رواية موسم الهجرة إلى الشمال – الطيب صالح

نص كامل مكتوب لرواية موسم الهجرة إلى الشمال الطيب صالح

نبذة عن الأديب والروائي العالمي الراحل الطيب صالح

الطيب صالح أديب سوداني فهو أحد أشهر الأدباء العرب . ولد عام (1348ه 1929م) بقرية كرمكول بالقرب من قرية دبة الفقراء في منطقة مروي بالولاية الشمالية وينتسب لقبيلة الركابية ، عاش مطلع حياته (مرحلة الطفولة) في منطقة كرمكول وانتقل في شبابه إلى العاصمة الخرطوم لإكمال دراسته ، حصل على درجة البكالوريوس في العلوم . سافر إلى بريطانيا لمواصلة دراساته العليا ، حيث قام بتغيير تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية .

تنقل الطيب صالح بين عدة مواقع مهنية ، عمل الطيب صالح لسنوات طويلة من حياته في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية ، وترقى فيها حتى وصل إلى منصب مدير قاسم الدراما ، وبعد استقالته من البي بي سي عاد إلى السودان وعمل لفترة في الإذاعة السودانية ، ثم هاجر إلى دولة قطر وعمل في وزارة الإعلام القطرية وكيلاً ومشرفاً على أجهزة الإعلام . عمل بعد ذلك مديراً إقليمياً لمنظمة (اليونيسكو) في باريس ، وعمل ممثلاً لهذه المنظمة في الخليج العربي أيضاً ، ويمكن القول أن حالة الترحال والتنقل بين بلدان العالم التي عاشها أديبنا الراحل أكسبته خبرة واسعة بأحوال الحياة والعالم وفضلاً عن ذلك أحوال شعبه وبلاده وقضاياها وهو ما وظفه في كتاباته وأعماله الروائية وخاصة روايته التي نحن بصددها اليوم (موسم الهجرة إلى الشمال) والتي تم نشرها في أواخر الستينات من القرن الماضي في بيروت وتعتبر من بين أفضل مائة رواية في العالم للقرن العشرين واعتبرت أفضل رواية عربية في القرن العشرين وذلك بالأكاديمية العربية في دمشق ، وحصلت على العديد من الجوائز العالمية حيث تم تتويجه بلقب (عبقري الأدب العربي) في العام 2001م .

حيث أنه قام بكتابة العديد من الروايات والقراءات المختلفة والتي ترجمت إلى ما يفوق الثلاثون لغة حول العالم فمنها (موسم الهجرة إلى الشمال) ، (مريود) ، (عرس الزين) ، (ضو البيت) ، (دومة ود حامد) ، (المنسي) .

قام الأديب الراحل بإصدار عدة روايات وعدة مجموعات قصصية قصيرة . حيث كان له عاموداً أسبوعياً في صحيفة بريطانية تصدر باللغة العربية بإسم (المجلة) .

إن الطيب صالح كان يستحق أن جائزة نوبل للآداب التي فاز بها أديبنا المبدع الأستاذ نجيب محفوظ ، فكلاهما فارس هذا الفن، ولكن الطيب صالح لم يعبر عن الرواية السودانية فقط ، كما فعل الأستاذ نجيب محفوظ في إبداعه في مجال القصة والرواية المصرية ، ولكنه نقل صوراً عميقة وعبر عنها في لغة أدبية سامية ومعالجة روائية بديعة أعجب بها جميع القراء سواء في الوطن العربي أو الغرب كما أعجبوا بكتابات الروائي الكبير نجيب محفوظ ورفاقه . لكن أحداً لا ينكر أن الطيب صالح كان هو نافذة من هذه النوافذ الواسعة والمضيئة والتي أطل بها أدبنا فيما بيننا وبين بعضنا وفيما بيننا وبين الغرب .

والروائي الرائع والرجل الذي تعدت بصماته الأدب السوداني والعربي وأوصلت أصواتنا إلى العالم الغربي والشرقيفهو من حملنا قلمه وتخطى بنا الإطار العربي حتى قرأ له بعض الأدباء في الغرب بعضاً من إنتاجه الأصيل منه رواية (موسم الهجرة إلى الشمال).

فالرواية التي نحن بصددها اليوم (موسم الهجرة إلى الشمال) التي انتهى من كتابة نصها أديبنا الراحل في عام 1967م . فكما ورد في نصها : يزور فيها الكاتب بطل الرواية مصطفى سعيد الطالب النابغة العربي الأفريقي الذي جاء من الجنوب ليزور الغرب ، فحينما خلص من دراسته الجامعية تم التعاقد معه كمحاضر في إحدى الجامعات البريطانية حيث تبنى قيم المجتمع البريطاني ، يتعرف على زوجته (جين موريس) ، وهي بريطانية ترفض قبول الإملاء من زوجها . والذي عاد بعد سبعة أعوام إلى بلده ، فالتقى براوي القصة الذي عاش أيضاً في لندن . القصة نفسها تروى عن طريق قصص يرويها الراوي والبطل .

عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة ، سبعة أعوام على وجه التحديد ، كنت خلالها أتعلم في أوروبا . تعلمت الكثير ، وغاب عني الكثير ، لكن تلك قصة أخرى المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل ، سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم ، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائماً بينهم ، فرحوا بي وضجوا حولي ، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجاً يذوب في دخيلتي ، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس ، ذاك دفء الحياة في العشيرة ، فقدته زماناً في بلاد ( تموت من البرد حيتانها ) . تعودت أذناي أصواتهم ، وألفت عيناي أشكالهم من كثيرة ما فكرت فيهم في الغيبة ، قام بيني وبينهم شيء مثل الضباب ، أول وهلة رأيتهم . لكن الضباب راح ، واستيقظت ثاني يوم وصولي ، في فراشي الذي أعرفه في الغرفة التي تشهد جدرانها على ترهات حياتي في طفولتها ومطلع شبابها وأرخيت أذني للريح . ذاك لعمري صوت أعرفه ، له في بلدنا وشوشة مرحة . صوت الريح وهي تمر بالنخل غيره وهي تمر بحقول القمح . وسمعت هديل القمري ، ونظرت خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا ، فعلمت أن الحياة لا تزال بخير ، أنظر إلى جذعها القوي المعتدل ، وإلى عروقها الضاربة في الأرض ، وإلى الجريد الأخضر المنهدل فوق هامتها فأحس بالطمأنينة . أحس أنني لست ريشة في مهب الريح ، ولكني مثل تلك النخلة ، مخلوق له أصول ، له جذور له هدف .

وجاءت أمي تحمل الشاي . وفرغ أبي من صلاته وأوراده فجاء . وجاءت أختي ، وجاء أخواي ، وجلسنا نشرب الشاي ونتحدث ، شأننا منذ تفتحت عيناي على الحياة . نعم ، الحياة طيبة ، والدنيا كحالها لم تتغير .

فجأة تذكرت وجهاً رأيته بين المستقبلين لم أعرفه . سألتهم عنه ، ووصفته لهم . رجل ربعة القامة ، في نحو الخمسين أو يزيد قليلاً من شوارب الرجال في البلد . رجل وسيم .

وقال أبي : ( هذا مصطفى ) .

مصطفى من ؟ هل هو أحد المغتربين من أبناء البلد عاد ؟ وقال أبي أن مصطفى ليس من أهل البلد ، لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام ، اشترى مزرعة وبنى بيتاً وتزوج بنت محمود .. رجل في حاله ، لا يعلمون عنه الكثير . لا أعلم تماماً ماذا أثار فضولي ، لكنني تذكرت أنه يوم وصولي كان صامتاً . كل أحد سألني وسألته . سألوني عن أوروبا . هل الناس مثلنا أم يختلفون عنا ؟ هل المعيشة غالية أم رخيصة ؟ ماذا يفعل الناس في الشتاء ؟ يقولون إن النساء سافرات يرقصن علانية مع الرجال . وسألني ود الريس : ( هل صحيح أنهم لا يتزوجون ولكن الرجل منهم يعيش مع المرأة بالحرام ؟ ) .

أسئلة كثيرة رددت عليها حسب علمي . دهشوا حين قلت لهم أن الأوروبيين ، إذا استثنينا فوارق ضئيلة ، مثلنا تماماً ، يتزوجون ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول ، ولهم أخلاق حسنة ، وهم عموماً قوم طيبون .

وسألني محجوب ك ( هل بينهم مزارعون ؟ ) . وقلت له : ( نعم بينهم مزارعون وبينهم كل شيء . منهم العامل والطيب والمزارع والمعلم مثلنا تماماً ) . وآثرت ألا أقول بقية ما خطر على بالي : ( مثلنا تماماً . يولدون ويموتون وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلاماً بعضها يصدق وبعضها يخيب . يخافون من المجهول ، وينشدون الحب ، ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد ز فيهم أقوياء ، وبعضهم حرمته الحياة . لكن الفروق تضيق وأغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء ) . لم أقل لمحجوب هذا ، وليتني قلت ، فقد كان ذكياً . خفت ، من غروري ألا يفهم .

وقالت بنت مجذوب ضاحكة : ( خفنا أن تعود إلينا بنصرانية غلفاء ) .

لكن مصطفى لم يقل شيئاً . ظل يستمع في صمت ، يبتسم أحياناً ، ابتسامة أذكر الآن أنها كانت غامضة ، مثل شخص يحدث نفسه .

نسيت مصطفى بعد ذلك ، فقد بدأت أعيد صلتي بالناس والأشياء في القرية . كنت سعيداً تلك الأيام ، كطفل يرى وجهه في المرآة لأول مرة . وكانت أمي لي بالمرصاد ، تذكرني بمن مات ، لأذهب وأعزي ، وتذكرني بمن تزوج ، لأذهب وأهنئ . جبت البلد طولاً وعرضاً معزياً ومهنئاً . ويوماً ذهبت على مكاني الأثير ، عند جذع شجرة طلح على ضفة النهر . كم عدد الساعات التي قضيتها في طفولتي تحت تلك الشجرة ، أرمي الحجارة في النهر وأحلم ، ويشرد خيالي في الأفق البعيد . أسمع أنين السواقي على النهر ، وتصايح الناس في الحقول ، وخوار ثور أو نهيق حمال . كان الحظ يسعدني أحياناً ، فتمر الباخرة أمامي صاعدة أو نازلة . من مكاني وقامت على ضفة النيل طلمبات لضخ الماء ، كل مكنة تؤدي عمل مائة ساقية . ورأيت الضفة تتقهقر عاماً بعد عام أما لطمات الماء ، وفي جانب آخر يتقهقر الماء أمامها . وكانت تخطر في ذهني أحياناً أفكار غريبة . كنت أفكر ، وأنا أرى ..

الشاطئ يضيق في مكان ، ويتسع في مكان ، أن ذلك شأن الحياة ، تعطي بيد وتأخذ باليد الأخرى . لكن لعلني أدركت ذلك فيما بعد . أنا الآن ، على أي حال ، أدرك هذه الحكمة ، لكن بذهني فقط ، إذ أن عضلاتي تحت جلدي مرنة مطواعة وقلبي متفائل . إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة ، أريد أن أعطي بسخاء ، أريد أن يفيض الحب من قلبي فينبع ويثمر ، ثمة آفاق كثيرة لابد أن تُزار ، ثمة ثمار يجب أن تُقطف ، كتب كثيرة تُقرأ ، وصفحات بيضاء في سجل العمر ، سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء . وأنظر على النهر بدأ ماؤه يربد بالطمي لابد أن الطر هطل في هضاب الحبشة وإلى الرجال قاماتهم متكئة على المحاريث ، أو منحنية على المعاول . وتمتلئ عيناي بالحقول المنبسطة كراحة اليد إلى طرف الصحراء حيث تقوم البيوت . أسمع طائراً يغرد ، أو كلباً ينبع ، أو صوت فأس في الحطب وأحس بالاستقرار . أحس أنني مهم ، وأنني مستمر ، ومتكامل . ( ولا .. لست أنا الحجر يلقى في الماء ، لكنني البذرة تبذر في الحقل ) . وأذهب إلى جدي ، فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عاماً ، قبل خمسين عاماً ، لا بل ثمانين ، فيقوى إحساسي بالأمن . كنت أحب جدي ، ويبدو أنه كان يؤثرني . ولعل أحد أسباب صداقتي معه ، إنني كنت منذ صغري تشحذ خيالي حكايات الماضي ، وكان جدي يحب أن يحكي ، ولما سافرت خفت أن يموت في غيبتي . وكنت حين

يلم بي الحنين إلى أهلي ، أراه في منامي . قلت له ذلك ، فضحك وقال : ( حدثني عراف وأنا شاب ، أنني إذا جاوزت عمر النبوة “يعني الستين ” فإنني سأصل المائة ) . وحسبنا عمره ، أنا وهو فوجدنا أنه بقي له نحو إثني عشر عاماً .

كان جدي يحدثني عن حاكم غاشم ، حكم ذلك الإقليم أيام الأتراك . ولست أعلم ما الذي دفع بمصطفى إلى ذهني ، لكني تذكرته بغتة ، فقلت أسأل عنه جدي ، فهو عليم بحسب كل أحد في البلد ونسبه ، بل بأحساب وأنساب مبعثرة قبلي وبحري ، أعلى النهر وأسفله ، لكن جدي هز رأسه وقال انه لا يعلم عنه سوى أنه من نواحي الخرطوم ، وأنه جاء إلى البلد منذ خمسة أعوام ، واشترى أرضاً تفرق وارثوها ، ولم تبق منهم إلا إمرأة . فأغراها الرجل بالمال واشتراها منها . ثم قبل أربعة أعوام زوجه محمود إحدى بناته . قلت لجدي : ( أي بناته ؟ ) فقال : ( أظنها حسنه ) . وهز جدي رأسه وقال : ( تلك القبيلة لا يبالون لمن يزوجون بناتهم ) . لكنه أردف ، كأنه يعتذر ، أن مصطفى طول إقامته في البلد ، لم يبدو منه شيء منفر ، وأنه يحضر صلاة الجمعة في المسجد بإنتظام ، وأنه يسارع ( بذراعه وقدحه في الأفراح والأتراح ) .. هكذا طريقة جدي في الكلام .

بعد هذا بيومين ، كنت وحدي أقرأ وقت القيلولة .

كانت أمي وأختي تلغطان مع بعض النسوة في أقصى البيت ، وكان أبي نائماً ، وقد خرج أخواي لشأن ما ، فخلوت بنفسي ، سمعت نحنحة خارج البيت ، فقمت ، فإذا هو مصطفى ، يحمل بطيخة كبيرة ، وزنبيلاً مملوءاً برتقالاً . ولعله رأي الدهشة على وجهي ، فقال : ( أرجو ألا أكون أيقظتك من نوم . لكنني قلت أجيئك بعينة من ثمر الحقل ، تذوقه . كذلك أحب أن أتعرف إليك . وقت الظهيرة ليس وقت زيارة . أعذرني ) .

