاليد و القناعات في التراث بحثا عن التعبير و عن طرق جديدة في التعبير عن أعماق اللاشعور و التعبير عن مفاهيم جديدة لطبيعة الواقع و اللجوء الىالاحلام و الشخصيات الخيالية و أطلق على أنصار هذه المدرسة “بالتجريبيين” في هولندا عام 1950.

ويتراءة لنا من خلال لوحة الفنان العراقي “ضياء العزاوي” بممارسته الفنية حيث  لأعماله الذي يعبر عنها بالبنية “الرمزية”^ و “التعبيرية”^ العميقة، لوحته صارخة مأساوية حيث يدمج لغة الرسوم بالحروف محاصرة في ذاكرته الحرة التي تتواصل ضد القهر و الموت بتعبيرية لزمن تنزف فيه الدماء البريئة . اللوحة تثير حالات انفعالية حادة ذات ثنائيات متناقضة و متصارعة، بمثابة شاهد للتاريخ يستحضر  صراع الموت الجماعي بطريقته المأساوية حيث قدم لنا الفنان العزاوي استبطان لهموم الحاضر الفلسطيني ، ليتخطى مجاله الخاص لوطنه العراق الى أرض العروبة فلسطين ، ليستجمع  عبر فلسطين خارطة الحزن و الاسى لشعبها المنزوف دما و ألما و حزنا في ايقاعاتها الدرامية . sami-jarkas

^- الرمزية :Symbolism مدرسة فنية تعني بالتعبير عن الافكار و العواطف لا بوصفها المباشربل بالايحاء و اعادة تركيبها بالذهن من خلال الرموز غير مشروحة و الموضوع يظهر عن طريق الايحاء و تحول بعدها الى اسلوب لايجاد بديل عن شيء آ خر و الرمز يضم صورة تتحول الى لغة رمزية .

 

^- التعبيرية :Expressionism المدرسة “التعبيرية” هي الطريقة التي يجسد بها الفنان أفكاره و مشاعره بشكل فني ، ترى هذه المدرسة أن الفن كله ينتمي بين الحدس و التعبير، اذ يحاول الفنان من خلال عمله أن يعبر عن عاطفة معينة ، و أطلق هذا الاسم على الاعمال الفنية مأ بين (1910 -1925). وتقوم التعبيرية على مذهب المنفعة العامة تركز على الفعل و صرخة الانسان ضد البيئة ، وهي الافصاح عن المشاعر بلغة تلقائية دون التقييد بالتعليمات المدرسية و الاكاديمية و تتميز بالانفعال الانساني .

أما عند الفنان “بشار العيسى” المنحدر من الاصول و الجذور الكردية ، نرى المعاناة بادية و معبرة في لوحته فتتأكد هنا أجواؤه المأساوية في حدة التعبير و قسوة الخط (الحبر الصيني) و هو يحرص على رسم نماذجه البشرية و تأكيد تعبيريته بدقة تجعله يتمسك أشد التمسك .. و تسجيل اللحظة المعبرة في ذروتها مستخدما اسلوبا تعبيريا و قد أحاطها بجو من  sami-jarkas.. و ألم و تكتسب الوجوه ملامح الضبابية كونها لحظة الصدق في التعبير عن الانفعالات الانسانية ، و تتسم كلحظة الانفعال الحاد الذي يكشف عن الضمير الامة و آلامها  ، فحين يتدنى الموت كمصير محتوم لشعب أذاق الاضطهاد و القسوة و العنف و تداعي الحس للكيان البشري ، و وطن يريد الحرية رغم الصعاب و أحداث الايام

ففي القطر العربي السوري تكمن أهمية الفنان الراحل”سعيد تحسين”(1904- …) Said Tahsin في دمشق باسلوبه المتميز بالمدرسة “الواقعية”^ و “التسجيلية” ^ و اكتسب شهرته منها، و التي ربطت تجربته بالتاريخ العربي و   عكست مدى تعلقه بالعروبة. sami-jarkas

باتت لوحاته تؤرخ للاحداث الهامة في التاريخ الحديث و من القضايا التي كانت تشغله دوما  “الخير و الشر” و “الحرية” و “الاستعباد”. و أعطى اهتماما خاصا للوحات التاريخية المعاصرة ، و السياسة الراهنة ، و هكذا صور لنا ” المجاعة في سورية أثناء الحرب العالمية الاولى” و”شهداء 6 أيار” و  “ميسلون” و “الهجوم على المجلس النيابي” و ” العدوان الثلاثي على مصر” و ” ستعودي يا ابنتي الى فلسطين” sami-jarkas و هنا ندرك أهمية الفنان العربي بالنسبة لحرية النضال الفني التشكيلي في الوطن العربي ، وكان أحد الفنانين الذين منحوا وسام الاستحقاق السوري لما قدم لبلاده ومن الذين كرمتهم الدولة في عام 1980 تقديرا لجهوده . وهو أول من طالب بتأسيس معهد الفنون الجميلة في سوريا . sami-jarkas

ففي لوحة المجاعة للفنان سعيد تحسين صرخة يطلقها الانسان لتسمو على الحكاية المروية أو على الخصوصية للجوع المخيف الذي تسكبه النظرة الثابتة على أهوال الحرب و ما تسبب به من عواقب وخيمة من الحرمان و التردي و تداعيات للانسانية التي حصدت الموت الشامل المحرك للعواطف ، و نجد تفسيرا و تبريرا بأثر رجعي للازدهار الغريب لمرحلة الكائنات الحية بالتعبيرات المشوهة كحدس ، و صرخة ألم و حزن تنذر بالاحتضار ، وهكذا يضفي كل شيء أقصى قدر من الكثافة على هذا النوع من الألم أو البؤس المتفجر في اللوحة . ويقنعنا الفنان “سعيد تحسين” بمنطق “الواقعية” السليم و يبرر كل شيء أمامنا . sami-jarkas

^- الواقعية Realism  : مدرسة تصوير فنية تقترن بالأدب على أنها نقل للواقع و دعوة الى أن يكون الفن و الأدب نقلا عن هذا الواقع ، و لقد أصبح هذا المصطلح شاملا وواسعا لا يدل على شيء بعينه ، و لهذا أضيفت اليه صفات شتى أصبحت هذه المدرسة تضم أنواعا مختلفة من الواقعية . هذا يعني نقل ألاراء من لغة علماء الاجتماع الى لغة الفنان و بمعنى آخر من لغة محكية الى لغة مرسومة .

