فائدة الإبداع بين أفلاطون وأرسطو

يصنف الإبداع ضمن خانة الموضوعات الانسانية الأكثر دقة وحيوية وصعوبة من حيث الدراسة والتناول ، وما يقتضيه ذلك من استحضار ووقوف عند مختلف الجوانب المتدخلة في هذه العملية الكيميائية المعقدة ، خصوصا عندما يلتقي ذلك مع كون الإبداع إدمانا محمودا على التمرد والثورة الدؤوبين على القواعد القائمة والقوانين الثابتة والقوالب الجاهزة ، وذلك بهدف التفرد والتميز عن الأقران والنظائر من خلال استثمار شحنة انفعالية تحركها دوافع تعتمل فيها الذاتية والموضوعية ،فتبث طاقة إيجابية ملهمة في العمل الأدبي الإبداعي ، من خلال الارتباط بمادة خام – يبقى تحديد مصدرها من أكبر الاشكالات إلى يوم الناس هذا – ينطلق منها المبدع لتشكيل صور فنية تحمل تجربة إنسانية في شكل يستعصي على الضبط والتحديد والتسييج كلما ارتفع منسوب القدرة الابتكارية وازداد حجم التحرر من النموذج وسطوته التي تقف سدا منيعا أمام سياحة الذات في محيط الابداع الفسيح .

فمن شأن الابداع أن يواجه الموت ويهزمها ويتيح لنفسه الخلود على امتداد الحياة الأزلية – الفانية وقد عبر عن ذلك الشاعر العربي نزار قباني في أحد حواراته بقوله “لا يهزم الموت إلا الفن ، والفنانون هم الوحيدون الذين يخافهم الموت ويحسب حسابهم ، فشكسبير زاره الموت من أربعمائة سنة ولكنه لم يستطع أن يصرعه بالضربة القاضية ، ف(هاملت) لا يزال حتى الآن واقفا في حلبة الملاكمة يرد ضربات الموت ، ولم تنته المباراة بعد ، والمتنبي هاجمه الموت أكثر من ألف سنة ولكنه هرب أمام شجاعة المتنبي وصموده وكبرياء نفسه ، إني عندما أكتب شعرا أشعر بالقوة والمناعة فالشعر (…) هو شهادة تأمين ضد الموت .” (حوارات مع الشعراء العرب) .

وقد رأى أفلاطون عكس ما سبق في التعامل مع الشعراء وما تجود به قرائحهم من إبداع وفن ، فالفن عند أفلاطون يساهم في إفساد شباب أثينا وذلك لأن “الفن قائم على المحاكاة (فهو) بعيد كل البعد عن الحقيقة ، ولذا كان يستطيع أن يتناول كل شيء ، (وبالتالي فإن) هذا الجزء ليس إلا شبحا ” ، أما أرسطو فقد عمل على إقامة نظرية المحاكاة التي أسّس بنيانها أفلاطون على أسس جديدة تطبعها الإيجابية والمنفعية وذلك من خلال اقترانها بعملية التطهير وأثرها المحمود على نفوس الجماهير ، والتي ” يؤمن فيها أرسطو بأن التراجيديا تنمي عاطفتي الشفقة والخوف ، ولكنها تجعل المشاهدين أكثر قوة من خلال عملية التطهير ” ، كما يرى أرسطو “أن الأديب حين يقيم فنه على المحاكاة فإنه لا يكتفي بالنقل فقط ، بل يتصرف في هذا المنقول ويحاكي ما يمكن أن يكون أو ما ينبغي أن يكون بالضرورة أو بالاحتمال” فيغدو الإبداع بذلك وفق تصور أرسطو ذا طابع مثالي ينحو تجاه تجاوز الواقع المشوه ويرفض أن يكون مجرد صورة طبق الأصل عن الحياة الانسانية المحمومة .

نلاحظ مما تقدم أن قيمة الابداع الفني – الأدبي تتفاوت بين الفيلسوفين “العظيمين” أفلاطون وأرسطو ، فقد بخّس أفلاطون من قيمة الفن والأدب ممثلا في الشعر واعتبره خطرا شديدا لأنه يفسد شباب أثينا التي لم تكن في حاجة إلى الشعر ، وقد عمل أفلاطون على حماية شباب المدينة من خطر الشعر خصوصا وأنهم في طور التشكيل والبناء ، إذ قسّم أفلاطون المجتمع إلى فئات هرمية القيمة ، متراتبة الأهمية تأتي على رأس قائمتها فئة الحكام – السياسيين مرورا بفئة الجنود وانتهاء بفئة العمال والصناع والحرفيين وما تبقّى من مكونات المجتمع ، الذي يراه ويريده أفلاطون متماسكا وقويا من خلال الدور الذي تؤديه كل فئة .

وقد أنشأ أفلاطون الأكاديمية ليعد هذه الفئات لما ينتظرها من مهام وذلك بالاعتماد على المنطق والرياضيات والفلسفة وكل ما يتعلق بالمعارف والحقائق المطلقة واليقينية التي لا يتطرّق إليها الشك ولا يتلبّس بها الشعر ذلك الهيام والهذيان الذين لا ينضبطان لمنطق ولا يحيلان إلى حقيقة ، ومن ثمة يبقى الشعر مجرد ترف بل هو شر مستطير يحيق خطره بالمجتمع “الأثيني” إن هو تسلل إلى نفوس وعقول شبابه ، ومن كل ذلك حكم أفلاطون على عبثية الشعر ولا جدواه فأقصاه وأبعده من “هندسة” التعليم والتثقيف والتكوين التي تعد الأجيال لما ولدت له وحدّد لها منذ البدء والولادة .

وعندما “بلغ أرسطو أشدّه”عمل على إعادة الاعتبار إلى الشعر وذلك بالإشادة بالدور الكبير والمنفعة الجليلة التي يقدّمها للجماهير، عبر تطهير النفوس والتنفيس عنها وتخليصها من متراكماتها الشعورية بواسطة العزف على وتر الروح والوجدان وإثارة المشاعر والأحاسيس والعواطف التي تتراوح بين الخوف والشفقة، من خلال التراجيديا التي تخضع تجارب مريرة لأبطال من طبقات المجتمع العليــا –بالضرورة- إلى التشريح مما يثير مجموعة من الانفعالات التي تخفف من توهجها وهيجانها دموع الخوف والشفقة بعيدا عن العقل والمنطق والرياضيات ، وبذلك يكون أرسطو قد عمل على ترميم بناء وجدان النفس الذي هدّمه طغيان الرياضة العقلية وتهميش التغذية الروحية ، وعلى تعديل ميزان الآدمية من خلال إحداث التوازن بين كفة الآلية الراجحة وكفة الانسانية المرجوحة .

وختاما يبدو لي أن أفلاطون – ورغم عظمته وريادته – قد ظلم الانسانية من خلال الإرث الذي لم تستطع العقول عبر التاريخ التخفف من أحماله ،وخصوصا من خلال مجموعة من الموافق التي كانت في حينها تبدو متقدمة ومتنورة إلا أن سيرورة الحياة وعجلة الزمن قد كشفت عنها غطاءها ، فأضحت متخلفة بمعيار الواقع ، فكيف طاوعته سريرته في حرمان الانسانية من مكون أساسي من مكونات الحضارة البشرية وهو الأدب، كما ظلمها من خلال تحديد مصير الأفراد منذ ولادتهم دون تمتيعهم بإمكانية تحسين أوضاعهم والترقي في مدارج المجتمع ، فضلا عن حرمان السواد الأعظم من أفراد المجتمع من المشاركة في الحياة المدنية عبر حرمانهم من حق المشاركة السياسية .

أحمد هيهات

المصدر:

altagreer.com/blogs/فائدة-الإبداع-بين-أفلاطون-وأرسطو/

 

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب – الجزء الرابع

بقلم :  الدكتور سامي يوسف جركس

ان ما حصل للأرمن و ما تم من انحرافات في تركيا كان بفعل التخطيط  اليهودي– الماسوني و بتشجيع استعماري .

فعمل الفنان اللبناني الراحل المنحدر من الجذور الأرمنية   “بول غيراغوسيان” جزء من هذه الحالة الانسانية المشحونة بذكريات الماضي المفجع المسيطرة في الشعور بالاحساس بالاضطهاد لشعبه ألأرمني الذي كان يحب الحياة و من حوله ،sami-jarkas ان انتزاع الحياة لهو الاستبداد بحد ذاته . ففي لوحته المبنية باسلوب “تجريدي” ^ المبنية على أشكال مجزئة بأشكال لونية مبعثرة بخطوط اختزالية لمشهد مواطنين كجزء من شعب يطالب بالحرية ، و يحكي لنا على المفاجعه عبر التاريخ وما لاقته الانسانية من الظلم و القمع و الموت .       ففي عمل “بول غيراغوسيان” نرى التفكك المصحوب بحزن من أعماقه وفي ملامسته للريشة و هي تخطو بالالوان بحنين حزين لابعاد اتجاهها ابعد من أن ترى بالعين المجردة ، فهي كتل و أحجام من أحاسيس مدونة بمساحات بين الماضي و الحاضر ، الماضي بذكريات الحرب المفجعة و الحاضر بنكبة أخرى من الحرب الحديثة، فقد عاش الفنان مرحلتين من ألآلام الانسانية معبرا عنها بلوحاته المتبقية بعد موته .

^- التجريدية :Abstract مصطلح واسع في ميادين القواميس اللغوية ، ففي الفنون التشكيلية و خاصة في الرسم كان من الطبيعي أن تتطور المفاهيم الفنية من خلال محاولات الفنانين عبر الحقب الزمنية من مختلف الظاهر الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية، و لقد اتخذ الفنان المداخل المتعددة فهناك المدخل الذي جاء وليد التكعيبية ذاتها  ، يبدأ الفنان بالاصل الطبيعي و يرى عمله من زاوية اختزالية حتى تفقد الاشكال الطبيعية صفتها بالاصل ويتحول هذا الاختزال الى مساحات لونية معبرة عن الكيان الانساني بمحافظتها على الاشكال بنسب و مميزات مختلفة التي جردت من أصلها الطبيعي و تحولت لحالات و تحولات ايقاعية مترابطة ليس لها دلائل بصرية مباشرة .و لهذا اضيف اليها صفات حتى أصبح لدينا أنواع مختلفة من التجريد و أنواع من “المذاهب التجريدية “.

فالمذاهب التجريدية متعددة  الأساليب ، و ينطوي تحتها  مذاهب كثيرة لها مداخلها و نزعاتها  المتنوعة ، و تمثل كل نزعة روادها و أقطابها ، و التجريد   هو قياس للفن ذاته و يمكن ترتيب مجموعة من الاعمال التجريدة حسب معيار هذا الفن . فالمذهب التجريدي في عمومه ، و ان كان قد حرر الفنان من تبعات التقليد و التشبث بمظاهر أكاديمية لا تمت الى الفن بسبب ، الا أنه كان مدخلا يوحي بانطلاقة أكبر نحو تحقيق ابداعات جديدة قوية ، تفوق ما تحقق بوحي تقليد الطبيعة ، الا أن هذا  أمر متوقف على موهبة الفنان ذاته ، و بصيرته النافذة ، و جرأته في تخطي المجهول و الكشف عنه .

فعنف التجريد التعبيري و مضمونه و قدرته على تحريك وجدان المتفرج ، كلها امور متوقفة على استلهام الفنان للتجربة الفنية من مصادرها ، و تبسيطها الى معدلاتها الاولى ، بحيث يستطيع أن يحسها كل شخص ذواق يتعامل أصلا مع لغة التشكيل الفني و مقوماته  . و مهما قيل عن التجريد ، فالموضوع لا يتقلص او ينضب ، لأن  له أبعادا كثيرة عالجها فنانو القرن العشرين ، و من قبلهم ، و ما زال المفهوم يحتمل معالجات جديدة ستأتي بها الايام . و المعنى العام الذي يجب التعرض له في المقام الاول ، أن هذا الفن مهما اختلفت مظاهره  يبقى اساسه التجريد ، و يعني أساس الفن هذا في احكام العلاقات التشكيلية بين الاجزاء و الكل ، أو بين التفاصيل و الصيغة ، فليست العبرة في التجريد بالمدلول الظاهر ، و انما بجوهر العلاقات و تأصيلها و احكامها ، كعلاقات محكمة لها مدلولات بصرية تكتسب بالتجربة ولا تتقيد ببداية واحدة ، لها مظهر واحد ، و انما نجاح الأعمال التجريدية منوط بقدرة الفنان في احكام الروابط بين عناصره و بعضها البعض ، و يؤكد الروابط التي تستند اليها شتى التفاصيل ، فحينما يتم هذا الاحكام بحساسية الفنان المرهفة تسير النتيجة في اتجاه الفن التجريدي و ان تفاوتت في مستواها او اذا قورنت بغيرها من القطع الفنية .

لتكن الاعمال التجريدية الجديدة بداية الحداثة و بحس موضوعي لأظهار ثراء الحركة الفنية في القرن الواحد و العشرين و بمدخل جديد لمقررات التذوق الفني في الحقول الفنون التشكيلية .

عمل الفنان التركي “اسماعيل كوبان” المتمثل في لوحته “القتيل” المملوءة بالحزن عبر أشكال انسانية مدمرة كاشارة واضحة للقمع فأشخاصه المرسمون و ذوو الملامح المشوهة تتكرر أشكالهم و عذاباتهم أمام الاضطهاد و التشرد ، باسلوبه “التجريبي”^ حيث استعمل مادة الفحم كوسيط و آداة للتعبير في لوحته “القتيل” ليبين هذه الفاجعة و أهله المفجوعين ، لقد أعطى السواد الحزن المخملي و عصبية متوهجة شطر اللوحة الى جزئين السواد و البياض ، فقوة اللوحة تكمن في التنافر بين هذين اللونين الأبيض بتدرجاته الرمادية الملتهبة و الاسود العميق ، فهو ذاك الفنان الذي يتحدث عن بلاده في واقع مؤلم  وعبثي ، حتى أصبح الفنان هذا العبث نفسه كتعويض للواقع المهدم الذي تركته الحرب ورائها لقتيل يجر  عاهته في شوارع وطنه تعبيرا عن  قساوة الحرب و مدى ظلمتها الطاغية .sami-jarkas

^- التجريبية: Experimentalism مدرسة فنية أطلق عليها هذه التسمية الفنان ” آسجار جورن”. فهي نزعة في الاعمال الفنية ، تثور على التقاليد و القناعات في التراث بحثا عن التعبير و عن طرق جديدة في التعبير عن أعماق اللاشعور و التعبير عن مفاهيم جديدة لطبيعة الواقع و اللجوء الىالاحلام و الشخصيات الخيالية و أطلق على أنصار هذه المدرسة “بالتجريبيين” في هولندا عام 1950.

ويتراءة لنا من خلال لوحة الفنان العراقي “ضياء العزاوي” بممارسته الفنية حيث  لأعماله الذي يعبر عنها بالبنية “الرمزية”^ و “التعبيرية”^ العميقة، لوحته صارخة مأساوية حيث يدمج لغة الرسوم بالحروف محاصرة في ذاكرته الحرة التي تتواصل ضد القهر و الموت بتعبيرية لزمن تنزف فيه الدماء البريئة . اللوحة تثير حالات انفعالية حادة ذات ثنائيات متناقضة و متصارعة، بمثابة شاهد للتاريخ يستحضر  صراع الموت الجماعي بطريقته المأساوية حيث قدم لنا الفنان العزاوي استبطان لهموم الحاضر الفلسطيني ، ليتخطى مجاله الخاص لوطنه العراق الى أرض العروبة فلسطين ، ليستجمع  عبر فلسطين خارطة الحزن و الاسى لشعبها المنزوف دما و ألما و حزنا في ايقاعاتها الدرامية . sami-jarkas

^- الرمزية :Symbolism مدرسة فنية تعني بالتعبير عن الافكار و العواطف لا بوصفها المباشربل بالايحاء و اعادة تركيبها بالذهن من خلال الرموز غير مشروحة و الموضوع يظهر عن طريق الايحاء و تحول بعدها الى اسلوب لايجاد بديل عن شيء آ خر و الرمز يضم صورة تتحول الى لغة رمزية .

 

^- التعبيرية :Expressionism المدرسة “التعبيرية” هي الطريقة التي يجسد بها الفنان أفكاره و مشاعره بشكل فني ، ترى هذه المدرسة أن الفن كله ينتمي بين الحدس و التعبير، اذ يحاول الفنان من خلال عمله أن يعبر عن عاطفة معينة ، و أطلق هذا الاسم على الاعمال الفنية مأ بين (1910 -1925). وتقوم التعبيرية على مذهب المنفعة العامة تركز على الفعل و صرخة الانسان ضد البيئة ، وهي الافصاح عن المشاعر بلغة تلقائية دون التقييد بالتعليمات المدرسية و الاكاديمية و تتميز بالانفعال الانساني .

