الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب – الجزء الاول

الجمالية الفنية لحرية النضال التشكيلي الفني في أزمنة الحرب(الجزء الاول)
بقلم : الدكتور سامي يوسف جركس

الجمالية الفنية : هي نتيجة التقاء الانسان بالعمل الفني لكشف جوهر الاشياء ، و ترتبط بالحب الذي يؤتى قسطا واضحا من الوضوح عند الرؤية . و لما كان الجمال مقترنا بالحب فانه يمنح الانسان الهوس لاقترانه بعالم المثل و الجمال اللذان هما جمال الحق و الخير و وهذا الجمال يتم ادراكه بعدة مراحل ، حيث يبدأ الانسان بأنواع من الجمال في هذا العالم ويستخدمها كحلقات لمرحلة لا تنقطع و صولا الى ذلك الجمال الآخر ماضيا من جمال جزئي الى أنواع الحياة الجميلة ، ثم الى الحقائق الجميلة ثم الى الجمال ذاته؛ حيث يحتضن النظام و التناسب و التكامل في الشكل. فالجمال غاية بدون غاية حيث أنه ضرورة ذاتية كونه يوفق بين عالم الطبيعة و عالم الاخلاق ، بين عالم الحس و عالم العقل ، و يحرر الانسان من الضرورة في الطبيعة و الواجب الالزامي في الامر الأخلاقي و هو لا يلغيهما بل يستبقيهما و بهذا يصبح الجمال الاداء الحر وفق المعايير القانونية في الحياة التشكيلية.

 
فالسؤال .. متى و كيف يمكن احلال الدولة الجمالية محل الدولة السياسية و نظمها؟ لربما باستبدال النواميس الجمالية لتحل محل النواميس و النظم السياسية القائمة ، حيث أن للجمال طابع اجتماعي منه ينسى المرء في الجمال حدوده الذاتية ، و بالجمال يرتد الانسان الحسي الى الشكل و الفكر و يرتد الانسان المادي الى الروح ، و يستعيد عالم الحواس و يمكن الجمع بينهما عن طريق الحرية بالحرية وجمال الحقيقة لارتباطها بالمعرفة ، وهنا يحدث الجمال المقترن بالعقل داخل جمال الفن و العمل الفني ، المرتبط أساسا بالفكرة لانتاج اسس جمالية، وحرية الانتاج و التشكيلات هي ما نستمتع به في دولة الجمال . فاذا كانت الحيوانات و الطيور يمكن أن تبني أعشاشها الا أنها تبنيها لذاتها .. على حين أن الانسان يبني للنوع البشري كله ، و هو ينتج حتى لو لم يكن واقعا تحت ضغط الحاجة و لهذا يشكل الانسان الاشياء وفق قوانين الجمال . فالجمال متغلغل في كل شيء صحي سليم ، و اذا احتفظت أمة بفكرة الجمال فهذا يعني أن بها حاجة للصحة و سلامة المقاييس ، ويمكن للبشرية أن تحيا بلا علم و بلا خبز ، و لكنها لا تستطيع أن تحيا بلا جمال ، لكن الجمال يجري تلويثه و فيه تتلاقى النهايات القصوى و تقف المتناقضات جنبا الى جنب . فالجمال لن يستطيع أن ينقذ الساسة في عالم الدولة لكن الجمال في ساسة عالم الدولة يجب انقاذه ، فلا يمكن للجمال أن يحوي العدوانية أو أن يوقف المعتدي و يشل حركته و الشيء الجميل عند الفنان السياسي هو تصالح الأضداد في خارج كل توتر بحيث لا يعود العنف شيئا لا غنى عنه و هو قادر أن يشد أزر الحياة بالقفزة الشديدة للقوى الانسانية فالجمال الانساني هو اطلاق المشاعر بل هو تعبير ممنهج ، و عالم الجمال يتحقق في المجتمع الفعلي للآنا المفارقة ، و نحن أزاء الدولة الجمالية نسعى الى فهم ماهو مثالي و الذي كرس له الانسان مهارته . و تجسيد فني يدل على النجاح في العمل و هذا يعطينا “الواقعية” ، و اذا أضيفت الرغبة وصلنا الى نوع من “الرومانتية” بخصائصها العامة و مظاهرها المتسعة ، التي تؤمن بالعمل الجمالي و ما فيه من مباشرة قائمة على الحدس المباشر، و الحيوية تكمن في التكيف البيولوجي و القيمة الانسانية الباقية ، و القيمة القصوى للانسانية هي في التكيف الانساني ، وتكمن القيمة التكيفية للجمال في عرض الاحداث ، و المواقف الحية تقوم في جعل الانسان واعيا لبيئته و اعداده للتكيف مع الطواريء و حياته اليومية أيضا . و الاعمال الفنية الجمالية تجعل الناس يعون أنفسهم و بيئاتهم ، ونحن معنيون في دولة الجمال في بث الامور الخلقية و التعليمية في أرض الواقع ، و التجربة و ان كانت ليست التجربة اليومية ، كون جمال الفن بصفة عامة توقع يفلت من التحقق خلال التجربة ، وعلم الجمال هو تشكيل متنوع قبل أن يكون جميلا ، و الانسان لديه طبيعة تشكيلية و لهذا فالانسان معيار لصدق جمالية عمله وصدق الفن هو وحدة النزوع القائم على المحاكاة و التخيل و مرتبط بالتعبير الشخصي و بالصفات الجوهرية و الرمزية الزخرفية أو الصورية ، و العملية الابداعية تنطلق من الفكرة و الجمال يملأ الفكرة بالحياة و يرمق من حاشية المثالى و ما له معنى بأن يبث فيه اللطافة و بهذا يقربه منا .