مثال : الواقعية الطبيعية . الواقعية الموضوعية . الواقعية القومية . الواقعية التشكيلية . الواقعية التصويرية . الواقعية الساذجة . الواقعية المثالية . الواقعية الاشتراكية . الواقعية الاجتماعية . الواقعية التسجيلية . الواقعية التاريخية ..الخ. مثال على ذلك :

الواقعية الطبيعية : الفنان يخدم الطبيعة في اظهار جمالها دون التغير في وحدات عناصرها.
الواقعية الاشتراكية : الفنان هو خادم للدولة في تحقيق مقومات أهدافها .
الواقعية القومية : الفنان ملتزم بالقضايا التي تصور حق مصير العيش و ارتباط الانسان بأرضه .
و الى جانب صدق التفاصيل تتضمن “الواقعية” عموما العرض الصادق للشخصيات،   على أن “الواقعية” هي الوعي بالمشاركة في تجديد الانسان لنفسه، و الفن الواقعي هو الذي يكشف عن فردية البشر و تشابههم مع الآخرين و ينتج شعور المشاركة بين الناس ، فهو فن تعليمي أكاديمي و الموضوع الحقيقي للفن هو الانسان .

^- التسجيلية : تندرج في المدرسة “الواقعية التسجيلية” حيث أن الفنان يسجل الواقع العيني لما يشاهده من أحداث بطريقة مباشرة و بعرض صادق للمجريات بأدق تفاصيلها .  فالفنان يجب أن يجد الحقيقة مهما كانت الحقيقة  حتى لوغير ملائمة ، فيسجل الفنان ما هو حاصل مهما كان الثمن بكل ما في الحياة من قذارة و فقر و عنف و يأس . و المدرسة التسجيلية قديمة في العهد الفني مثلا الفنان الياباني “هيوتاكو” صاحب مدرسة “هيوتاي” تعني بالرسم التسجيلي و الحفر و هوسابق على نشأة المدارس التشكيلية اذ توفي العام 450 ميلادية . و الرسام التسجيلي الياباني “أنانو موس” في لوحته عن الحرب : أحراق  مدينة سانجو في القرن13م.   sami-jarkas

و لوحة “الحرب” عند الفنان اللبناني د. جميل ملاعب نرى في الأشكال هي القيم التعبيرية عن تجربته الشعورية ، sami-jarkasفنرى مدى نجاح الفنان في تنسيق عناصر بناء الأثر الفني ، فالخطوط عنده لها وظائف انفعالية الى جانب وظائفها الرمزية  فاستعمال الخطوط بدون أن نشاهد التدرجات اللونية في اللوحة فهي تقرر القضايا و نقل الاشارات الى الرائي بينما الاستعمال الانفعالي هو التعبير عن خلجات النفس ، و اثارة العواطف و المشاعر . فالخطوط المنحنية البارزة في اللوحة ترمز الى الليونة و الانسياب و السلاسة ، بينما الخطوط المنكسرة ترمزالى للقسوة و الشدة و الصرامة و العنف، فهي تحرك فينا المشاعر الرقيقة و الاحاسيس العاطفية عند المشاهد ، حيث نحس بها بفزع و ألم و غضب، تستتر خلف تلك المعركة تحفزا للثأر و الانتقام.التي تشعرنا بها الخطوط المتكسرة الصلبة العنيفة ، ذات الزوايا الحادة المتوترة . و طريقة الاداء الفني تكمن في كيفية استعمال الخطوط و ترتيبها و تنسيقها بحيث تتأثر بعلاقات بعضها بالآخر حيث أنها تسهل ترجمة “الشكلية”^ للمنظور بالبعد الواحد و تحركات الكتل ، وتجعل ادراك الشكل و المعاني الملموسة للحركة الرمزية  أكثر “تركيبية”^ بتأليف سينوغرافي .

^- الشكلية :Formalism مدرسة لها صفة عامة لكل اللأعمال الفنية ، تعتمد على “التقنيات” كأداة للفن و ترى أن تفكك الواقع هو الموضوع الرئيسي في الفن و ادراك الصعوبة هو جزء من التجربة الجمالية .

^- التركيبية :Inditing مدرسة تعني بتجميع لقطات صورية تتصف بارشاد المشاهد لرؤية مواضيع متسلسلة للوحة اللواحدة ، تعتمد هذه المدرسة على طريقة التناقض و التوازي في المدرسة “الرمزية” و بتعريف وجيز اظهار رسم “سينوغرافي ” كما لو أن المشاهد يتفرج الى شرائح تصويرية أو مسرحية .

لوحة معركة الهراوي في موقعة المالكية عام 1948 ، sami-jarkas  للفنان التشكيلي اللبناني سامي جركس،حيث أنه قدمها بطريقة المدرسة الوحشية^ بتناسق متزن بين الشكل الدائري و التربيعي بألوان صاخبة و جريئة من حيث الرسم التسجيلي لموقعة معركة الهراوي بقيادة النقيب في الجيش الليناني الشهيد   محمد زغيب كرمزا من رموز المقاومة  الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي.

^- الوحشيـة : Fauvism  مذهب في الفن ازدهر في ” باريس ” و أصبح مدرسة(1905_1908)على رأسه ” هنري  ما تيس ”  المعروف بالفنان الوحشي وتعتمد هذه المدرسة على الألوان الصاخبة و البسيطة التنفيذ المليئة بالطاقة والذي أطلق عليه مصطلح الضواري (الوحشي) و   المقصود بها الألوان الصاخبة بالتعريف الوصفي هو الناقد ” لوي فوكسل ” بعد أن شاهد بعض لوحات عدد معين من الفنانين .. امتازت أعمالهم بتحطيم المنظور و تسطيح الشخصيات ذات التأثيرات اللونية الضوئية الساطعة .