لم يغب عني أدبه الجم ، فأهل بلدنا لا يبالون بعبارات المجاملة . يدخلون في الموضوع دفعة واحدة ، يزورونك ظهراً كان أو عصراً ، لا يهمهم أن يقدموا المعاذير . رددت الود بالود ، ثم جيء بالشاي .

دققت النظر في وجهه ، وهو مطرق . إنه رجل وسيم دون شك ، جبهته رحبة ، وحاجباه متباعدان ، يقومان أهلة فوق عينيه ، ورأسه بشعره الغزير الأسيب متناسق تماماً مع رقبته وكتفيه ، وانفه حاد منخاراه مليئان بالشعر . ولما رفع وجهه أثناء الحديث ، نظرت إلى فمه وعينيه ، فأحسست بالمزيج الغريب من القوة والضعف في وجه أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة . ويتحدث بهدوء ، لكن صوته واضح قاطع . حين يسكن وجهه . وحين يضحك ..

يغلب الضعف على القوة . ونظرت إلى ذراعيه ، فكانتا قويتين ، عروقها نافرة ، لكن أصابعه كانت طويلة رشيقة ، حين يصل النظر إليهما بعد تأمل الذراع واليد ، تحس بغتة كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادي .

قلت أدعه يتحدث ، فهو لم يجيء إليَّ في حمأة القيظ ، إلا ليقول لي شيئاً . ولعله من ناحية أخرى جاء بوازع من حسن النية . لكنه قطع علي حدسي . فقال : ( لعلك الوحيد من أهل البلد ، الذي لم أسعد بالتعرف عليه من قبل ) . لماذا لا يترك هذا الأدب ، ونحن في بلد إذا غضب فيها الرجال ، قال بعضهم لبعض : يا إبن الكلب .

( سمعت كثيراً عنك من أهلك وأصدقائك ) لا غرو ، فقد كنت أعد نفسي زينة الشباب في البلد .

( قالوا أنك نلت شهادة كبيرة ماذا تسمونها ؟ الدكتوراه ؟ ) يقول لي ماذا تسمونها ؟ لم يعجبني ذلك ، فقد كنت أحسب أن الملايين العشرة في القطر كلهم سمعوا إنتصاري ، ( يقولون أنك لامع منذ صغرك ) .

( العفو ) هكذا قلت ، لكنني ، والحق يقال ، كنت تلك الأيام مزهواً بنفسي ، حسن الظن بها .

( دكتوراه . هذا شيء كبير ) . فقلت له ، وأنا أتصنع التواضع ، إن الأمر لا يعدو أنني قضيت ثلاثة أعوام ، أنقب في حياة شاعر مغمور من شعراء ..

الانكليز . واغتظت ، لا أخفي عليكم أنني اغتظت ، حين ضحك الرجل ملء وجهه ، وقال : ( نحن هنا لا حاجة لنا بالشعر . لو أنك درست علم الزراعة أو الهندسة أو الطب ، لكان خيراً ) . انظر كيف يقول ((نحن) ولا يشملني بها ، مع العلم بأن البلد بلدي ، وهو لا أنا الغريب .

لكنه ابتسم في وجهي برقة ، ولاحظت كيف طغى الضعف في وجهه على القوة ، وكيف أن عينيه في الواقع جميلتان كعيني أنثى ، وقال :

( لكن نحن مزارعون نفكر فيما يعنينا ، إنما العلم ، مهما كان ، ضروري لرفعة الوطن ) .

صمت برهة ، فازدحمت أسئلة كثيرة في رأسي : من أين هو ؟ ولماذا استقر في هذا البلد ؟ وما هي قصته ؟ ولكنني آثرت التريث ، وأسعفني هو فقال :

( الحياة في هذا البلد هينة خيرة . الناس طيبون عشرتهم سهلة ) .

فقلت له : ( إنهم يذكرونك بالخير . جدي يقول أنك رجل فاضل ) .

ضحك حينئذ ، ربما لأنه تذكر مقابلة له مع جدي ، وبدأ كأنه سر من قولي ، وقال :

( جدك .. ذاك رجل . ذاك رجل .. تسعون عاماً وقامته منتصبة ، ونظره حاد ، وكل سن في فمه . يقفز فوق الحمار خفيفاً ، ويمشي من بيته للمسجد في الفجر . هاه ذاك رجل ) . كان خلصاً وهو يقول هذا . ولم لا ؟ وجدي في واقع الأمر ، أعجوبة .

وخفت أن يفلت الرجل قبل أن أعلم عنه شيئاً إلى هذا الحد بلغ فضولي فجرى السؤال على لساني قبل أن أفكر : ( هل صحيح أنك من الخرطوم ؟ ) .

وفوجئ الرجل قليلاً وخيل لي أن ما بين عينيه قد تعكر ، لكنه بسرعة ومهارة عاد إلى هدوئه ، قال لي وهو يتعمد أن يبتسم : ( من ضواحي الخرطوم في الواقع . قل الخرطوم ) .

صمت برهة قصيرة ، وكأنه يناقش بينه وبين نفسه ، هل يصمت أم يعطيني المزيد ، ثم رأيت الطيف الساحر يحول حول عينيه ، تماماً كما رأيته أول يوم ، وقال وهو ينظر إليَّ وجهاً قبالة وجه : ( كنت في الخرطوم أعمل في التجارة . ثم لأسباب عديدة ، قررت أن أتحول للزراعة . كنت طول حياتي أشتاق للاستقرار في هذا الجزء من القطر ، لا أعلم السبب . وركبت الباخرة ، وأنا لا أعلم وجهتي . ولما رست في هذا البلد أعجبتني هيئتها . وهجس هاجس في قلبي : هذا هو المكان . وهكذا كان ، كما ترى . لم يخب ظني في البلد ولا أهله ) . ثم صمت ، وقام قائلاً أنه ذاهب للحقل ، ودعاني للعشاء في بيته بعد يومين .

ولما أوصلته للباب ، قال لي وهو يودعني ، والطيف الساحر أكثر وضوحاً حول عينيه : ( جدك يعرف السر ) .

ولم يمهلني حتى أسأله : ( أي سر يعرفه جدي ؟ جدي ..

ليست له أسرار ) . ولكنه مضى مبتعداً بخطوات نشيطة متحفزة ، رأسه يميل قليلاً إلى اليسار .

ذهبت للعشاء فوجدت محجوباً ، والعمدة ، وسعيد التاجر ، وأبي . تعشينا دون أن يقول مصطفى شيئاً يثير الإهتمام . كان كعادته يسمع أكثر مما يتكلم . كنت ، حين يخفت الحديث وحين أجد أنه لا يعنيني كثيراً ، أتلفت حولي كأنني أحاول أن أجد في غرف البيت وجدرانه الجواب على الأسئلة التي تدور في رأسي . لكنه كان بيتاً عادياً ، ليس أحسن ولا أسوأ من بيوت الميسورين في البلد . منقسم إلى جزأين كبقية البيوت ، جزء للنساء ، والقسم الذي فيه ( الديوان ) للرجال ورأيت إلى يمين الديوان غرفة من الطوب الأحمر ، مستطيلة الشكل ، ذات نوافذ خضراء . سقفها لم يكن مسطحاً كالعادة ولكنه كان مثلثاً كظهر الثور .

قمنا أنا ومحجوب وتركنا الباقين . وفي الطريق سألت محجوباً عن مصطفى . لم يخبرني بجديد لكنه قال : ( مصطفى رجل عميق ) .

قضيت في البلد شهرين ، كنت خلالهما سعيداً . وقد جمعتني الصدفة بمصطفى عدة مرات . مرة دعيت لحضور إجتماع لجنة المشروع الزراعي . دعاني محجوب ، رئيس اللجنة وقد كان صديقي ، نشأنا معاً منذ طفولتنا . دخلت عليهم ..

وكان مصطفى بينهم ، وكانوا يبحثون أمراً يتعلق بتوزيع الماء على الحقوق . ويبدو أن بعض الناس ، ومنهم من هو عضو في اللجنة ، كانوا يفتحون الماء في حقولهم قبل الموعد المحدد لهم . واحتد النقاش وتصايحوا بعضهم على بعض وفجأة رأيت مصطفى يهب واقفاً . هدأ اللغط واستمعوا إليه باحترام زائد . وقال مصطفى أن الخضوع للنظام في المشروع أمر مهم وإلا اختلطت الأمور وسادت الفوضى ، وأن على أعضاء اللجنة خاصة أن يكونوا قدوة لغيرهم ، فإذا خالفوا القانون عوقبوا كبقية الناس . ولما فرغ من كلامه هز أغلب أعضاء اللجنة رؤوسهم استحساناً ، وصمت من عناهم الكلام .

لم يكن ثمة أدنى شك في أن الرجل من عجينة أخرى ، وأنه أحقهم برئاسة اللجنة ، لكن ربما لأنه ليس من أهل البلد لم ينتخبوه .

بعد هذا بنحو أسبوع ، حدث شيء أذهلني . دعاني محجوب لمجلس شراب . وبينما نحن نسمر جاء مصطفى يكلم محجوباً في شأن من شؤون المشروع . دعاه محجوب أن يجلس فاعتذر ، ولكن محجوب حلف عليه بالطلاق . مرة أخرى لاحظت سحابة التبرم تنعقد ما بين عينيه ، ولكن جلس ، وعاد بسرعة إلى هدوئه الطبيعي . وناوله محجوب كأساً من الشراب ، فتردد برهة ثم أمسك بها ووضعها إلى جانبه ..

دون أن يشرب منها . ومرة أخرى أقسم محجوب ، فشرب مصطفى . كنت أعرف محجوباً متهوراً ، فخطر لي أن أمنعه عن مضايقة الرجل ، إذ من الواضح أنه غير راغب في الجلسة أصلاً . لكن خاطراً آخر هجس في ذهني ، فتوقفت . شرب مصطفى الكأس الأولى باشمئزاز واضح ، شربها بسرعة ، كأنها دواء مقيت . لكنه لما وصل إلى الكأس الثالثة ، أخذ يبطئ ويمص الشراب مصاً ، بلذة . حينئذ ارتخت عضلات وجهه ، وغاب التوتر في أركان فمه ، وأصبحت عيناه حالمتين ناعستين ، أكثر من ذي قبل . القوة التي تحسها في رأسه وجبهته وأنفه ، ضاعت تماماً في الضعف الذي سال ، مع الشراب ، على عينه وفمه . وشرب مصطفى كأساً رابعة ، وكأساً خامسة . لم يعد في حاجة إلى تشجيع ، لكن محجوباً كان يحلف بالطلاق على أي حال . دفن مصطفى قامته في المقعد ، ومدد رجليه . وأمسك الكأس بكلتا يديه ، وسرجت عيناه ، كما خيل لي ، في آفاق بعيدة ، ثم ، فجأة سمعته يتلو شعراً إنكليزياً ، بصوت واضح ونطق سليم . قرأ قصيدة وجدتها فيما بعد بين قصائد عن الحرب العالمية الأولى :

( هؤلاء نساء فلاندرز ينتظرن الضائعين ،

ينتظرن الضائعين الذين أبداً لن يغادروا الميناء ،

ينتظرن الضائعين الذين أبداً لن يجيء بهم القطار ،

إلى أحضان هؤلاء النسوة ، ذوات الوجوه الميتة ،

ينتظرن الضائعين ،

الذين يرقدون موتى في الخندق والحاجز والطين في ظلام الليل .

هذه محطة تشارنغ كروس . الساعة جاوزت الواحدة .

ثمة ضوء ضئيل

ثمة ألم عظيم ) .

وبعد ذلك تأوه ، وهو لا يزال ممسكاً بالكأس بين يديه وعيناه سارحتان ، في آفاق داخل نفسه .

أقول لكم ، لو أن عفريتاً انشقت عنه الأرض فجأة ، ووقف أمامي ، عيناه تقدحان اللهب ، لما ذعرت أكثر مما ذعرت . وخامرني ، بغتة ، شعور فظيع ، شيء مثل الكابوس ، كأننا نحن الرجال المجتمعين في تلك الغرفة ، لم نكن حقيقة ، إنما وهماً من الأوهام . وقفزت ، ووقفت فوق الرجل ، وصحت فيه : ( ما هذا الذي تقول ؟ ما هذا الذي تقول ؟ ) نظر إلي نظرة جامدة ، لا أدري كيف أصفها ، لكن لعلها كانت خليطاً من الاحتقار والضيق . ودفعني بعنف بيده ، ثم هب واقفاً ، وخرج من الغرفة في خطوات ثابتة ، مرفوع الرأس ، كأنه شيء ميكانيكي . كان محجوب مشغول يضحك مع بقية من في المجلس ، فلم ينتبه لما حدث .

ذهبت إليه ثاني يوم في حقله ، فوجدته مكباً يحفر الأرض حول شجرة ليمون . كان مرتدياً سروالاً من الكاكي قصيراً ..

متسخاً ، وقميصاً من الدبلان يصل إلى ركبتيه ، وعلى وجهه بقع من الطين . حياني بأدبه الجم كعادته وقال لي : ( بعض فروع هذه الشجرة تثمر ليموناً ، وبعضها يثمر برتقالاً ) . فقلت له بالإنجليزي ، عمداً : ( شيء مدهش ) . فنظر إلي مستغرباً وقال : ( ماذا ؟ ) فأعدت الجملة . ضحك وقال لي : ( هل أنستك إقامتك الطويلة في إنجلترا العربي ، أم تحسب أننا خواجات ؟ ) قلت له : ( لكنك ليلة أمس قرأت الشعر اللغة الإنجليزية ) .

غاظني صمته . فقلت له : ( من الواضح أنك شخص آخر غير ما تزعم . من الخير أن تقول لي الحقيقة ) . لم يبد عليه أي تأثر بالتهديد الذي ضمنته كلامي ، ومضى يحفر حول الشجرة . ولما فرغ من حفره ، قال وهو ينفض الطين عن يديه دون أن ينظر إلي : ( لا أدري ما ذا قلت وماذا فعلت في الليلة الماضية . السكران لا يؤاخذ على كلامه . إذا كنت قلت شيئاً ، فهو كخترفة النائم ، أو هذيان المحموم . ليست له قيمة . أنا هو هذه الشخص الذي أمامك ، كما يعرفه كل أحد في البلد . لست خلاف ذلك ، وليس عندي شيء أخفيه ) .