 
ان العمل الجميل يكمل الدائرة من أصل دوائر الحياة التشكيلية الاجتماعية و السياسية، و الجمال حدث لا يمكن عده و احصاءه شأن الالهام لكنه ليس حدثا معزولا عن سياق الحياة ، و الحب رابط دبلوماسي يرفعنا فوق الحياة ثم يولد الجمال و يربطنا ربطا وثيقا بالحياة بمختلف مظاهرها ، فالحب يعطي دوافع للتخيل يجعله يتجاوز الحدود، و تجسيد التخيل في صورة يجعلها في سياق “الواقعية” و اذا اضيف منطق الرغبة الممكنة فان “الواقعية” تتحول الى “ثورية” ، لذا فالهدف من “الواقعية” ليس مجرد تصوير الماضي ، بل ترويج و تدعيم الانجاز الثوري في الحاضر مع التركيز على الحقيقة مهما كان الثمن بكل ما في الحياة الدنيا من قذارة و فقر و عنف ويأس و ابراز أهداف المستقبل بعد أن يتوفر لها نظام و تتابع في الاحداث بسرد عللها بحرية .
فالحرية موضوع التساؤل عن المصير للشعب العربي في وجودنا الحضاري ، و تشكل في الفن تساؤلا كبيرا ، اذ هو وسيلة مسهمة من وسائل تحققها ، الفن هو من وسائل النضال لتجسيد الفعل لذات الحرية و مع ذلك نفترض الاختيار الحقيقي لمعنى الحرية لكي نجد أثرها في الفن العربي الذي هو جزء من ادراكنا لأثر الحرية في الفكر ، لأن الحرية التي نريد هي جوهرنا منذ أن حددنا سبيل النضال من أجل الكشف عن قضية مهمة هي الهوية الفنية للذات العربية في الحياة التشكيلية .
فالحرية في وجودنا تعني عروبتنا ، نحن في عمق النضال من أجل السعي المتفاعل لوحدة الذات العربية في ضوء الحرية كشرط في الفكر العربي . تلك المسائل تشكل المادة الخصبة للفنان بوصفها ظواهر و أحداث و مواقف ، تساهم في ابداعات الفنان في انجازاته و روائعه الفنية ، اضافة الى أن الفنانين العرب قد تعرضوا الى محنة تكاد تتماثل نتائجها في أعمالهم ، و الشعور الجماعي بالمحنة التي يعيشها الشعب العربي أزاءها ، و التي تتفاوت بين فنان و آخر من اتجاه فني الى اتجاه ثان من قطر لآخر و الفنان الذي لا يمتلك ذلك التصور لا يمكن أن يبدع أو يضع انجازا اضافيا لأمته . ان وضوح الرؤية ، و وضوح الفكر الذي اعتمد الرؤية و رفدها بتجربته شرط أساسي في العملية الابداعية في الفن .