منحوتة ” يد المقاومة” للفنان النحات عزت مزهر sami-jarkas، عندما تحاكي المطرقة الإزميل تبدأ الكتلة الحجرية اظهار جمالية التكوين و الفراغات التي تعكس عملية الظلال الناتجة عن النور الساطع نحوها. المنحوتات النافرة لها بصامات الازاميل الجارحة و القاطعة لاظهار الثلم كحروف ناطقة للتعبير عن الفجوات المحدثة من جراء العملية النحتية عمل جسد به الفنان النحات “عزت مزهر” طلة تجسيمية ، انسجامية الاطياف  نحتت  و نهضت فوقها أشكالا منحوتة النتوءات بانسياب فني لتروي للرائي جمالية التحولات   و تبدلاتها بمملكتها المتجددة ابدا رافضة بحزم الروتين الجامد .. و لعل بذلك العمل النحتي قد توصل  الى تجميد حركة من حركات التشكيل الدائمة للحركة المطلقة .

^- النحت : Sculpture نوع من الفنون التشكيلية يهتم بعرض الجسم البشري على أنه تعبير مثالي عن الفن حيث توجد وحدة عضوية بين الشكل و المحتوى و تتوازن المادة مع الروح.و يقول ” هربرت ريد” إن النحت ليس عرضا في الفراغ بل إبداعات من الاشكال الصلبة التي لها قيمتها الداخلية من الكتلة و الحجم . و ويرى “هنري مور” بأن خصائص فن النحت قائمة على الصدق إزاء المادة و تحقيق للابعاد الثلاثة و تحويل الكتلة الصماء الى تكوين له وجوده الكامل و مزج مبادىء النحت التجريدية مع أفكار الفن الخاصة . و يعتبره “كامو” أعظم الفنون و أشدها طموحا و يستهدف تثبيت الصورة الانسانية العابرة  للشكل البشري الزائل فيرد فوضى الحركات الى وحدة الطراز.

لوحة السيادة  للفنان التشكيلي سامي جركس  sami-jarkasفي القصر الجمهوري عام 1994هي نحت بارز على مسطح خشبي قياسه 122 سنتمترا مربعا ، و هي مؤسسة من مواد مختلفة ، لذلك بلغ وزنها أكثر من 250 كلغ ، أما ألوانها و رموزها فهي تقوم على ابهة الشروق تقبض بقوة على السيف الذي الذي هو معيار للعدالة و السلطة فيما اخضرار الورق الشجري  هو اشارة الى لبنان الاخضر اما تعاقب الاقواس فإنها اشارة الى البناء الملازم للوجود اللبناني ، الكتابة الفنيقية عودة الى الفنيق مع التاكيد على ألوان العلم اللبناني بقيت حاضرة ضمن الاشكال الهندسية كحركة محورية لفك الثوابت في مسطح العمل .

^ – مودلاج Modelage المعنى اللغوي= التجسيم : المعنى الفني الاساسي هو من الفنون التشكيلية الشعبية من زمن الاغريق ( اليونان قديما ) المتمثلة بالنقوش النافرة و الغائرة على الجدران و الملاعب الرياضية و على النقود المتداولة ، و الجرار . و في عهد الرومان و اندماجها مع الحضارة الاغريقية ادى الى التنوع بالمواد المستعملة.

في الحاضر الحديث هو من الفنون التشكيلية التطبيقية ، و أصبح فنا قائما بذاته،يدخل في نطاق النحت التصويري ، يبدأ بواسطة عناصر المادة( الطين، الجص ، عجينةالاتربة الحجرية ، المعجون البلاستيكي ، الشمع ، الخشب ) . و هذه المواد لها صفات الطراوة قابلة للتحول و التغيير تخولنا تجسيم الاشكال الى منحوتات فتية رائعة .

فمن تجربتي الفنية في هذا المضمار و النظر الى التشكيلات المنوطة بالمحسوسات الشكلية حيث المسطحات و التجاويف الصادرة عن عملي الفني ، كنت أعتمد على التناسق النسبي للمساحة الكلية للموضوع المراد ابرازه و توظيفه في شكل معين ذات طابع هندسي ، ذات تجاويف نافرة و غائرة . النافرة هي نتؤات ظاهرية  تتاّلف مع النور لتعطينا ظلالا تدخل في نطاق الرسم الظلالي مكونة من خطوط ظاهرية على  المسطح المنحوت و تعطينا تدرجات ظلالية تدخل في حساب المنظور الفني للأشياء لترسم حولها اطر تباعد الكتل و تقاربها كلما أقترب منها الضوء .

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب – الجزء الثالث

بقلم : الدكتور سامي يوسف جركس

فالثورة بنضالها للحرية تنقذ المجتمع لكن بواسطة جراحة مؤلمة للغاية ،و الثقافة هي المحصلة العضوية للمعرفة و المهارة التي تميز كل المجتمع ، وحتى يكون الفن قادرا على أن يغير قدرته ، لا بد أن يتعالى الفنان عن الحياة اليومية مثلما يتعالى الثوري عن الواقع السياسي . و المفروض في العمل الفني أن يظهر للعيان النمو التدرجي لصورة ، لفكرة ، لحجة ، لحبكة حتى بلوغ أوجها، اذ أن الفنان الذي يبدع هذا الشكل و المتفرج الذي يتذوقه ليسا بآلتين فارغتين أولاهما منذورة لابداع الشكل و ثانيتهما لتثمينه و تقديره . فالعمل الفني يجب أن يحاكم قبل كل شيء بموجب قوانينه الخاصة أي بموجب قوانين الفن ، حيث ان تاريخ الفن وحده القادر على أن يفسر لنا لماذا و كيف ظهرت الاعمال الفنية في هذه الحقبة التاريخية أو تلك ؟، هذا الاتجاه الفني و ذاك أي من عبر عن حاجة الى تلك الاشكال الفنية دون غيرها و لماذا ؟. حيث يترافق مع الحياة الفنية التشكيلية أدب فني ، ومبدأ هذا الادب أنه عليه اتخاذ الادب وسيلة لاثراء الأفراد و الجماعات ثقافيا ولا يجب أن يكون ذا هدف فردي مستقل عن القضية العامة ، وعلى أن الادب الثوري منه عليه أن يكون جزءا من القضية الخاصة بتقدم المجتمع لتحقيق العدالة الاجتماعيةحيث أن الأدب ينظر الى العالم بعيون الطليعة ، وموضوع الأدب الفني في حرية النضال المقاوم في الحياة التشكيلية كان دائما هو الانسان في العالم . و كتابة الأدب السياسي طريق من طرق ارادة الحرة . و وظيفة الفنان التشكيلي ليست ابهاج الجمهور بل الامساك به من خناقه و اعادة تنظيم العالم على أنه صادر عن الحرية على أساس أن الأديب الفني و السياسي شاهد على العصر ، وأساس الأدب العظيم في رأي “لوكاتش” :- ( العالم المشترك للناس الايقاظ و هو عالم الناس الذين يكافحون في المجتمع و يعملون في كفاح مع بعضهم بعضا و من أجل بعضهم بعضا و ضد بعضهم بعضا و ليسوا سلبيين لا يحس أحدهم بوجود الآخر) .