ذهبت إلى البيت ، ورأسي يضج بالأفكار . أنا واثق أن وراء ( مصطفى ) قصة ، أو شيئاً لا يود أن يبوح به . هل خانتني أذناي ليلة البارحة ؟ الشعر الإنجليزي الذي قرأه ،

كان حقيقة . لم أكن سكران ، ولم أكن نائماً ، وصورته وهو جالس في ذلك المقعد ، ممداً رجليه ، ممسكاً بالكأس بكلتا يديه ، صورة واضحة لا مراء فيها . هل أحدث أبي ؟ هل أقول لمحجوب ؟ لعل الرجل قتل أحداً في مكان ما وفر من السجن ؟ لعله .. لكن أية أسرار في هذا البلد ؟ لعله فقد ذاكرته ؟ يقال أن بعض الناس يصابون ( بالامنيزيا ) إثر حادث . وأخيراً قررت أن أمهله يومين أو ثلاثة ، فإذا لم يأتني بالحقيقة ، كان لي معه شأن آخر .

لم يطل انتظاري ، فقد جاءني مصطفى عشية ذلك اليوم . وجد أبي وأخوي أيضاً ، فقال أنه يريد أن يحدثني على إنفراد . قمت معه ، فقال لي : ( هل تحضر إلى بيتي مساء غد ؟ أريد أن أتحدث إليك ) . ولما عدت سألني أبي : ( ماذا يريد مصطفى ؟ ) فقلت له أنه يريد أن أفسر له عقداً بملكية أرض له في الخرطوم .

رحت إليه عند المغيب ، فوجدته وحده ، أمامه آنية شاي . عرض علي الشاي فأبيت ، فقد كنت في الحقيقة أتعجل سماع القصة . لابد أنه قرر أن يقول الحقيقة . أعطاني سيجارة فقبلتها .

تفرست في وجهه وهو ينفث الدخان ببطء ، فبدأ هادئاً قوياً . أبعدت الفكرة ، وأنا أنظر في وجهه ، أن يكون قاتلاً . إستعمال العنف يترك أثراً في الوجه لا تخطئه العين .

إما أنه فقد ذاكرته ، فهذا محتمل . وأخيراً بدأ مصطفى يتحدث ، ورأيت الطيف الساخر حول عينيه أوضح من أي وقت رأيته فيه . شيء محسوس ، كأنه لمع البرق .

( سأقول لك كلاماً لم أقله لأحد من قبل . لم أجد سبباً لذلك قبل الآن . قررت هذا حتى لا يجمح خيالك ، وأنت درست الشعر ) . ضحك حتى يخفف حدة الاحتقار التي بدت في صوته وهو يقول هذا .

( خفت أن تذهب وتتحدث إلى الآخرين . تقول لهم أنني لست الرجل الذي أزعم . فيحدث .. يحدث بعض الحرج ، لي ولهم . لذا فإن لي عندك رجاء واحداً . أن تعدني بشرفك ، أن تقسم لي بأنك لن تبوح لمخلوق بشيء مما سأحدثك به الليلة ) .

( هذا يعتمد على ما ستقوله لي . كيف أعدك وأنا لا أعلم عنك شيئاً ؟ ) .

فقال : ( إنني أقسم لك بأن شيئاً مما سأقوله لك لن يؤثر على وجودي في هذا البلد . إنني رجل في كامل عقلي ، مسالم ، لا أحب لهذا البلد وأهله إلا الخير ) .

لا أكتمك أنني ترددت . لكن اللحظة كانت مشحونة بالاحتمالات ، وكان فضولي عارماً ليس له حد . خلاصة القول أنني وعدت وأقسمت ، فدفع مصطفى إلي برزمة أوراق وأومأ لي أن أنظر فيها فتحت ورقة فإذا هي وثيقة ميلاده .

مصطفى سعيد ، من مواليد الخرطوم ، 16 أغسطس عام 1898 .. الأب متوفي ، الأم فاطمة عبدالصادق ، فتحت بعد ذلك جواز سفره ، الإسم ، المولد ، البلد ، كما في شهادة الميلاد . المهنة ( طالب ) . تاريخ صدور الجواز عام 1916 في القاهرة وجدد في لندن عام 1926 . كان ثمة جواز سفر آخر ، انكليزي ، صدر في لندن عام 1929 . قلبت صفحاته فإذا أختام كثيرة ، فرنسية وألمانية وصينية ودنماركية . كل هذا شحذ خيالي بشكل لا يوصف ، فلم أستطع المضي في تقليب صفحات جواز السفر ، وانصرف ذهني عن بقية الأوراق . ولابد أن وجهي كان مشحوناً بالترقيب حين نظرت إليه . مضى مصطفى ينفث في دخان سيجارته برهة ، ثم قال :

إنها قصة طويلة . لكنني لن أقول لك كل شيء . وبعض التفاصيل لن تهمك كثيراً ، وبعضها .. المهم أنني كما ترى ولدت في الخرطوم . نشأت يتيماً ، فقد مات أبي قبل أن أولد ببضعة أشهر ، لكنه ترك لنا ما يستر الحال . كان يعمل في تجارة الجمال . لم يكن لي أخوة ، فلم تكن الحياة عسيرة عليَّ وعلى أمي . حين أرجع الآن بذاكرتي ، أراها بوضوح ، شفتاها الرقيقتان مطبقتان في حزم ، وعلى وجهها شيء مثل القناع . لا أدري . قناع كثيف ، كأن وجهها صفحة بحر ، هل تفهم ؟ ليس له لون واحد بل ألوان متعددة ، تظهر وتغيب وتتمازج . لم يكن لنا أهل . كنا ، أنا وهي ، أهلاً بعضنا لبعض . كانت كأنها شخص غريب جمعتني به الظروف صدفة في الطريق . لعلني كنت مخلوقاً غريباً ، أو لعل أمي كانت غريبة . لا أدري . لم نكن نتحدث كثيراً ، وكنت ، ولعلك تعجب ، أحس إحساساً دافئاً بأنني حر ، بأنه ليس ثمة مخلوق أب أو أم ، يربطني كالوتد إلى بقعة معينة ومحيط معين . كنت ..

أقرأ وأنام ، أخرج وأدخل ، ألعب خارج البيت ، أتسكع في الشوارع ، ليس ثمة أحد يأمرني أو ينهاني . إلا أنني منذ صغري ، كنت أحس بأنني .. أنني مختلف . أقصد أنني لست كبقية الأطفال في سني ، لا أتأثر بشيء لا أبكي إذا ضربت ، لا أفرح إذا أثني عليَّ المدرس في الفصل ، لا أتألم لما يتألم له الباقون . كنت مثل شيء مكور من المطاط ، تلقيه في الماء فلا يبتل ، ترميه على الأرض فيقفز . كان ذلك الوقت أول عهدنا بالمدارس أذكر الآن الناس كانوا غير راغبين فيها . كانت الحكومة تبعث أعوانها يجوبون البلاد والأحياء ، فيخفي الناس أبناءهم . كانوا يظنونها شراً عظيماً جاءهم مع جيوش الإحتلال . كنت ألعب مع الصبية خارج دارنا ، فجاء رجل على فرس ، في زي رسمي ووقف فوقنا . جرى الصبية ، وبقيت أنظر إلى الفرس وإلى الرجل فوقه . سألني عن اسمي فأخبرته . قال لي كم عمرك ، فقلت له لا أدري . قال لي : ( هل تحب أن تتعلم في المدرسة ؟ ) قلت له : ( ما هي المدرسة ؟) فقال لي : ( بناء جميل من الحجر وسط حديقة كبيرة على شاطئ النيل . يدق الجرس وتدخل الفصل مع التلاميذ . تتعلم القراءة والكتابة والحساب ) . قلت للرجل : ( هل ألبس عمامة كهذه ؟ ) وأشرت إلى شيء كالقبة فوق رأسه . فضحك الرجل وقال لي : ( هذه ليست عمامة . هذه برنيطة . قبعة ) . وترجل من على فرسه ووضعها فوق رأسي فغاب وجهي كله فيها . ثم قال الرجل : ( حين تكبر ، وتخرج ..

(25)

من المدرسة ، وتصير موظفاً في الحكومة ، تلبس قبعة كهذه ) قلت للرجل : ( أذهب للمدرسة ) . أردفني الرجل خلفه فوق الحصان ، وحملني إلى مكان ، كما وصفه ، من الحجر ، على ضفة النيل ، تحيط به أشجار وأزهار . ودخلنا على رجل ذي لحية ، يلبس جبة ، فقام وربت على رأسي ، وقال لي : ( لكن أي أبوك ؟ ) فقلت له أن أبي ميت . فقال لي : ( من ولي أمرك ؟ ) قلت له : ( أريد أن أدخل المدرسة ) . نظر إلي الرجل بعطف ، ثم قيدوا اسمي في سجل ، وسألوني كم عمري فقلت لهم لا أدري . وفجأة دق الجرس . فررت منهم ، ودخلت إحدى الحجرات فجاء الرجلان وساقاني إلى حجرة أخرى وأجلساني في مقعد بين صبية آخرين عدت إلى أمي في الظهر فسألتني أي كنت ، فحكيت لها القصة . نظرت إلي برهة نظرة غامضة ، كأنها أرادت أن تضمني إلى صدرها . فقد رأيت وجهها يصفو برهة ، وعينيها تلمعان ، وشفتيها تفتران كأنها تريد أن تبتسم ، أو تقول شيئاً . لكنها لم تقل شيئاً . وكانت تلك نقطة تحول في حياتي . كان ذلك أول قرار اتخذته ، بمحض إرادتي .

إنني لا أطلب منك أن تصدق ما أقوله لك . لك أن تعجب وأن تشك . أنت حر . هذه وقائع مضى عليها وقت طويل ، وهي كما ترى الآن ، لا قيمة لها . أقولها لك لأنها تحضرني ، لأن الحوادث بعضها يذكر بالبعض الآخر .

المهم أنني انصرفت بكل طاقاتي لتلك الحياة الجديدة .

وسرعان ما اكتشفت في عقلي مقدرة عجيبة على الحفظ والاستيعاب والفهم . أقرأ الكتاب فيرسخ جملة في ذهني . ما ألبث أن أركز عقلي في مشكلة الحساب حتى تتفتح لي مغالقها ، تذوب بين يدي كأنها قطعة ملح وضعتها في الماء . تعلمت الكتابة في أسبوعين ، وانطلقت بعد ذلك لا ألوي على شيء . عقلي كأنه مدية حادة ، تقطع في برود وفعالية . لم أُبال بدهشة المعلمين وإعجاب رفقائي أو حسدهم . كان المعلمون ينظرون إليَّ كأنني معجزة ، وبدأ التلاميذ يطلبون ودي . لكنني كنت مشغولاً بهذه الآلة العجيبة التي أتيحت لي . وكنت بارداً كحقل جليد ، لا يوجد في العالم شيء يهزني . طويت المرحلة الأولى في عامين ، وفي المدرسة الوسطى اكتشفت ألغازاً أخرى ، منها اللغة الإنكليزية فمضى عقلي يعض ويقطع كأسنان محراث . الكلمات والجميل تتراءى لي كأنها معادلات رياضية ، والجبر والهندسة كأنها أبيات شعر . العالم الواسع أراه في دروس الجغرافيا ، كأنه رقعة شطرنج . كانت المرحلة الوسطى أقصى غاية يصل إليها المرء في التعليم تلك الأيام . وبعد ثلاثة أعوام ، قال لي ناظر المدرسة ، وكان إنكليزياً : ( هذه البلد لا تتسع لذهنك ، فسافر . إذهب إلى مصر أو لبنان أو إنكلترا . ليس عندنا شيء نعطيك إياه بعد الآن ) . قلت له على الفور : ( أريد أن أذهب إلى القاهرة ) . فهل لي ، فيما بعد ، السفر ، والدخول مجاناً

في مدرسة ثانوية في القاهرة ، ومنحة دراسية من الحكومة . وهذه حقيقة في حياتي ، كيف قيضت الصدف لي قوماً ساعدوني وأخذوا بيدي في كل مرحلة ، قوماً لم أكن أحس تجاههم بأي إحساس بالجميل . كنت أتقبل مساعداتهم ، كأنها واجب يقومون به نحوي .

حين أخبرني ناظر المدرسة بأن كل شيء أُعد لسفري للقاهرة ، ذهبت إلى أمي وحدثتها . نظرت إلي مرة أخرى ، تلك النظرة الغريبة افترت شفتاها لحظة كأنها تريد أن تبتسم ثم أطبقتهما ، وعاد كعهده ، قناعاً كثيفاً ، بل مجموعة أقنعة ، ثم غابت قليلاً ، وجاءت بصرة وضعتها في يدي ، وقالت لي : ( لو أن أباك عاش ، لما اختار لك غير ما اخترته لنفسك . افعل ما تشاء . سافر . أو ابقَ ، أنت وشأنك . إنها حياتك ، وأنت حر فيها . في هذه الصرة ما تستعين به ) .

كان ذلك وداعنا . لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء . مخلوقان سارا شطراً من الطريق معاً ، ثم سلك كل منهما سبيله . وكان ذلك في الواقع آخر ما قالته لي ، فإنني لم أرها بعد ذلك . بعد سنوات طويلة ، وتجارب عدة ، تذكرت تلك اللحظة ، وبكيت . أما الآن ، فإنني لم أشعر بشيء على الإطلاق . جمعت متاعي في حقيبة صغيرة ، وركبت القطار . لم يلوِّح لي أحد بيده ولم تنهمر دموعي لفراق أحد .

وضرب القطار في الصحراء ، ففكرت قليلاً في البلد الذي خلفته ورائي ، فكان مثل جبل ضربت خيمتي عنده ، وفي الصباح قلعت الأوتاد وأسرجت بعيري ، وواصلت رحلتي . وفكرت في القاهرة ونحن في وادي حلفا ، فتخيلها عقلي جبلاً آخر ، أكبر حجماً ، سأبيت عنده ليلة أو ليلتين ، ثم أواصل الرحلة إلى غاية أخرى . أذكر أنني جلست في القطار قبالة رجل في مسوح وعلى رقبته صليب كبير أصفر . ابتسم الرجل في وجهي وتحدث معي باللغة الإنكليزية ، فأجبته . أكثر تماماً أن الدهشة بدت على وجهه واتسعت حدقتا عينيه أول ما سمع صوتي . دقق النظر إلى وجهي وقال لي : ( كم سنك؟ ) فقلت له خمسة عشر . كنت في الواقع في الثانية عشر ، لكنني خفت أن يستخف بي . فقال الرجل : ( إلى أين تقصد ؟ ) فقلت له : ( إنني ذاهب للإلتحاق بمدرسة ثانوية في القاهرة ) . فقال : ( وحدك ؟ ) . قلت نعم . نظر إلي مرة أخرى نظرة طويلة فاحصة ، فقلت له قبل أن يتكلم : ( إنني أحب السفر وحدي . مم أخاف ؟ ) . حينئذ قال لي جملة لم أحفل بها كثيرة وقتذاك . وأضاءت وجهه ابتسامة كبيرة وأردف : ( إنك تتحدث اللغة الإنكليزية بطلاقة مذهلة ) . وصلت القاهرة ، فوجدت مستر روبنسن وزوجته في انتظاري ، فقد أخبرهما مستر ستكول بقدومي . صافحني ..