أما عند الفنان “بشار العيسى” المنحدر من الاصول و الجذور الكردية ، نرى المعاناة بادية و معبرة في لوحته فتتأكد هنا أجواؤه المأساوية في حدة التعبير و قسوة الخط (الحبر الصيني) و هو يحرص على رسم نماذجه البشرية و تأكيد تعبيريته بدقة تجعله يتمسك أشد التمسك .. و تسجيل اللحظة المعبرة في ذروتها مستخدما اسلوبا تعبيريا و قد أحاطها بجو من  sami-jarkas.. و ألم و تكتسب الوجوه ملامح الضبابية كونها لحظة الصدق في التعبير عن الانفعالات الانسانية ، و تتسم كلحظة الانفعال الحاد الذي يكشف عن الضمير الامة و آلامها  ، فحين يتدنى الموت كمصير محتوم لشعب أذاق الاضطهاد و القسوة و العنف و تداعي الحس للكيان البشري ، و وطن يريد الحرية رغم الصعاب و أحداث الايام

ففي القطر العربي السوري تكمن أهمية الفنان الراحل”سعيد تحسين”(1904- …) Said Tahsin في دمشق باسلوبه المتميز بالمدرسة “الواقعية”^ و “التسجيلية” ^ و اكتسب شهرته منها، و التي ربطت تجربته بالتاريخ العربي و   عكست مدى تعلقه بالعروبة. sami-jarkas

باتت لوحاته تؤرخ للاحداث الهامة في التاريخ الحديث و من القضايا التي كانت تشغله دوما  “الخير و الشر” و “الحرية” و “الاستعباد”. و أعطى اهتماما خاصا للوحات التاريخية المعاصرة ، و السياسة الراهنة ، و هكذا صور لنا ” المجاعة في سورية أثناء الحرب العالمية الاولى” و”شهداء 6 أيار” و  “ميسلون” و “الهجوم على المجلس النيابي” و ” العدوان الثلاثي على مصر” و ” ستعودي يا ابنتي الى فلسطين” sami-jarkas و هنا ندرك أهمية الفنان العربي بالنسبة لحرية النضال الفني التشكيلي في الوطن العربي ، وكان أحد الفنانين الذين منحوا وسام الاستحقاق السوري لما قدم لبلاده ومن الذين كرمتهم الدولة في عام 1980 تقديرا لجهوده . وهو أول من طالب بتأسيس معهد الفنون الجميلة في سوريا . sami-jarkas

ففي لوحة المجاعة للفنان سعيد تحسين صرخة يطلقها الانسان لتسمو على الحكاية المروية أو على الخصوصية للجوع المخيف الذي تسكبه النظرة الثابتة على أهوال الحرب و ما تسبب به من عواقب وخيمة من الحرمان و التردي و تداعيات للانسانية التي حصدت الموت الشامل المحرك للعواطف ، و نجد تفسيرا و تبريرا بأثر رجعي للازدهار الغريب لمرحلة الكائنات الحية بالتعبيرات المشوهة كحدس ، و صرخة ألم و حزن تنذر بالاحتضار ، وهكذا يضفي كل شيء أقصى قدر من الكثافة على هذا النوع من الألم أو البؤس المتفجر في اللوحة . ويقنعنا الفنان “سعيد تحسين” بمنطق “الواقعية” السليم و يبرر كل شيء أمامنا . sami-jarkas

^- الواقعية Realism  : مدرسة تصوير فنية تقترن بالأدب على أنها نقل للواقع و دعوة الى أن يكون الفن و الأدب نقلا عن هذا الواقع ، و لقد أصبح هذا المصطلح شاملا وواسعا لا يدل على شيء بعينه ، و لهذا أضيفت اليه صفات شتى أصبحت هذه المدرسة تضم أنواعا مختلفة من الواقعية . هذا يعني نقل ألاراء من لغة علماء الاجتماع الى لغة الفنان و بمعنى آخر من لغة محكية الى لغة مرسومة .

مثال : الواقعية الطبيعية . الواقعية الموضوعية . الواقعية القومية . الواقعية التشكيلية . الواقعية التصويرية . الواقعية الساذجة . الواقعية المثالية . الواقعية الاشتراكية . الواقعية الاجتماعية . الواقعية التسجيلية . الواقعية التاريخية ..الخ. مثال على ذلك :

الواقعية الطبيعية : الفنان يخدم الطبيعة في اظهار جمالها دون التغير في وحدات عناصرها.
الواقعية الاشتراكية : الفنان هو خادم للدولة في تحقيق مقومات أهدافها .
الواقعية القومية : الفنان ملتزم بالقضايا التي تصور حق مصير العيش و ارتباط الانسان بأرضه .
و الى جانب صدق التفاصيل تتضمن “الواقعية” عموما العرض الصادق للشخصيات،   على أن “الواقعية” هي الوعي بالمشاركة في تجديد الانسان لنفسه، و الفن الواقعي هو الذي يكشف عن فردية البشر و تشابههم مع الآخرين و ينتج شعور المشاركة بين الناس ، فهو فن تعليمي أكاديمي و الموضوع الحقيقي للفن هو الانسان .

^- التسجيلية : تندرج في المدرسة “الواقعية التسجيلية” حيث أن الفنان يسجل الواقع العيني لما يشاهده من أحداث بطريقة مباشرة و بعرض صادق للمجريات بأدق تفاصيلها .  فالفنان يجب أن يجد الحقيقة مهما كانت الحقيقة  حتى لوغير ملائمة ، فيسجل الفنان ما هو حاصل مهما كان الثمن بكل ما في الحياة من قذارة و فقر و عنف و يأس . و المدرسة التسجيلية قديمة في العهد الفني مثلا الفنان الياباني “هيوتاكو” صاحب مدرسة “هيوتاي” تعني بالرسم التسجيلي و الحفر و هوسابق على نشأة المدارس التشكيلية اذ توفي العام 450 ميلادية . و الرسام التسجيلي الياباني “أنانو موس” في لوحته عن الحرب : أحراق  مدينة سانجو في القرن13م.   sami-jarkas

و لوحة “الحرب” عند الفنان اللبناني د. جميل ملاعب نرى في الأشكال هي القيم التعبيرية عن تجربته الشعورية ، sami-jarkasفنرى مدى نجاح الفنان في تنسيق عناصر بناء الأثر الفني ، فالخطوط عنده لها وظائف انفعالية الى جانب وظائفها الرمزية  فاستعمال الخطوط بدون أن نشاهد التدرجات اللونية في اللوحة فهي تقرر القضايا و نقل الاشارات الى الرائي بينما الاستعمال الانفعالي هو التعبير عن خلجات النفس ، و اثارة العواطف و المشاعر . فالخطوط المنحنية البارزة في اللوحة ترمز الى الليونة و الانسياب و السلاسة ، بينما الخطوط المنكسرة ترمزالى للقسوة و الشدة و الصرامة و العنف، فهي تحرك فينا المشاعر الرقيقة و الاحاسيس العاطفية عند المشاهد ، حيث نحس بها بفزع و ألم و غضب، تستتر خلف تلك المعركة تحفزا للثأر و الانتقام.التي تشعرنا بها الخطوط المتكسرة الصلبة العنيفة ، ذات الزوايا الحادة المتوترة . و طريقة الاداء الفني تكمن في كيفية استعمال الخطوط و ترتيبها و تنسيقها بحيث تتأثر بعلاقات بعضها بالآخر حيث أنها تسهل ترجمة “الشكلية”^ للمنظور بالبعد الواحد و تحركات الكتل ، وتجعل ادراك الشكل و المعاني الملموسة للحركة الرمزية  أكثر “تركيبية”^ بتأليف سينوغرافي .

^- الشكلية :Formalism مدرسة لها صفة عامة لكل اللأعمال الفنية ، تعتمد على “التقنيات” كأداة للفن و ترى أن تفكك الواقع هو الموضوع الرئيسي في الفن و ادراك الصعوبة هو جزء من التجربة الجمالية .

^- التركيبية :Inditing مدرسة تعني بتجميع لقطات صورية تتصف بارشاد المشاهد لرؤية مواضيع متسلسلة للوحة اللواحدة ، تعتمد هذه المدرسة على طريقة التناقض و التوازي في المدرسة “الرمزية” و بتعريف وجيز اظهار رسم “سينوغرافي ” كما لو أن المشاهد يتفرج الى شرائح تصويرية أو مسرحية .

لوحة معركة الهراوي في موقعة المالكية عام 1948 ، sami-jarkas  للفنان التشكيلي اللبناني سامي جركس،حيث أنه قدمها بطريقة المدرسة الوحشية^ بتناسق متزن بين الشكل الدائري و التربيعي بألوان صاخبة و جريئة من حيث الرسم التسجيلي لموقعة معركة الهراوي بقيادة النقيب في الجيش الليناني الشهيد   محمد زغيب كرمزا من رموز المقاومة  الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي.

^- الوحشيـة : Fauvism  مذهب في الفن ازدهر في ” باريس ” و أصبح مدرسة(1905_1908)على رأسه ” هنري  ما تيس ”  المعروف بالفنان الوحشي وتعتمد هذه المدرسة على الألوان الصاخبة و البسيطة التنفيذ المليئة بالطاقة والذي أطلق عليه مصطلح الضواري (الوحشي) و   المقصود بها الألوان الصاخبة بالتعريف الوصفي هو الناقد ” لوي فوكسل ” بعد أن شاهد بعض لوحات عدد معين من الفنانين .. امتازت أعمالهم بتحطيم المنظور و تسطيح الشخصيات ذات التأثيرات اللونية الضوئية الساطعة .

منحوتة ” يد المقاومة” للفنان النحات عزت مزهر sami-jarkas، عندما تحاكي المطرقة الإزميل تبدأ الكتلة الحجرية اظهار جمالية التكوين و الفراغات التي تعكس عملية الظلال الناتجة عن النور الساطع نحوها. المنحوتات النافرة لها بصامات الازاميل الجارحة و القاطعة لاظهار الثلم كحروف ناطقة للتعبير عن الفجوات المحدثة من جراء العملية النحتية عمل جسد به الفنان النحات “عزت مزهر” طلة تجسيمية ، انسجامية الاطياف  نحتت  و نهضت فوقها أشكالا منحوتة النتوءات بانسياب فني لتروي للرائي جمالية التحولات   و تبدلاتها بمملكتها المتجددة ابدا رافضة بحزم الروتين الجامد .. و لعل بذلك العمل النحتي قد توصل  الى تجميد حركة من حركات التشكيل الدائمة للحركة المطلقة .

^- النحت : Sculpture نوع من الفنون التشكيلية يهتم بعرض الجسم البشري على أنه تعبير مثالي عن الفن حيث توجد وحدة عضوية بين الشكل و المحتوى و تتوازن المادة مع الروح.و يقول ” هربرت ريد” إن النحت ليس عرضا في الفراغ بل إبداعات من الاشكال الصلبة التي لها قيمتها الداخلية من الكتلة و الحجم . و ويرى “هنري مور” بأن خصائص فن النحت قائمة على الصدق إزاء المادة و تحقيق للابعاد الثلاثة و تحويل الكتلة الصماء الى تكوين له وجوده الكامل و مزج مبادىء النحت التجريدية مع أفكار الفن الخاصة . و يعتبره “كامو” أعظم الفنون و أشدها طموحا و يستهدف تثبيت الصورة الانسانية العابرة  للشكل البشري الزائل فيرد فوضى الحركات الى وحدة الطراز.

لوحة السيادة  للفنان التشكيلي سامي جركس  sami-jarkasفي القصر الجمهوري عام 1994هي نحت بارز على مسطح خشبي قياسه 122 سنتمترا مربعا ، و هي مؤسسة من مواد مختلفة ، لذلك بلغ وزنها أكثر من 250 كلغ ، أما ألوانها و رموزها فهي تقوم على ابهة الشروق تقبض بقوة على السيف الذي الذي هو معيار للعدالة و السلطة فيما اخضرار الورق الشجري  هو اشارة الى لبنان الاخضر اما تعاقب الاقواس فإنها اشارة الى البناء الملازم للوجود اللبناني ، الكتابة الفنيقية عودة الى الفنيق مع التاكيد على ألوان العلم اللبناني بقيت حاضرة ضمن الاشكال الهندسية كحركة محورية لفك الثوابت في مسطح العمل .

^ – مودلاج Modelage المعنى اللغوي= التجسيم : المعنى الفني الاساسي هو من الفنون التشكيلية الشعبية من زمن الاغريق ( اليونان قديما ) المتمثلة بالنقوش النافرة و الغائرة على الجدران و الملاعب الرياضية و على النقود المتداولة ، و الجرار . و في عهد الرومان و اندماجها مع الحضارة الاغريقية ادى الى التنوع بالمواد المستعملة.

في الحاضر الحديث هو من الفنون التشكيلية التطبيقية ، و أصبح فنا قائما بذاته،يدخل في نطاق النحت التصويري ، يبدأ بواسطة عناصر المادة( الطين، الجص ، عجينةالاتربة الحجرية ، المعجون البلاستيكي ، الشمع ، الخشب ) . و هذه المواد لها صفات الطراوة قابلة للتحول و التغيير تخولنا تجسيم الاشكال الى منحوتات فتية رائعة .

فمن تجربتي الفنية في هذا المضمار و النظر الى التشكيلات المنوطة بالمحسوسات الشكلية حيث المسطحات و التجاويف الصادرة عن عملي الفني ، كنت أعتمد على التناسق النسبي للمساحة الكلية للموضوع المراد ابرازه و توظيفه في شكل معين ذات طابع هندسي ، ذات تجاويف نافرة و غائرة . النافرة هي نتؤات ظاهرية  تتاّلف مع النور لتعطينا ظلالا تدخل في نطاق الرسم الظلالي مكونة من خطوط ظاهرية على  المسطح المنحوت و تعطينا تدرجات ظلالية تدخل في حساب المنظور الفني للأشياء لترسم حولها اطر تباعد الكتل و تقاربها كلما أقترب منها الضوء .

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب – الجزء الثالث

بقلم : الدكتور سامي يوسف جركس

فالثورة بنضالها للحرية تنقذ المجتمع لكن بواسطة جراحة مؤلمة للغاية ،و الثقافة هي المحصلة العضوية للمعرفة و المهارة التي تميز كل المجتمع ، وحتى يكون الفن قادرا على أن يغير قدرته ، لا بد أن يتعالى الفنان عن الحياة اليومية مثلما يتعالى الثوري عن الواقع السياسي . و المفروض في العمل الفني أن يظهر للعيان النمو التدرجي لصورة ، لفكرة ، لحجة ، لحبكة حتى بلوغ أوجها، اذ أن الفنان الذي يبدع هذا الشكل و المتفرج الذي يتذوقه ليسا بآلتين فارغتين أولاهما منذورة لابداع الشكل و ثانيتهما لتثمينه و تقديره . فالعمل الفني يجب أن يحاكم قبل كل شيء بموجب قوانينه الخاصة أي بموجب قوانين الفن ، حيث ان تاريخ الفن وحده القادر على أن يفسر لنا لماذا و كيف ظهرت الاعمال الفنية في هذه الحقبة التاريخية أو تلك ؟، هذا الاتجاه الفني و ذاك أي من عبر عن حاجة الى تلك الاشكال الفنية دون غيرها و لماذا ؟. حيث يترافق مع الحياة الفنية التشكيلية أدب فني ، ومبدأ هذا الادب أنه عليه اتخاذ الادب وسيلة لاثراء الأفراد و الجماعات ثقافيا ولا يجب أن يكون ذا هدف فردي مستقل عن القضية العامة ، وعلى أن الادب الثوري منه عليه أن يكون جزءا من القضية الخاصة بتقدم المجتمع لتحقيق العدالة الاجتماعيةحيث أن الأدب ينظر الى العالم بعيون الطليعة ، وموضوع الأدب الفني في حرية النضال المقاوم في الحياة التشكيلية كان دائما هو الانسان في العالم . و كتابة الأدب السياسي طريق من طرق ارادة الحرة . و وظيفة الفنان التشكيلي ليست ابهاج الجمهور بل الامساك به من خناقه و اعادة تنظيم العالم على أنه صادر عن الحرية على أساس أن الأديب الفني و السياسي شاهد على العصر ، وأساس الأدب العظيم في رأي “لوكاتش” :- ( العالم المشترك للناس الايقاظ و هو عالم الناس الذين يكافحون في المجتمع و يعملون في كفاح مع بعضهم بعضا و من أجل بعضهم بعضا و ضد بعضهم بعضا و ليسوا سلبيين لا يحس أحدهم بوجود الآخر) .

فاذا كانت الواقعية الاجتماعية تستهدف الانسانية و ثورة النضال لحرية الشعب فلابد كذلك الامر أن تستهدف له المستقبل الوردي بحيث تكون نهاية نضاله لأجل الحرية مضيئة في ظل الواقع . لا يعني على الاطلاق نقل صورة الواقع بل محاكاة نشاطه حيث أن الواقعية لا تطالب العمل الفني بأن يعكس الواقع في شموله ، وذلك بان يرسم خط السير التاريخي لمرحلة معينة أو لشعب معين ، وأن يعبر عن الحركة الاساسية للمجتمع و عن أبعاد المستقبل فكل ذلك مطلوب من الساسة لا من الفنان و القيمة الاخلاقية للفن لا تتمثل في اسداء النصائح أو توجيه المواعظ بل في ايقاظ وعينا ، و القضية الأساسية بالواقع و بالحياة هو الموضوع الأساسي في الفن “النضال لأجل الحرية” . ان العمل الفني له غاية، غير ان غايته في ذاته، لانه بمجرد وجوده يحقق لونا من ألوان الحركة الشعورية . وهذه ذاتها غاية انسانية حيوية .

samy-jarkas
و نطلع الى الرسم الذي قدمه الفنان الامريكي “جوسبر جونز”(1930جنوب كارولينا) و دعاه “الهدف” سنة 1955 ليؤكد على خصوصيته بين الكثيرين من الفنانين الامريكيين المعاصرين الذين أتاحت الحرية المطلقة لهم أى يتساءلوا عن جدوى ما يعملون . فأعمال “جوسبر” غاية في البساطة ، و المعروف بتواضعه و تحفظه بأسلوبه “بالدادائية”^ Dadaism ، و المعروف أن “جوسبر” بعد قضائه سنتين كجندي في الخدمة العسكرية الاميركية متدربا على شتى أنواع القتال المفروضة عليه كمقتال عسكري و منها الرماية على الاهداف الوهمية و ما شابه ، الى أن تتحول هذه الرماية الى أهداف حية في حرب “فيتنام”، فمشاعره كفنان غلبت عليه في تعبيراته تجاه الحرب ، وفي عام 1954 وفي لحظة انفعالية قام باتلاف كل أعماله ، و في عام 1955 قدم عمله ” الهدف” كتعبير عن الاهداف الحية التي قتلت في حرب “فيتنام” حيث وضع قوالب من الجص لأشكال آدمية متسمة بالكثير من الغموض عبر ادخال الوجوه الآدمية خلف لوحة “الهدف” ، و أنه من خلال هذه الاشكال المتجاورة كان يثير كوامن كثيرة للفكر، و كان مولعا بعادة رش الحبر فوق رسومه جميعا حال الانتهاء منها . و يستثير “جاسبر جونز” بصفته استاذا متمكنا من أدائيته و متفردا بخصوصيته الدهشة و الحيرة و المشاعر الغامضة في ايطار “الدادائيين” . فلوحة “الهدف” تخاطب العقول و الضمائر و تعطي الوعي و الوعظ للشعب الامريكي و غيره حول تجنيده في حروب ضد الشعوب الاخرى ، و ما تخلفه من اعتداء على الانسانية و سلب مقومات عيشها بقتلها و سفك دمها ، و اغتصاب أراضيها و شرذمة استقلالها ، و تدنيس الحريات العامة ،وشرعة حقوق الانسان وتهشيم حق الانسان في الحياة.