فاذا كانت الواقعية الاجتماعية تستهدف الانسانية و ثورة النضال لحرية الشعب فلابد كذلك الامر أن تستهدف له المستقبل الوردي بحيث تكون نهاية نضاله لأجل الحرية مضيئة في ظل الواقع . لا يعني على الاطلاق نقل صورة الواقع بل محاكاة نشاطه حيث أن الواقعية لا تطالب العمل الفني بأن يعكس الواقع في شموله ، وذلك بان يرسم خط السير التاريخي لمرحلة معينة أو لشعب معين ، وأن يعبر عن الحركة الاساسية للمجتمع و عن أبعاد المستقبل فكل ذلك مطلوب من الساسة لا من الفنان و القيمة الاخلاقية للفن لا تتمثل في اسداء النصائح أو توجيه المواعظ بل في ايقاظ وعينا ، و القضية الأساسية بالواقع و بالحياة هو الموضوع الأساسي في الفن “النضال لأجل الحرية” . ان العمل الفني له غاية، غير ان غايته في ذاته، لانه بمجرد وجوده يحقق لونا من ألوان الحركة الشعورية . وهذه ذاتها غاية انسانية حيوية .

samy-jarkas
و نطلع الى الرسم الذي قدمه الفنان الامريكي “جوسبر جونز”(1930جنوب كارولينا) و دعاه “الهدف” سنة 1955 ليؤكد على خصوصيته بين الكثيرين من الفنانين الامريكيين المعاصرين الذين أتاحت الحرية المطلقة لهم أى يتساءلوا عن جدوى ما يعملون . فأعمال “جوسبر” غاية في البساطة ، و المعروف بتواضعه و تحفظه بأسلوبه “بالدادائية”^ Dadaism ، و المعروف أن “جوسبر” بعد قضائه سنتين كجندي في الخدمة العسكرية الاميركية متدربا على شتى أنواع القتال المفروضة عليه كمقتال عسكري و منها الرماية على الاهداف الوهمية و ما شابه ، الى أن تتحول هذه الرماية الى أهداف حية في حرب “فيتنام”، فمشاعره كفنان غلبت عليه في تعبيراته تجاه الحرب ، وفي عام 1954 وفي لحظة انفعالية قام باتلاف كل أعماله ، و في عام 1955 قدم عمله ” الهدف” كتعبير عن الاهداف الحية التي قتلت في حرب “فيتنام” حيث وضع قوالب من الجص لأشكال آدمية متسمة بالكثير من الغموض عبر ادخال الوجوه الآدمية خلف لوحة “الهدف” ، و أنه من خلال هذه الاشكال المتجاورة كان يثير كوامن كثيرة للفكر، و كان مولعا بعادة رش الحبر فوق رسومه جميعا حال الانتهاء منها . و يستثير “جاسبر جونز” بصفته استاذا متمكنا من أدائيته و متفردا بخصوصيته الدهشة و الحيرة و المشاعر الغامضة في ايطار “الدادائيين” . فلوحة “الهدف” تخاطب العقول و الضمائر و تعطي الوعي و الوعظ للشعب الامريكي و غيره حول تجنيده في حروب ضد الشعوب الاخرى ، و ما تخلفه من اعتداء على الانسانية و سلب مقومات عيشها بقتلها و سفك دمها ، و اغتصاب أراضيها و شرذمة استقلالها ، و تدنيس الحريات العامة ،وشرعة حقوق الانسان وتهشيم حق الانسان في الحياة.

^- الدادائية : Dadaism مدرسة فنية تهاجم جميع الأشكال التقليدية للفنون و تدعى Antidada و مصطلح الدادا Dada طرح عام 1916 ليدل على رد فعل ضد وحشية الحرب و تستهدف تدمير الفن مع المجتمع البرجوازي و سياسة الظلم و الاستبداد ، فهي ليست ضد الفن عامة بل ضد سؤ استخدامه ، وهي ضد المجتمع اللانساني . و أخذت من المستقبلية و الاعتماد على التجريب و تهتم بالحرية المطلقة و تقف ضد القواعد و المثل و التقاليد و شعارها الأساسي ( لا شيء). هذه المدرسة تضم فنانين من فرنسا أمثال “تريستان تزار” و “مارسيل جانكو”و”هانز أرب” و “ريتشارد هوبلسنيك” من المانيا . التقوا في “القاهرة” و أسسوا مجتمعا فنيا ترفيهيا ذات أنشطة فنية مختلفة دعوها الدادا Dada تعني “الحصان الدمية”(اللعبة).