الرجل وقال لي : ( كيف أنت يا مستر سعيد ؟ ) فقلت له : ( أنا بخير يا مستر روبنسن ) . ثم قدمني إلى زوجته . وفجأة أحسست بذراعي المرأة تطوقانني ، وبشفتيها على خدي . في تلك اللحظة ، وأنا واقف على رصيف المحطة ، وسط دوامة من الأصوات والأحاسيس ، وزندا المرأة ملتفان حول عنقي ، وفمها على خدي ، ورائحة جسمها ، رائحة أوروبية غريبة ، تدغدغ أنفي ، وصدرها يلامس صدري ، شعر وأنا الصبي ابن الإثني عشر عاماً بشهوة جنسية مبهمة لم أعرفها من قبل في حياتي ، وأحسست كأن القاهرة ، ذلك الجبل الكبير الذي حملني إليه بعيري ، امرأة أوروبية ، مثل مسز روبنسن تماماً ، تطوقني ذراعاها ، يملأ عطرها ورائحة جسدها أنفي . كان لو عينيها كلون القاهرة في ذهني ، رمادياً ،أخضر ، يتحول بالليل إلى وميض كوميض اليراعة .

كانت مسز روبنسن تقول لي : ( وأنت يا مستر سعيد إنسان خال تماماً من المرح ) . صحيح أنني لم أكن أضحك . وتضحك مسز روبنسن وتقول لي : ( ألا تستطيع أن تنسى عقلك أبداً ؟ ويوم حكموا عليَّ في الأولد بيلي بالسجن سبع سنوات ، لم أجد صدراً غير صدرها أسند رأسي إليه . ربتت على رأسي وقالت : ( لا تبك يا طفلي العزيز ) . لم يكن لهما أطفال . كان مستر روبنسن يحسن اللغة العربية ، ويعنى بالفكر الإسلامي والعمارة الإسلامية ، فزرت معهما جوامع القاهرة ، ومتاحفها وآثارها . وكانت أحب مناطق القاهرة

إليهما ، منطقة الأزهر . كنا حين تكل أقدامنا من الطواف ، نلوذ بمقهى بجوار جامع الأزهر ، ونشرب عصير التمر هندي ، ويقرأ مستر روبنسن شعر المعري . كنت وقتها مشغولاً بنفسي ، فلم أحفل بالحب الذي أسبغاه علي . كانت مسز روبنسن ممتلئة الجسم ، برونزية اللون ، منسجمة مع القاهرة كأنها صورة منتقاة بذوق ، لتناسب لون الجدران في غرفة . وكنت أنظر إلى شعر إبطيها وأحسن بالذعر .. لعلها كانت تعلم أنني أشتهيها ، لكنها كانت عذبة ، أعذب امرأة عرفتها . تضحك بمرح ، وتحنو علي كما تحنو أم على إبنها .

وكانا على الرصيف حين أقلعت بي الباخرة من الإسكندرية . ورأيتها من بعيد وهي تلوح لي بمنديها ، ثم تجفف به الدمع من عينيها ، وإلى جوارها زوجها ، واضعاً يديه على خصره ، وأكاد أرى ، حتى من ذلك البعد ، صفاء عينيه الزرقاوين . إلا أنني لم أكن حزيناً ، كان كل همي أن أصل لندن ، جبلاً آخر أكبر من القاهرة ، لا أدري كم ليلة أمكث عنده . كنت في الخامسة عشرة ، يظنني من يراني في العشرين ، متماسكاً على نفسي ، كأنني قربة منفوخة . ورائي قصة نجاح فذ في المدرسة ، كل سلاحي هذه المدية الحادة في جمجمتي ، وفي صدري إحساس بارد جامد ، كأن جوف صدري مصبوب بالصخر ولما ابتلعت اللجة الساحل ، وهاج الموج تحت السفينة ، واستدار الأفق الأزرق حوالينا ، أحسست تواً ..

بألفة غامرة للبحر . انني أعرف هذا العملاق الأخضر اللامنتهي ، كأنه يمور بين ضلوعي . واستمرأت طيلة الرحلة ذلك الإحساس في أني في لا مكان ، وحدي ، أمامي وخلفي الأبد أو لا شيء وصفحة البحر حين يهدأ سراب آخر ، دائم التبدل والتحول ، مثل القناع الذي على وجه أمي . هنا أيضاً صحراء مخضرة مزرقة ممتدة ، تناديني ، تناديني . وقادني النداء الغريب إلى ساحل دوفر ، وإلى لندن ، وإلى المأساة . لقد لسلكت ذلك الطريق بعد ذلك عائداً وكنت أسأل نفسي طوال الرحلة ، هي كان من الممكن تلافي شيء مما وقع ؟ وتر القوس مشدود ، ولا بد أن ينطلق السهم . وأنظر إلى اليسار واليمين ، إلى الخضرة الداكنة ، والقرى السكسونية القائمة على حوافي التلال . سقوف البيوت حمراء ، محدودية كظهور البقر ، وثمة غلالة شفافة من الضباب ، منشورة فوق الوديان . ما أكثر الماء هنا وما أرحب الخضرة . وكل تلك الألوان . ورائحة المكان غريبة ، كرائحة جسد مسز روبنسن . والأصوات لها وقت نظيف في أذني ، مثل حفيف أجنحة الطير . هذا عالم منظم ، بيوته وحقوله وأشجاره مرسومة وفقاً لخطة . الغدران كذلك ، لا تتعرض ، بل تسيل بين شطآن صناعية . ويقف القطار في المحطة ، بضع دقائق . يخرج الناس مسرعين ، ويدخلون مسرعين ، ثم يتحرك القطاع ، لا ضوضاء . وفكرت في حياتي في القاهرة . لم يحدث شيء ليس في الحسبان . زادت معلوماتي . وحدثت لي أحداث صغيرة ، وأحبتني زميلة لي ثم كرهتني ..

وقالت لي : ( أنت ليس إنساناً . أنت آلة صماء ) . تسكعت في شوارع القاهرة ، وزرت الأوبرا ، ودخلت المسرح ، وقطعت النيل سابحاً ذات مرة . لم يحدث شيء إطلاقاً ، سوى أن القرية زادت انتفاخاً ، وتوتر وتر القوس . سينطلق السهم نحو آفاق أخرى مجهولة . وانظر إلى دخان القطار ، يتلاشى ، حيث تهب به الريح ، في غلالة الضباب المنتشرة في الوديان . وأخذتني سنة من النوم . وحلمت أنني أصلي وحدي في جامعة القلعة . كان المسجد مضاء بآلاف الشمعدانات ، والرخام الأحمر يتوهج ، وأنا وحدي أصلي . واستيقظت وفي أنفي رائحة البخور ، فإذا القطار يقترب من لندن . القاهرة مدينة ضاحكة ، وكذلك مسز روبنسن . كانت تريدني أن أناديها باسمها الأول ، اليزابيث ، لكنني كنت أناديها باسم زوجها . تعلمت منها حسب موسيقى باخ ، وشعر كيتس ، وسمعت عن مارك توين لأول مرة منها . لكنني لم أكن استمتع بشيء . وتضحك مسز روبنسن وتقول لي : ( ألا تستطيع أن تنسى عقلك أبداً ؟ ) . هل كان من الممكن تلافي شيء مما حدث ؟ كنت عائداً حينذاك تذكرت ما قاله لي القسيس ، وأنا في طريقي إلى القاهرة : ( كلنا يا بني نسافر وحدنا في نهاية الأمر ) . كانت يده تتحسس الصليب على صدره . وأضاءت وجهه ابتسامة كبيرة وأردف : ( انك تتحدث اللغة الإنكليزية بطلاقة مذهلة ) . اللغة التي أسمعها الآن ليست كاللغة التي تعلمتها في المدرسة . هذه أصوات حية ، لها جرس آخر .

كان عقلي كأنه مدية حادة . لكن اللغة ليست لغتي . تعلمت فصاحتها بالممارسة . وحملني القطار إلى محطة فكتوريا ، وإلى عالم جين مورس .

كل شيء حدث قبل لقائي إياها ، كان إرهاصاً . وكل شيء فعلته بعد أن قتلتها كان اعتذاراً ، لا لقتها ، بل لأكذوبة حياتي . كنت في الخامسة والعشرين حين لقيتها ، وفي حفل في تشلسي . الباب ، وممر طويل يؤدي إلى القاعة . فتحت الباب ، وتريثت ، وبدت لعيني تحت ضوء المصباح الباهت كأنها سراب لمع في صحراء . كنت مخموراً ، كأسي بقي ثلثها ، وحولي فتاتان ، أتفحش معهما ، وتضحكان . وجاءت تسعى نحونا بخطوات واسعة ، تضع ثقل جسمها على قدمها اليمنى ، فيميل كفلها إلى اليسار . وكانت تنظر إلي وهي قادمة . وقفت قبالتي ونظرت إلي بصلف وبرود .. وشيء آخر . وفتحت فمي لأتكلم ، لكنها ذهبت . وقلت لصاحبتي ( من هذه الأنثى ؟ ) .

كانت لندن خارجة من الحرب ومن وطأة العهد الفكتوري . عرفت حانات تشلسي ، وأندية هامبستد ، ومنتديات بلومزبري ، أقرأ الشعر ، وأتحدث في الدين والفلسفة ، وأنقد الرسم ، وأقول كلاماً عن روحانيات الشرق . أفعل كل شيء حتى أدخل المرأة في فراشي ، ثم أسير إلى صيد آخر . لم يكن في نفسي قطرة من المرح ، كما قالت مسز روبنسن . جلبت ..

النساء إلى فراشي من بين فتيات جيش الخلاص ، وجمعيات الكويكرز ، ومجتمعات الفابيانيين . حين يجتمع حزب الأحرار أو العمال أو المحافظين أو الشيوعيين ، أسرج بعيري وأذهب . وفي المرة الثانية ، قالت لي جين مورس : ( أنت بشع . لم أر في حياتي وجهاً بشعاً كوجهك ) . وفتحت فمي لأتكلم لكنها ذهبت . وحلفت في تلك اللحظة ، وأنا سكران أنني سأتقاضاها الثمن في يوم من الأيام . وصحوت وآن همند إلى جواري في الفراش . أي شيء جذب آن همند إليَّ ؟ أبوها ضابط في سلاح المهندسين ، وأمها من العوائل الثرية في لفربول كانت صيداً سهلاً ، لقيتها وهي دون العشرين ، تدرس اللغات الشرقية في أكسفورد . كانت حية ، وجهها ذكي مرح وعيناها تبرقان بحب الإستطلاع . رأتني فرأت شفقاً داكناً كفجر كاذب . كانت عكسي تحن إلى مناخات استوائية ، وشموس قاسية ، وآفاق أرجوانية . كنت في عينها رمزاً لكل هذا الحنين . وأنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع . آن همند قضت طفولتها في مدرسة راهبات . عمتها زوجة نائب في البرلمان . حولتها في فراشي إلى عاهرة . غرفة نومي مقبرة تطل على حديقة ، ستائرها وردية منتقاة بعناية ، وسجاد سندسي دافئ والسرير رحب مخداته من ريش النعام . وأضواء كهربائية صغيرة ، حمراء ، وزرقاء ، وبنفسجية ، موضوعة في زوايا معينة . وعلى الجدران مرايا كبيرة ، حتى إذا ضاجعت امرأة ، بدا كأنني أضاجع حريماً كاملاً في آن واحد . تعبق

في الغرفة رائحة الصندل المحروق والند ، وفي الحمام عطور شرقية نفاذة ، وعقاقير كيماوية ، ودهون ، ومساحيق ، وحبوب . غرفة نومي كانت مثل غرفة عمليات في مستشفى . ثمة بركة ساكنة في أعماق كل امرأة . كنت أعرف كيف أحركها . وذات يوم وجدوها ميتة انتحاراً بالغاز ووجدوا ورقة صغيرة باسمي . ليس فيها سوى هذه العبارة : مستر سعيد . لعنة الله عليك ) . كان عقلي كأنه مدية حادة . وحملني القطار إلى محطة فكتوريا . وإلى عالم جين مورس ، في قاعة المحكمة الكبرى في لندن ، جلست أسابيع أستمع إلى المحامين يتحدثون عني ن كأنهم يتحدثون عن شخص لا يهمني أمره . كان المدعي العمومي سير آرثر هغتز عقل مريع ، أعرفه تمام المعرفة ، علمني القانون في أكسفورد ، ورأيته من قبل ، في هذه المحكمة نفسها وفي هذه القاعة ، يعتصر المتهمين في قفص الإتهام اعتصاراً . نادراً ما كان يفلت متهم من يده . ورأيت متهمين يبكون ويغمى عليهم ، بعد أن يفرغ من استجوابهم . لكنه هذه المرة كان يصارع جثة .

( هل تسببت في انتحار آن همند ؟ )

( لا أدري )

( وشيلا غرينود ؟ )

( لا أدري )

( وإيزابيلا سيمور ؟ )

( لا أدري )

( هل قتلت جين مورس ؟ )

( نعم )

( قتلتها عمداً ؟ )

( نعم )

كان صوته كأنما يصلني من عالم آخر . ومضى الرجل يرسم بحذق صورة مريعة لرجل ذئب ، تسبب في انتحار فتاتين ، وحطم امرأة متزوجة ، وقتل زوجته ، رجل أناني ، أنصبت حياته كلها على طلب اللذة . ومرة خطر لي في غيبوبتي ، وأنا جالس هناك أستمع إلى أستاذي ، برفسور ماكسول فستر كين ، يحاول أن يخلصني من المشنقة ، أن أقف وأصرخ في المحكمة : ( هذا المصطفى سعيد لا وجود له . انه وهم ، أكذوبة . وأنني أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة ) . لكنني كنت هامداً مثل كومة رماد . ومضى برفسور ماكسول فستر كين يرسم صورة لعقل عبقري دفعته الظروف إلى القتل . في لحظة غيرة وجنون . روى لهم كيف أنني عينت محاضراً للإقتصاد في جامعة لندن ، وأنا في الرابعة والعشرين . قال لهم أن ( آن همند ) و ( شيلا غرينود ) كانتا فتاتين تبحثان عن الموت بكل سبيل ، وأنهما كانتا ستنتحران سواء قابلتا مصطفى سعيد أو لم تقابلاه . ( مصطفى سعيد يا حضرات المحلفين إنسان نبيل ، استوعب عقله حضارة الغرب ، لكنها حطمت قلبه . هاتان الفتاتان لم يقتلهما مصطفى سعيد ولكن قتلهما جرثوم مرض ..