 
ان أعظم لحظات الشعور بالحياة عبر الفن هي لحظات الشعور بأن الحرية قوة الفن ووجوده ، و شهدت بوادر القرن الواحد و العشرين رفضا واضحا لكل الاساليب و الطرق الماضية في تنظيم أعمال الفن و ما يرتبط به من قيم جمالية . و الحديث عن علاقة الفن بالفكر العربي و ثورته التشكيلية الفنية التي تستهدف احداث تغيير في سلوك الانسان في اتجاه المساواة بين البشر ، و النضال من أجل الحرية ضد الاحتلال و القمع و الاستعمار الفكري وحظر خطورته ، التي بانت على جيل شبابنا في الحاضر و بات رافضا التطبيع . و مهمة الثقافة هي في تهيئة مثقفين فنانين تشكيليين الذين يعملون في المؤسسات العامة للطبقات كلها التربوية و القانونية و الفنية اضافة الى المثقفين االاعضاء الذين هم عامل استرتيجي في النضال الايديولوجي ، و هدف هذه الثقافة ضمان الاشباع المباشر لاحتياجات العملية الاجتماعية و اشباع احتياجات العقل لعامة الشعب . هذا لا يعني أبدا مفهوم التلقين في الفن أو تجميعه في قالب أو نمط أو اتجاه لأن كل خطوة في تاريخ الفن انما هي ابداع ، بل خطوة ابداعية ليست منفصلة عن أسباب نشؤها و علاقتها بالعالم المحيط ، فهناك صلات أساسية في وعي الفنان موضوعيا بالحياة و بمكوناتها ، ومن هذه المكونات العامل الاقتصادي و السياسي و الاخلاقي . ويأتي تنظيم الرؤية و التصور لتلك العوامل ضمن وعي الفنان لعروبته ، وهذا الموقف يجعل الفنان منحازا الى الانتماء الى ما هو مطروح في الفكر العربي و ممارسة دوره اليومي فيها لتوكيد هويته و المساهمة في بناء دور الفنان و وظيفته الاجتماعية و تفسير المرحلة التي يناضل فيها .
الجدير بالذكر أن القرن العشرين مر بحربين عالمتين ، و من المعروف أن الحروب لها ردود أفعال كثيرة في كل الشعوب التي اشتركت فيها ، و حتى التي لم تشترك فيها. و الحروب الحديثة لا تجعل هناك هازما و ومهزوما بالمعنى القديم ، فالمنتصر يخرج صفر اليدين و باقتصاديات متعبة شأنه شأن المنهزم الذي تتحطم كل امكاناته الاقتصادية،و بجانب هذه الحروب تتفجر الثورات المحلية في كثير من دول العالم وبخاصة في الدول النامية لتصبح هذه ظاهرة من ظواهر القلق المنتشر في البلاد المختلفة نتيجة الانقلابات وفكرة الثبات تكاد تختفي ، ومن سمات العصر التسابق على الاسلحة الفتاكة الى صناعة أسلحة أكثر فتكا و أسرع انقضاضا . و هذا التطور يجعل عصرنا يختلف كثيرا عما قبله من العصور ، و هذا الاختلاف من شأنه أن يؤثر على كل شيء في الحياة التشكيلية و بخاصة الفن التشكيلي بفروعه التصويرية و التطبيقية ،و ان أهم شيء يوصف به هذا العصر أنه علمي مع التأكيد على البحث العلمي ، وأصبح لا يسلم بكثير من الحقائق الا اذا جازت الاختبارات و صدقتها البراهين .
و جملة العوامل الثقافية للقرن الواحد و العشرين فنشأتها اضطراب التوازن في طرز الحياة التشكيلية بسبب الحروب ، و الثاني الاغناء الذاتي و ليس في هذين الامرين مساهمة جدية في اظهار الصيغة العربية للفن ، ان طبيعة تعدد الاتجاهات السائدة في اوروبا ترجع الى عوامل نشؤها و أسباب تبلورها و استيعابها و تمثيلها ولا تحمل ظروف مشابهة أو متقاربة للعلل و الاسباب و الحاجات في الوطن العربي الملائمة لظروفنا و حاجاتنا و تزداد الحاجة اليها كلما ازداد وعينا بالنضال الجوهري لامتنا العربية أزاء مسألتين : مسألة التفاعل و اكتساب الخبرات من شعوب متقدمة و مسألة استخدامها كوسيلة لتحقيق التفرد و التمايز كما سبق و حدث بالنسبة للفنون العربية الاسلامية التي كانت بالاساس وليدة تزاوج الفنون الشرقية القديمة و الفنون الساسانية و البيزنطية و نضجت في العصر العباسي الوسيط .