ألفن عموما لأكثر منجزات الفنانين العظام يستمد زخم عظمته من مسرح التاريخ، فهل يمكن أن نفترضه تاريخا ؟ طالما هو يصدر حوادث جرت و يتمثل أبطالا عاشوا ووقائع حدثت؟. و هل يشترط في الفنان أن يكون مؤرخا رغم الذي يستمده الفن من التاريخ ؟ كون التيارات الفنية في بعض الاحيان لا تتماشى مع الظروف التاريخية ، وقد تبدو شاحبة تبعا للقول المأثور :-” الفنون في عصر من العصور مرآة لذلك العصر”، و كون الأزمات السياسية و العسكرية قد لا تلاحظ في كثير من أعمال الفنانين التشكيلين و قد تكون مبتورة، ورغم ذلك يلحقهم المجتمع في صفوف الخالدين ، لذا فلولا الثناء الذي يكون حافزا للفنان على التقدم و العمل ، لظلت جذوة الفن خامدة، وبواعث الابداع ضعيفة، وأسباب العطاء سرابا. ولولا روح المعاني الانسانية التي تخلفها الفنون في النفوس عند تذوق آثارها ، فتشيع بين الناس لتولد لديهم مشاركة وجدانية فعالة ، تعمل على تدعيم التكتلات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في نطاق الانسانية و المجتمعات العديدة و البيئات المتنوعة . والتي كانت من أكبر المقومات التي عملت على تقارب القبائل و الشعوب القديمة بعضها من بعض، على أن الفن يتأثر به الشرقي و الغربي على السواء لا يعرف الحواجز ، وحين نبرز الأثر الفني الذي يدركه الفن في الاطار الانساني ، يجب أن ندرك فورا هذا الدور حين يمسي أداة للتفاهم العالمي للبشر حيث لا يعترف بحدود تقيمها الاعتبارات للسياسيات الاقليمية و الدولية و العالمية .

ان انطلاقة الثقافة العربية تكون وفقا للدفع السياسي العربي في التاريخ ، كما أن انحسارها يكمن في تراخي الدفع السياسي الذي شهد فتورا في نهاية العصر العباسي و ازدادت انحدارا حتى القرون العثمانية ، و في فترات متفرقة من القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر يتبين لنا الانحطاط الذوقي و الفني و المعرفي وفساد القيم ككيان مسجون في ظلام العجمة و سراديب الغربة في متعرجات التاريخ ، فالفساد فكرا و توجها يدلنا على زمنه ، ويتضح أمامنا فساده و سقوطه مع مرور الزمن ، أي كلما تحرك الوعي في حرية النضال الفكري و اتسعت الاضاءة المعرفية ، فقد استطاعت الامبراطورية العثمانية أن تغرب التراث و الثقافة العربية بكامل مظاهرها طيلة ثلاثة قرون وذلك عن طريق اذلال الانسان العربي و تحويله الى كائن يبحث عن أبسط أسباب بقائه خاصة في القرن الثامن عشر و تجنيد العرب للحرب دفاعا عن وجودها و نشر المجاعات و تحل التقدم بالثقافة العربية و فنونها و أدابها في الابداع الى الجمود و القهر و ظلمة الفكر و الوعي و المعرفة .

ففي العراق كان يتردى الفساد المعرفي نتيجة ترد حضاري محزن، من خلال حالة الاستهزاء و الاذلال و فقدان أي بعد انساني لها . فلا منظور سياسي ولا هم وطني ولا تطلع انساني بسبب فرض الاستعمار حالة الانسحاق التي كان يعانيها عرب العراق ، فوجدوا رواد الفكر ان التخلف نتيجة من نتائج الاستبداد و ان الحرية تقضي الى التقدم و الاستشهاد في سبيلها . ويمكن أن نلتمس أثر المؤثرات الفكرية كعامل أساسي للتحرر في عدة جوانب ، كون مفهوم الحرية و نسبتها بين بيئة و اخرى و بين شعب و آخر و بين حال و حال ، متفاوتة فالغرب امتلك ارادته ودفع ثمنها ، بينما ارادة الشعب العراقي كانت مرتهنة رهنا بيد الانتداب و كان المستعمر يقيم حكومات ينتقي افرادها من عملائه في الوزارات . قد ذكرها الشاعر “الرصافي”في قصيدة ” الوزارة المذنبة ” كادانة لعملاء الاستعمار .

يقول:-

أهل بغداد أفيقوا من كرى هذي الغرارة

ان ديك الدهر قد باض ببغداد وزارة

فكان الحكم و العدل بها قط و فارة

كم وزير هو كالوزر علم ظهر الوزارة

ووزير ملحق كالذيل في عجز الحمارة

أدركوا الحق فقد شنت على الحق الاغارة

لا تسل عنه وزير القوم و اسأل مستشاره

فوزير القوم لا يعمل من غير اشاره

و هو لا يملك أمرا غير كرسي الوزارة

يأخذ الراتب اما بلغ الشهر سراره

ثم لا يعرف من بعد خراب ام عماره

وجاءت الدعوة الى التحرر الوطني فقال ” الكواكبي”:-” في الاستبداد و الجمود . ( و أما الاستبداد فانه يقلب السير من الترقي الى الانحطاط ، من التقدم الى التأخر ، من النماء الى الفناء )”.

في سوريا كانت نفس حال الركود التي كانت سائدة في سائر الاقاليم العربية التي تشكل اجترارا لعصور الانحطاط ، و أخذت صورة الابداع الثقافي تتجلى بين الانقاض و الركام بعد الانفلات من قبطة العرش العثماني أي بعد منتصف القرن .

في مصر حدث الانكفاء ذاته بعد الطوفان العثماني ليعم العقم و الجمود وتتراجع النهضة تحت ظل الفساد في النظم السياسية و الاجتماعية ، ولم يستطع أي مؤرخ أدبي في المغرب أو الجزائر أو تونس أن يقدم شيئا عن التقدم في الحياة المعرفية الفكرية و الادبية ، و امتدادا الى شمال أفريقيا ، بسبب التجاهل العثماني الذي فرض الظلمة في الحياة الفكرية ، فحرمها من الابداع الفني المعرفي . و محنة التغرب الاوروبي عن اللغة العربية و آدابها . مما أبطأ بلحاقهم بعصر النهضة العربية. وفي أوائل القرن العشرين حيث تحركت فصائل الشعب العربي في الاقطار الاربعة ، مطالبة باثبات وجودها في الخروج عن الوصايتين العثمانية و الاوروبية . ففي المغرب كانت النهضة باهتة في عهد الحماية ، حيث بدأ عصر النهضة المغربي بعد عقود من القرن العشرين . و في الجزائر يغفر لها التطور في هذا القصور لتغريبها عن اللغة العربية اضطرارا ، وفي تونس كان الاسراف في التقليد مسرفا و مخجلا مما يدل على فساد الذوق الادبي و انعدام الرؤية طوال العصر العثماني ، لكنه أفضل من الجزائر و المغرب و ليبيا . حيث في ليبيا كما غيرها من أقطار المغرب العربي حيث ساد الظلام الذي سيطر على الثقافة العربية منذ انضواء العرب تحت الراية العثمانية . فقد اصيبت الثقافة في ليبيا بالعقم الفكري كما واجهت تحديا حضاريا واحدا متمثلا في الاستعمار الغربي.