عضال أصابهما منذ ألف عام ) . وخطر لي أن أقف وأقول لهم : ( هذا زور وتلفيق . قتلتها أنا . أنا صحراء الظمأ . أنا لست عطيلاً . أنا أكذوبة . لماذا لا تحكمون بشنقي فتقتلون الأكذوبة ! ) لكن برفسور فستر كين حوَّل المحاكمة إلى صراح بين عالمين ، كنت أنا إحدى ضحاياه . وحملني القطار إلى محطة فكتوريا ، وإلى عالم جين مورس .

لبثت أطاردها ثلاثة أعوام . كل يوم يزداد وتر القوس توتراً ، قربي مملوءة هواء ن وقوافلي ظمأى ، والسراب يلمع أمام في متاهة الشوق ، وقد تحدد مرمى السهم ، ولا مفر من وقوع المأساة . وذات يوم قالت لي : ( أنت ثور همجي لا يكل من الطراد . إنني تعبت من مطاردتك لي ، ومن جريي أمامك . تزوجني ) . وتزوجتها . غرفة نومي صارت ساحة حرب . فراشي كان قطعة من الجحيم . أمسكها فكأنني أمسك سحاباً ، كأنني أضاجع شهاباً ، كأنني أمتطي صهوة نشيد عسكري بروسي . وتفتأ تلك الإبتسامة المريرة على فمها . أقضي الليل ساهراً ، أخوض المعرفة بالقوس والسيف والرمح والنشاب ، وفي الصباح أرى الإبتسامة ما فتئت على حالها ، فاعلم أنني خسرت الحرب مرى أخرى . كأنني شهريار رقيق ، تشتريه في السوق بدينار ن صادف شهرزاد متسولة في أنقاض مدينة قتلها الطاعون . كنت أعيش مع نظريات كينز وتوني بالنهار ، وبالليل أواصل الحرب بالقوس والسيف والرمح والنشاب . رأيت الجنود يعودون ، يملؤهم

الذعر ، من حرب الخنادق والقمل والوباء . رأيتهم يزرعون بذور الحرب القادمة في معاهدة فرساي ن ورأيت لويد جورج يضع أسس دولة الرفاهية العامة . وانقلبت المدينة إلى امرأة عجيبة ، لها رموز ونداءات غامضة ن ضربت إليها أكباد الإبل ، وكاد يقتلني في طلابها الشوق ، غرفة نومي ينبوع حزن ، جرثوم مرض فتاك . العدوى أصابتهن منذ ألف عام ، لكنني هيجت كوامن الداء حتى استفحل وقتل . وكان المغنون يرددون أهازيج الحب الحقيقي والمرح في مسارح لستر سكوير ، فلم يخفق لها قلبي . من كان يظن أن شيلا غرينود تقدم على الإنتحار ؟ خادمة في مطعم في سوهر . بسيطة حلوة المبسم ، حلوة الحديث . أهلها قرويون من ضواحي هل . أغريتها بالهدايا والكلام المعسول ، والنظرة التي ترى الشيء فلا تخطئه . جذبها عالمي الجديد عليها . دوختها رائحة الصندق المحروق والند ، ووقفت وقتاً تضحك لخيالها في المرآة ، وتعبث بعقد العاج الذي وضعته كأنشوطة حول جيدها الجميل . دخلت غرفة نومي بتولاً بكراً ، وخرجت منها تحمل جرثوم المرض في دمها . ماتت دون أن تنبس ببنت شفة . ذخيرتي من الأمثال لا تنفد . البس لكل حالة لبوسها ، شنى يعرف متى يلاقي طبقه .

( أليس صحيحاً أنك في الفترة ما بين أكتوبر 1922 وفبراير 1923 ، في هذه الفترة وحدها على سبيل المثال ، كنت تعيش مع خمس نساء في آن واحد ؟ ) .

( بلى ) .

( وأنك كنت توهم كلاً منهن بالزواج ؟ )

( بلى ) .

( إنك كنت حسن ، وتشارلز ، وأمين ، ومصطفى ، ورتشارد ؟ )

( بلى ) .

( ومع ذلك كنت تكتب وتحاضر عن الإقتصاد المبني على الحب لا على الأرقام ؟ أليس صحيحاً أنك أقمت شهرتك بدعوتك الإنسانية في الإقتصاد ؟ )

( بلى ) .

ثلاثون عاماً . كان شجر الصفصاف يبيض ويخضر ويصفر في الحدائق ، وطير الوقوق يغني للربيع كل عام . ثلاثون عاماً وقاعة البرت تغص كل ليلة بعشاق بيتهوفن وباخ ن والمطابع تخرج آلاف الكتب في الفن والفكر . مسرحيات برنارد شو تمثل في الرويال كورت والهيمار كت . كانت ايدث ستول تغرد بالشعر ، ومسرح البرنس اف ويلز يفيض بالشباب والألق . البحر في مده وجزره في بورتمث وبرايتن ، ومنطقة البحيرات تزدهي عاماً بعد عام . الجزيرة مثل لحن عذب ، سعيد حزين ، في تحول سرابي مع تحول الفصول . ثلاثون عاما ..

وأنا جزء من كل هذا ، أعيش فيه ، ولا أحس جماله الحقيقي ، ولا يعنيني منه غلا ما يملاً فراشي كل ليلة .

نعم ، في الصيف . قالوا أن صيفاً مثله لم يأتهم منذ مائة عام . وخرجت من داري يوم سبت أشمشم الهواء ، وأحس بأنني مقبل على صيد عظيم . وصلت ركن الخطباء في حديقة هايد بارك . كان غاصاً بالخلق . وقفت عن بعد أستمع إلى خطيب من جزر الهند الغربية يتحدث عن مشكلة الملونين . استقرت عيني فجأة على امرأة تشرئب بعنقها لرؤية الخطيب ، فيرتفع ثوبها إلى ما فوق الركبتين ، مظهراً ساقين ملتفتين من البرونز . نعم هذه فريستي . وسرت إليها ، كالقارب يسير إلى الشلال . ووقفت وراءها ، والتصقت حتى أحسست بحرارتها تسري إلي . وشممت رائحة جسدها ، تلك الرائحة التي استقبلتني بها مسز روبنسون على رصيف محطة القاهرة واقتربت منها حتى أحسست بي ، فالتفتت إلي فجأة ، فابتسمت في وجهها ابتسامة لم أكن أعلم مصيرها ، لكنني عزمت على ألا تضيع هباء . وضحكت أيضاً ، حتى لا تنقلب الدهشة في وجهها إلى عداء فابتسمت . ووقفت إلى جانبها نحواً من ربع الساعة ، أضحك حين يضحكها الخطيب ، وأضحك بصوت مرتفع لكي تسري فيها عدوى الضحك ، حتى جاءت لحظة ن أحسست فيها أنني وهي صرنا كفرس ومهرة ، يركضان في تناسق ، جنباً إلى جنب . وهنا خرج الصوت من حلقي ، كأنه ليس صوتي : ( ما رأيك في شراب ،

بعيداً عن هذا الزحام والحر ؟ ) أدارت رأسها بدهشة ، فابتسمت هذه المرة ابتسامة عريضة بريئة ، حتى أحول الدهشة إلى حب استطلاع على الأقل . وفي أثناء ذلك تفرست في وجهها ، فوجدت كل سمة من سماته يزيدني إقناعاً بأن هذه فريستي . كنت أعلم ، بطبيعة المقامر ، إن تلك اللحظة حاسمة . كل شيء في هذه اللحظة محتمل . وتحولت ابتسامتي إلى سرور كاد يفلت زمامه من يدي حين قالت : ( نعم . ولم لا ؟ ) وسرنا معاً ، أحس بها إلى جانبي وهجاً من البرونز تحت شمس يوليو ، أحس بها مدينة من الأسرار والنعيم . وسرني أنها تضحك بسهولة . هذه السيدة ، نوعها كثير في أوروبا نساء لا يعرفن الخوف ن يقبلن على الحياة بمرح وحب استطلاع . وأنا صحراء الظمأ ، متاهة الرغائب الجنونية . وسألتني ونحن نشرب الشاي عن بلدي . رويت لها حكايات ملفقة عن صحاري ذهبية الرمال ، وأدغال تتصايح فيها حيوانات لا وجود لها . قلت لها أن شوارع عاصمة بلادي تعج بالأفيال والأسود ، وتزحف عليها التماسيح عند القيلولة . وكانت تستمع إلى بين مصدقة ومكذبة . تضحك ن وتغمض عينيها ، وتحمر وجنتاها . وأحياناً تصغي إلي في صمت ، وفي عينيها عطف مسيحي . وجاءت لحظة أحسست فيها أنني انقلبت في نظرها مخلوقاً بدائياً عارياً ، يمسك بيده رمحاً ن وبالأخرى نشاباً ، يصيد الفيلة والأسود في الأدغال . هذا حسن . لقد تحول حسب الاستطلاع إلى مرح ، وتحول ..

المرح إلى عطف ، وحين أحرك البركة الساكنة في الأعماق ، سيستحيل العطف إلى رغبة أعزف على أوتارها المشدودة كما يحلو لي . وسألتني : ( ما جنسك ؟ هل أنت أفريقي أم آسيوي ؟ ) .

قلت لها : ( أنا مثل عطيل . عربي أفريقي ) . نظرت إلى وجهي وقالت : ( نعم . أنفك مثل أنوف العرب في الصور . لكن شعرك ليس فاحماً ناعماً مثل شعر العرب ) .

( نعم . هذا أنا . وجهي عربي كصحراء الربع الخالي ، ورأسي أفريقي يمور بطفولة شريرة ) .

ضحكت وقالت : ( أنت تصور الأشياء بشكل غريب ) . وقادنا الحديث إلى أهلي ، فقلت لها ، غير كاذب هذه المرة ، أنني يتيم ولي لي أهل . ثم عدت إلى الكذب ، فوصفت لها وصفاً مهولاً كيف فقدت والدي ، حتى رأيت الدمع يطفر إلى عينيها . قلت لها إنني كنت في السادسة من عمري ، حين غرق والداي مع ثلاثين آخرين في مركب كان يعبر بهم النيل من شاطئ إلى شاطئ . وهنا حدث شيء كان أفضل من الرثاء . الرثاء في مثل هذه الأمور عاطفة غير مضمونة العواقب . لمعت عيناها ، وصاحت في نشوة :

( نايل ؟ )

( نعم النيل ) .

( أنتم إذاً تسكنون على ضفاف النيل ؟ ) .

( أجل ، بيتنا على ضفة النيل تماماً بحيث أنني كنت ، إذا استيقظت على فراشي ليلاً ، أخرج يدي من النافذة وأداعب ماء النيل حتى يغلبني النوم ) .

الطائر يا مستر مصطفى قد وقع في الشرك . النيل ، ذلك الإله الأفعى ، قد فاز بضحية جديدة . المدينة قد تحولت إلى امرأة . وما هو إلا يوم أو أسبوع ، حتى أضرب خيمتي ، وأغرس وتدي في قمة الجبل . أنت يا سيدتي قد لا تعلمين ، ولكنك ، مثل ( كارنارفون) حين دخل قبر توت عنخ آمون ، قد أصابك داء فتاك لا تدرين من أين أتى ، سيودي بك إن عاجلاً وإن آجلاً . ذخيرتي من الأمثال لا تنفد . شنى يعرف متى يلاقي طبقه . وأحسست بزمام الحديث في يدي ، كفنان مهره مطواع ، أشد فتقف ، أهزه فتمشي ، أحركه فتتحرك وفقاً لإرادتي ، إن يميناً وإن شمالاً . وقلت لها :

( مضت ساعتان دون أن أحس بهما . لم أحس بمثل هذه السعادة منذ زمن بعيد ، وبقي كثيراً أقوله لك وتقولينه لي . ما رأيك في أن نتمشى معاً ، ونواصل الحديث ؟ ) .

صمتت برهة ، فلم أقلق ، لأنني أحسست بذلك الدفء الشيطاني ، تحت الحجاب الحاجز حين أحسه أعلم أنني مسيطر على زمام الموقف . لا ، إنها لن تقول لي . وقالت : ( هذا لقاء عجيب . رجل غريب لا أعرفه يدعوني . هذا لا يجوز ،

لكن .. ) وصمتت ثم قالت : ( نعم . لم لا ؟ هيئتك لا تدل على أنك من آكل لحوم البشر ) .

قلت لها ، وموجة الفرح تتحرك في ، جذور قلبي : ( ستجدين أنني تمساح عجوز سقطت أسنانه . لن أقوى على أكلك حتى لو أردت ) . قدرت أنني أصغرها بخمسة عشر عاماً على الأقل ، امرأة في حدود الأربعين ، مهما حدثت لها من التجارب فإن الزمن قد عامل جسدها بحنو . التجاعيد الدقيقة على جبهتها وعلى أركان فمها لا تقول لك أنها شاخت ، بل تقول أنها نضجت .

حينئذ فقط سألتها عن إسمها فقالت : ( إيزابيلا سيمور ) . رددته مرتين ، وأنا أملأ به فمي ، كأنني آكل ثمرة كمثرى .

( وأنت ما إسمك ؟ ) .

( أنا .. أمين . أمين حسن ) .

( سأسميك حسن ) .

ومع الشواء والنبيذ ، انفرجت أساريرها ، وتدفق حب تحس به نحو العالم بأسره ، علي أنا . وأنا لا يعنيني حبها للعالم . ولا سحابة الحزن التي تعبر وجهها من آن لآن ، بقدر ما تعنيني حمرة لسانها حين تضحك ، واكتناز شفتيها ، والأسرار الكامنة في قاع فمها . وتخيلتها عارية ، وأفحشت التخيل وهي تقول لي : ( الحياة مليئة بالألم . لكن يجب علينا أن نتفاءل ، ونواجه الحياة بشجاعة ) .