ان نقل تجارب شعوب اخرى الى مجتمعنا لا يمكن ان تغني مستوى فننا اذا لم تستمد مكوناتها من العامل الثقافي و التراثي والسياسي و الاجتماعي و الجغرافي ، و من ثم تنظيم رؤية عصرية عربية المضمون و المحتوى و الشكل و الاسلوب ، حيث يتم كتابة التاريخ الفني المعاصر للأمة العربية التي تساهم في توضيح ألنضال الفني التشكيلي في الفكر العربي و تاريخ الثقافة الفنية العربية المعاصرة .

ان مشاعرالفنان التشكيلي التي يجسدها في أعماله الفنية و ينقلها للجمهور ليست كمشاعر ألاديب والكاتب والصحافي و الشاعر أو حتى الدبلوماسي السياسي ، انها مشاعر لها لون خاص ، لاتها تتعلق بمعاني الاشكال التي ينظم بها الفنان التشكيلي أعماله الفنية تتعلق بالحس الذي يضفيه في حسابه و طريقة تفكيره و هو مرتبط عضويا بالكيان الكلي للعمل الفني الذي استثير في العالم المحيط و بدون هذه المشاعر لا يحقق الفنان فنا. انها مسألة متوقفة على ارتباط الاحاسيس المرئية التي تمثل اتجاها و اندفاعا حيث يترجم مشاعره بترابطات خاصة حينئذ تحدث العلاقة بين الاشكال و الخطوط و الكتل و الفراغات و الالوان و الاتجاهات لتكملة عناصر تأليف اللوحة كلها في مجموعة تترجم في النهاية بما توحى به الى المشاهد .