وفي الجزيرة العربية بحجازها و يمنها فقد أبدى الأديب الراحل “طه حسين” أسفه و أساه على الحالة المبكية التي تردت فيها الثقافة في الجزيرة العربية في هذه البقعة المشعة في التاريخ الحضاري العربي ، وكيف وصلت الى هذا الظلام الحالك.

و نلخص من هذه الاضاءة التاريخية الى أن الثقافة تمثل الطاقة القصوى و المتوترة للابداع العربي وصلت الى مرحلة الانحطاط تتشابه تفاصيلها في كافة الاقاليم العربية ، والاتخلاع من شروط البيئة و التعامل السطحي مع التراث و غياب المنظورين الفني و الحضاري و دون أن تسجل لنا فترة الانحسار الثقافي أي أثر للفكر العربي ، حيث كان عليها أن تنتظر التفجيرات الحضارية من سياسية و ثقافية نهضوية ، لتتوالد حضورها في مفكرة الابداع العربي .

فالفترة الزمنية الواقعة بين القرنين الثامن عشر و التاسع عشر ، أنجبت دفعات متلاحقة من رجال الفكر و الابداع قدر لهم أن يشكلوا خصوبة لوجودهم طيلة فترات العصور المظلمة . و كما تتجمع الكيانات العربية اليوم رغم ما بينها من تناقضات فكرية و سياسية على ضرورة التخلص من اسرائيل ككيان استيطاني ، كانت روسيا القيصرية و أمريكا و فرنسا و بريطانيا و المانيا و ايطاليا رغم التناحر السياسي و التناقض الفكري و الايديولوجي فيما بينها ، تجمع على ضرورة التخلص من العثمانين مع شرذمة الفكر العربي المعصر تجاه اسرائيل ، و الاستعمار التوسعي لدى تلك الدول . حيال الوطن العربي ، وتجمع هذه الدول لانهاء الامبراطورية العثمانية ، لا حبا بالشعوب المسحوقة تحت ثقل الاتراك ، بل رغبة في ابتلاع تلك الشعوب باسلوب جديد.

و يبدي لنا التاريخ مثلا أن فرنسا تركت مصر لتحتل الجزائر عام 1830 و هنا أستشهد بما قاله الدكتور أسعد السحمراني* 🙁 ” من غير المقبول أن يقال لا دخل لسياسة اليهودية – الماسونية في تورطها في تاريخ الحروب ضد الانسانية ، حيث أن هذه الحركة انشئت لخدمة اليهود ليس الا . ويذهب هذا المذهب “لوسيان كافروديمارس” الذي يربط التمهيد لنشأة العمل اليهودي من خلال الماسونية و سواها بقرار أصدره “كاثوليكيان” هما “فردينان” و “ايزابيل” في 30 آذار 1492م بطرد ثلاثماية ألف يهودي من اسبانيا على أثر الحروب الصليبية ضد العرب و يقول عن ذلك :

” بعد ستين سنة على طرد اليهود من اسبانيا ، حطم اللوثريون الالمان الوحدة الكاثوليكية بالتضامن مع جماعة كالفان الفرنسيين و الانكليكان الانكليز. ( و الاسم الاصلي لكالفن فهو كوهين ، وقد غير اسمه من كوهين الى كالفن ابان انتقاله من سويسرا الى فرنسا للتبشير بدعوته ) و بدأت الحروب الدينية .. ففي باريس أدت الثورة الماسونية (1789) المنتظرة بفارغ الصبر في كل من هولندا و انكلترا، لا سيما في الاوساط اليهودية في أوروبا, ثم أدت الى حروب “نابليون” و امتدادها الاستعمارية و الحروب العالمية تنفيذا للعقد السياسي الخاص بالصهيونية العالمية الحالية ..و من جهة أخرى أصدر الكونغرس البرتينتي الاميريكي قرارا بهدم الهند الصينية”.

ان شيئا من هذه المعلومات يؤكدها اليهود أنفسهم و يكشفون عن دورهم في الثورة الفرنسية ، و بما أعقبها من معارك تنتقل بالناس من هزيمة و خسارة الى أخرى، فلقد جاء في البروتوكول الثالث :

*الدكتور أسعد السحمراني : استاذ فلسفة في جامعة بيروت العربية – و كلية الامام اللأوزاعي للدراسات الاسلامية – مؤلف كتاب”الماسونية” نشأتها و أهدافها . الطبعة الاولى – 1988- دار النفائس – بيروت\لبنان .

” اذكروا الثورة الفرنسية التي وصفناها بأنها عظيمة، اننا نعلم أسرار اعدادها لأنها كانت من صنعنا، و منذ ذاك التاريخ لم نزل نقود الجماهير من خيبة أمل الى خيبة أمل حتى يتنازلو لنا لصالح ملك مستبد من دم صهيوني الذي نعده للعالم “.

و كانت تلك القوة الاستعمارية تدفع العرب لخوض الحرب العالمية الاولى لحسابها ، حيث هلك مئات الآلاف من المقاتلين العرب ، مرة للدفاع عن العثمانيين و مرة أنكى للدفاع عن البريطانيين و الفرنسيين ، و في كلا الحالتين قد جروا جرا الى قتال وحشي ليس لهم فيه أي مصلحة .