نعم أنا أعلم الآن أن الحكمة القريبة المنال ، تخرج من أفواه البسطاء ، هي كل أملنا في الخلاص . الشجرة تنمو ببساطة ، وجدك عاش وسيموت ببساطة . ذلك هو السر . صدقت يا سيدتي ، الشجاعة والتفاؤل . ولكن إلى أن يرث المستضعفون الأرض ، وتسرح الجيوش ، ويرعى الحمل آمناً بجوار الذئب ، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر ، إلى أن يأتي زمان السعادة والحب هذا ، سأظل أنا أعبر عن نفسي بهذه الطريقة الملتوية . وحين أصل لاهثاً قمة الجبل ، وأغرس البيرق ، ثم ألتقط أنفاسي وأستجم تلك يا سيدتي نشوة أعظم عندي من الحب ، ومن السعادة . ولهذا ، فأنا لا أنوي بك شراً ، إلا بقدر ما يكون البحر شريراً ، حين تتحطم السفن على صخوره ، وبقدر ما تكون الصاعقة شريرة حين تشق الشجرة نصفين . وتركزت الفكرة الأخيرة في رأسي ، بشعيرات على ذراعها الأيمن ، قريباً من الرسغ ، ولاحظت أن شعر ذراعيها أكثف مما هو عند النساء عادة وقادني هذا إلى شعر آخر . لابد أنه ناعم غزير مثل نبات السعدة على حافة الجدول . وكأنما سرت الفكرة من ذهني إليها ، فاعتدلت في جلستها وقالت : ( ما بالك تبدو حزيناً ؟ ) . ( هل أبدو حزيناً ؟ أنا على العكس ، سعيد جداً ) . وعادت النظرة الحانية إلى عينيها ، ومدت يدها فأمسكت

يدي وقالت . ( هل تدري أن أمي أسبانية ؟ ) .

( هذا إذن يفسر كل شيء . يفسر لقاءنا صدفة ، وتفاهمنا تلقائياً ، كأننا تعارفنا منذ قرون . لا بد أن جدي كان جندياً في جيش طارق ابن زياد . ولا بد أنه قابل جدتك ، وهي تجني العنب في بستان في اشبيلية . ولا بد أنه أحبها من أول نظرة ، وهي أيضاً أحبته . وعاش معها فترة ثم تركها وذهب إلى أفريقيا . وهناك تزوج . وخرجت أنا من سلالته في أفريقيا . وأنت جئت من سلالته في أسبانيا ) .

هذا الكلام ، والضوء الخافت أيضاً والنبيذ ، أسعدها ، فقرقرت لهاتها بالضحك وقالت : ( يا لك من شيطان ) .

وتخيلت برهة . لقاء الجنود العرب لأسبانيا . مثلي في هذه اللحظة ، أجلس قبالة ايزابيلا سيمور ، ظمأ جنوني تبدد في شعاب التاريخ في الشمال . إنما أنا لا أطلب المجد ، فمثلي لا يطلب المجد .

وأدرت مفتاح الباب بعد شهر من حمى الرغبة ، وهي إلى جانبي ، أندلس خصب ، وقدتها بعد ذلك عبر الممر القصير إلى غرفة النوم ، ولفحتها رائحة الصندل المحروق والند ، فملأت رئتيها بعبير لم تكن تعلم أنه عبير قاتل . كنت تلك الأيام ، حين تصبح القمة مني على مد الذراع ، يعتريني هدوء تراجيدي . كل الحمى والوجيب في القلب ، والتوتر في العصب ،

يتحول إلى هدوء جراح وهو يشق بطن المريض . وكنت أعلم أن الطريق القصير الذي سرناه معاً إلى غرفة النوم ، كان بالنسبة لها طريقاً مضيئاً ، يعبق بعبير التسامح والمحبة ، وكان بالنسبة لي الخطوة الأخيرة ، قبل الوصول إلى قمة الأنانية . وتريثت عند حافة الفراش ، كأنني الخص تلك اللحظة في ذهني ، وألقيت نظرة موضوعية على الستائر الوردية والمراءات الكبيرة ، والأضواء الحذرة في أركان الحجرة ، ثم على تمثال البرونز المكتمل التكوين أمامي . ونحن في قمة المأساة صرخت بصوت ضعيف : ( لا . لا ) . هذا لا يجديك نفعاً الآن . لقد ضاعت اللحظة الخطيرة حين كان بوسعك الامتناع عن اتخاذ الخطوة الأولى . إنني أخذتك على غرة ، وكان بوسعك حينئذ أن تقولي ( لا ) . أما الآن فقد جرفك تيار الأحداث ، كما يجرف كل إنسان ، ولم يعد في مقدورك فعل شيء . لو أن كل إنسان عرف متى يمتنع عن إتخاذ الخطوة الأولى ، لتغيرت أشياء كثيرة . هل الشمس شريرة حين تحيل قلوب ملايين البشر إلى صحاري تتعارك رمالها ويجف فيها حلق النعدليب ؟ وتريثت وأنا أمسح براحة يدي ظاهر عنقها ، وأقبلها في منابع الإحساس . ومع كل لمسة ، مع كل قبلة أحس أن عضلة في جسدها ترتخي ، وتألق وجهها ولمعت عيناها ببريق خاطف ، واستطالت نظراتها كأنها تنظر إلي فتراني رمزاً ليس حقيقة . وسمعتها تقول لي بصوت متضرع مستسلم : ( أحبك ) ، فجاوب صوتها هتاف ضعيف في أعماقي ..

وعيي يدعوني أن أقف . لكن القمة صارت على بعد خطوة ، وبعد ذلك التقط أنفاسي وأستجم . ونحن في قمة الألم عبرت برأسي سحائب ذكريات بعيدة قديمة كبخار يصعد من بحيرة مالحة وسط الصحراء . وانفجرت هي ببكاء ممض محرق ، واستسلمت أنا إلى نوم متوتر محموم .

كانت ليلة قائظة من ليالي شهر يوليو ، وكان النيل قد فاض ذلك العام أحد فيضاناته تلك ، هي تحدث مرة كل عشرين أو ثلاثين سنة ، وتصبح أساطير يحدث بها الآباء ابناءهم . وغمر الماء أغلب الأرض الممتدة بين الشاطئ وطرف الصحراء حيث تقوم البيوت ، وبقيت الحقول كجزيرة وسط الماء . وكان الرجال يتنقلون بين البيوت والحقول في قوارب صغيرة ، أو يقطعون المسافة سباحة ، وكان مصطفى سعيد حسب علمي يجيد السباحة . حدثني ابي ، فقد كنت في الخرطوم وقتها ، أنهم سمعوا بعد صلاة العشاء صراخ نسوة في الحي ، فهرعوا إلى مصدر الصوت فإذا الصراخ في دار مصطفى سعيد . كان من عادته أن يعود من حقله مع مغيب الشمس ، ولكن زوجته انتظرت دون جدوى . وذهبت تسأل عنه هنا وهناك ، فاخبروها أنهم رأوه في حقله والبعض ظن أنه عاد إلى بيته مع بقية الرجال . وانكبت البلد كلها على الشاطئ . الرجال في أيديهم المصابيح وبعضهم في القوارب . وظلوا

يبحثون الليل كله دون جدوى . وأرسلوا إشارات تليفونية إلى مركز البوليس على إمتداد النيل حتى كرمه . ولكن الجثث التي حملها الموج إلى الشاطئ ذلك الأسبوع لم تكن بينها جثة مصطفى سعيد . وفي النهاية أخلدوا إلى الرأي أنه لا بد قد مات غرقاً ، وأن جثمانه قد استقر في بطون التماسيح التي يغص بها الماء في تلك المنطقة .

أما أنا ، فإنه يخامرني ذلك الإحساس الذي اعتراني ليلة سمعته ، فجأة وعلى غير استعداد مني ، يقرأ شعراً إنكليزياً ، وهو ممسك كأس الخمر بيده ، دافناً قامته في الكرسي ، ممدداً رجليه ، ضوء المصباح ينعكس على وجهه ، وعيناه سارحتان كما خير لي في آفاق داخل نفسه . والظلام حولنا في الخارج كأن قوى شيطانية تتضافر على خنق ضوء المصباح . أحياناً تخطر لي فجأة تلك الفكرة المزعجة أن مصطفى سعيد لم يحدث إطلاقاً ، وأنه فعلاً أكذوبة ، أو طيف أو حلم ، أو كابوس ، ألم بأهل القرية تلك ، ذات ليلة داكنة خانقة ، ولما فتحوا أعينهم مع ضوء الشمس لم يروه .

كان الليل قد بقي أقله حين قمت من عند مصطفى سعيد ، وخرجت وأنا أشعر بالتعب ربما من طول الجلوس ومع ذلك لم أكن أرغب في النوم ، فمضيت أتسكع في شوارع البلد الضيقة المتعرجة ، تلامس وجهي نسمات الليل الباردة التي تهب من الشمال محملة بالندى ، محملة برائحة زهور الطلح وروث البهائم ، ورائحة الأرض التي رويت لتوها بالماء بعد ظمأ أيام ، رائحة

قناديل الذرة في منتصف نضجها ، وعبير أشجار الليمون ، كان البلد كعادته صامتاً في تلك الساعة من الليل ، إلا من طقطقة مكنة الماء على الشاطئ ونباح كلب من حين لآخر ، وصياح ديك منفرد أحسن بالفجر قبل الأوان ، يحاربه صياح ديك آخر ، ثم يخيم الصمت . ومررت ببيت ود الريس الوطيء عند منعطف الدرب ، فرأيت من الطاقة الصغيرة ضوءاً خافتاً ، وسمعت زوجة ود الريس تصرخ باللذة . وأحسست بالخجل لأنني أطلعت على أمر لم يكن من حقي أن أطلع عليه . لم يكن يحق لي أن أظل يقظاً أتسكع في شوارع البلد ، وبقية الناس في أسرتهم ، إنني أعرف هذه القرية شارعاً شارعاً ، وبيتاً بيتاً ، وأعرف أيضاً القباب العشر وسط المقبرة في طرف الصحراء أعلى البلد . والقبور أيضاً ، أعرفها واحداً واحداً ، زرتها مع أبي وزرتها مع أمي وزرتها مع جدي ، وأعرف ساكنيها الذين ماتوا قبل أو يولد أبي والذين ماتوا بعد ولادتي . وقد شيعت مع المشيعين منهم أكثر من مائة ، أساعد في حفر التربة ، وأقف على حافة القبر في زحام الناس ريثما يوسد الميت بحجارته ، وأهيل التراب . فعلت ذلك مع أهل البلد في الصباح ، وفي حمارة القيظ أشهر الصيف ، وبالليل في أيدينا المصابيح . والحقول أيضاً أعرفها ، منذ كانت سواقي ، وأيام القحط حين هجرها الرجال وتحولت الأرض الخصبة أرضاً بلقعاً تسفوها الريح . ثم جاءت مكنات الماء وجاءت الجمعيات التعاونية ، وعاد من نزح من الرجال ، وعادت الأرض كما كانت ، تنتج الذرة في الصيف والقمح في ..

الشتاء . كل هذا رأيته منذ فتحت عيني على الحياة ، ولكنني أبداً لم أرَ القرية في مثل هذه الساعة في أواخر الليل . لا بد أن تلك النجمة الكبيرة الزرقاء المتوهجة هي نجمة الصباح . السماء تبدو أقرب إلى الأرض في مثل هذه الساعة ، قبيل الفجر ، والبلد يلفها ضوء باهت يجعلها كأنها معلقة بين السماء والأرض . وتذكرت وأنا أعبر رقعة الرمل التي تفصل بين بيت ود الريس وبيت جدي ، تلك الصورة التي رسمها مصطفى سعيد ، مناغاة ود الريس مع زوجته . فخذان بيضاوان مفتوحتان . ووصلت عند بيت جدي فسمعته يتلو أوراده استعداداً لصلاة الصبح . ألا ينام أبداً ؟ صوت جدي يصل ، كان آخر صوت أسمعه قبل أن أنام وأول صوت أسمعه حين أستيقظ . وهو على هذه الحال لا أدري كم من السنين كأنه شيء ثابت وسط عالم متحرك ، وأحسست فجأة بروحي تنتعش كما يحدث أحياناً اثر إرهاق طويل ، وصفا ذهني ، وتبخرت الأفكار السوداء التي أثارها حديث مصطفى سعيد . البلد الآن ليس معلقاً بين السماء والأرض ، ولكنه ثابت ، البيوت ثابتة ؟ والشجر ، شجر ، والسماء صافية ولكنها بعيدة . هل كان من المحتمل أن يحدث لي ما حدث لمصطفى سعيد ؟ قال إنه أكذوبة ؟ فهل أنا أيضاً أكذوبة ؟ إنني من هنا . أليست هذه حقيقة كافية ؟ لقد عشت أيضاً معهم ، ولكنني عشت معهم على السطح ، لا أحبهم ولا أكرههم . كنت أطوي ضلوعي على هذه القرية الصغيرة ،

أراها بعين خيالي أينما التفت . أحياناً في أشهر الصيف في لندن ، اثر هطلة مطر ، كنت أشم رائحتها . في لحظات خاطفة قبيل مغيب الشمس ، كنت أراها . في أخريات الليل ، كانت الأصوات الأجنبية تصل إلى أذني كأنها أصوات أهلي هنا . أنا ، لا بد ، من هذه الطيور التي لا تعيش إلا في بقعة واحدة من العالم . صحيح أنني درست الشعر ، بيد أن هذه لا يعني شيئاً . كان من الممكن أن أدرس الهندسة أو الزراعة أو الطب . كلها وسائل لكسب العيش . الوجوه هناك ، كنت أتخيلها ، قمحية أو سوداء ، فتبدو وجوهاً لقوم أعرفهم . هناك مثل هنا ، ليس أحسن ولا أسوأ . ولكنني من هنا ، كما أن النخلة القائمة في فناء دارنا ، نبتت في دارنا ولم تنبت في دار غيرها . وكونهم جاءوا إلى ديارنا ، لا أدري لماذا ، هل معنى ذلك أننا نسمم حاضرنا ومستقبلنا إنهم سيخرجون من بلادنا إن عاجلاً أو آجلاً ، كما خرج قوم كثيرون عبر التاريخ من بلاد كثيرة . سكك الحديد ، والبواخر ، والمستشفيات والمصانع ، والمدارس ، ستكون لنا ، وسنتحدث لغتهم ، دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل . سنكون كما نحن ، قوم عاديون ، وإذا كنا أكاذيب ، فنحن أكاذيب من صنع أنفسنا .

مثل هذه الأفكار أوصلتني إلى فراشي ، وصاحبتني بعد ذلك إلى الخرطوم حيث تسلمت عملي في مصلحة المعارف .

مات مصطفى سعيد منذ عامين ولكنني ما أفتأ أقابله من حين ..