فالالتزام Commitment واجب يلقيه الفنان على نفسه دفاعا عن مبادىء معينة يروج لها و خاصة ذات طابع أيديولوجي و سياسي بهدف الاصلاح الاجتماعي على أساس أن العمل الفني ذو تأثير مباشر على المجتمع الفردي الخاص و على المجتمعات العامة الاخرى ، وتتركز الدعوة للالتزام بقضايا عصره و الفنون التشكيلية الجميلة طريقة من طرق ارادة الحرية ، فمتى شرعت فيها طوعا أو كرها فأنت ملتزم على أن الفنان خادم للوطن الذي هو جزء من عروبته ، و على أنه مهندس للنفوس و هو المادة الخام و الباعث الى تشكيل الالتزام و تنظيمها في العمل الفني . فالفنان مصلح اجتماعي له وظيفة التطهير فهو اداة فعالة لتصفية الاهواء و تنقية الانفعالات و هو الذي ينزع من النفوس الاحساس بالصراع أو التمزق كما أن الفنون تقمع كل ما هو جزئي في نفوسنا ، و تحول الجزئي الى كلي والذوق هو الوسيلة التي تسمو بالتأمل الى مستوى الجمالي الذي يستطيع عنده أن يدرك العنصر الكلي فيما هو بشري . وله طابع انساني و هذه هي لغته النوعية التي تظهر علاقة النفس البشرية بالعالم حيث أن الفن لا يقتصر على اثارة النضال بل يستهدف تحقيق الحقيقة و العدالة و عندما يعبر عن الافكار العامة انما يخلع عليها طابعا عاما و من هنا يجعلها تتحدث الى كل انسان . و رفع هذا الفن فوق كيانه كاحتراف للتعبير عن الافكار المعاصرة عن قمع للحريات الفردية و العامة ، و سياسات العنف ، و التطبيع ، انها مسألة لقضية شعب من الشعوب العربية رافضة استبدال الاغلال بالاغلال . و الفنان الملتزم بالدفاع عن مصير شعبه حر في اختيار المواضيع و الانتقاء و الحرية هما وظيفة الفن لأن الفنانين هم أناس يعلمون تماما حكمة فنهم و هم لا ينتجون أي فن بل الفن الذي يحدث التحرر من قيود الكراهية و الاستبداد و يحدث فيها تغييرات بوجوده وفق التصور المادي للتاريخ فان العنصرالنضال المحدد الاساسي في التاريخ هو انتاج الحياة التشكيلية الواقعية بصدق التفاصيل التي تتضمن العرض الصادق على ان يتم ترجمته الى الواقع العيني للمشاهد بتلقائية و يقدم موقفا صريحا في جانب من الجوانب. و الابتعاد عن الواقعية الزائفة التي تهدف الى جعل العين أداة حس غبية بالاعتماد على المظهر الوهمي ، و اعتماد التطهير بأنه العلاج لجعل النفس خفيفة و متخففة ، متعالية على الانفعال المزيف ، و على هذا فان مضمون الجمال في التعبير الصادق هو رفع عقلي للنفس . و اذا أصدر الانسان حكما جماليا فان هذا الحكم لا يكون عن العمل الفني بل يحكم على الانسان نفسه الذي يصدر الحكم . و الاعمال الفنية ليست سوى أداة فعالة تقتادنا الى الواقع عن طريق بعض المقولات و القوالب الوجدانية .

لذا فان حرية النضال هو الوعي الاجتماعي لكل الشعب ، والنظرية النفعية للفن تظهر عندما يكون هناك فهم متبادل بين الجانب الأكبر من المجتمع و الفنان . و الانتصار هو هزيمة للمعتدين و كل الذين يضطهدون الناس ، و حرية النضال بانتصاره يوضح وعي الانسان و يعطيه نظرة جديدة الى الحياة ، و الوعي بالانتصار لا يكتفي بالتحرر بل يحرر الشعوب من الخوف الكامن فيها منذ آلآف السنين و هو يفتح الأعين على ما هو جديد في رؤية المستقبل ، و لهذا فان حرية النضال لا يمكن استغلاله في اضطهاد الناس ووضع العماية فوق الأعين ، بل سيظل سلاحا حرا لا مع الحرية المظلمة بل مع الحرية المستنيرة التي تتحدث عن التحرر و التحول ، و حرية النضال في الاعمال التشكيلية من نحت و رسم وتصوير تظهر نتيجة المقاومة كحافز أساسي في النضال ، ووظيفة الفن أن يحول قوة المقاومة الى أداة في متناول الفنانين لأظهار الفعل الابداعي الى قوة مبدعة ، لدفع عجلة التقدم نحو الحرية ، فالفن ينبع من الحياة و يطرح نفسه كشيء قابل للتحليل و الفهم و الا انهار التفسير المادي لتاريخ الفن .

وكما أن الفرد يبحث عن العدالة في المساواة ، فان المجتمع يبحث عن النظام في الفوضى ، و نضال الفنان في الحياة التشكيلية يعد تضحية ذاتية حيث أن البحث عن الحريات يقتضي النظر الى الامام لا الارتداد الى الخلف . و أعمال الفنان بوسعها أن تكون واضحة وضوح صوت الجرس وهو لذلك مصدر لبهجة العين ، وكذلك بهجة الذهن ، و هذه البهجة يجب ألا تعادل بالسرور المجرد ، انها أشبه باليقظة من النوم . فالانتصار يولد أبطالا في مواقع من المعارك العديدة و على الفنان تجسيد هذه البطولات في اعماله الفنيه تبعا للزمان و المكان ، حصيلته الشخصية المحورية التي يدور حولها العمل الفني التشكيلي كبطل لهذة المعركة أو تلك ، و داخل نضال المقاومة الملتزم و داخل المواقف المتطرفة يرسم البطل مصيره بنفسه ، فهو يوجد أولا ثم بفعله تنشأ صورته أو ماهيته ، فالرسام عندما يرسم البطل على أنه نمط عنده قدرة على الصدام و مواجهة الاقدار و المصائر بالتحدي و يرتفع من خلال الصدام الى قضية كلية لأنه يتصف بسمات فكرية و قدرة على ادراك المصير العام لا الخاص فحسب .