^- الدادائية : Dadaism مدرسة فنية تهاجم جميع الأشكال التقليدية للفنون و تدعى Antidada و مصطلح الدادا Dada طرح عام 1916 ليدل على رد فعل ضد وحشية الحرب و تستهدف تدمير الفن مع المجتمع البرجوازي و سياسة الظلم و الاستبداد ، فهي ليست ضد الفن عامة بل ضد سؤ استخدامه ، وهي ضد المجتمع اللانساني . و أخذت من المستقبلية و الاعتماد على التجريب و تهتم بالحرية المطلقة و تقف ضد القواعد و المثل و التقاليد و شعارها الأساسي ( لا شيء). هذه المدرسة تضم فنانين من فرنسا أمثال “تريستان تزار” و “مارسيل جانكو”و”هانز أرب” و “ريتشارد هوبلسنيك” من المانيا . التقوا في “القاهرة” و أسسوا مجتمعا فنيا ترفيهيا ذات أنشطة فنية مختلفة دعوها الدادا Dada تعني “الحصان الدمية”(اللعبة).

ألفن عموما لأكثر منجزات الفنانين العظام يستمد زخم عظمته من مسرح التاريخ، فهل يمكن أن نفترضه تاريخا ؟ طالما هو يصدر حوادث جرت و يتمثل أبطالا عاشوا ووقائع حدثت؟. و هل يشترط في الفنان أن يكون مؤرخا رغم الذي يستمده الفن من التاريخ ؟ كون التيارات الفنية في بعض الاحيان لا تتماشى مع الظروف التاريخية ، وقد تبدو شاحبة تبعا للقول المأثور :-” الفنون في عصر من العصور مرآة لذلك العصر”، و كون الأزمات السياسية و العسكرية قد لا تلاحظ في كثير من أعمال الفنانين التشكيلين و قد تكون مبتورة، ورغم ذلك يلحقهم المجتمع في صفوف الخالدين ، لذا فلولا الثناء الذي يكون حافزا للفنان على التقدم و العمل ، لظلت جذوة الفن خامدة، وبواعث الابداع ضعيفة، وأسباب العطاء سرابا. ولولا روح المعاني الانسانية التي تخلفها الفنون في النفوس عند تذوق آثارها ، فتشيع بين الناس لتولد لديهم مشاركة وجدانية فعالة ، تعمل على تدعيم التكتلات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية في نطاق الانسانية و المجتمعات العديدة و البيئات المتنوعة . والتي كانت من أكبر المقومات التي عملت على تقارب القبائل و الشعوب القديمة بعضها من بعض، على أن الفن يتأثر به الشرقي و الغربي على السواء لا يعرف الحواجز ، وحين نبرز الأثر الفني الذي يدركه الفن في الاطار الانساني ، يجب أن ندرك فورا هذا الدور حين يمسي أداة للتفاهم العالمي للبشر حيث لا يعترف بحدود تقيمها الاعتبارات للسياسيات الاقليمية و الدولية و العالمية .

ان انطلاقة الثقافة العربية تكون وفقا للدفع السياسي العربي في التاريخ ، كما أن انحسارها يكمن في تراخي الدفع السياسي الذي شهد فتورا في نهاية العصر العباسي و ازدادت انحدارا حتى القرون العثمانية ، و في فترات متفرقة من القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر يتبين لنا الانحطاط الذوقي و الفني و المعرفي وفساد القيم ككيان مسجون في ظلام العجمة و سراديب الغربة في متعرجات التاريخ ، فالفساد فكرا و توجها يدلنا على زمنه ، ويتضح أمامنا فساده و سقوطه مع مرور الزمن ، أي كلما تحرك الوعي في حرية النضال الفكري و اتسعت الاضاءة المعرفية ، فقد استطاعت الامبراطورية العثمانية أن تغرب التراث و الثقافة العربية بكامل مظاهرها طيلة ثلاثة قرون وذلك عن طريق اذلال الانسان العربي و تحويله الى كائن يبحث عن أبسط أسباب بقائه خاصة في القرن الثامن عشر و تجنيد العرب للحرب دفاعا عن وجودها و نشر المجاعات و تحل التقدم بالثقافة العربية و فنونها و أدابها في الابداع الى الجمود و القهر و ظلمة الفكر و الوعي و المعرفة .

ففي العراق كان يتردى الفساد المعرفي نتيجة ترد حضاري محزن، من خلال حالة الاستهزاء و الاذلال و فقدان أي بعد انساني لها . فلا منظور سياسي ولا هم وطني ولا تطلع انساني بسبب فرض الاستعمار حالة الانسحاق التي كان يعانيها عرب العراق ، فوجدوا رواد الفكر ان التخلف نتيجة من نتائج الاستبداد و ان الحرية تقضي الى التقدم و الاستشهاد في سبيلها . ويمكن أن نلتمس أثر المؤثرات الفكرية كعامل أساسي للتحرر في عدة جوانب ، كون مفهوم الحرية و نسبتها بين بيئة و اخرى و بين شعب و آخر و بين حال و حال ، متفاوتة فالغرب امتلك ارادته ودفع ثمنها ، بينما ارادة الشعب العراقي كانت مرتهنة رهنا بيد الانتداب و كان المستعمر يقيم حكومات ينتقي افرادها من عملائه في الوزارات . قد ذكرها الشاعر “الرصافي”في قصيدة ” الوزارة المذنبة ” كادانة لعملاء الاستعمار .

يقول:-

أهل بغداد أفيقوا من كرى هذي الغرارة

ان ديك الدهر قد باض ببغداد وزارة

فكان الحكم و العدل بها قط و فارة

كم وزير هو كالوزر علم ظهر الوزارة

ووزير ملحق كالذيل في عجز الحمارة

أدركوا الحق فقد شنت على الحق الاغارة

لا تسل عنه وزير القوم و اسأل مستشاره

فوزير القوم لا يعمل من غير اشاره

و هو لا يملك أمرا غير كرسي الوزارة

يأخذ الراتب اما بلغ الشهر سراره

ثم لا يعرف من بعد خراب ام عماره

وجاءت الدعوة الى التحرر الوطني فقال ” الكواكبي”:-” في الاستبداد و الجمود . ( و أما الاستبداد فانه يقلب السير من الترقي الى الانحطاط ، من التقدم الى التأخر ، من النماء الى الفناء )”.

في سوريا كانت نفس حال الركود التي كانت سائدة في سائر الاقاليم العربية التي تشكل اجترارا لعصور الانحطاط ، و أخذت صورة الابداع الثقافي تتجلى بين الانقاض و الركام بعد الانفلات من قبطة العرش العثماني أي بعد منتصف القرن .

في مصر حدث الانكفاء ذاته بعد الطوفان العثماني ليعم العقم و الجمود وتتراجع النهضة تحت ظل الفساد في النظم السياسية و الاجتماعية ، ولم يستطع أي مؤرخ أدبي في المغرب أو الجزائر أو تونس أن يقدم شيئا عن التقدم في الحياة المعرفية الفكرية و الادبية ، و امتدادا الى شمال أفريقيا ، بسبب التجاهل العثماني الذي فرض الظلمة في الحياة الفكرية ، فحرمها من الابداع الفني المعرفي . و محنة التغرب الاوروبي عن اللغة العربية و آدابها . مما أبطأ بلحاقهم بعصر النهضة العربية. وفي أوائل القرن العشرين حيث تحركت فصائل الشعب العربي في الاقطار الاربعة ، مطالبة باثبات وجودها في الخروج عن الوصايتين العثمانية و الاوروبية . ففي المغرب كانت النهضة باهتة في عهد الحماية ، حيث بدأ عصر النهضة المغربي بعد عقود من القرن العشرين . و في الجزائر يغفر لها التطور في هذا القصور لتغريبها عن اللغة العربية اضطرارا ، وفي تونس كان الاسراف في التقليد مسرفا و مخجلا مما يدل على فساد الذوق الادبي و انعدام الرؤية طوال العصر العثماني ، لكنه أفضل من الجزائر و المغرب و ليبيا . حيث في ليبيا كما غيرها من أقطار المغرب العربي حيث ساد الظلام الذي سيطر على الثقافة العربية منذ انضواء العرب تحت الراية العثمانية . فقد اصيبت الثقافة في ليبيا بالعقم الفكري كما واجهت تحديا حضاريا واحدا متمثلا في الاستعمار الغربي.

وفي الجزيرة العربية بحجازها و يمنها فقد أبدى الأديب الراحل “طه حسين” أسفه و أساه على الحالة المبكية التي تردت فيها الثقافة في الجزيرة العربية في هذه البقعة المشعة في التاريخ الحضاري العربي ، وكيف وصلت الى هذا الظلام الحالك.

و نلخص من هذه الاضاءة التاريخية الى أن الثقافة تمثل الطاقة القصوى و المتوترة للابداع العربي وصلت الى مرحلة الانحطاط تتشابه تفاصيلها في كافة الاقاليم العربية ، والاتخلاع من شروط البيئة و التعامل السطحي مع التراث و غياب المنظورين الفني و الحضاري و دون أن تسجل لنا فترة الانحسار الثقافي أي أثر للفكر العربي ، حيث كان عليها أن تنتظر التفجيرات الحضارية من سياسية و ثقافية نهضوية ، لتتوالد حضورها في مفكرة الابداع العربي .

فالفترة الزمنية الواقعة بين القرنين الثامن عشر و التاسع عشر ، أنجبت دفعات متلاحقة من رجال الفكر و الابداع قدر لهم أن يشكلوا خصوبة لوجودهم طيلة فترات العصور المظلمة . و كما تتجمع الكيانات العربية اليوم رغم ما بينها من تناقضات فكرية و سياسية على ضرورة التخلص من اسرائيل ككيان استيطاني ، كانت روسيا القيصرية و أمريكا و فرنسا و بريطانيا و المانيا و ايطاليا رغم التناحر السياسي و التناقض الفكري و الايديولوجي فيما بينها ، تجمع على ضرورة التخلص من العثمانين مع شرذمة الفكر العربي المعصر تجاه اسرائيل ، و الاستعمار التوسعي لدى تلك الدول . حيال الوطن العربي ، وتجمع هذه الدول لانهاء الامبراطورية العثمانية ، لا حبا بالشعوب المسحوقة تحت ثقل الاتراك ، بل رغبة في ابتلاع تلك الشعوب باسلوب جديد.

و يبدي لنا التاريخ مثلا أن فرنسا تركت مصر لتحتل الجزائر عام 1830 و هنا أستشهد بما قاله الدكتور أسعد السحمراني* 🙁 ” من غير المقبول أن يقال لا دخل لسياسة اليهودية – الماسونية في تورطها في تاريخ الحروب ضد الانسانية ، حيث أن هذه الحركة انشئت لخدمة اليهود ليس الا . ويذهب هذا المذهب “لوسيان كافروديمارس” الذي يربط التمهيد لنشأة العمل اليهودي من خلال الماسونية و سواها بقرار أصدره “كاثوليكيان” هما “فردينان” و “ايزابيل” في 30 آذار 1492م بطرد ثلاثماية ألف يهودي من اسبانيا على أثر الحروب الصليبية ضد العرب و يقول عن ذلك :

” بعد ستين سنة على طرد اليهود من اسبانيا ، حطم اللوثريون الالمان الوحدة الكاثوليكية بالتضامن مع جماعة كالفان الفرنسيين و الانكليكان الانكليز. ( و الاسم الاصلي لكالفن فهو كوهين ، وقد غير اسمه من كوهين الى كالفن ابان انتقاله من سويسرا الى فرنسا للتبشير بدعوته ) و بدأت الحروب الدينية .. ففي باريس أدت الثورة الماسونية (1789) المنتظرة بفارغ الصبر في كل من هولندا و انكلترا، لا سيما في الاوساط اليهودية في أوروبا, ثم أدت الى حروب “نابليون” و امتدادها الاستعمارية و الحروب العالمية تنفيذا للعقد السياسي الخاص بالصهيونية العالمية الحالية ..و من جهة أخرى أصدر الكونغرس البرتينتي الاميريكي قرارا بهدم الهند الصينية”.

ان شيئا من هذه المعلومات يؤكدها اليهود أنفسهم و يكشفون عن دورهم في الثورة الفرنسية ، و بما أعقبها من معارك تنتقل بالناس من هزيمة و خسارة الى أخرى، فلقد جاء في البروتوكول الثالث :

*الدكتور أسعد السحمراني : استاذ فلسفة في جامعة بيروت العربية – و كلية الامام اللأوزاعي للدراسات الاسلامية – مؤلف كتاب”الماسونية” نشأتها و أهدافها . الطبعة الاولى – 1988- دار النفائس – بيروت\لبنان .

” اذكروا الثورة الفرنسية التي وصفناها بأنها عظيمة، اننا نعلم أسرار اعدادها لأنها كانت من صنعنا، و منذ ذاك التاريخ لم نزل نقود الجماهير من خيبة أمل الى خيبة أمل حتى يتنازلو لنا لصالح ملك مستبد من دم صهيوني الذي نعده للعالم “.

و كانت تلك القوة الاستعمارية تدفع العرب لخوض الحرب العالمية الاولى لحسابها ، حيث هلك مئات الآلاف من المقاتلين العرب ، مرة للدفاع عن العثمانيين و مرة أنكى للدفاع عن البريطانيين و الفرنسيين ، و في كلا الحالتين قد جروا جرا الى قتال وحشي ليس لهم فيه أي مصلحة .

لكن الحديث عن عظماء الرجال في الثقافة و الآداب و فنونها ، الذين تدفقوا على التاريخ العربي بدءا من أواخر القرن الثامن عشر و استمرارا حتى استقلال الوطن العربي . فمع اطلالة القرن التاسع عشر تحركت النهضة العربية بصورة انفجار و بنفس الوقت كان هؤلاء الرجال قد توزعوا بين حالتين ، حالة احياء الحضارة العربية التي تحولت الى ذكرى، وحالة الدفع الحضاري الاوروبي ، الذي ارتفع بالانسان الى مراتب الخيال ، ومع نشاط هؤلاء الرجال ومع معرفتهم للمحفزات التي دفعتهم في النهوض و الاصلاح في سبيل الثقافة العربية و الابداع الفني و الادبي . فكانوا مسؤولين عن تسهيل نهضة الثقافة العربية و الابداع الفني ، و الذين أفنوا أعمارهم لجعل اللغة العربية سهلة الوصول و التوصل ، وفي نشر التراث القديم و الحديث عنه ، كما انتشرت منارة التنوير الفكري ، التي عبرت عن آراءهم في الحكم و الحرية و التشريع واضحة و تبين ازدهارها في الثلث الاول للقرن التاسع عشر، ممهدين للمجتمع بالتقدم الى الامام ، ومستفيدين من الحضارة الغربية دون الانخلاع عن جذورهم العربية ، وأحسوا أن حالة التعريب هي المنقذ من الظلام و الجهل . وكان هاجسهم تعرية الظلم و كشف مساويء الاستبداد و التسلط . و تكون دائرة الابداع و الثقافة انطلاقها من عاملين هما :

ازدياد الوعي الذاتي و القومي و الانساني مع ازدياد درجة الثقافة و تطورات الحياة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية في الوطن العربي .
كثرة المؤثرات و المنبهات الاجنبية الوافدة و التي ترسخت مع الحركات التبشيرية منها الانفتاح على الترجمة من فرنسية و انكليزية و المانية و روسية . و منها البعثات الفردية و الجماعية الى البلاد العربية .

و نذكر بعض رجال النهضة الثقافية أمثال :

رفاعة الطهطاوي – ناصيف اليازجي – خير الدين التونسي القوقازي – أحمد فارس الشدياق – بطرس البستاني – جمال الدين الافغاني – علي مبارك – فرنسيس مراش – عبد الله نديم – عبد الرحمن الكواكبي – الامام أحمد عبده – فشبلي الشمبل – سعد زغلول – قاسم أمين – رشيد رضا – شكيب ارسلان – رفيق العظم – لطفي السيد – محمود التونسي حسين بيهم – خليل اليازجي – عبد الله فكري – علي اليثي – شاكر شقير – نجيب الحداد

عائشة التيمورية – محمود و سامي البارودي – خليل خوري .

وقبل انتهاء القرن التاسع عشر نرى التوهجات الابداعية لعصر النهضة العربية سواء في لبنان و سوريا و العراق و مصر تتدفق على الارض العربية رغم استدراجها الى فخ الحماية و استيلاء بريطانيا على بعض تلك الدول و فرنسا على بعض الدول الاخرى . رغم الصعاب للسياسات المحلية و الدول العربية في وجه الاستعمار ، شكلت هذه النهضة العربية مكاسب ثقافية و حضارية و كان تحولا في حياة الكيان العربي ، الذي يبشر بالنهوض من تحت الركام رغم الاحزان و الاوجاع العربية التي فرش عليها الدم و الدمع و الوجع و العذاب ، لتتفتح مشاعر الشعوب العربية أثناء الحرب العالمية الاولى و اعلان ثورة الجزيرة العربية عام 1916 ، و مع الثورة يعلق والي الشام العثماني “أحمد جمال باشا” واحد و ثلاثين مفكرا و مناضلا من عرب الشام و لبنان على أعواد المشانق ، هذا الثمن من أرواح المفكرين و المجاهدين الاحرار الذين عرفوا أن لطلب الحرية لا بد من الاستشهاد في سبيلها، لذا ان الاحداث الكبرى في حياة الشعوب تترك بصماتها على الابداع و الثقافة .