لآخر . لقد عشت خمسة وعشرون عاماً ، وأنا لم أسمع به ولم اره . ثم ، هكذا فجأة أجده في مكان لا يوجد فيه أمثاله . وإذا بمصطفى سعيد ، رغم إرادتي ، جزء من عالمي ، فكرة في ذهني ، طيف لا يريد أن يمضي في حال سبيله . وإذا إحساس بعيد بالخوف ، بأنه من الجائز ألا تكون البساطة هي كل شيء . مصطفى سعيد قال إن جدي يعرف السر . الشجرة تنمو ببساطة ، وجدك عاش وسيموت ببساطة . هكذا . لكن هب أنه كان يسخر من بساطتي ؟ في رحلة بالقطار بين الخرطوم والأبيض ، كان معي في نفس القمرة موظف متقاعد . حين تحرك القطار من كوستي كان الحديث قد وصل بنا إلى أيام دراسته . وعلمت منه أن عدداً من رؤسائي في وزارة المعارف كانوا معاصريه في المدرسة ، وبعضهم كان يزامله في نفس الفصل . ومضى الرجل يذكر أن فلاناً في وزارة الزراعة كان زميله ، والمهندس فلان كان في الفصل الذي أمامه ، وفلاناً ، التاجر الذي اغتنى أيام الحرب ، كان من أبلد خلق الله في فصلهم ، والجراح الشهير فلاناً كان أحسن جناح أيمن في المدرسة كلها أيامهم . وفجأة رأيت وجه الرجل يضيء ، وعينيه تلمعان ، وقال في صوت متحمس منفعل : ( غريبة . تصور أنني نسيت أنبغ تلميذ في فصلنا ولم يخطر على بالي منذ ترك المدرسة . الآن فقط تذكرته . نعم ، مصطفى سعيد ) .

مرة أخرى ذلك الإحساس ، بأن الأشياء العادية أمام ..

عينيك تصبح غير عادية . رأيت نافذة القمرة وبابها يلتقيان ، وخيل لي أن الضوء المنعكس على نظارة الرجل ، في لحظة لا تريد عن طرفة العين ، يتوهج توهجاً خاطفاً كأنه شمس في رابعة النهار . ولا بد أن الدنيا في تلك اللحظة بدت مختلفة بالنسبة للمأمور المتقاعد أيضاً ، إذ أن تجربة كاملة كانت خارج وعيه أصبحت فجأة في متناول اليد . حين رأيت وجهه أول مرة ، قدرت أنه في منتصف الستين . وأنظر إليه الآن وهو يستطرد في سرد ذكرياته البعيدة ، فأرى رجلاً لا يزيد يوماً واحداً عن الأربعين .

( نعم ، مصطفى سعيد كان أنبغ تلميذ في أيامنا . كنا في فصل واحد . كان يجلس في الصف الذي أمام صفنا مباشرة . ناحية اليسار . يا للغرابة ، كيف لم يخطر على بالي قبل الآن مع أنه كان معجزة في ذلك الوقت ؟ كان أشهر طالب في كلية غردون ، أشهر من أعضاء التيم لكرة القدم ، ورؤساء الداخليات ، والخطباء في الليالي الأدبية ، والكتاب في جرائد الحائط ، والممثلين الذائعي الصيت في فرق الدراما . لم يكن له نشاط من هذا القبيل إطلاقاً . كان منعزلاً ومتعالياً ، يقضي أوقات فراغه وحده ، إما في القراءة أو في المشي مسافات طويلة . كنا جميعاً داخليين تلك الأيام ، في كلية غردون حتى أبناء العاصمة المثلثة . كان نابغة في كل شيء ، لم يوجد شيء يستعصي على ذهنه العجيب . كان المدرسون يكلموننا بلهجة ويكلمونه هو بلهجة أخرى . خصوصاً مدرسو

اللغة الإنجليزية ، كانوا كأنما يلقون الدرس له وحده دون بقية التلاميذ . )

وصمت الرجل برهة ، فأحسست برغبة شديدة أن أقول إنني أعرف مصطفى سعيد ، وإن الظروف ألقت بي في طريقه ، فقص علي ، ذات ليلة مظلمة قائظة ، قصة حياته ، وإنه قضى آخر أيامه في قرية مغمورة الذكر عند منحنى النيل ، وإنه مات غرقاً ، وربما انتحاراً ، وجعلني أنا دون سائر الناس وصياً على ولديه . لكنني لم أقل شيئاً ، إنما المأمور المتقاعد هو الذي استطرد :

قطع مصطفى سعيد مرحلة التعليم في السودان قفزاً كان بالفعل كأنه يسابق الزمن . وبينما ظللنا نحن بعده في كلية غردون ، أرسل هو في بعثة إلى القاهرة وبعدها إلى لندن . كان أول سوداني يرسل في بعثة إلى الخارج . كان ابن الإنكليز المدلل . وكنا جميعاً نحسده ، ونتوقع أن يصير له شأن عظيم . نحن كنا ننطق الكلمات الإنكليزية كأنها كلمات عربية . لا نستطيع أن نسكن حرفين متتاليين . أما مصطفى سعيد فقد كان يعوج فمه ، ويمط شفتيه ، وتخرج الكلمات من فمه كما تخرج من أفواه أهلها . كان ذلك يملؤنا غيظاً وإعجاباً في الوقت نفسه . وكنا نطلق عليه ، بخليط من الإعجاب والحقد ( الإنكليزي الأسود) . وعلى أيامنا ، كانت اللغة الإنكليزية هي مفتاح المستقبل لا تقوم لأحد قائمة بدونها . كلية غردون كانت مدرسة إبتدائية . كانوا يعطونها من العلم ما يكفي فقط لملء ..

الوظائف الحكومية الصغرى أول ما تخرجت ، اشتغلت محاسباً في مركز الفاشر . وبعد جهد جهيد قبلوا أن أجلس لإمتحان الإدارة . وقضيت ثلاثين عاماً نائب مأمور . تصور . وقبل أن أحال على المعاش بعامين اثنين فقط رقيت مأموراً . كان مفتش المركز الإنكليزي إلهاً يتصرف في رقعة أكبرى من الجزر البريطانية كلها ، يسكن في قصر طويل عريض مملوء بالخدم ومحاط بالجند . وكانوا يتصرفون كالآلهة . يسخروننا نحن الموظفين الصغار أولاد البلد لجلب العوائد ، ويتذمر الناس منا ويشكون إلى المفتش الإنكليزي . وكان المفتش الإنكليزي طبعاً هو الذي يغفر ويرحم . هكذا غرسوا في قلوب الناس بغضنا ، نحن أبناء البلد ، وحبهم هم المستعمرون الدخلاء . وتأكد من كلامي هذا يا بني . ألم تستقل البلد الآن ؟ ألم نصبح أحراراً في بلادنا ؟ تأكد أنهم احتضنوا أرذال الناس . أرذال الناس هم الذين تبوأوا المراكز الضخمة أيام الإنكليز . كنا واثقين أن مصطفى سعيد سيصير له شأن يذكر . كان أبوه من العبايدة ، القبيلة التي تعيش بين مصر والسودان . إنهم الذين هربوا سلاطين باشا من أسر الخليفة عبدالله التعايشي ، ثم بعد ذلك عملوا رواداً لجيش كتشنر حين استعاد فتح السودان . ويقال أن أمه كانت رقيقاً من الجنوب . من قبائل الزاندي أو الباريا ، الله أعلم . الناس الذين ليس لهم أصل ، هم الذين تبوأوا أعلى المراتب أيام الإنكليز ) .

وكان المأمور المتقاعد يغط في نوم مريح ، حين مر القطار

على خزان سنار ، الخزان الذي بناه الإنكليز عام 1926 ، متجهاً غرباً إلى الأبيض ، على خط حديدي وحيد ، ممتد عبر الصحراء ، كأنه جسر من الحبال بين جبلين شرسين ، بينهما هوة سحيقة ليس لها قرار . مسكين مصطفى سعيد . كان مفروضاً أن يكون له شأن بمقاييس المفتشين والمآمير . ولكنه لم يجد متى قبراً يريح جسده ، في هذا القطر الممتد مليون ميل مربع . وتذكرت ما قاله أن القاضي قبل أن يصدر عليه الحكم في الأولد بيلي قال له : ( إنك يا مستر مصطفى سعيد ، رغم تفوقك العلمي ، رجل غبي . إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة ، لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس : طاقة الحب ) . وتذكرت أيضاً أنني حين خرجت من بيت مصطفى سعيد تلك الليلة ، كان القمر الماحق قد ارتفع مقدار قامة الرجل في الأفق الشرقي ، وأنني قلت في نفسي أن القمر مقلم الأظافر . لا أدري لماذا خيل لي أن القمر مقلم الأظافر ؟ .

في الخرطوم أيضاً ، عرض لي طيف مصطفى سعيد ، بعد محادثتي مع المأمور المتقاعد بأقل من شهر ، كأنه جن أطلق من سجنه ، سيظل بعد ذلك يوسوس في آذان البشر ، ليقول ماذا ؟ لا أدري . كنا في بيت شاب سوداني يحاضر في الجامعة ، كنا أنا وهو زملاء دراسة في انكلترا . وكان بين الحاضرين رجل إنكليزي يعمل في وزارة المالية . وصل بنا الحديث إلى موضوع الزواج المختلط . وتحول الحديث من نقاش ..

عمومي إلى كلام عن حالات محددة . ثم من هم المتزوجون من أوربيات ؟ لا . فلان ؟ لا . وفجأة .. مصطفى سعيد . قالها الشاب المحاضر في الجامعة ، وعلى وجهه إحساس الفرح ذاته الذي لمحته على وجه المأمور المتقاعد . ومضى الشاب يقول ، تحت سماء الخرطوم المرصعة بالنجوم في أوائل فصل الشتاء : ( مصطفى سعيد كان أول سوداني تزوج إنكليزية ، بل أنه كان أول سوداني تزوج أوروبية إطلاقاً . أظن أنكم لم تسمعوا به ، فقد نزح من زمن تزوج في إنكلترا وتجنس بالجنسية الإنكليزية . غريب أن أحداً هنا لا يذكره ، مع أنه قام بدور خطير في مؤامرات الإنكليز في السودان في أواخر الثلاثينات . إنه من أخلص أعوانهم . وقد استخدمته وزارة الخارجية البريطانية في سفارات مريبة في الشرق الأوسط . وكان من سكرتيري المؤتمر الذي انعقد في لندن سنة 1936 . إنه الآن مليونير ، ويعيش كاللوردات في الريف الإنكليزي ) .

( وسمعت نفسي أقول دون وعي ، بصوت مسموع : مصطفى سعيد ترك ، بعد موته ، ستة أفدنة ، وثلاثة بقرات وثوراً ، وحمارين ، وإحدى عشرة عنزاً ، وخمس نعجات ، وثلاثين نخلة ، وثلاثاً وعشرين شجرة بين سنط وطلح وحراز ، وخمساً وعشرين شجرة ليمون ومثالها برتقال ، وتسعة أرادب قمح وتسعة ذرة ، وبيتاً مكوناً من خمس غرف ، وديوان ، وغرفة واحدة من الطوب الأحمر ، مستطيلة الشكل ، ذات ..

نوافذ خضراء ، سقفها ليس مسطحاً كبقية الغرف ولكنه مثلث كظهر الثور ، وتسعماية وسبعة وثلاثين جنيهاً وثلاثة قروش وخمسة ملاليم نقداً ) .

وفي لحظة لا تزيد عن مقدار ما يشيل البرق ثم يختفي ، رأيت في عيني الشاب الجالس قبالتي شعوراً واضحاً حياً ملموساً ، بالذعر رأيته في اتساع حدق العينين ، وارتعاش الجفن وارتخاء الفك الأسفل . إذا لم يكن خائفاً فلماذا سألني هذا السؤال : ( هل أنت ابنه ؟ ) .

سألني هكذا دون أن يدري هو الآخر لماذا نطق بهذه الكلمات الثلاث ، وهو يعلم تمام العلم من أنا . إنه لم يكن زميلي في الدراسة ، لكننا كنا في إنجلترا في وقت واحد ، وقد جمعتنا مناسبات عدة وشربنا البيرة أكثر من مرة معاً ، في حانات نايتسبردج . هكذا في لحظة خارج حدود الزمان والمكان ، تبدو له الأشياء هو الآخر ، غير حقيقية . يبدو له كل شيء محتملاً . هو أيضاً قد يكون ابن مصطفى سعيد ، أو أخاه أو ابن عمه . العالم في تلك اللحظة القصيرة ، بمقدار ما يطرف جفن العين ، احتمالات لا حصر لها ، كأن آدم وحواء سقطا لتوهما من الجنة .

كل تلك الاحتمالات استقرت على حال واحد حين ضحكت وعاد العالم كما كان ، أشخاصاً ذوي وجوه معروفة وأسماء معروفة ومهن معروفة ، تحت سماء الخرطوم المرصعة بالنجوم أوائل فصل الشتاء . ضحك هو الآخر وقال : ( يا لي من ..

مجنون ! طبعاً أنت لست إبن مصطفى سعيد ولا قريبه وأنت لم تسمع به من قبل في حياتك ، إنني نسيت أنكم معشر الشعراء ، لكم سرحات وشطحات ) .

وفكرت في شيء من المرارة ، أنني في زعم الناس شاعر سواء أردت أو لم أرد ، لأنني قضيت ثلاثة أعوام أنقب في حياة شاعر مغمور من شعراء الإنكليز ، وعدت لأدرس الأدب الجاهلي في المدارس الثانوية قبل أن يرقوني مفتشاً للتعليم الإبتدائي .

وهنا تدخل الرجل الإنكليزي وقال أنه لا يدري صحة ما قيل عن الدور الذي لعبه مصطفى سعيد في مؤامرات السياسة الإنكليزية في السودان . الذي يعلله أن مصطفى سعيد لم يكن إقتصادياً يركن إليه : ( إنني قرأت بعض ما كتب عما أسماه اقتصاد الإستعمار ) . الصفة الغالبة على كتاباته أن إحصائياته لم يكن يوثق بها . كان ينتمي إلى مدرسة الإقتصاديين الفابيانيين الذين يختفون وراء ستار التعميم هروباً من مواجهة الحقائق المدعمة بالأرقام . العدالة ، المساواة ، الإشتراكية .. مجرد كلمات . رجل الإقتصاد ليس كاتباً كتشارلز دكنز ، ولا سياسياً كروزفلت . إنه أداة ، آلة ، لا قيمة لها بدون الحقائق والأرقام والإحصائيات . أقصى ما يستطيع أن يفعله هو أن يحدد العلاقة بين حقيقة وأخرى ، بين رقم وآخر . أما أن تجعل الأرقام تقول شيئاً دون آخر ، فذلك شأن الحكام ورجال السياسة . الدنيا ليست في حاجة إلى مزيد من رجال

السياسة ، لا . مصطفى سعيد هذا لم يكن اقتصادية يوثق به ) . وسألته إن كان قد قابل مصطفى سعيد .