حصدت من دراسة ” أبى الطيب” “المتنبي” كيف كان شعره في وقته أداة من أدوات الحرب ، يؤثر في المعركة وفي انتصار الجيش ، وفي الهامه و تفانيه و تضحيته ، حتى أن انتصارات سيف الدولة ما كانت لتحظى بهذه القوة النادرة بغير مرافقة الشعر له في المعركة و كان يعمل لذلك حسابا أى حساب . يقول أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي (965م – 915م) في قصيدة له و هو مرافق لسيف الدولة في احدى غزواته:

تقطع ما لا يقطع الدرع و القنا وفر الفرسان من لا يصدم
وقفت ومافي الموت شك لواقف كأنك في جفن الردى و هونائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ووجهك وضاح وثغرك باسم
تجاوزت مقدار الشجاعة و النهى الى قول قوم أنت بالغيب عالم
ضممت جناحيهم على القلب ضمة تموت الخوافى تحتها و القوادم

وهذه القصيدة التي قيلت عام 954م مطلعها :

على قدر أهل العزم تأتي العزائم و تأتي على قدر الكرام المكارم
و تعظم في الصغير صغارها و تصغر في عين العظيم العظائم

 

يقول “يوري دافيدوف” Yuri Davydov (:- “.. انك اذا أردت أن تستمتع بالفن فيجب أن تكون قد تربيت على نحو فني ، و في مملكة الفن يمكن حل المشكلة الخاصة بالعلاقة بين الناس و الفن على نحو من شأنه ايصال الفن بشكل يجعله متاحا للجميع دون استثناء “). و يبقى الفنان في حرية نضاله مع معترك الحياة التشكيلية منتظرا الحلم العربي لرسم صورة لما سوف يأتي.! تقول النظرية الجمالية في “الحرية”، للمفكرة و الكاتبة الفرنسية ” سيمون دي بوفوار”(1985-1908) Simon De Beauvoir (:-” فالانسان خلال هذا العالم يستطيع كل فرد أن يعطي حريته محتوى عينيا ملموسا ، و الحاضر ليس ماضيا امكانيا بل هو لحظة الاختيار و الفعل . و نحن لا نستطيع أن نتجنب العيش فيه ، و الانسان مشروع لأن الانسان يقذف نفسه دائما نحو المستقبل . و الفنان لكي يكون لديه عالم يعبر عنه يجب أن يوضع أولا في موقف في هذا العالم سواء مارس الاضطهاد أو مورس عليه الاضطهاد ، مستسلما أو ثائرا يريد أولا الحرية في داخله و كليا و عليه أن يتخذ موقفا لذلك ترى أن على الفنان أن يلعب دورا سياسيا في حياة بلاده و تضع القيمة العليا للاخلاق” ).و بعبارة “ديكارت” الشهيرة “أن الحرية لا يمكن معرفتها بالبرهان عليها ، و انما بمجرد التجربة اننا نملكها”. و لابد للانسان لكي ينعم بحريته من أن يدفع كل اعتداء عليها و كما يقول “هارولد لاسكي” بعد “بركليس”:-“ان الشجاعة هي سر الحرية كلها، فكل مرة نسكت فيها امام الظلم او الظالم انما نرتضي فيها خسارة الحرية ، و كلما زاد اصرارنا على ان هذا ليس من شؤوننا كلما سهلنا بذلك زيادة الظلم للذين يسكتون في وجود الظلم “. و بالمقابل فان استبدادية الظلم قد ازدادت قوة و تحكما و تسلطا و ضغطا على الحريات ، و لكي نحسن الدفاع عن حريتنا ينبغي أن نعرف حدودها حتى لا يتحول دفاعنا الى اعتداء ، نقول ذلك و نحن ندرك حقيقة الواقع الذي يعيشه العالم من حولنا في ظل متغيراته الدراماتيكية الهائلة ، و في المادة الثامنة من اعلان حقوق الانسان و المواطن الذي ينص على : أن هدف كل مجتمع سياسي هو المحافظة على الحقوق الطبيعية و الثابتة للانسان . وهذه الحقوق :”الحرية ، وحق الملكية، وحق الامن ، و حق مقاومة الظلم”.