لكن الحديث عن عظماء الرجال في الثقافة و الآداب و فنونها ، الذين تدفقوا على التاريخ العربي بدءا من أواخر القرن الثامن عشر و استمرارا حتى استقلال الوطن العربي . فمع اطلالة القرن التاسع عشر تحركت النهضة العربية بصورة انفجار و بنفس الوقت كان هؤلاء الرجال قد توزعوا بين حالتين ، حالة احياء الحضارة العربية التي تحولت الى ذكرى، وحالة الدفع الحضاري الاوروبي ، الذي ارتفع بالانسان الى مراتب الخيال ، ومع نشاط هؤلاء الرجال ومع معرفتهم للمحفزات التي دفعتهم في النهوض و الاصلاح في سبيل الثقافة العربية و الابداع الفني و الادبي . فكانوا مسؤولين عن تسهيل نهضة الثقافة العربية و الابداع الفني ، و الذين أفنوا أعمارهم لجعل اللغة العربية سهلة الوصول و التوصل ، وفي نشر التراث القديم و الحديث عنه ، كما انتشرت منارة التنوير الفكري ، التي عبرت عن آراءهم في الحكم و الحرية و التشريع واضحة و تبين ازدهارها في الثلث الاول للقرن التاسع عشر، ممهدين للمجتمع بالتقدم الى الامام ، ومستفيدين من الحضارة الغربية دون الانخلاع عن جذورهم العربية ، وأحسوا أن حالة التعريب هي المنقذ من الظلام و الجهل . وكان هاجسهم تعرية الظلم و كشف مساويء الاستبداد و التسلط . و تكون دائرة الابداع و الثقافة انطلاقها من عاملين هما :

ازدياد الوعي الذاتي و القومي و الانساني مع ازدياد درجة الثقافة و تطورات الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية في الوطن العربي .
كثرة المؤثرات و المنبهات الاجنبية الوافدة و التي ترسخت مع الحركات التبشيرية منها الانفتاح على الترجمة من فرنسية و انكليزية و المانية و روسية . و منها البعثات الفردية و الجماعية الى البلاد العربية .

و نذكر بعض رجال النهضة الثقافية أمثال :

رفاعة الطهطاوي – ناصيف اليازجي – خير الدين التونسي القوقازي – أحمد فارس الشدياق – بطرس البستاني – جمال الدين الافغاني – علي مبارك – فرنسيس مراش – عبد الله نديم – عبد الرحمن الكواكبي – الامام أحمد عبده – فشبلي الشمبل – سعد زغلول – قاسم أمين – رشيد رضا – شكيب ارسلان – رفيق العظم – لطفي السيد – محمود التونسي حسين بيهم – خليل اليازجي – عبد الله فكري – علي اليثي – شاكر شقير – نجيب الحداد

عائشة التيمورية – محمود و سامي البارودي – خليل خوري .

وقبل انتهاء القرن التاسع عشر نرى التوهجات الابداعية لعصر النهضة العربية سواء في لبنان و سوريا و العراق و مصر تتدفق على الارض العربية رغم استدراجها الى فخ الحماية و استيلاء بريطانيا على بعض تلك الدول و فرنسا على بعض الدول الاخرى . رغم الصعاب للسياسات المحلية و الدول العربية في وجه الاستعمار ، شكلت هذه النهضة العربية مكاسب ثقافية و حضارية و كان تحولا في حياة الكيان العربي ، الذي يبشر بالنهوض من تحت الركام رغم الاحزان و الاوجاع العربية التي فرش عليها الدم و الدمع و الوجع و العذاب ، لتتفتح مشاعر الشعوب العربية أثناء الحرب العالمية الاولى و اعلان ثورة الجزيرة العربية عام 1916 ، و مع الثورة يعلق والي الشام العثماني “أحمد جمال باشا” واحد و ثلاثين مفكرا و مناضلا من عرب الشام و لبنان على أعواد المشانق ، هذا الثمن من أرواح المفكرين و المجاهدين الاحرار الذين عرفوا أن لطلب الحرية لا بد من الاستشهاد في سبيلها، لذا ان الاحداث الكبرى في حياة الشعوب تترك بصماتها على الابداع و الثقافة .

أستكملت النهضة العربية منذ بدايتها أي أكثر من قرن و نصف، حيث بدأت الاحتكاك بالغرب ، فهي مزدوجة تؤكد من جهة ضرورة حفاظ العربي على أصالته ، و من جهة أخرى الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة ، و التضامن العربي عامل هام من عوامل النهضة لأغناء جهدنا التحرري المرتكز على الهوية العربية و الانتماء العربي الصادق . و كما يقول الدكتور “قسطنطين زريق “:-( .. و نحن العرب ، كما هو معروف ، محاطون بأخطار هائلة تنفذ الى صميم كياننا . منها الاستعمار بأشكاله المختلفة الذي يعمل لاستغلال مواردنا و لتمكين تبعيتنا و للتحكم بمصائرنا ، و منها الصهيونية الاستيطانية التوسعية التي توضد أركانها في فلسطين و تسعى بمشاركة القوى الاستعمارية الدولية الى بسط سلطانها العسكري و الاقتصادي علينا و الى امتصاص قدراتنا بالحروب و غير الحروب لنبقى في تخلفنا بل لنمعن في هذا التخلف “).

اذا لا نهضة عربية بدون تضامن عربي صادق ، و منها تنبع الحريات العامة و مقومات نهضة حرية النضال الفني التشكيلي و التحسس بجمالية الابداع الفني العربي . و التضامن العربي ضرورة ، فنحن بحاجة لما يجمعنا و يوحدنا للتصدي للتحديات و ذلك بوحدة المواقف القائمة على وحدة المصير ووحدة الاهداف . فيجب تصحيح نهج المسيرة الحضارية و يكون الابداع و الابتكار و العطاء ضمن اطار العصر الذي نعيش فيه ، فقد جاءت أصالتنا من ابداعاتنا و عطائنا ، ولتبقى أصالتنا و ابداعاتنا في تدعيم النهضة العربية. فلا يجوز التمسك ببعض مظاهر التعبير التقليدية الضيقة المعارف ظنا بأنها تحفظ أصالتنا ، فهو وهم لا يقودنا الا الى المزيد من الابتعاد عن الاصالة و الابقاء على هامشه ، فاذا قدر لنا أي دور في هذا فنحن الاصلاء حقا، و اذا بقينا خارج المسيرة الحضارية فنحن المتخلفون . فالتطور المعرفي يسير في العالم بخطوات سريعة لا يمكن اللحاق بها دون جهود مخططة و مبرمجة و مدروسة لتكفل للجيل الآتي تفعيل و تدعيم النهضة العربية و فنونها و آدابها بالابداع و التجديد .