أستكملت النهضة العربية منذ بدايتها أي أكثر من قرن و نصف، حيث بدأت الاحتكاك بالغرب ، فهي مزدوجة تؤكد من جهة ضرورة حفاظ العربي على أصالته ، و من جهة أخرى الأخذ بأسباب الحضارة الحديثة ، و التضامن العربي عامل هام من عوامل النهضة لأغناء جهدنا التحرري المرتكز على الهوية العربية و الانتماء العربي الصادق . و كما يقول الدكتور “قسطنطين زريق “:-( .. و نحن العرب ، كما هو معروف ، محاطون بأخطار هائلة تنفذ الى صميم كياننا . منها الاستعمار بأشكاله المختلفة الذي يعمل لاستغلال مواردنا و لتمكين تبعيتنا و للتحكم بمصائرنا ، و منها الصهيونية الاستيطانية التوسعية التي توضد أركانها في فلسطين و تسعى بمشاركة القوى الاستعمارية الدولية الى بسط سلطانها العسكري و الاقتصادي علينا و الى امتصاص قدراتنا بالحروب و غير الحروب لنبقى في تخلفنا بل لنمعن في هذا التخلف “).

اذا لا نهضة عربية بدون تضامن عربي صادق ، و منها تنبع الحريات العامة و مقومات نهضة حرية النضال الفني التشكيلي و التحسس بجمالية الابداع الفني العربي . و التضامن العربي ضرورة ، فنحن بحاجة لما يجمعنا و يوحدنا للتصدي للتحديات و ذلك بوحدة المواقف القائمة على وحدة المصير ووحدة الاهداف . فيجب تصحيح نهج المسيرة الحضارية و يكون الابداع و الابتكار و العطاء ضمن اطار العصر الذي نعيش فيه ، فقد جاءت أصالتنا من ابداعاتنا و عطائنا ، ولتبقى أصالتنا و ابداعاتنا في تدعيم النهضة العربية. فلا يجوز التمسك ببعض مظاهر التعبير التقليدية الضيقة المعارف ظنا بأنها تحفظ أصالتنا ، فهو وهم لا يقودنا الا الى المزيد من الابتعاد عن الاصالة و الابقاء على هامشه ، فاذا قدر لنا أي دور في هذا فنحن الاصلاء حقا، و اذا بقينا خارج المسيرة الحضارية فنحن المتخلفون . فالتطور المعرفي يسير في العالم بخطوات سريعة لا يمكن اللحاق بها دون جهود مخططة و مبرمجة و مدروسة لتكفل للجيل الآتي تفعيل و تدعيم النهضة العربية و فنونها و آدابها بالابداع و التجديد .

و تعقيبا على قول يردده أصحاب السياسة :-” لا يوجد في الحياة أخطر من أسلحة الدمار الشامل في أيدي القادة ، وأخطر من الحكم في أيدي الحكام”. الى هذا القول يمكن أن نضيف أنه لا يوجد أخطر من حرية النضال الفني التشكيلي في يد الرسام و النحات ، ولا أخطر من قلم في يد الاديب و الكاتب ولا أخطر من كلمة الشعب بحق الظلم و الاستبداد و الحرية المغتصبة و المبتورة.
samy-jarkas-03a
و للتأكيد على هذا التعقيب يأتي عمل الفنان اللبناني”نوريكيان”Nourikian المنحدر من أصل أرمني كسفير للمعاناة للانسانية المعذبة و الحزن للمشاعر المكبوتة ، الذي يجسد مشاعره تجاه بني جنسه، ليجعلها ببراعة أداة تحريض و دافع ثوري لشهوة الثأر ممن تسببوا بها من الجلادين الذين تحكموا بمصائر العباد في يد العنف و الاغتصاب في أرض الاجداد “أرمينيا” من ناحية ، و أرض الوطن الذي ترعرع فيه من ناحية ثانية ، حيث نرى في أعماله نتائج الحرب و التهجير و التيتم و القهر و العذاب عبر الاحداث التي عاشها مرارتها في كلا الناحتين بالأسلوب “الانطباعي”^ ، محاولا الانتفاضة على أعداء الانسانية .

^- الانطباعية : Impressionism هذه المدرسة تهتم بتحرير الرؤية الفنية للطبيعة بعد كشف الأساس العلمي لطبيعة الضؤ على يد ” نيوتن” و تبين الحقيقة على أسس ضوئية أدت الى التغير و التحول بالألوان لدى الكثير من الفنانين بمواضيع لوحاتهم . ولهذا ثارت الانطباعية (أو التأثيرية ) على النزعة الأكاديمية التي تهتم بنقل الانطباعات من خلال رؤية الذاتية . ظهرت هذه الحركة في سنة 1860 و تعتمد على نقل انطباعات الفنان باسلوب لوني خاص و جديد .

يقول استاذ الفلسفة الدكتورأسعد السحمراني* :- ( ..” ان الابادة الرهيبة لمليون و نصف المليون من نصارى الأناضول و كليكية من الأرمن المجتهدين، الفخورين، الفنانين، بنائي الأماكن المسيحية و السلجوقية في آسيا الصغرى ، ظلت مثال الابادة في العصور الحديثة التي لا تغتفر، و عار يطعن الى الابد شرف النخبة الغربية المثقفة الواقعة تحت سيطرة اليهود . ووفقا لتقرير “لبسيوس” (1916 – 1919) ، الذي لا يمكن دحضه ، تم تحضير و تهيئة هذا التدمير الرهيب بصورة منظمة من سنة(1915-1918) على يد محفل “سالونيكا”الماسوني ، وذلك بحضور بعض السفراء في اسطنبول ، أمثال الالماني “ونغتيهيم” ، و الامريكي “مورغنتو” و كلاهما يهوديان من الاساتذة الماسون المتنفذين ..و تجدر الاشارة الى أن المنظمات الصهيونية في كل من نيويورك و لندن و برلين ، و الممثلة بالجالية اليهودية في اسطنبول قد عرفت و تابعت هذه المذابح الجماعية في مراحل تهيئتها و تنفيذها، و كان “بن غوريون” المحامي العثماني بين هذه الجالية شاهدا علىكل شاردة وواردة قام بها الاتراك، حيث أن اثنين من النافذين في السلطة العثمانية بعد سنة 1908 هما “أنور باشا” و طلعت باشا” ، و الاثنان من محفل “سالونيك الماسوني” و يرجعان الى أصل يهودي كانا وراء التخريب الذي حصل في سنة 1909 في احراق مدينة “أضنا” الأرمنية، وذبح عشرين ألف أرمني فيها، و الثانية اعلان الحرب على الحلفاء في الحرب العالمية الاولى ، في كانون الاول 1914 ، ووصول جماعة الاتحاد و الترقي الى السلطة، و هذه الجمعية انبثقت من محفل “سالونيك”، ومن نتائج التخريب الماسوني – اليهودي في الخلافة العثمانية و نقل السلطة الى جماعة الاتحاد و الترقي ما قال عنه “لوسيان كافروديماس” :- (“لقد أدى الجرم الصهيوني الماسوني، بتناسي حقوق الشعوب في الاستقلال بالنسبة الى العرب و بازالة كليكية الأرمنية منذ 27 قرنا و شعبها المسيحي العريق، الى خمس كوارث في النتيجة: 1- انبثاق دولة يهودية يعتبر خرقا لحقوق العرب، و استفزازا لمجموع العرب و الاسلام. 2- ابادة الطوائف المسيحية الأرثوذكسية و الكاثوليكية في آسيا الصغرى.3- ازالة كليكية، فتم سبي الأرمن للمرة الرابعة في غضون 23 سنة، و التخلي النهائي عن سنجق الاسكندرونة 1938 حيث قام الحاكم الفرنسي الكولونيل ” كوليه” الماسوني بتزوير استفتاء بنسبة51 باشراف عصبة المم . 4- رفض الحكم الذاتي “لكردستان”.5- انتداب عسكري مفروض على البلدان العربية) .

*المرجع السابق ص112\113\114.

(يتبع الجزء الرابع)

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب – الجزء الثاني

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب(الجزء الثاني)
بقلم : الدكتور سامي يوسف جركس
عندما يتحول الابطال الى أباطرة في زمن ما ..! ومن الحرية الى الاستبداد .! فما هو موقف الفنان و رأيه من أعماله الفنية التشكيلية السالفة التي كانت تعد رمزا للصمود لحرية النضال كمقاوم للظلم ..؟ و يصبح البطل في منزلة بين الخير و الشر و يتردى في هوة الشقاء لخطأ ارتكبه داخل المواقف المتطرفة ، وهو لا يعرف كيف يستمر و هو كبطل واقع في الشرك و كل بطل لن يكون شيئا سوى اختيار طريقة انقاذه . والفنان عندما يرسم جبانا فانه يبين أنه مسؤول عن جبنه فالجبان يصنع نفسه بجبن و البطل لا يعرف كيف يستمرببطولاته . مثلا نجد هذه المفارقة في اللوحتين التاليتين للجيش الفرنسي .

 

sami-jarkas-02
– الاولى لوحة استشراقية رسمها الفنان الفرنسي “فارنت”Vernet تمثل معركة باسم (عبد القادر الجزائري16 آيار1843م ) تبين المجزرة التي قام بها الفرسان الفرنسيين في غزوهم لصحراء الجزائر، لشعب أعزل من السلاح ، لهو دليل على الاستبداد و الظلم لجرائم الحرب المرتكبة برسم الاستعمار.

sami-jarkas-03
– اللوحة الثانية لفنان مجهول عبارة عن لوحة استنساخية طباعية تمثل الجيش الفرنسي في غرب “فيتنام” في حرب “توكان” ، لمعركة ( لانك – كيب ) في تشرين الاول العام 1884 م .وما خلفته الحروب من مفاجع و بؤس بحق الانسانية .
أما الفنان الاسباني “فرانسيسكو غويا”( 1746-1828 )Francisco Goya والذي يعتبر من كبار عظماء الرسامين الأسبان ، نرى في لوحته المشهورة و المسماة “الثالث من شهر أيار1808” رسمها عام 1824 تجسيدا لحرب الثورة الاسبانية ، بطريقة “رومانتية” حيث يظهرفي اللوحة الاعدام الجماعي لعدد من المدنيين الاسبان على أيدي بعض الجنود الفرنسيين ، الذي كان يدعى ” جيش نابليون”. فقد قدم “غويا” في فنه صورا تموج بالدماء و المذابح ، متأثرا بالبيئة التي كان يعيش فيها و هي بيئة تحيط بها أهوال الحرب في اسبانيا .

sami-jarkas-04
ففي لوحة “غويا”التي تخضع كل من المنظور و الاضاءة هنا لقانون الحد الاقصى من الفعالية،فالاضواء و الظلال لا تنبع من أي مصدر طبيعي ، بما في ذلك المصباح الأشبه بعين تلقي نظرة على المشهد و تبرز بضوئها القاسي الشخوص الانسانية الحية المثخنة بالجراح، وتشد أنظارنا على الصدمة المأساوية ، ليضفي أقصى قدر عن هذه المذبحة و ما فيها من البؤس المتفجر في اللوحة .

sami-jarkas-05
فالرومانتية الشاملة مبينة في اللوحة كمحرك لعواطفنا فهي بمتناول الجميع بشكل مباشر و التي تفصح عن وجود الفنان المتفوق على تقلبات الاحداث و على المذبحة .
و نرى لوحة مذبحة بوسطن Boston Massacre للفنان الأمريكي “بول ريفري”(1735-1818) التي جسدها بعمل طباعي ، و تعود أسباب المذبحة التي سببتها الضريبة ، حيث أن السلطات التشريعية الاستعمارية البريطانية بدأت بتحصيل الضرائب بالمقاومة و القوة ، و في سنة 1768 أرسلت جنودها البريطانيين و أطلقوا النار بطريقة غوغائية على الشعب المحتشد بساحة مدينة بوسطن ، حيث قتلت و جرحت العدد الهائل منهم الذين كانوا يرمونها بالحجارة و كرات الثلج ، و دعيت “بمّذبحة بوسطن”.
ونرى لوحة الفنان الفرنسي “هنري روسو” (1844-1910) Henri Rousseau المسماة “الحرب” حيث قام “هنري روسو” ترجمة مشاعره كفنان بلغة تلقائية فطرية ساذجة،فهي تمتاز كونها لا تدخلها التعليمات المدرسية ولا المهارات و التعاليم الاكاديمية فهي تلقن على أنها السبيل الوحيد لايجاد التعبير . فاسلوبه “بالتعبيرية الساذجة”^ كمدرسة تشكيلية هو امتداد تلقائي طبيعي لرسوم الاطفال ولكن بمهارات أكثر دقة و تنتمي لعالم الكبار أكثر من انتمائها الى عالم الصغار ، و هي أقرب ما يسمى بالفن الشعبي .

 


sami-jarkas-06

وفي لوحته المسماة “الحرب” قام هنري روسو بتصوير حصان جامح يملأ اللوحة ، و جعل كل أعضائه ممتدة بما يوازي عرض اللوحة ، فالذيل يتجه الى أقصى اليسار ، و الرأس ممتدا الى أقصى اليمين ، بينما الفارسة تواجهنا بردائها الأبيض و في يدها اليمنى سيف مرفوع الى السماء، و تظهر الضحايا و هي تملأ الارض تأكلها الغربان السوداء ، و الشجر قاحل،و السحب حمراء ، و المرأة التي تمتطي الجواد تمسك بيدها اليسرى شعلة نار. لوحة واعية من الناحية التعبيرية بل تحمل بطولة تشبه بطولة”عنتر”و “شمشون”، و القصص الشعبية ذات البطولات الخارقة . و طلاقة اللوحة لا تقاس بتحقق قواعد أكاديمية، انما هي انبثاقة مباشرة، تبين هول “الحرب”و مصائبها وما تجلبه من هلاك و دمار . فاللوحة وقد كتب تحتها ( انها رهيبة ، و حيثما حلت يحل اليأس و الدموع و الخراب)،فهي تجسد لنا بوحشية بشاعة الحرب و جرائمها، من هدم و تدمير و قتل و ابادة، انها لوحة هادفة، تستصرخ الافكار ، تستنجد الضمائر و تدين الاحقاد، و تستنكر القتل و الابادة ، باسلوب تعبيري يدل على فظاعة الحرب وويلاتها فيتراجع الانسان أمامها ، يحاسب النفس ، و يؤنب الضمير لكوارث اقترفت بحق البشرية، فينتزع الاحقاد من أعماق الانسان السوداء ، وينيرها ببريق من المحبة و السلام ، فاللوحة حل لتوتر يتجاوز حدود الطاقة .
^- التعبيرية الساذجة : مدرسة فنية تشكيلية تعنى الافصاح عن مشاعر الفنان بلغة تلقائيةتتمثل بالاشكال و الألوان و الأحجام و الأضواء و الظلال و عن قيمة فنية يحس بها الفنان ويريد أن ينقل من خلالها مشاعره الى الآخرين . و التعبيرية الساذجة هي انتقال للشحنة الداخلية عند الفنان الى الخارج كي يتأثر بها غيره و تمتاز بالفطرة و بالتعبيرات الساذجة ، و تكون بعيدة عن الدراسات الاكادمية نسبة لتأليف الموضوعات و طرح موضوعاتها ببساطة لايجاد التعبير بالصدق المباشر و عدم المواراة ، وهي كلها أمور تتميز بها تعبيرات فناني النزعة الساذجة .
و الجدير بالذكر أن “هنري روسو” و هو أحد قادتها ، و كان يسلي نفسه وقت فراغه برسم المناظر الطبيعية ، و أخذه الحماس لأن يسترسل في هوايته أيام الآحاد من كل اسبوع ، حتى لقب و من كانوا معه “بفناني أيام ألآحاد” و أخذ النقاد يشيرون اليهم بهذا اللقب .
و نرى نتاج الحرب العالمية الثانية في جعبة الفنون التشكيلية على يد الفنان الاسباني”بابلو بيكاسو” (1881–1973) Pablo Picasso في لوحته المشهورة ” كورنيكا” التي أنجزها عام 1936 و هي تمثل كابوسا مزعجا تمثل الحرب و مصائبها في اسبانيا ، فرأس الثور يمثل وحشية النازيين الفاشيس الذين كانوا يلقون بقنابلهم على المدينة دون شفقة أو رحمة ، أما الحصان فهو رمز و شعار لأرض اسبانيا الجريحة حتى الموت ،و أما الرأس التي تصرخ ، و الذراع الذي يحمل المصباح ، فيرمزان الى الضمير العالمي الانساني الذي يلقي ضؤا على المناظر المرعبة ، ليلوم البشرية على ما اقترفت يداها من اثم . في هذه اللوحة تتميز الخطوط بالانفعالات ولا سيما توزيع الأبيض و الأسود ، وتمكن “بيكاسو من صياغة تجربته الفلسفية ، مصورا غرضا تراجيديا مأسويا . حتى أن البعض رأى في هذه اللوحة و لوحة ثانية “مجزرة كوريا” و القنبلة ألذرية الاميركية على مدينة “هيروشيما”، احتجاجا صارخا ضد الحروب الحديثة الفتاكة و تنبؤا ضد الحروب النووية التي شأنها أن تزيل معالم الحضارة الانسانية .