المراحل في حياة الفنان التشكيلية تخضع للتأثير المباشر للظواهر الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية ، و طبيعة المناخ ، فالنشأة الفنية منوطة بالتقاليد و العادات السائدة لظروف الاحوال الأمنية اذا ما عدنا بذاكرتنا للحروب المؤلمة التي المت بوطننا، التي تعطي للفنان الدافع المباشر للالتزام الفني بأحوال الحرب و السلم . الدفاع عن الارض و مقاومة الاحتلال بالتعبير التأثيري ذات الطابع الدرامي بترجمة احاسيسه الى رسومات تعبيرية عن مدى قساوة الحرب على المجتمع بشكل مفجع ، هذا الالتزام وليد نشأة الفنان أثر رؤية الدمار و الحصار، و الجوع و العطش ، الآلام الانسانية ، القتلى و الجرحى ، الاطفال المشردين ، و ألأمهات و ألأباء المفجوعين بمصائب الاحوال الامنية . فقد عشنا بالاحاسيس الدامية لقضية وطن يطالب بحق الحياة لمواطنيه رافضا الاحتلال .
فالمراحل تعتمد على المنهج و هي الطريقة التي يتم بها دراسة الموضوع الجمالي ، و هناك ثلاثة مناهج رئيسية : المنهج السيكولوجي و المنهج الاجتماعي ، اللذان يعتمدان على المنهج العلمي القائم على الاستقراء و الملاحظة و التجريب ، و المنهج الجمالي الفلسفي الذي لا يغفل عنصر القيمة الجمالية فالمنهج السكولوجي يأخذ بنظرة آلية على ان الفن نتاج طبيعي و آلي و تلقائي لعواطف الفنان و مشاعره و لهذا يدرس الفنان من حيث هو انسان لا من حيث هو فنان ، فيرصد طفولة الفنان و بيئته و عوامله النفسية ، كما يدرس هذا المنهج سيكولوجية الابداع و الذوق . و المنهج الاجتماعي ينظر الى العمل الفني على أنه نتاج الظروف الاجتماعية و أنه تعبير تلقائي عن البيئة و المكان .
فلوعدنا الى تاريخ الفنون التشكيلية أبان الثورة الفرنسية بالتحديد و ما قدمه لنا الفنان الفرنسي “ديلاكروا”( 1798-1863) Delacroix(Ferdinand Victor) Eugene في لوحته “الحرية تقود الشعب” عام 1830 ، باسلوب عرف “بالرومانتية”^Romanticism التي جسد فيها الروح الوطنية نتاج لعصر لم تعد فيه فرنسا مضطرة الى الدفاع عن حريتها ضد جار طامع أو ضد حاكم اقطاعي أجنبي ، و انما ضد عالم معاد محيط بها ، و كانت فرنسا الثورية بارعة تماما اذ جندت الفن لمساعدتها في هذا النضال . ويكفي أن نذكر في هذا الصدد أن الهدف الحقيقي للثورة لم يكن اتاحة الفرصة أمام الطبقات المحرومة من امتيازات الثقافة لكي تستمتع بالفن ، بل تغيير المجتمع وتعميق الشعور بالتضامن ، واثارة الوعي بما أنجزته الثورة. فمنذ ذلك الحين أصبحت رعاية الفن أداة للحكومة ، تبدي بها من الاهتمام ما لا تبديه الا لما هو هام من شؤون الدولة ، اثر ذلك كان من واجب الفنانين بأسرهم أن يناضلوا بفنهم و يخدموها بكل ما يستطيعون من أعمالهم التشكيلية الفنية . و لم يصبح الفن اعترافا بالعقيدة السياسية الا مع الثورة ذاتها كجزء من دعائم بناء الدولة . على ان الثورة ينبغي ان تغير المجتمع اولا قبل أن تستطيع تغيير الفن ، على الرغم من أن الفن ذاته أداة لهذا التغيير ، ويرتبط بعملية التغير الاجتماعي في علاقة معقدة من الفعل و رد الفعل المتبادل .