و تعقيبا على قول يردده أصحاب السياسة :-” لا يوجد في الحياة أخطر من أسلحة الدمار الشامل في أيدي القادة ، وأخطر من الحكم في أيدي الحكام”. الى هذا القول يمكن أن نضيف أنه لا يوجد أخطر من حرية النضال الفني التشكيلي في يد الرسام و النحات ، ولا أخطر من قلم في يد الاديب و الكاتب ولا أخطر من كلمة الشعب بحق الظلم و الاستبداد و الحرية المغتصبة و المبتورة.
samy-jarkas-03a
و للتأكيد على هذا التعقيب يأتي عمل الفنان اللبناني”نوريكيان”Nourikian المنحدر من أصل أرمني كسفير للمعاناة للانسانية المعذبة و الحزن للمشاعر المكبوتة ، الذي يجسد مشاعره تجاه بني جنسه، ليجعلها ببراعة أداة تحريض و دافع ثوري لشهوة الثأر ممن تسببوا بها من الجلادين الذين تحكموا بمصائر العباد في يد العنف و الاغتصاب في أرض الاجداد “أرمينيا” من ناحية ، و أرض الوطن الذي ترعرع فيه من ناحية ثانية ، حيث نرى في أعماله نتائج الحرب و التهجير و التيتم و القهر و العذاب عبر الاحداث التي عاشها مرارتها في كلا الناحتين بالأسلوب “الانطباعي”^ ، محاولا الانتفاضة على أعداء الانسانية .

^- الانطباعية : Impressionism هذه المدرسة تهتم بتحرير الرؤية الفنية للطبيعة بعد كشف الأساس العلمي لطبيعة الضؤ على يد ” نيوتن” و تبين الحقيقة على أسس ضوئية أدت الى التغير و التحول بالألوان لدى الكثير من الفنانين بمواضيع لوحاتهم . ولهذا ثارت الانطباعية (أو التأثيرية ) على النزعة الأكاديمية التي تهتم بنقل الانطباعات من خلال رؤية الذاتية . ظهرت هذه الحركة في سنة 1860 و تعتمد على نقل انطباعات الفنان باسلوب لوني خاص و جديد .

يقول استاذ الفلسفة الدكتورأسعد السحمراني* :- ( ..” ان الابادة الرهيبة لمليون و نصف المليون من نصارى الأناضول و كليكية من الأرمن المجتهدين، الفخورين، الفنانين، بنائي الأماكن المسيحية و السلجوقية في آسيا الصغرى ، ظلت مثال الابادة في العصور الحديثة التي لا تغتفر، و عار يطعن الى الابد شرف النخبة الغربية المثقفة الواقعة تحت سيطرة اليهود . ووفقا لتقرير “لبسيوس” (1916 – 1919) ، الذي لا يمكن دحضه ، تم تحضير و تهيئة هذا التدمير الرهيب بصورة منظمة من سنة(1915-1918) على يد محفل “سالونيكا”الماسوني ، وذلك بحضور بعض السفراء في اسطنبول ، أمثال الالماني “ونغتيهيم” ، و الامريكي “مورغنتو” و كلاهما يهوديان من الاساتذة الماسون المتنفذين ..و تجدر الاشارة الى أن المنظمات الصهيونية في كل من نيويورك و لندن و برلين ، و الممثلة بالجالية اليهودية في اسطنبول قد عرفت و تابعت هذه المذابح الجماعية في مراحل تهيئتها و تنفيذها، و كان “بن غوريون” المحامي العثماني بين هذه الجالية شاهدا علىكل شاردة وواردة قام بها الاتراك، حيث أن اثنين من النافذين في السلطة العثمانية بعد سنة 1908 هما “أنور باشا” و طلعت باشا” ، و الاثنان من محفل “سالونيك الماسوني” و يرجعان الى أصل يهودي كانا وراء التخريب الذي حصل في سنة 1909 في احراق مدينة “أضنا” الأرمنية، وذبح عشرين ألف أرمني فيها، و الثانية اعلان الحرب على الحلفاء في الحرب العالمية الاولى ، في كانون الاول 1914 ، ووصول جماعة الاتحاد و الترقي الى السلطة، و هذه الجمعية انبثقت من محفل “سالونيك”، ومن نتائج التخريب الماسوني – اليهودي في الخلافة العثمانية و نقل السلطة الى جماعة الاتحاد و الترقي ما قال عنه “لوسيان كافروديماس” :- (“لقد أدى الجرم الصهيوني الماسوني، بتناسي حقوق الشعوب في الاستقلال بالنسبة الى العرب و بازالة كليكية الأرمنية منذ 27 قرنا و شعبها المسيحي العريق، الى خمس كوارث في النتيجة: 1- انبثاق دولة يهودية يعتبر خرقا لحقوق العرب، و استفزازا لمجموع العرب و الاسلام. 2- ابادة الطوائف المسيحية الأرثوذكسية و الكاثوليكية في آسيا الصغرى.3- ازالة كليكية، فتم سبي الأرمن للمرة الرابعة في غضون 23 سنة، و التخلي النهائي عن سنجق الاسكندرونة 1938 حيث قام الحاكم الفرنسي الكولونيل ” كوليه” الماسوني بتزوير استفتاء بنسبة51 باشراف عصبة المم . 4- رفض الحكم الذاتي “لكردستان”.5- انتداب عسكري مفروض على البلدان العربية) .

*المرجع السابق ص112\113\114.

(يتبع الجزء الرابع)