sami-jarkas-07

و عودة الى لوحة”كورنيكا” لنرى أن استخدام “بيكاسو” كدافع هجوم طيران “هتلر”و ” فرانكو” على مدينة “جرنيكا” الصغيرة في اقليم ” بسكاي” يوم 28 نيسان 1937 ، موضوعا للوحته دون أن يحكي الاحداث ، بل أنه استبعد من لوحته كل رواية ولم يتلخص سوى الاهانة التي توجهها الفاشية للانسان . وقدم مايشبه الاسطورة لعصرنا في لوحته ” الكورنيكا” . كان لا بد و أن تكون الألوان آلاما و أن يكون الخط أهوالا أو غضبا ، و أن تكون السيطرة كاملة على التكوين ، حتى يصبح العمل برمته ادانة و صرخة يطلقها الانسان بالدراما و المأساة. كرد فعل لهجوم الطيران النازي بالقنابل المدمرة ، ( وبالمقارنة كأنها تمثل تعبيرا للادانة على المجزرة التي ارتكبها طيران العدو الصهيوني الاسرائيلي بحق الجنوب اللبناني و لبلدة “قانا” الصغيرة و لمرتين متتاليتين ) . وتعد هذه اللوحة من أثمن ما أنتج من حيث أهميتها و عظمتها بالنسبة لحرية النضال في الفكرالتشكيلي الفني الحديث. و اللوحة مشهد لمذبحة بالمعنى الحقيقي للكلمة الذي تسكبه النظرة الثابتة المخيفة على الاشياء و الاشلاء الممزقة و المشوهة تختلط ببشاعة الاشكال الانسانية بالاشكال الحيوانية ، وصرخة المرأة رمز عالمي لآلام الانسان و ينطبق أيضا على صرخة الاحتضار التي تطلقها المرأة و قد اختلطت عيناها بالدموع ، و الخلفية بلون الرماد و الكفن و الكابوس تعبيرا عن الصدمة المأساوية الكبرى و الألم و البؤس المتفجر من اللوحة و من الخطأ أن نقول ان هذا العمل و أمثاله لا يصل الى مدارك الجماهير.
طغت القتامة على ألوان الفنان “بيكاسو” مع نشوب الحرب الاسبانية تماما و يبدو أن العالم بدأ يعاني من التقلصات و يتفكك مع تصاعد قوى الفاشية و الحرب . و تشهد لوحات و رسومات “بيكاسو” على هذا التقلص و على ذلك العالم الممزق و على البشرية المشوهة بعد تجريدها من الانسانية باسلوب “تكعيبي”^.
^- التكعيبية Cubism : و يطلق عليها المدرسة التكعيبية فهي في الاصل حركة فنية ثورية ، قادها “بيكاسو” و “براك” و من مقوماتها تسجيل ما تراه العين و اظهار جوهر الاشياء عن طريق الاشكال الاسلوبية و الرموز باظهار واجهات مختلفة لشيء في بعد واحد ، و قد وضع كل جانب بجوار الآخر مع تكرار للأشكال و اللجوء الى لغة الاشارات و العلامات البصرية ، و بمعنى آخر ” تكسير صور المجتمع و اعادة تركيبها من جديد بأسلوب يتميز بشكله العام بالهندسي “.
يقول “جون ديوي”:-( ان البصيرة أغنى و أدق من البصر،وذلك أن لها نفحة هائلة جذابة من المضامين، التي يفتقر اليها البصر ، فالبصيرة ثمرة لخبرة خصبة مليئة). فللمشاهد العابر عينان ، لكنه لا يرى بهما على نحو ثاقب وواضح ، رغم تعرضه للعديد من التأثيرات في الأثر الفني التي تحفز على التفكير و التخيل . فالبصرعند المشاهد حاسة أساسية تشعر بلذة الأثر الفني ظاهريا .



sami-jarkas-08

أما في لوحة “الحرب” للفنان “سلفادور دالي(1904-…)”Salvador Dali التي رسمت عام 1939، بأسلوب “سريالي”^ نري فيها اوزة كبيرة قابعة في مقدمة اللوحة ، و قد انشقت بطنها و لوت رقبتها ، و ثمة سفينة لم يبق منها سوى هيكل خشبي متداع ، وجبل قد فتحت فيه فوهة عميقة ، و أغصان شجرة جرداء ، وهناك لهيب يتطاير في السماء وكل شيء مرعب و مفزع و رهيب.وفي هذه الصورة اخترع مادة تعبيرية يقاسي منها الانسان حين يشاهدها، لذلك فهي تحمل بحق تحذيرا للمشاهد بتلك الآثار المدمرة التي تنتهي اليها أي “حرب”.
يعتبر “سلفادور دالي” من الشخصيات البارزة في الحركة السريالية و اسلوبه في اخراج رموزه التي يستخدمها، تجد أنه يحيل الاجسام الى مادة مطاطية ، و أحيانا هلامية الشكل ، ويثنيها يمينا و يسارا، و يطورها لتختلط بالسحب أو بأي مضامين أخرى ونرى في لوحته “الحرب” أنه يشكل الاشكال و الاحجام الممتدة و يحولها الى أشلاء شبه منصهرة في جو من آثار الدمار ، و ذلك كي ينبه الجنس البشري الى آثار الخراب نتيجة غدر الانسان بأخيه الانسان .
ويدور التساؤل حول انتاج سلفادور دالي فيما اذا كان من وحي اللاشعور أو أن رموزه من بنات أفكاره ، حيث أنها حين تتحول الى الواقع البصري تقل فيها نفحة اللاشعور ، على حساب الصقل و التقنية الزائدة و التي لا تتم الا بعقلية واعية .و الذي سماه “فتوغرافية” من صنع الانسان .
^- السريالية : مدرسة نشأت في فرنسا عام 1920 و تعد تطويرا “للدادائية” و تستهدف اظهار الجوانب اللاشعورية في الانسان على ان يسير العمل الفني في خط معاكس للمنطق ، و الفن “السريالي عامة” هو كشف اللاشعور في النفس ، وترى الظواهر البصرية الخارجية لا تشكل سوى خمس الحقيقة و الاربع الاخماس الباقية كامنة في اللاشعور و أحلام اليقظة و هذه الطروحات ساعد في طرحها الناقد “أندريه بريتون” .فأكثر الفنانين “السرياليين” و على رأسهم “سلفادور دالي” اخترعوا و ابتكروا الرموز تفسير للافكار و أعتمدوا على التلقائية و الصدفة و الخواطر العابرة .
أما في المكسيك فان البيئة و النمو القومي لهما تأثيرهما الخاص في الفن المكسيكي المعاصر الذي كان مرتبطا بالتحرك و المعناة لتحقيق الحقوق الديمقراطية و كانت الفنون عبارة عن غرس نوع من الاحساس بالتاريخ و الوحدة الوطنية و اشتملت على مواضيع الاستعمار الاسباني و حياة الشعب المكسيكي تحت حكم الاسبان ، وكل الصراعات المضادة للفوضى و الديكتاتورية . و تشارك الفلسفة موضوعاتها و اسلوبها مشاركة فعالة ، تأخذ منها بقدر ما تعطيها وسط تيار الحياة الذي يجري ،على ما نرى ، بين أخذ و عطاء ، في ركب حضارة الانسان . و اذا كان هذا التطرق الى أثار الفن مرتديا الطابع الثوري الذي أعطى الاسلوب شيئا من عمق العاطفة و توثب الخيال و قوة الوجدان ، هذه الخصائص و المميزات التي تعرف بها عادة كل الفنون ، فاننا يجب ان ندرك أيضا ان تطرق الفكر الثوري الى الفنون هو بدوره يجعل طابع الفكرو المنطق و العقل في طليعة الاسلوب للواقعية الاجتماعية .

sami-jarkas-09

ومن بين الفنانين الكثيرين في هذه الحركة برز “دافيد الفاروسيكيروس”(1974- 1896)David Alfaro Siqueiros ، واحد من أهم قادة الحركة التشكيلية في المكسيك وكان اهتمامه بمتاعب الناس و مآسيهم في أنحاء العالم ، وقد عاش الفنان رعب الحروب ومآسيها كخبرة مباشرة حينما كان صبيا لم يجاوز الستة عشر من عمره ، حيث كان يعمل كقارع طبل في الثورة المكسيكية ، و قد وصل الى رتبة ضابط في النهاية . و نرى لوحته “يوم الحرية” بأسلوب “الواقعية اللاجتماعية” ^ أنتجها عام 1945. وهي تصور امرأة ترمز للحرية في حالة اصرار تحطم السلاسل و القيود، ولها أيد متعددة قابضة على السلاسل المثقلة بكرات من الحديد، بينما يظهر الجندي الممثل للقيود و قد سقط في ثبات على الارض ، في حين أن المرأة التي ترمز للحرية تنطلق من عقالها الى الامام ، وهي تئن في صراعها للمقاومة لوحة تتميز بالالوان الصاخبة مليئة بالاصفرار و الأحمرار ، والاضواء موزعة بما يخدم الوحة. أعطى “سيكيروس” في تجسيده للوحة “يوم الحرية”و للواقع الاجتماعي قوة مبالغ فيها و التي تعد من أهم مميزاته الفنية في القرن العشرين .
^- الواقعية الاجتماعية : تعنى هذه المدرسة التشكيلية بنقل ألآلام الانسانية في الشارع لاعطاء المعاني التي تتضمنها الثورة حيث كانت انطلاقتها من المكسيك وواضحا بين مجتمعاتها التي حققت قدرا من الحرية للمواطن ، و سددت كثيرا من حاجاته المعيشية، فكون هذة المدرسة قد حققت تجسيدا للظواهر الاجتماعية ، وتتطلعت الى صورة لمجتمع أفضل ، ينشد العدالةالى تحديد المسار نحو عدالة اجتماعية أفضل ، متحررة من سيطرة المستعمرين ، و المحتكرين و الرأسماليين . و الواقعية الاجتماعية هي التي تكشف عن فردية البشر و تشابههم مع الآخرين و ينتج شعور المشاركة بين الناس ، فهو فن تعليمي و الموضوع الحقيقي ابراز مشاعر الناس للفن و يحدد الانسان كموضوع من المواضيع الانسانية التي لا بد ان يشملها التآليف في لرسوم و اللوحات ، و تسخير الفن لخدمة الجمهور.
و نرى لوحة اخرى للواقعية الاجتماعية المتمثلة بلوحة تدعى “شيلي” للرسامين البلغاريين لـ “كاباكتشيف”وفاسيليف” ،

sami-jarkas-10

كصرخة احتجاج و دفق وجدان غاضب للجريمة النكراء التي اقترفها حثالات المجتمع الشيلي حين تسلطت على مقاليد الحكم بدفع اعداء الانسان و التقدم ، فأبادت المفكرين و المصلحين و الاحرار . و الواقعية الاجتماعية تتأرجح هنا بين الفن و الأدب على انهما نقل للواقع و بين الدعوة الى أن يكون الفن و الادب نقلا عن هذا الواقع . و هي القاعدة الفنية لكل ابداع قيم و تعتمد على الوعي بالمصير، باعتبار أن هذا الوعي أرقى أشكال الحرية .

(يتبع الجزء الثالث)

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب – الجزء الاول

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب(الجزء الاول)
بقلم : الدكتور سامي يوسف جركس

الجمالية الفنية : هي نتيجة التقاء الانسان بالعمل الفني لكشف جوهر الاشياء ، و ترتبط بالحب الذي يؤتى قسطا واضحا من الوضوح عند الرؤية . و لما كان الجمال مقترنا بالحب فانه يمنح الانسان الهوس لاقترانه بعالم المثل و الجمال اللذان هما جمال الحق و الخير و وهذا الجمال يتم ادراكه بعدة مراحل ، حيث يبدأ الانسان بأنواع من الجمال في هذا العالم ويستخدمها كحلقات لمرحلة لا تنقطع و صولا الى ذلك الجمال الآخر ماضيا من جمال جزئي الى أنواع الحياة الجميلة ، ثم الى الحقائق الجميلة ثم الى الجمال ذاته؛ حيث يحتضن النظام و التناسب و التكامل في الشكل. فالجمال غاية بدون غاية حيث أنه ضرورة ذاتية كونه يوفق بين عالم الطبيعة و عالم الاخلاق ، بين عالم الحس و عالم العقل ، و يحرر الانسان من الضرورة في الطبيعة و الواجب الالزامي في الامر الأخلاقي و هو لا يلغيهما بل يستبقيهما و بهذا يصبح الجمال الاداء الحر وفق المعايير القانونية في الحياة التشكيلية.

 
فالسؤال .. متى و كيف يمكن احلال الدولة الجمالية محل الدولة السياسية و نظمها؟ لربما باستبدال النواميس الجمالية لتحل محل النواميس و النظم السياسية القائمة ، حيث أن للجمال طابع اجتماعي منه ينسى المرء في الجمال حدوده الذاتية ، و بالجمال يرتد الانسان الحسي الى الشكل و الفكر و يرتد الانسان المادي الى الروح ، و يستعيد عالم الحواس و يمكن الجمع بينهما عن طريق الحرية بالحرية وجمال الحقيقة لارتباطها بالمعرفة ، وهنا يحدث الجمال المقترن بالعقل داخل جمال الفن و العمل الفني ، المرتبط أساسا بالفكرة لانتاج اسس جمالية، وحرية الانتاج و التشكيلات هي ما نستمتع به في دولة الجمال . فاذا كانت الحيوانات و الطيور يمكن أن تبني أعشاشها الا أنها تبنيها لذاتها .. على حين أن الانسان يبني للنوع البشري كله ، و هو ينتج حتى لو لم يكن واقعا تحت ضغط الحاجة و لهذا يشكل الانسان الاشياء وفق قوانين الجمال . فالجمال متغلغل في كل شيء صحي سليم ، و اذا احتفظت أمة بفكرة الجمال فهذا يعني أن بها حاجة للصحة و سلامة المقاييس ، ويمكن للبشرية أن تحيا بلا علم و بلا خبز ، و لكنها لا تستطيع أن تحيا بلا جمال ، لكن الجمال يجري تلويثه و فيه تتلاقى النهايات القصوى و تقف المتناقضات جنبا الى جنب . فالجمال لن يستطيع أن ينقذ الساسة في عالم الدولة لكن الجمال في ساسة عالم الدولة يجب انقاذه ، فلا يمكن للجمال أن يحوي العدوانية أو أن يوقف المعتدي و يشل حركته و الشيء الجميل عند الفنان السياسي هو تصالح الأضداد في خارج كل توتر بحيث لا يعود العنف شيئا لا غنى عنه و هو قادر أن يشد أزر الحياة بالقفزة الشديدة للقوى الانسانية فالجمال الانساني هو اطلاق المشاعر بل هو تعبير ممنهج ، و عالم الجمال يتحقق في المجتمع الفعلي للآنا المفارقة ، و نحن أزاء الدولة الجمالية نسعى الى فهم ماهو مثالي و الذي كرس له الانسان مهارته . و تجسيد فني يدل على النجاح في العمل و هذا يعطينا “الواقعية” ، و اذا أضيفت الرغبة وصلنا الى نوع من “الرومانتية” بخصائصها العامة و مظاهرها المتسعة ، التي تؤمن بالعمل الجمالي و ما فيه من مباشرة قائمة على الحدس المباشر، و الحيوية تكمن في التكيف البيولوجي و القيمة الانسانية الباقية ، و القيمة القصوى للانسانية هي في التكيف الانساني ، وتكمن القيمة التكيفية للجمال في عرض الاحداث ، و المواقف الحية تقوم في جعل الانسان واعيا لبيئته و اعداده للتكيف مع الطواريء و حياته اليومية أيضا . و الاعمال الفنية الجمالية تجعل الناس يعون أنفسهم و بيئاتهم ، ونحن معنيون في دولة الجمال في بث الامور الخلقية و التعليمية في أرض الواقع ، و التجربة و ان كانت ليست التجربة اليومية ، كون جمال الفن بصفة عامة توقع يفلت من التحقق خلال التجربة ، وعلم الجمال هو تشكيل متنوع قبل أن يكون جميلا ، و الانسان لديه طبيعة تشكيلية و لهذا فالانسان معيار لصدق جمالية عمله وصدق الفن هو وحدة النزوع القائم على المحاكاة و التخيل و مرتبط بالتعبير الشخصي و بالصفات الجوهرية و الرمزية الزخرفية أو الصورية ، و العملية الابداعية تنطلق من الفكرة و الجمال يملأ الفكرة بالحياة و يرمق من حاشية المثالى و ما له معنى بأن يبث فيه اللطافة و بهذا يقربه منا .

 
ان العمل الجميل يكمل الدائرة من أصل دوائر الحياة التشكيلية الاجتماعية و السياسية، و الجمال حدث لا يمكن عده و احصاءه شأن الالهام لكنه ليس حدثا معزولا عن سياق الحياة ، و الحب رابط دبلوماسي يرفعنا فوق الحياة ثم يولد الجمال و يربطنا ربطا وثيقا بالحياة بمختلف مظاهرها ، فالحب يعطي دوافع للتخيل يجعله يتجاوز الحدود، و تجسيد التخيل في صورة يجعلها في سياق “الواقعية” و اذا اضيف منطق الرغبة الممكنة فان “الواقعية” تتحول الى “ثورية” ، لذا فالهدف من “الواقعية” ليس مجرد تصوير الماضي ، بل ترويج و تدعيم الانجاز الثوري في الحاضر مع التركيز على الحقيقة مهما كان الثمن بكل ما في الحياة الدنيا من قذارة و فقر و عنف ويأس و ابراز أهداف المستقبل بعد أن يتوفر لها نظام و تتابع في الاحداث بسرد عللها بحرية .
فالحرية موضوع التساؤل عن المصير للشعب العربي في وجودنا الحضاري ، و تشكل في الفن تساؤلا كبيرا ، اذ هو وسيلة مسهمة من وسائل تحققها ، الفن هو من وسائل النضال لتجسيد الفعل لذات الحرية و مع ذلك نفترض الاختيار الحقيقي لمعنى الحرية لكي نجد أثرها في الفن العربي الذي هو جزء من ادراكنا لأثر الحرية في الفكر ، لأن الحرية التي نريد هي جوهرنا منذ أن حددنا سبيل النضال من أجل الكشف عن قضية مهمة هي الهوية الفنية للذات العربية في الحياة التشكيلية .
فالحرية في وجودنا تعني عروبتنا ، نحن في عمق النضال من أجل السعي المتفاعل لوحدة الذات العربية في ضوء الحرية كشرط في الفكر العربي . تلك المسائل تشكل المادة الخصبة للفنان بوصفها ظواهر و أحداث و مواقف ، تساهم في ابداعات الفنان في انجازاته و روائعه الفنية ، اضافة الى أن الفنانين العرب قد تعرضوا الى محنة تكاد تتماثل نتائجها في أعمالهم ، و الشعور الجماعي بالمحنة التي يعيشها الشعب العربي أزاءها ، و التي تتفاوت بين فنان و آخر من اتجاه فني الى اتجاه ثان من قطر لآخر و الفنان الذي لا يمتلك ذلك التصور لا يمكن أن يبدع أو يضع انجازا اضافيا لأمته . ان وضوح الرؤية ، و وضوح الفكر الذي اعتمد الرؤية و رفدها بتجربته شرط أساسي في العملية الابداعية في الفن .