sami-jarkas-01

sami-jarkas-01

و مضمون التشكيلي في اللوحة يبين لنا مدى قدرة الفنان “ديلاكروا” في اظهار ثورة الشعب الفرنسي بمختلف تفاوت طبقاته الاجتماعية ، فهو جسد لوحة لمعركة من معارك الجمهور الثائر ، فنرى المرأة الثائرة في القتال حاملة العلم الفرنسي تشجع الجماهير في التقدم و المتابعة في التقدم نحو النضال في سبيل الحرية على الظلم ، و تحت أقدامها القتلى، و الجرحى السكالى ، و الى جانبها الرجال و الفتية بحالة قتال في الذروة القصوى من الحماس في مسيرة المعركة الحتمية على الظالمين ، و كأي معركة لا بد من ضحايا في سبيل تحقيق العدالة الشعبية و الاجتماعية . و نرى اسلوب الفنان و كأن الاشخاص في اللوحة سوف يخرجون من اللوحة مع تباين الشخوص في نمط تعبيري باد على الوجوه، مسحوبا بالحركة الجسمانية البارزة في التشريح الجمالي و تشريح الاردية لكافة الالبسة المتوفرة في ذاك العصر . ان وضوح اللون ووضوح الانارة اللذان يعدان في قمة الدراية للتشكيل الفني في اللوحة ، أعطيا القوة في اظهار عناصر التاليف المتمثلة فيما اللوحة من العزم و الاقدام لشعب بات النصر من مستلزمات نضاله للحرية التي تقود الشعب و الجماهير . باسلوب “رومانطيقي أي رومانتي ، الذي امتازت به تلك الحقبة من الفنون في فرنسا .
^- الرومانتية Romanticism : اتجاه أدبي و فني يستهدف ايجاد توفيق و تصالح بين الرؤية الباطنية للأديب و الفنان و التجربة الخارجية و هو يستهدف طريقة للتوفيق بين الطبيعة الخارجية و الطبيعة الروحية و اكتشاف لغة حية مع الاحتفال بالكلمة. و الرومانتية عودة الى الطبيعة و اللاشعور و التخيل و الوجدان و هي ضد النزعة الشكلية و العقلانية . ويرى الناقد الامريكي المعاصر “رينيه ويليك” و الناقد “فراي” أحد أعمدة البنيوية أن الرومانتية ليست فكرة بل هي مركز ثقل وجداني تاريخي ما بين 1790 و 1830 و لقد أحصى الناقد ” لوكاس ” 11396 تعريفا للرومانتية . وهذه الحركة نشأت في فرنسا عند “روسو” وفي المانيا عند “هردر” و “كانت” و “نيتشة” و ” شلنج” و جذورها في حركة العاطفة و الاندفاع ثم انتشرت بعد هذا الى أوروبا وأمريكا .
و تتصف “الرومانتية” بالدعوة الى الحيوية و الخصب و اللاعقلانية و الجرأة . يقال أن ” فريدريك شلجل” هو أول من طرح تعبير “رومانتية” في النصوص الأدبية على أساس أنها تصوير للانفعال في شكل تخيلي أما التي أشاعت التعبير فهي مدام “دي ستيل” وفرقت بين أدب الشمال “الرومانتي” و أدب الجنوب “الكلاسيكي” . و تدعمت “الرومانتية” في انجلترا بأشعار ” كيتش” و كولردج” و ” وورد سورث “.

(يتبع الجزء الثاني)