 
ان أعظم لحظات الشعور بالحياة عبر الفن هي لحظات الشعور بأن الحرية قوة الفن ووجوده ، و شهدت بوادر القرن الواحد و العشرين رفضا واضحا لكل الاساليب و الطرق الماضية في تنظيم أعمال الفن و ما يرتبط به من قيم جمالية . و الحديث عن علاقة الفن بالفكر العربي و ثورته التشكيلية الفنية التي تستهدف احداث تغيير في سلوك الانسان في اتجاه المساواة بين البشر ، و النضال من أجل الحرية ضد الاحتلال و القمع و الاستعمار الفكري وحظر خطورته ، التي بانت على جيل شبابنا في الحاضر و بات رافضا التطبيع . و مهمة الثقافة هي في تهيئة مثقفين فنانين تشكيليين الذين يعملون في المؤسسات العامة للطبقات كلها التربوية و القانونية و الفنية اضافة الى المثقفين االاعضاء الذين هم عامل استرتيجي في النضال الايديولوجي ، و هدف هذه الثقافة ضمان الاشباع المباشر لاحتياجات العملية الاجتماعية و اشباع احتياجات العقل لعامة الشعب . هذا لا يعني أبدا مفهوم التلقين في الفن أو تجميعه في قالب أو نمط أو اتجاه لأن كل خطوة في تاريخ الفن انما هي ابداع ، بل خطوة ابداعية ليست منفصلة عن أسباب نشؤها و علاقتها بالعالم المحيط ، فهناك صلات أساسية في وعي الفنان موضوعيا بالحياة و بمكوناتها ، ومن هذه المكونات العامل الاقتصادي و السياسي و الاخلاقي . ويأتي تنظيم الرؤية و التصور لتلك العوامل ضمن وعي الفنان لعروبته ، وهذا الموقف يجعل الفنان منحازا الى الانتماء الى ما هو مطروح في الفكر العربي و ممارسة دوره اليومي فيها لتوكيد هويته و المساهمة في بناء دور الفنان و وظيفته الاجتماعية و تفسير المرحلة التي يناضل فيها .
الجدير بالذكر أن القرن العشرين مر بحربين عالمتين ، و من المعروف أن الحروب لها ردود أفعال كثيرة في كل الشعوب التي اشتركت فيها ، و حتى التي لم تشترك فيها. و الحروب الحديثة لا تجعل هناك هازما و ومهزوما بالمعنى القديم ، فالمنتصر يخرج صفر اليدين و باقتصاديات متعبة شأنه شأن المنهزم الذي تتحطم كل امكاناته الاقتصادية،و بجانب هذه الحروب تتفجر الثورات المحلية في كثير من دول العالم وبخاصة في الدول النامية لتصبح هذه ظاهرة من ظواهر القلق المنتشر في البلاد المختلفة نتيجة الانقلابات وفكرة الثبات تكاد تختفي ، ومن سمات العصر التسابق على الاسلحة الفتاكة الى صناعة أسلحة أكثر فتكا و أسرع انقضاضا . و هذا التطور يجعل عصرنا يختلف كثيرا عما قبله من العصور ، و هذا الاختلاف من شأنه أن يؤثر على كل شيء في الحياة التشكيلية و بخاصة الفن التشكيلي بفروعه التصويرية و التطبيقية ،و ان أهم شيء يوصف به هذا العصر أنه علمي مع التأكيد على البحث العلمي ، وأصبح لا يسلم بكثير من الحقائق الا اذا جازت الاختبارات و صدقتها البراهين .
و جملة العوامل الثقافية للقرن الواحد و العشرين فنشأتها اضطراب التوازن في طرز الحياة التشكيلية بسبب الحروب ، و الثاني الاغناء الذاتي و ليس في هذين الامرين مساهمة جدية في اظهار الصيغة العربية للفن ، ان طبيعة تعدد الاتجاهات السائدة في اوروبا ترجع الى عوامل نشؤها و أسباب تبلورها و استيعابها و تمثيلها ولا تحمل ظروف مشابهة أو متقاربة للعلل و الاسباب و الحاجات في الوطن العربي الملائمة لظروفنا و حاجاتنا و تزداد الحاجة اليها كلما ازداد وعينا بالنضال الجوهري لامتنا العربية أزاء مسألتين : مسألة التفاعل و اكتساب الخبرات من شعوب متقدمة و مسألة استخدامها كوسيلة لتحقيق التفرد و التمايز كما سبق و حدث بالنسبة للفنون العربية الاسلامية التي كانت بالاساس وليدة تزاوج الفنون الشرقية القديمة و الفنون الساسانية و البيزنطية و نضجت في العصر العباسي الوسيط .

ان نقل تجارب شعوب اخرى الى مجتمعنا لا يمكن ان تغني مستوى فننا اذا لم تستمد مكوناتها من العامل الثقافي و التراثي والسياسي و الاجتماعي و الجغرافي ، و من ثم تنظيم رؤية عصرية عربية المضمون و المحتوى و الشكل و الاسلوب ، حيث يتم كتابة التاريخ الفني المعاصر للأمة العربية التي تساهم في توضيح ألنضال الفني التشكيلي في الفكر العربي و تاريخ الثقافة الفنية العربية المعاصرة .

ان مشاعرالفنان التشكيلي التي يجسدها في أعماله الفنية و ينقلها للجمهور ليست كمشاعر ألاديب والكاتب والصحافي و الشاعر أو حتى الدبلوماسي السياسي ، انها مشاعر لها لون خاص ، لاتها تتعلق بمعاني الاشكال التي ينظم بها الفنان التشكيلي أعماله الفنية تتعلق بالحس الذي يضفيه في حسابه و طريقة تفكيره و هو مرتبط عضويا بالكيان الكلي للعمل الفني الذي استثير في العالم المحيط و بدون هذه المشاعر لا يحقق الفنان فنا. انها مسألة متوقفة على ارتباط الاحاسيس المرئية التي تمثل اتجاها و اندفاعا حيث يترجم مشاعره بترابطات خاصة حينئذ تحدث العلاقة بين الاشكال و الخطوط و الكتل و الفراغات و الالوان و الاتجاهات لتكملة عناصر تأليف اللوحة كلها في مجموعة تترجم في النهاية بما توحى به الى المشاهد .

فالالتزام Commitment واجب يلقيه الفنان على نفسه دفاعا عن مبادىء معينة يروج لها و خاصة ذات طابع أيديولوجي و سياسي بهدف الاصلاح الاجتماعي على أساس أن العمل الفني ذو تأثير مباشر على المجتمع الفردي الخاص و على المجتمعات العامة الاخرى ، وتتركز الدعوة للالتزام بقضايا عصره و الفنون التشكيلية الجميلة طريقة من طرق ارادة الحرية ، فمتى شرعت فيها طوعا أو كرها فأنت ملتزم على أن الفنان خادم للوطن الذي هو جزء من عروبته ، و على أنه مهندس للنفوس و هو المادة الخام و الباعث الى تشكيل الالتزام و تنظيمها في العمل الفني . فالفنان مصلح اجتماعي له وظيفة التطهير فهو اداة فعالة لتصفية الاهواء و تنقية الانفعالات و هو الذي ينزع من النفوس الاحساس بالصراع أو التمزق كما أن الفنون تقمع كل ما هو جزئي في نفوسنا ، و تحول الجزئي الى كلي والذوق هو الوسيلة التي تسمو بالتأمل الى مستوى الجمالي الذي يستطيع عنده أن يدرك العنصر الكلي فيما هو بشري . وله طابع انساني و هذه هي لغته النوعية التي تظهر علاقة النفس البشرية بالعالم حيث أن الفن لا يقتصر على اثارة النضال بل يستهدف تحقيق الحقيقة و العدالة و عندما يعبر عن الافكار العامة انما يخلع عليها طابعا عاما و من هنا يجعلها تتحدث الى كل انسان . و رفع هذا الفن فوق كيانه كاحتراف للتعبير عن الافكار المعاصرة عن قمع للحريات الفردية و العامة ، و سياسات العنف ، و التطبيع ، انها مسألة لقضية شعب من الشعوب العربية رافضة استبدال الاغلال بالاغلال . و الفنان الملتزم بالدفاع عن مصير شعبه حر في اختيار المواضيع و الانتقاء و الحرية هما وظيفة الفن لأن الفنانين هم أناس يعلمون تماما حكمة فنهم و هم لا ينتجون أي فن بل الفن الذي يحدث التحرر من قيود الكراهية و الاستبداد و يحدث فيها تغييرات بوجوده وفق التصور المادي للتاريخ فان العنصرالنضال المحدد الاساسي في التاريخ هو انتاج الحياة التشكيلية الواقعية بصدق التفاصيل التي تتضمن العرض الصادق على ان يتم ترجمته الى الواقع العيني للمشاهد بتلقائية و يقدم موقفا صريحا في جانب من الجوانب. و الابتعاد عن الواقعية الزائفة التي تهدف الى جعل العين أداة حس غبية بالاعتماد على المظهر الوهمي ، و اعتماد التطهير بأنه العلاج لجعل النفس خفيفة و متخففة ، متعالية على الانفعال المزيف ، و على هذا فان مضمون الجمال في التعبير الصادق هو رفع عقلي للنفس . و اذا أصدر الانسان حكما جماليا فان هذا الحكم لا يكون عن العمل الفني بل يحكم على الانسان نفسه الذي يصدر الحكم . و الاعمال الفنية ليست سوى أداة فعالة تقتادنا الى الواقع عن طريق بعض المقولات و القوالب الوجدانية .

لذا فان حرية النضال هو الوعي الاجتماعي لكل الشعب ، والنظرية النفعية للفن تظهر عندما يكون هناك فهم متبادل بين الجانب الأكبر من المجتمع و الفنان . و الانتصار هو هزيمة للمعتدين و كل الذين يضطهدون الناس ، و حرية النضال بانتصاره يوضح وعي الانسان و يعطيه نظرة جديدة الى الحياة ، و الوعي بالانتصار لا يكتفي بالتحرر بل يحرر الشعوب من الخوف الكامن فيها منذ آلآف السنين و هو يفتح الأعين على ما هو جديد في رؤية المستقبل ، و لهذا فان حرية النضال لا يمكن استغلاله في اضطهاد الناس ووضع العماية فوق الأعين ، بل سيظل سلاحا حرا لا مع الحرية المظلمة بل مع الحرية المستنيرة التي تتحدث عن التحرر و التحول ، و حرية النضال في الاعمال التشكيلية من نحت و رسم وتصوير تظهر نتيجة المقاومة كحافز أساسي في النضال ، ووظيفة الفن أن يحول قوة المقاومة الى أداة في متناول الفنانين لأظهار الفعل الابداعي الى قوة مبدعة ، لدفع عجلة التقدم نحو الحرية ، فالفن ينبع من الحياة و يطرح نفسه كشيء قابل للتحليل و الفهم و الا انهار التفسير المادي لتاريخ الفن .

وكما أن الفرد يبحث عن العدالة في المساواة ، فان المجتمع يبحث عن النظام في الفوضى ، و نضال الفنان في الحياة التشكيلية يعد تضحية ذاتية حيث أن البحث عن الحريات يقتضي النظر الى الامام لا الارتداد الى الخلف . و أعمال الفنان بوسعها أن تكون واضحة وضوح صوت الجرس وهو لذلك مصدر لبهجة العين ، وكذلك بهجة الذهن ، و هذه البهجة يجب ألا تعادل بالسرور المجرد ، انها أشبه باليقظة من النوم . فالانتصار يولد أبطالا في مواقع من المعارك العديدة و على الفنان تجسيد هذه البطولات في اعماله الفنيه تبعا للزمان و المكان ، حصيلته الشخصية المحورية التي يدور حولها العمل الفني التشكيلي كبطل لهذة المعركة أو تلك ، و داخل نضال المقاومة الملتزم و داخل المواقف المتطرفة يرسم البطل مصيره بنفسه ، فهو يوجد أولا ثم بفعله تنشأ صورته أو ماهيته ، فالرسام عندما يرسم البطل على أنه نمط عنده قدرة على الصدام و مواجهة الاقدار و المصائر بالتحدي و يرتفع من خلال الصدام الى قضية كلية لأنه يتصف بسمات فكرية و قدرة على ادراك المصير العام لا الخاص فحسب .

حصدت من دراسة ” أبى الطيب” “المتنبي” كيف كان شعره في وقته أداة من أدوات الحرب ، يؤثر في المعركة وفي انتصار الجيش ، وفي الهامه و تفانيه و تضحيته ، حتى أن انتصارات سيف الدولة ما كانت لتحظى بهذه القوة النادرة بغير مرافقة الشعر له في المعركة و كان يعمل لذلك حسابا أى حساب . يقول أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي (965م – 915م) في قصيدة له و هو مرافق لسيف الدولة في احدى غزواته:

تقطع ما لا يقطع الدرع و القنا وفر الفرسان من لا يصدم
وقفت ومافي الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى و هونائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
تجاوزت مقدار الشجاعة و النهى الى قول قوم أنت بالغيب عالم
ضممت جناحيهم على القلب ضمة تموت الخوافى تحتها و القوادم

وهذه القصيدة التي قيلت عام 954م مطلعها :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم و تأتي على قدر الكرام المكارم
و تعظم في الصغير صغارها و تصغر في عين العظيم العظائم

 

يقول “يوري دافيدوف” Yuri Davydov (:- “.. انك اذا أردت أن تستمتع بالفن فيجب أن تكون قد تربيت على نحو فني ، و في مملكة الفن يمكن حل المشكلة الخاصة بالعلاقة بين الناس و الفن على نحو من شأنه ايصال الفن بشكل يجعله متاحا للجميع دون استثناء “). و يبقى الفنان في حرية نضاله مع معترك الحياة التشكيلية منتظرا الحلم العربي لرسم صورة لما سوف يأتي.! تقول النظرية الجمالية في “الحرية”، للمفكرة و الكاتبة الفرنسية ” سيمون دي بوفوار”(1985-1908) Simon De Beauvoir (:-” فالانسان خلال هذا العالم يستطيع كل فرد أن يعطي حريته محتوى عينيا ملموسا ، و الحاضر ليس ماضيا امكانيا بل هو لحظة الاختيار و الفعل . و نحن لا نستطيع أن نتجنب العيش فيه ، و الانسان مشروع لأن الانسان يقذف نفسه دائما نحو المستقبل . و الفنان لكي يكون لديه عالم يعبر عنه يجب أن يوضع أولا في موقف في هذا العالم سواء مارس الاضطهاد أو مورس عليه الاضطهاد ، مستسلما أو ثائرا يريد أولا الحرية في داخله و كليا و عليه أن يتخذ موقفا لذلك ترى أن على الفنان أن يلعب دورا سياسيا في حياة بلاده و تضع القيمة العليا للاخلاق” ).و بعبارة “ديكارت” الشهيرة “أن الحرية لا يمكن معرفتها بالبرهان عليها ، و انما بمجرد التجربة اننا نملكها”. و لابد للانسان لكي ينعم بحريته من أن يدفع كل اعتداء عليها و كما يقول “هارولد لاسكي” بعد “بركليس”:-“ان الشجاعة هي سر الحرية كلها، فكل مرة نسكت فيها امام الظلم او الظالم انما نرتضي فيها خسارة الحرية ، و كلما زاد اصرارنا على ان هذا ليس من شؤوننا كلما سهلنا بذلك زيادة الظلم للذين يسكتون في وجود الظلم “. و بالمقابل فان استبدادية الظلم قد ازدادت قوة و تحكما و تسلطا و ضغطا على الحريات ، و لكي نحسن الدفاع عن حريتنا ينبغي أن نعرف حدودها حتى لا يتحول دفاعنا الى اعتداء ، نقول ذلك و نحن ندرك حقيقة الواقع الذي يعيشه العالم من حولنا في ظل متغيراته الدراماتيكية الهائلة ، و في المادة الثامنة من اعلان حقوق الانسان و المواطن الذي ينص على : أن هدف كل مجتمع سياسي هو المحافظة على الحقوق الطبيعية و الثابتة للانسان . وهذه الحقوق :”الحرية ، وحق الملكية، وحق الامن ، و حق مقاومة الظلم”.

المراحل في حياة الفنان التشكيلية تخضع للتأثير المباشر للظواهر الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ، و طبيعة المناخ ، فالنشأة الفنية منوطة بالتقاليد و العادات السائدة لظروف الاحوال الأمنية اذا ما عدنا بذاكرتنا للحروب المؤلمة التي المت بوطننا، التي تعطي للفنان الدافع المباشر للالتزام الفني بأحوال الحرب و السلم . الدفاع عن الارض و مقاومة الاحتلال بالتعبير التأثيري ذات الطابع الدرامي بترجمة احاسيسه الى رسومات تعبيرية عن مدى قساوة الحرب على المجتمع بشكل مفجع ، هذا الالتزام وليد نشأة الفنان أثر رؤية الدمار و الحصار، و الجوع و العطش ، الآلام الانسانية ، القتلى و الجرحى ، الاطفال المشردين ، و ألأمهات و ألأباء المفجوعين بمصائب الاحوال الامنية . فقد عشنا بالاحاسيس الدامية لقضية وطن يطالب بحق الحياة لمواطنيه رافضا الاحتلال .
فالمراحل تعتمد على المنهج و هي الطريقة التي يتم بها دراسة الموضوع الجمالي ، و هناك ثلاثة مناهج رئيسية : المنهج السيكولوجي و المنهج الاجتماعي ، اللذان يعتمدان على المنهج العلمي القائم على الاستقراء و الملاحظة و التجريب ، و المنهج الجمالي الفلسفي الذي لا يغفل عنصر القيمة الجمالية فالمنهج السكولوجي يأخذ بنظرة آلية على ان الفن نتاج طبيعي و آلي و تلقائي لعواطف الفنان و مشاعره و لهذا يدرس الفنان من حيث هو انسان لا من حيث هو فنان ، فيرصد طفولة الفنان و بيئته و عوامله النفسية ، كما يدرس هذا المنهج سيكولوجية الابداع و الذوق . و المنهج الاجتماعي ينظر الى العمل الفني على أنه نتاج الظروف الاجتماعية و أنه تعبير تلقائي عن البيئة و المكان .
فلوعدنا الى تاريخ الفنون التشكيلية أبان الثورة الفرنسية بالتحديد و ما قدمه لنا الفنان الفرنسي “ديلاكروا”( 1798-1863) Delacroix(Ferdinand Victor) Eugene في لوحته “الحرية تقود الشعب” عام 1830 ، باسلوب عرف “بالرومانتية”^Romanticism التي جسد فيها الروح الوطنية نتاج لعصر لم تعد فيه فرنسا مضطرة الى الدفاع عن حريتها ضد جار طامع أو ضد حاكم اقطاعي أجنبي ، و انما ضد عالم معاد محيط بها ، و كانت فرنسا الثورية بارعة تماما اذ جندت الفن لمساعدتها في هذا النضال . ويكفي أن نذكر في هذا الصدد أن الهدف الحقيقي للثورة لم يكن اتاحة الفرصة أمام الطبقات المحرومة من امتيازات الثقافة لكي تستمتع بالفن ، بل تغيير المجتمع وتعميق الشعور بالتضامن ، واثارة الوعي بما أنجزته الثورة. فمنذ ذلك الحين أصبحت رعاية الفن أداة للحكومة ، تبدي بها من الاهتمام ما لا تبديه الا لما هو هام من شؤون الدولة ، اثر ذلك كان من واجب الفنانين بأسرهم أن يناضلوا بفنهم و يخدموها بكل ما يستطيعون من أعمالهم التشكيلية الفنية . و لم يصبح الفن اعترافا بالعقيدة السياسية الا مع الثورة ذاتها كجزء من دعائم بناء الدولة . على ان الثورة ينبغي ان تغير المجتمع اولا قبل أن تستطيع تغيير الفن ، على الرغم من أن الفن ذاته أداة لهذا التغيير ، ويرتبط بعملية التغير الاجتماعي في علاقة معقدة من الفعل و رد الفعل المتبادل .

sami-jarkas-01
sami-jarkas-01

و مضمون التشكيلي في اللوحة يبين لنا مدى قدرة الفنان “ديلاكروا” في اظهار ثورة الشعب الفرنسي بمختلف تفاوت طبقاته الاجتماعية ، فهو جسد لوحة لمعركة من معارك الجمهور الثائر ، فنرى المرأة الثائرة في القتال حاملة العلم الفرنسي تشجع الجماهير في التقدم و المتابعة في التقدم نحو النضال في سبيل الحرية على الظلم ، و تحت أقدامها القتلى، و الجرحى السكالى ، و الى جانبها الرجال و الفتية بحالة قتال في الذروة القصوى من الحماس في مسيرة المعركة الحتمية على الظالمين ، و كأي معركة لا بد من ضحايا في سبيل تحقيق العدالة الشعبية و الاجتماعية . و نرى اسلوب الفنان و كأن الاشخاص في اللوحة سوف يخرجون من اللوحة مع تباين الشخوص في نمط تعبيري باد على الوجوه، مسحوبا بالحركة الجسمانية البارزة في التشريح الجمالي و تشريح الاردية لكافة الالبسة المتوفرة في ذاك العصر . ان وضوح اللون ووضوح الانارة اللذان يعدان في قمة الدراية للتشكيل الفني في اللوحة ، أعطيا القوة في اظهار عناصر التاليف المتمثلة فيما اللوحة من العزم و الاقدام لشعب بات النصر من مستلزمات نضاله للحرية التي تقود الشعب و الجماهير . باسلوب “رومانطيقي أي رومانتي ، الذي امتازت به تلك الحقبة من الفنون في فرنسا .
^- الرومانتية Romanticism : اتجاه أدبي و فني يستهدف ايجاد توفيق و تصالح بين الرؤية الباطنية للأديب و الفنان و التجربة الخارجية و هو يستهدف طريقة للتوفيق بين الطبيعة الخارجية و الطبيعة الروحية و اكتشاف لغة حية مع الاحتفال بالكلمة. و الرومانتية عودة الى الطبيعة و اللاشعور و التخيل و الوجدان و هي ضد النزعة الشكلية و العقلانية . ويرى الناقد الامريكي المعاصر “رينيه ويليك” و الناقد “فراي” أحد أعمدة البنيوية أن الرومانتية ليست فكرة بل هي مركز ثقل وجداني تاريخي ما بين 1790 و 1830 و لقد أحصى الناقد ” لوكاس ” 11396 تعريفا للرومانتية . وهذه الحركة نشأت في فرنسا عند “روسو” وفي المانيا عند “هردر” و “كانت” و “نيتشة” و ” شلنج” و جذورها في حركة العاطفة و الاندفاع ثم انتشرت بعد هذا الى أوروبا وأمريكا .
و تتصف “الرومانتية” بالدعوة الى الحيوية و الخصب و اللاعقلانية و الجرأة . يقال أن ” فريدريك شلجل” هو أول من طرح تعبير “رومانتية” في النصوص الأدبية على أساس أنها تصوير للانفعال في شكل تخيلي أما التي أشاعت التعبير فهي مدام “دي ستيل” وفرقت بين أدب الشمال “الرومانتي” و أدب الجنوب “الكلاسيكي” . و تدعمت “الرومانتية” في انجلترا بأشعار ” كيتش” و كولردج” و ” وورد سورث “.

(يتبع الجزء الثاني)

الإشتراك في النشرة الدورية

هنا يمكنكم الإشتراك في إستقبال نشرة الفنون الجميلة من موقع فنون.كوم والتي تعرض كل ماينشر من مقالات وأعمال الفنانين العرب والتي ستصل إلى بريدكم الإلكتروني مجانا. يمكنك توقيف الرسائل في أي وقت. رجاءّ أدخل بريدك الإلكتروني وكليك على الزر أسفل الخانة مباشرة. لن تحصل على أي رسائل بريديه من الموقع إلا بعد أن بعد تأكيد الرساله التي ستصل في صندوق بريدك الإلكتروني خلال ثواني.


 

 

 

 

 

 

 

 

beautiful girl

الفنان عبد العال فى سوق القرية

جولة عبد العال فى «سوق القرية» بمعرض «يسعد صباحك»
بقلم الناقد مجدي الكفراوي
أن تمر بتجربة إنسانية خالصة، تتجول فيها فى سوق القرية المصرية، تصغى ببصيرتك وبصرك لكل ما تبوح به وجوه الفلاحات، اللاتى سيظلون رمزا للخير والبهجة والبساطة، هذه هى التجربة التى يقدمها لنا الفنان عبد العال حسن فى معرضه الجديد، المقرر إقامته فى قاعة «بيكاسو» فى نوفمبر المقبل تحت عنوان «يسعد صباحك».

يقدم الفنان عبد العال فى معرضه، الذى يفتتحه الفنان نور الشريف فى الحادى عشر من نوفمبر، مجموعة من أحدث أعماله الفنية، متناولا من خلالها تفاصيل الحياة اليومية للفلاحة المصرية، وتحديدا ما يتعلق منها بتجارتها الصغيرة، وبما يمكنها بيعه من منتجات منزلية مثل: الطيور، والبيض، ومشتقات الألبان والخضروات.

تجول الفنان فى الأسواق وسجل لنا بحسه الفنى وأسلوبه الواقعى الذى لا يخلو من التأثيرية تلك المشاعر الإنسانية التى ترتسم على الوجوه مصدرة لنا كل التساؤلات البسيطة التى تجول بخاطرها، هل ستبيع ما تملك؟ وبكم؟.. وماذا ستفعل لها ولبيتها؟ وجوه الملىء بالتساؤلات والحزن والأمل والرجاء والسعادة والرضا كل ما يملكه البشر من مشاعر متناقضة سوف تطل عليك من اللوحات.

دائما ما يركز عبد العال فى لوحاته على أهمية البعد الإنسانى، من خلال إبراز وجوه الشخوص كمقدمة فى التكوين، ومعالجة الخلفية بشكل بسيط لا يخلو من العبقرية والتمكن والثراء اللونى، بحيث يترك الشخوص تبوح بمكنوناتها وكأنه يعزف لنا بأوركسترا متكامل دون نشاز لآلته الرئيسية، لم يركز عبدالعال على ما تحتويه الوجوه فقط، لكنه كان حريصا على إبراز التفاصيل المدهشة فى الملابس والاكسسوارات، بمجموعة لونية خاصة جدا به، تجعلنا نستطيع من الوهلة الأولى أن نجزم أن هؤلاء النسوة من سكان عالم عبد العال، لبراعته فى استخدام «الكونتراست» التباين بين الغامق والفاتح، ولكن عبدالعال دائما ما يفاجئنا بدرجات لونية غير متوقعة، لكنها لا تخلو من التناغم ليضعنا فى النهاية بين لوحة متكاملة الأركان من الغنى اللونى وحبكة التصميم، أيا كانت الخامة التى يستخدمها (زيت – أحبار مائية ملونة – أقلام ملونة) فهو فنان يملك من المهارة ما يجعله مسيطرا على أدواته غنى بمفرداته دون سيطرة المهارة على حسه الفنى.

المزيد من موقع فنون.كوم | من لوحات الفنان عبد العال:
http://www.fenon.com/عبد-العال-حسن-abdel-aal/ 
– العمل فى المجال الصحفى جعل الفنان يطلع دائماً عن الأعمال الأدبية والسياسية والأجتماعية والتى اضافت الكثير لثقافة الفنان الذى يعمل بمجال الفن الصحفى .

فَضائِلِ عَدُوِّكَ

بقلم دكتور ياسر منجي

مِن أصعب الخِصال التي قد يتحلّى بها المرءُ في حياتِه، إنصاف عَدُوِّه، ومِن أندَر الفَضائل التي يمكن أن يتحلى بها إنسان، معرفة أقدار الخُصوم، وشجاعة الاعتراف بقُدرات المُنافِسين؛ فهي خَصلةٌ تستَلزِم قوةً نفسيةً هائلة، وفضيلةٌ تحتاج لقُدرة على ضبط النَفْس، والاعتراف بالحق، والتخَلُّص مِن شوائب الكِبْر ومرارة الحَسَد.
في نهاية عام 1959، سقط لاعب الشطرنج السوفيتي “ميخائيل تال” (1936 – 1992) – بطل العالم الثامن، وأحد أساطير فن الهجوم الحاد – مريضاً، بتأثير أزمة حادة من أزمات الكِلَى، التي ظل يعاني من آثارها معظم سنوات عُمره، حتى غادر الدنيا نتيجة تدهور حالته الصحية بسببها.
وفي أثناء وجوده بالمستشفى، تَلَقّى “تال” أغرب زيارة يمكن أن يتوقعها أحدٌ في هذا الوقت؛ إذ زاره في غرفته التي يرقد بها اللاعب الأمريكي الفَذّ “بوبي فيشر” (1943 – 2008)، بطل العالم الحادي عشر، وأحد أبرز الشخصيات في تاريخ اللعبة.
لم يَكُن سبب غرابة الزيارة مُقتَصِراً على كون “فيشر” أمريكياً وكون “تال” سوفييتيّاً – بما يعكسه ذلك من خلفيات صراع سياسي عالمي طاحن، آنذاك، بين المعسكرَين الشرقي والغربي – بل كان في توقيت الزيارة نفسها؛ إذ جاءت على أثر مجموعة من المباريات الشرسة، خاضها اللاعبان، أحدُهُما ضد الآخر، في تصفيات تأهيل المُرَشّح لمنافسة بطل العالم، التي كانت قد أُقيمَت في ثلاث مُدُن باتحاد الجمهوريات اليوغوسلافية آنذاك، هي “بليد” و”زاغرِب” و”بِلجراد”، حيث فاز “تال” وقتها على “فيشر” في المباريات الأربع التي التَقَيا فيها، ليحصد “تال” أعلى النقاط، ويأتي “فيشر” بعده كأعلى تصنيف للاعب غير روسي.
وبرغم أن “تال” كان سبباً في تفويت الفرصة على “فيشر” للتأَهُّل لمنافسة بطل العالم، وبرغم انتصاره الساحق عليه في المسابقة، لم يتردد البطل الأمريكي في زيارة غريمه المريض، ومُلاقاتِه كصديق يحاول التخفيف عن صديقه بمجموعة من الأدوار الودّية، التي تبادلا خلالها الحديث الباسم.
الغريب أن “فيشر” كان لاعب الشطرنج الوحيد الذي زار “تال” خلال هذه الأزمة؛ فحتى الأبطال السوفييت مِن مُواطِنيه، لم يقُم أحدٌ منهم بمثل هذه الزيارة، مُنشَغِلِين بمتابعة الصراع على بطولة العالم المُرتَقَبة!
رؤيتُكَ لِفَضائِلِ عَدُوِّكَ تُضيفُ لرصيدك الإنساني، ومعرفتُكَ بأقدارِ خُصومِكَ تُقَوِّيكَ على صَغائِرِ نَفْسِك، واعترافُكَ بقُدراتِ مُنافِسيكَ يضَعُكَ في مَصافِّ كِبارِ النفوس.

بقلم دكتور ياسر منجي

Bobby-Fischer-Tal
Bobby-Fischer-Tal

رسائل فوتوغرافية

بقلم: حسن داوود

الي كل من يريد أن يلحق بركب المبدعين.. إقرأ حتي النهايه.
حديثنا اليوم عن الرسم وعلاقته بالفوتوغرافيا. الرسم هو هبه من المولي عز وجل يهبها لمن يشاء. والرسم هو ترجمة مايخطر بالعقل ومايجول بالوجدان من أحاسيس ومشاعر ومضامين وأشكال تراها العين وتخزن بالدماغ. أو خيال يحلم به العقل الباطن فيظل بالذاكرة، فتأخذ اليد الأوامر من الدماغ في لحظة نسميها نزول وحي الفن ليخرج هذا الفكر ويترجم علي هيئة خطوط باشكالها المتعددة، ونقاط وظلال وألوان. تنقشها انامل اليد فيراقبها البصر، ويضبط ايقاعاتها العقل. وبالتالي نستطيع القول أن الرسم له أدوات بشريه محدود كالدماغ والعين واليد، وأدوات ملموسه كالقلم والفرشاة والألوان. وأدوات محسوسه هي المشاعر والفكر والثقافة.

والرسم لغه عالميه يقرؤها المتعلم والأمي، لها أصولها وقواعدها الرصينه والتي لا غنى عنها لاي فنان تشكيلي. نعم تشكيلي فالرسم تشكيل والنحت والحفر والنسيج والطباعةوالديكور تشكيل. حتي العماره التي هي ام الفنون فهي تشكيل وأيضا التصوير الفوتوغرافي يطلق عليه تشكيل فكل عمل فني يتكون من مادة او مواد مختلفه ملموسة أو محسوسه. ويقرأ من خلال العين فيحمل رسالة وفكرا ومضمونا فهو في دائرة التشكيل.

والرسم هو دليل يقتدي به لكل من أراد أن يخبر خبرا أو يلقن علما أو ينشر فكرا … والرسم امتاع للبصر والبصيرة، وثقافة وعلم للعين وهداية لكل من ضل طريقا .. وبداية لكل نهاية. ومن اراد الاعتلاء والفهم … يتحتم عليه أن يتحلى بالصبر في تتعلم الرسم حتي يصل لما يصبو إليه في الاتجاه الذي يقصده.

وعند دراسة الرسم نتعلم دراسة التكوين وكيفية عمل تكوين ناجح (composition) لما نرسمه ونتعلم اختيار الزاوية الأفضل لما نرسم (The best angle) ونتعلم دراسة الإضاءة من أين وعلي أي منطقه فيما نرسم وسواء اضاءه طبيعيه (Natural lighting) كالشمس والقمر وضياء النهار أو صناعيه (Electrical lighting) وأنواعها المتعدده وطريقة إسقاط الإنارة عل مانرسم. ونتعلم أيضا الظلال سواء ظل الشئ علي الشئ أو ظله علي نفسه (Shades and Shadows).

كما نتعلم أنواع الرسم من المدرسه الكلاسيكيه من بورتريه (Portrait) الي لاند سكيب (Land scaping) ومعماري (Interior & exterior architectural) خارجي أو داخلي و طبيعه صامته (Still life) ورسم للمنتجات (Products designing) ورسم علمي ورسم رياضي ورسم تقني صناعي (Technical Drafts) ورسم بالألوان أو بالظلال الاحاديه (B&W) أو رسم سينيمائي (story boards) أو رسم وثائقي (documentary Drawing) أو مواضيع اخري تتجسد فيها الأحاسيس والمشاعر الانسانيه.

ومن أنواع المدارس الكلاسيكيه .. الواقعيه والانطباعيه والتنقيطيه والتأثيريه والتعبيريه. كما نتعلم أيضا منه المدارس الحديثه كالتجريديه والتكعيبيه والسيرياليه والمفاهيميه والديجيتال آرت بانواعه وكل هذه المدارس تترجم فلسفات وفكر لأساتذة الفن قديما وحديثا.

والرسم هو مرآة الشعوب لاظهار ثقافاتهم ويعكس تعددية فنونهم التى تتأثر بمناخهم وبيئتهم ومعاناتهم وفلسفة علمائهم وفنانيهم .. وعمارة مهندسيهم.

ان مناهج الرسم المختلفه خلقت تشبعا فنيا عند البشر وأضافت لهم ابعادا أثرت حياتهم. واغنت مشاعرهم. وتوجت انسانيتهم بتاج السماحة والفضيلة فهذبت لغتهم وانارت لهم الطريق لحياة راقيه وافكارا رفيعه وابداعا في كل أعمالهم فبها نشأت الحضارات والمدنيات علي مر العصور. ومن الناحيه العقائديه فقد زاد الفن من الإيمان بقدرة الخالق مع تأمل عناصر الحياة وتصريفه سبحانه وابداعه الكامل فيما خلق من الحسن والدقة والجمال.

واذا تطرقنا الي مجالنا في التصوير الضوئي لوجدنا تشابها كاملا بين مجالات الرسم والتصوير فالتصوير هو رسم ولكن بلغة الضوء والظلال ومن اراد ان يقدم علي ممارسته لزم عليه دراسة علوم الرسم ومدارسه وفنونه. وأؤكد أن من يمارس الفوتوغرافيا ولم يتشبع بفنون الرسم هو فاقد لمعاني كثيره ولن يستطع التقدم أو الإبداع. هو فقط يقدم نسخا لما يقوم بتصويره فالتصوير بجانب كونه علما تكنولوجيا حديثا له مناهجه وتجاربه وعناصره المتنوعه والمتطورة التي لا ينكرها أحد هو أيضا فنا تشكيليا له محاسنه وطقوسه ومدارسه التي تعتمد علي كون المصور فنانا تشكيليا دارسا ومجربا وممارسا.
واعلموا ان كل المستطلحات الفنيه التي قد ذكرتها في مستهل حديثي كما هي تخص الرسم فهي ايضا تخص التصوير الضوئي لكونهما فنين تشكيليين مرتبطين بعضهما البعض.. وليعلم الجميع انه ليس كل من امتلك الكاميرا والعدسه ومعدات التصوير الضوئي ولم يجتهد لتحصيل علما وفنا ولم يصر علي التجارب المستمره يطلق عليه مصورا بل هو فقط محب للتصوير .. والا فكيف يستبيح اقتناء لقبا بغير حق.

وانا أدعو واؤكد لكل من اقتني معدات وادوات للتصوير الفوتوغرافي أن يدرس فنون الرسم ويمارسها حتي يتقنها بقدر اجتهاده وبعدها يدرس علوم التصوير وتقنياته ليصبح عنده حصيلة علميه وفكرية تؤهله لإخراج أعمالا تنضح بالجمال وتبهر من يراها وتؤثر فيه ..ومن ثم يختار المجالات الضوئيه التي يريد أن يتخصص فيها ليبدع وتعلو مكانته بين أقرانه.. وإلا فليبحث عن درب آخر ويتجه بعيدا عن مجال … سنامه العلم والثقافهK ومكنونه الإحساس والشعور.

ولا ننسي علوم الاضاءه المتشعبه فهي أساسا لكل عمل فوتوغرافي متميز. وما الصوره الاضوءا وظلا. ولنأخذ في الاعتبار عند دراستنا للفوتوغرافيا القواعد الذهبية والتثليث والاتزان ونقاط الجذب ومركز الثقل بالصوره والتضاض اللوني والمناطق السالبه والموجبه ف العمل وبنبغي البحث باجتهاد عمن يعلمكم الرسم وفنونه فليس كل من مارس فنون الرسم يصلح ليكون معلما فالتلقين له رجاله المتمرسين واساتذته الواعيين لدور الفن في رفع ثقافة البشر وإيصال مكنوناته الحسيه والفكريه لطلبة الفن.

ارجو ان اكون وفقت في إيصال رسالتي بامانه لكل من يهمه الارتقاء بما يؤديه ورفع شأنه وصعود سلم الإبداع وتحمل مشقاته .فمن طلب العلا سهر الليالي.

ونعيد الكره .. لما بدأه أجدادنا القدامى الذين بنوا حضارتهم بالعلم والمثابرة … وقت كان العلم يكال بالذهب. وهو قريب منا فاهملناه الي ان ذهب.
أفيقوا يا أمة تتباهي بأمجاد الجدود … واعداءكم تتربصكم علي جنبات الحدود. ومن حولكم يعلو وعلي سقوطكم شهود. رسالتي قد انتهت.
اللهم قد بلغت اللهم فاشهد.

حسن داوود

Invalid Displayed Gallery

كارافاجيو العبقرى المتشرد

بقلم الفنان سمير فؤاد

لم يعرف تاريخ الفن فنانا بهذه العبقرية المتوهجة والمزاج الدموى ..عاش حياة قصيرة ولكنه عاشها بطولها وعرضها مرموقا ومحسودا من أقرانه لعبقريته الفذه ومكروها لمزاجه السيئ ورغبته الدائمة فى الشجار وإهانة كل من يأتى بعمل لا يروقه..معه إنتقل الفن إلى عصر جديد وبه أصبحت شخوص اللوحات بشرا من عامة الناس.. من الفقراء والمهمشين.. بعد أن كانت قبله شخوص متكلفة متأنقة مقيدة بمقاييس مفهوم الجمال فى ذلك العصر ..طّور أسلوب متفرد فى التصوير يعتمد على التضاد الشديد بين الضوء الساطع والظل القاتم مع الإنتقال المفاجئ من الضوء إلى الظل وإستعمال الحد الأدنى من الدرجة الوسيطه ( الهاف تون ) ..كما كانت شخوصه تتوزع فى فراغ اللوحة فى تكوينات درامية تكاد تكون مسرحية ..وقد خلب هذا الأسلوب ألباب متذوقى الفن والفنانين وجماهير العامة على حد سواء..وأصبح وهو فى الثلاثينات من عمره القصيره أستاذا له أتباعه ومقلديه.. وكان لأسلوبه تأثيرا كبيرا على مسار الفن بعده خاصة المدرسة الفلمنكية لنرى أثره الواضح فى فنانين القرن السابع عشر العظام مثل فيرميير ورمبراندت فى هولنده وفيلاسكيز فى أسبانيا.

إسمه مايكل أنجيلو دى مريسى وقد ولد عام 1571 فى ميلانو ثم إنتقلت عائلته إلى مدينة كارافاجيو وهو ما زال طفلا وعنها أخذ إسمه الذى عرف به.. وتتلمذ فى ميلانو على أحد تلاميذ الفنان الكبير تيتيان..وقد عرف عنه فى هذه الفترة براعته الكبيرة فى التصوير وسوء خلقه وعدوانيته الشديدة ..وفى أوائل العشرينات من عمره إنتقل إلى روما هاربا بعد أن تسبب فى إصابة ضابط شرطة فى مبارزة بالسيف.

عمل فى روما فى مرسم الفنان جوسيبى سيزارى يرسم نوعية اللوحات التى كانت تقتنى لتزيين القصور..لوحات لسلال من الفاكهة وصبيان يعزفون الموسيقى أويلعبون الورق وكان واضحا فى هذه اللوحات براعته الكبيرة وتمكنه الفذ من تقنيات التصوير وقدرته على تصوير موضوعاته بأسلوب طبيعى واقعى ..وقد جذبت هذه اللوحات إنتباه أحد أكبر رعاة الفن فى روما الكاردينال فرانسيسكو دل مونتى.

فى هذه المرحلة رسم لوحتين لباخوس إله الخمر عند الإغريق وكليهما إستعمل فيها كارافاجيو نفسه كموديل وهو تقليد سيتبعه فى العديد من لوحاته بعد ذلك.. ونتوقف عند اللوحة الثانية لآهميتها فى مساره الفنى..لوحة ” باخوس العليل ” التى تمثل إله الخمر وقد أصابه المرض فبدا عليلا سقيما أصفر اللون.. وهو يقبض بيده على عنقود من العنب ليس بأحسن حالا من صاحبه.. فقد أصاب أوراقه الذبول وبدت حباته كالحة اللون..فى هذه اللوحة تظهر ملامح الثورة التى سيحدثها كارافاجيو فى الفن..تحول إله الخمر إلى بشر من لحم ودم.. ليس هذا فحسب وإنما هو بشر فى أسوأ وأكثر حالاته ضعفا.. هنا يتناول الأسطورة ويردها من عليائها إلى أسفل سافلين..هنا وجد كارافاجيو ضالته وهو واقع فى براثن المرض ..ينظر فى المرآة ليرى صورته البائسة ويعلم أن البشر الحقيقيون كما هم بدون زواق أو تنميق حتى فى أسوأ حالاتهم هم مراده فى الفن.

يفقد كارافاجيو عمله فى مرسم سيزارى نتيجة مرضه وبعد أن يتعافى يقرر أن يعمل منفردا فيرسم بأسلوبه الواقعى لوحات مستوحاة من الأساطير والتراث الدينى مثل “توبة مريم المجدلية ” و” رحلة العائلة المقدسة ” و” تضحية إسحاق ” ويعلو صيته بين متذوقى الفن والفنانين على حد سواء.. وفى عام 1599 تجيئه فرصة ذهبية عندما يسند إليه بتوصية من ربيبه الكاردينال دل مونتى العمل على تنفيذ لوحتين لتزيين مذبح كنيسة سان لويجى دى فرانسيسى فى روما لوحة ” نداء القديس ماثيو ” ولوحة ” إستشهاد القديس ماثيو “.

تتفجر عبقرية كارافاجيو فى هاتين اللوحتين ويصل إلى أسلوبه الذى سيعرف به.. تصور لوحة ” نداء القديس ماثيو ” المسيح فى اللحظة التى يختار فيها جامع الضرائب ماثيو ليجعله أحد الحواريين..يختار كارافاجيو شخصيات اللوحة من البشر العاديين الذين كانت تزخر بهم أزقة وحوارى روما فى هذا العصر..فى حجرة عارية إلا من منضدة وحيدة يجلس أربعة من الأشخاص حول ماثيو الذى يعد دراهمه..من يمين اللوحة يقف المسيح مع أحد حوارييه وهو يشير بيمناه إلى ماثيو..لسان حاله يقول أريدك أنت أن تأتى معى..المشهد تلفه العتمة إلا من شعاع من الضوء الذى يدخل من اليمين مائلا بإتجاه ماثيو ومؤكدا إشارة المسيح ..بينما يضع ماثيو يده على صدره مشيرا بسبابته..تريدنى أنا؟؟ يبدو المشهد بشخوصه وإضاءته وتكوينه كأنه جزء من مسرحية تمثّل أمامك وهؤلاء شخوص حقيقيون يلعبون أدوارهم فى هذه المسرحية..ولنا أن نتخيل كيف كان تأثيرهذه اللوحة بطولها الذى يزيد عن الثلاثة أمتار على الرائين فى زمانها ..لا بد أنهم وقفوا أمامها مأخوذين ومسحورين.

وصل أسلوب كارافاجيو الطبيعى المتسم بالواقعية إلى قلوب الجمهور ومتذوقى الفن الذين كانوا قد سئموا تكلف وحذلقة أسلوب المتأنقين (الماناريزم) الذى كان شائعا فى هذا العصر..كما وجدت فيه الكنيسة الكاثوليكية ضالتها كأداة للتأثير على الجماهير فى حربها ضد البروتستانت.. وهنا تتجلى قوة وجبروت الصورة الدينية وقدرتها على التأثير على العامة الذين كانوا أميين وكانت اللوحة المرسومة هى مدخلهم لعالم القصص الإنجيلية.

إنهالت الطلبات على كارافاجيو لتنفيذ لوحات ذات مواضيع دينية ونفذها كارافاجيو بأسلوبه الدرامى الواقعى مثل لوحة “دفن المسيح” و”العذراء والحجاج” و”موت العذراء” و”القديس بطرس على الصليب” وكانت واقعيته تسبب له المشاكل مع المتزمتين فى الكنيسة الذين كانوا يجدون صعوبة فى تقبل شطحاته عندما يرسم الفلاحين بأقدامهم المتسخة وهم فى حضرة العذراء أو عندما يتخذ من إحدى عاهرات روما موديلا يجسد بها إحدى الشخصيات الدينية.. ولكن اللوحات التى كانت ترفضها الكنيسة كانت تجد طريقها لقصور المقتنين.

من أجمل وأقوى لوحات هذه المرحلة لوحة “القبض على السيد المسيح” والتى تصور المسيح ليلة القبض عليه بواسطة الرومان..اللوحة تكسوها العتمة إلا من رؤوس شخوصها الذين يضيئهم نور لا نعرف مصدره ..وقد وضع كارافاجيو فى مقدمة اللوحة جندى يرتدى دروعه المطهمة وهو يأخذ بخناق المسيح الذى يستسلم لقبضته وكذلك لعناق يهوذا وهو يطبع قبلته على خده بينما يجرى القديس جون فزعا خارجا من إطار اللوحة فى أقصى اليسار ومعاكسا هذا الهروب فى أقصى اليمين يقف شخصا رافعا مصباحة ونكتشف أن كارافاجيو قد رسم نفسه فى هذا الشخص كأنما يقول أنا شاهد على ما حدث..وتتجلى عبقرية كارافاجيو الفذه فى النبرة المعاكسة التى وضعها أسفل اللوحة متمثلة فى يدى المسيح المتشابكتى الأصابع فى إصرار.

أصبح كارافاجيو بلا منازع أشهر فنان فى روما وبرغم هذا فقد كانت حياته سلسلة من المشاحنات والمنازعات وكان يدخل فى الشجار لأتفه الأسباب ..يعيش حياة كلها فسق وفجور ولا يأبه لأى مخاطر ولا عجب فقد كان يخرج من مشكلة مع السلطات ليدخل فى أخرى وكان يعتمد على علاقاته بأولى الأمر للخروج من هذه المآزق..وفى 1606 قتل شخصا فى مبارزة بالسيف ولم تجدى علاقاته له نفعا فإضطر لأن يلوذ بالهرب إلى نابولى بعيدا عن سلطة روما.. وصل نابولى فى أوائل عام 1607 وتحت رعاية عائلة كولونا نفذ كرافاجيو عدة لوحات للكنيسة إلا أنه ولسبب غير مفهوم غادر نابولى بعد عدة أشهر إلى جزيرة مالطا ليضع نفسه تحت رعاية ” فرسان مالطة ” وهم جماعة من فرسان الكنيسة تكونت فى الأصل لحماية الحجاج إلى بيت المقدس وبعد وقوعها فى يد المسلمين إنسحبوا إلى مالطة التى أصبحت مركزهم الرئيسى.

فى كنف فرسان مالطة رسم كارافاجيو عدة لوحات وتم تنصيبه فارسا فى الجماعة ومن أجمل ما نفذه فى هذه الفترة لوحة ” مقتل يوحنا المعمدان ” وهى أكبر لوحة نفذها فى حياته إذ يبلغ طولها أكثر من خمسة أمتار وهى تصور مقتل يوحنا المعمدان بإيعاز من سالومى التى أرادت رأسه جائزة لرقصتها الخليعة أمام الملك هيرود…ولكن كما يقال فإن الطبع غلاب فإن كارافاجيو عاد إلى سيرته فى الشجار والعراك وفى عام 1608 إثر إصابته أحد الفرسان فى مشاجرة تم الزج به فى السجن إلا أنه تمكن من الهرب وتم طرده من الجماعة وتجريده من رتبة الفارس.

هرب كارافاجيو إلى جزيرة صقلية ولم يتمكن من الإستقرار بها طويلا لعدم شعوره بالأمان لوجود جائزة على رأسه وكثرة مطارديه من الساعين للإنتقام أو الحصول على الجائزة فعاد إلى نابولى حيث الحماية تحت عائلة كولونا..وكان دافعه وهو فى نابولى هو محاولة مد جسور الحوار مع السلطات فى روما وإسترضائهم عن طريق فنه والضغط عليهم من قبل محبى فنه فى روما للحصول على العفو عن جرائمه والسماح له بالعودة إلى روما ..وفى سبيل ذلك رسم فى عام 1609 لوحته الرائعة ” دافيد يحمل رأس جولايث ” وقد رسم نفسه فى اللوحة كرأس جولاياث المقطوعة وأرسل هذه اللوحة إلى راعيه فى روما الكاردينال سيبيونى بورجيزى إبن أخ البابا وكأنه يبعث برسالة مصورة..هذه هى رأسى عربونا على الندم أقدمها لكم لتسمحوا لى بالعودة.

فى هذه الفترة حاول البعض إغتياله والقصص غير واضحة فى هذا الشأن وأذيع فى روما أن الفنان العظيم قد قتل وفى روايات أخرى تم تشويهه بصورة بشعه ولكنه ظهر بعد ذلك سليما معافى..وإستمر فى العمل وإجراء الإتصالات مع روما وفى منتصف عام 1610 وصلته أنباء عن قرب إصدار قرار العفو عنه فإستقل سفينة متجهة إلى روما ومعه لوحاته الأخيرة التى سيسترضى بها البابا لينال العفو.. ويقال أن السفينة رحلت بدونه فى ميناء بالقرب من توسكانيا فى الطريق إلى روما نتيجة إلقائه فى السجن بعد مشاجرة وأنه حاول اللحاق بالسفينة عبر المستنقعات وأصيب نتيجة لذلك بإلتهاب رئوى أودى بحياته.. وهكذا إنتهت حياة هذا الفنان العظيم وهو مشرد وضائع..بعيدا عن أهله ووطنه.

عندما ودع كارافاجيو الحياة كان فى التاسعة والثلاثين من عمره ولكنه فى فى خلال هذا العمر القصير غيّر من شكل الفن وإمتد تأثيره قرونا من بعده..وإليه يعود الفضل فى بلورة أسلوب يعتمد على التضاد الشديد بين الضوء والظل..وتظهر الدراسات الحديثة خاصة تلك التى قام بها الفنان دافيد هوكنى أن كارافاجيو إستعمل الكاميرا أوبيسكيورا المبنية على خاصية الخزانة ذات الثقب أو الغرفة المعتمة ..وأن التطور الكبير فى صناعة العدسات فى ذلك الوقت هو الذى مكنه من إسقاط صورة واضحة من الموديل الذى يرسمه على مسطح اللوحة وهذا يحتم أن تكون الموديل فى ضوء الشمس الساطع.. وهذا يفسر لنا التضاد الشديد بين الضوء والظل فى لوحاته..كما يؤكد هذه النظرية أننا نعلم أن كارافاجيو لم ينفذ أية رسوم تحضيرية للوحاته وكان يعمل بالأصباغ على اللوحة مباشرة ويقال أن سرعته فى العمل كانت فائقة..كما يفسر هذا أيضا طبيعية وواقعية شخوص لوحاته والتكوينات شبه المسرحية لموضوعاته حيث أنه فى أغلب الظن كان يكّون اللوحة فى مرسمه من الموديلات الحية كأنه يخرج عرضا مسرحيا وبعد أن يصل إلى التكوين الذى يرضيه يبدأ فى نقله إلى اللوحة..وإستعمال الكاميرا أوبيسكيورا بالرغم من أنه يسهّل للفنان مهمته إلا أنه ليس بالبساطة التى تبدو بها خاصة فى اللوحات الكبيرة المزدحمة بالشخوص والتى يجب تقسيمها إلى أجزاء وتنفيذ كل جزء على حدة وهذا يستلزم مهارات تقنية عالية ..كما يؤكد لنا هذا أن للفنان مطلق الحرية فى إستخدام أية أدوات مساعدة لتنفيذ أعماله.. وتكون العبرة فى النهاية للقيمة الفنية لما ينتجه من أعمال.. ويقف التراث الفنى الذى تركه لنا كارافاجيو خير شاهد على هذا.

سمير فؤاد | سبتمبر2012