( لا . إنني لم أقابله . كان قد ترك أكسفورد قبلي بمدة لكنني سمعت نتفاً هنا وهناك . يظهر أنه كان زير نساء . خلق لنفسه أسطورة من نوع ما . الرجل الأسود الوسيم ، المدلل في الأوساط البوهيمية . كان كما يبدو واجهة يعرضها أفراد الطبقة الارستقراطية الذين كانوا في العشريان وأوائل الثلاثينات يتظاهرون بالتحرر . ويقال أنه كان صديقاً للورد فلان ولورد علان . وكان أيضاً من الأثيرين عند اليسار الإنكليزي . ذلك من سوء حظه ، لأنه يقال أنه كان ذكياً . لا يوجد على وجه الأرض أسوأ من الاقتصاديين اليساريين ، حتى منصبه الأكاديمي لا أدري تماماً ماذا كان يخيل إلي أنه حصل عليه لأسباب من هذا النوع . كأنهم أرادوا أن يقولوا : انظروا كم نحن متسامحون ومتحررون ! هذا الرجل الأفريقي كأنه واحد منا ! أنه تزوج ابنتنا ويعمل معنا على قدم المساواة ، هذا النوع من الأوروبيين لا يقل شراً ، لو تدرون ، عن المجانين الذين يؤمنون بتفوق الرجل الأبيض في جنوبي أفريقيا وفي الولايات الجنوبية في الولايات المتحدة . نفس الطاقة العاطفية المتطرفة ، تتجه إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار ، لو أنه فقط تفرغ للعلم لوجد أصدقاء حقيقيين من جميع الأجناس ، ولكنتم قد سمعتم به هنا . كان قطعاً سيعود وينفع بعلمه هذا البلد الذي تتحكم فيه الخرافات . ها أنتم الآن تؤمنون بخرافات ..

من نوع جديد . خرافة التصنيع ، خرافة التأميم الوحدة العربية خرافة الوحدة الأفريقية . إنكم كالأطفال تؤمنون أن في جوف الأرض كنزاً ستحصلون عليه بمعجزة ، وستحلون جميع مشاكلكم ، وتقيمون فردوساً . أوهام . أحلام يقظة . عن طريق الحقائق والأرقام والإحصائيات ، يمكن أن تقبلوا واقعكم وتتعايشوا معه وتحاولوا التغيير في حدود طاقاتكم . وقد كان بوسع رجل مثل مصطفى سعيد أن يلعب دوراً لا بأس به في هذا السبيل ، ولو أنه لم يتحول إلى مهرج بين يدي حفنة من الإنكليز المعتوهين ) .

وبينما انبرى منصور يفند آراء رتشارد ، أخلدت أنا إلى أفكاري ما جدوى النقاش ؟ هذا الرجل رتشارد هو الآخر متعصب . كل أحد متعصب بطريقة أو بأخرى . لعلنا نؤمن بالخرافات التي ذكرها ، ولكنه يؤمن بخرافة جديدة ، خرافة عصرية ، هي خرافة الإحصائيات . ما دمنا سنؤمن بإله ، فليكن إلهاً قادر على كل شيء . أما الإحصائيات الرجل الأبيض ، لمجرد أنه حكمنا في حقبة من تاريخنا ، سيظل أمداً طويلاً يحس نحونا بإحساس الإحتقار الذي يحسه القوي تجاه الضعيف ) . مصطفى سعيد قال لهم : ( إنني جئتكم غازياً . عبارة ميلودرامية ولا شك . لكن مجيئهم ، هم أيضاً ، لم يكن مأساة كما نصور نحن ، ولا نعمة كما يصورون هم . كان عملاً ميلودرامياً سيتحول مع مرور الزمن إلى خرافة عظمى وسمعت منصور يقول لرتشارد : ( لقد نقلتم إلينا مرض ..

اقتصادكم الرأسمالي . ماذا أعطيتمونا غير حفنة من الشركات الاستعمارية نزفت دماءنا وما تزال ؟ ) . وقال له رتشارد : ( كل هذا يدل على أنكم لا تستطيعون الحياة بدوننا . كنت تشكون من الاستعمار ، ولما خرجنا خلقتم أسطورة الاستعمار المستتر . يبدو أن وجودنا ، بشكل واضح أو مستتر ، ضروري لكم كالماء والهواء ) . ولم يكونا غاضبين . كانا يقولان كلاماً مثل هذا ويضحكان على مرمى حجر من خط الاستواء ، تفصل بينهما هوة تاريخية ليس لها قرار .

لكن أرجو ألا يتبادر إلى أذهانكم ، يا سادتي ، أن مصطفى سعيد أصبح هوساً يلازمني في حلي وترحالي . كانت أحياناً تمر أشهر دون أن يخطر على بالي إنه مات على أي حال ، غرقاً ، أو إنتحاراً ، الله وحده يعلم . آلاف الناس يموتون كل يوم . ولو وقفنا نتمعن لماذا مات كل منهم ، وكيف مات ماذا يحدث لنا نحن الأحياء ؟ الدنيا تسير ، باختيارنا أو رغم أنوفنا . وأنا كملايين البشر ، أسير ، أتحرك بحكم العادة في الغالب ، في قافلة طويلة ، تصعد وتنزل ، تحط وترحل . والحياة في هذه القافلة ليست كلها شراً . أنتم ولا شك تدركون ذلك . قد يكون السير شاقاً بالنهار ، البوادي تترامى أمامنا كبحور ليس لها ساحل . نتصبب عراً . وتجف حلوقنا من الظمأ . ونبلغ الحد الذي نظن أن ليس بعده متقدم . ثم تغيب الشمس . ويبرد الهواء . وتتألق ملايين النجوم في السماء . نطعم ونشرب حينئذ ، ويغني مغني الركب . بعضنا يصلي جماعة وراء الشيخ ، وبعضنا يتحلق حلقات يرقصون ويغنون ..

ويصفقون . وفوقنا سماء دافئة رخيمة . وأحياناً نسري بالليل ما طاب لنا السري ، وحين يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود نقول : ( عند انبلاج الصبح يحمد القوم السري ) . وإذا كان السراب أحياناً يخدعنا ، وإذا كانت رسومنا المحمومة بفعل الحر والعطش تغرر أحياناً بأفكار لا أساس لها من الصحة فلا جرم . أشباح الليل تتبخر مع الفجر ، وحمى النهار تبرد مع نسيم الليل . هل ثمة وسيلة أخرى غير هذه ؟ هكذا كنت أقضي شهرين كل سنة في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل . النهر بعد أن كان يجري من الجنوب إلى الشمال ، ينحني فجأة في زاوية تكاد تكون مستقيمة ، ويجري من الغرب إلى الشرق . المجرى هنا متسع وعميق ، ووسط الماء جزر صغيرة مخضرة ، تحوم عليها طيور بيضاء . وعلى الشاطئين غابات كثيفة من النخل ، وسواقي دائرة ، ومكنة ماء من حين لآخر . الرجال صدورهم عارية ، يلبسون سراويل طويلة ، يقطعون أو يزرعون حين تمر بهم الباخرة كقلعة عائمة وسط النيل يرفعون قاماتهم ويلتفتون إليها برهة ثم يعودون إلى ما كانوا فيه . إنها تمر على هذا المكان وقت الضحى ، مرة في الأسبوع ، وما تزال في ظلال النخل المنعكسة على الماء بقية تنكسر حين يهزها الموج الذي تحدثه محركات الباخرة .

وتنطلق صفارة مبحوحة ، سيسمعها أهلى ولا شك في دورهم وهم يشربون قهوة الضحى . من بعيد تبدو المحطة . رصيف أبيض عليه طابور من شجر الجميز . وتلمح علي الشاطئين حركة ..

واضحة . بعض الناس على الحمير وبعضهم على أقدام ، وقوارب ومراكب شراعية تتحرك من الشاطئ المقابل للمحطة . تدور الباخرة حول نفسها ، لكي لا تكون المحركات في مجرى التيار ، ويكون في استقبالها جمهور متوسط من الرجال والنساء . ذلك أبي وأولئك أعمامي وأولاد أعمامي وقد ربطوا حميرة في شجر الجميز . لا يفصل ضباب بيني وبينهم هذه المرة ، فأنا قادم من الخرطوم ، فقط ، بعد غيبة لم تدم أكثر من سبعة أشهر . إنني أراهم بعين واقعية . جلابيبهم نظيفة ولكنها غير مكوية ، وعمائمهم أكثر بياضاً من جلابيبهم ، شواربهم تتفاوت طولاً وقصراً ، سواداً وبياضاً . بعضهم له لحى ، والذين ليست لهم لحى أهملوا حلاقتها . بين حميرهم حمارة سوداء لم أرها من قبل . ينظرون إلى الباخرة دون إكتراث إذ تلقي مراسيها ويزدحم الناس عند مدخلها . إنهم ينتظرونني في الخارج ، لا يهرولون لملاقاتي . ويصافحونني ويصافحون زوجتي على عجل ، ولكنهم يمطرون الطفلة قبلاً ، يتناوبون حملها على أيديهم ، ريثما تحملنا الحمير إلى الحي . هذا حالي منذ كنت تلميذاً في المدرسة ، لم أنقطع إلا في غيبتي الطويلة تلك سبق أن حدثتكم عنها . وفي الطريق إلى الحي أسألهم عن الحمارة السوداء فيقول أبي : ( إعرابي غش عمك وأخذ منه حمارته البيضاء التي تعرفها وفوقها خمسة جنيهات أيضاً ) . ولا أدري أي أعمامي غشه الإعرابي ، حتى أسمع صوت عمي عبدالكريم يقول : ( علي الطلاق هذه أجمل حمارة في البلد ..

كلها . هذه جواد وليست حمارة . إذا شئت وجدت من يعطيني فيها ثلاثين جنيهاً ) . ويضحك عمي عبدالرحمن ويقول : ( إذا كانت جواداً فهي جواد عاقر . لا خير في حمارة لا تلد ) . وأسألهم عن محصول التمر هذا العام وأنا أعلم إجابتهم سلفاً : ( لا خير فيه ) . يقولون ذلك بصوت واحد وكل سنة الإجابة نفساه ، وأنا أدرك أن الأمر خلاف ما يزعمون . ونمر ببناء من الطوب الأحمر على ضفة النيل في منتصف تمامه ، وأسألهم عنه ، فيقول عمي عبدالمنان ( شفخانة لهم حول لا يستطيعون بناءها . حكومة كلام فارغ ) . وأقول له إنني كنت هنا منذ سبعة أشهر فقط ، ولم يكونوا قد بدأوا بناءها بعد . لكن هذا لا يثني عمي عبدالمنان ، فيقول : ( كل الذي يفلحون فيه يجيئون إلينا مرة كل عامين أو ثلاثة بجماهيرهم ولواريهم ولافتاتهم .. يعيش فلان ويسقط علان . كنا مرتاحين أيام الإنكليز من هذه الدوشة ) . وبالفعل يمر بنا جمع من الناس في لوري قديم وهم يهتفون : ( عاش الحزب الوطني الديمقراطي الإشتراكي ) . هل هؤلاء الناس يطلق عليهم ( الفلاحون ) في الكتب ؟ لو قلت لجدي أن الثورات تصنع بإسمه ، والحكومات تقوم وتقعد من أجله ، لضحك . الفكرة تبدو شاذة فعلاً ، كما أن حياة مصطفى سعيد وموته في مكان مثل هذا يبدو شيئاً صعباً تصديقه . مصطفى سعيد كان يحضر الصلوات في المسجد بانتظام . لماذا كان يبالغ في تمثيل ذلك الدور المضحك ؟ هل جاء إلى هذه القرية النائية يطلب راحة البال ؟ لعل الإجابة في تلك الغرفة المستطيلة ذات النوافذ الخضراء . ماذا أتوقع ؟ هل أتوقع أن أجده جالساً على كرسي وحده في الظلام ؟ أم أتوقع أن أجده معلقاً من رقبته بحبل يتدلى من السقف ؟ والرسالة التي تركها في ظرف مختوم بالشمع الأحمر ، متى كتبها ؟

( إنني أترك زوجتي وولدي وكل مالي من متاع الدنيا في ذمتك ، وأنا أعلم أنك ستكون أميناً على كل شيء . زوجتي تعلم بكل مالي ، وهي حرة التصرف . إني واثق بحكمتها . ولكنني أطلب منك أن تؤدي هذه الخدمة لرجل لم يسعد بالتعرف إليك كما ينبغي أن تشمل أهل بيتي برعايتك وأن تكون عوناً ومشيراً ونصيحاً لولدي ، وأن تجنبهما ما استطعت مشقة السفر . جنبهما مشقة السفر . وساعدهما أن ينشآ نشأة عادية ويعملا عملاً مفيداً . وأنا أترك لك مفتاح غرفتي الخاصة ولعلك تجد فيها ما تبحث عنه . أنا أعلم أنك تعاني من رغبة استطلاع مفرطة بشأني ، الأمر الذي أجد له مبرراً . فحياتي مهما كان من أمرها ليس فيها عظة أو عبرة لأحد . ولولا إدراكي أن معرفة أهل القرية بماضي كان سيعوقني عن مواصلة الحياة التي اخترتها لنفسي بينهم ، لما كان ثمة مبرر للكتمان . وأنت في حل من العهد الذي قطعته على نفسك تلك الليلة . فتحدث ما شئت . وإذا لم تستطع أن تقاوم رغبة الاستطلاع في نفسك ، فستجد في تلك الغرفة ، التي لم يدخلها غيري من قبل ، قصاصات ورق وشذوراً متفرقة ومحاولات لكتابة مذكرات وغير ذلك . أرجو على أي حال أن تساعدك على تزجية الساعات التي لا تجد وسيلة أفضل لقضائها . وأنا أترك لك تقدير الوقت المناسب لتعطي ولدي مفتاح الغرفة وتساعدهما على إدراك حقيقة أمري . إنه يهمني أن يعلما أي نوع من الناس كان أبوهما إذا كان ذلك ممكناً أصلاً وليس هدفي أن يحسنا بي الظن ، حسن الظن هو آخر ما أرمي إليه ولكن لعل ذلك يساعدهما على معرفة حقيقتهما ، ولكن في وقت لا تكون المعرفة فيه خطراً . إذا نشآ مشبعين بهواء هذا البلد وروائحه وألوانه وتاريخه ووجوه أهله وذكريات فيضاناته وحصاداته وزراعاته فإن حياتي ستحتل مكانها الصحيح كشيء له معنى إلى جانب معان كثيرة أخرى أعمق مدلولاً . لا أدري كيف يفكران في حينئذ . قد يحسان نحوي بالرثاء ، وقد يحولانني بخيالهما إلى بطل . هذا ليس مهماً . المهم أن حياتي لن تجيء من وراء المجهول كروح شريرة تلحق بهما الضرر . وكم كنت أتمنى أن أظل معهما ، أراقبهما يكبران أمام عيني ويكونان على الأقل مبرراً لوجودي . إنني لا أدري أي العملين أكثر أنانية ، بقائي أم ذهابي . ومهما يكن فإنه لا حيلة لي ، ولعلك تدرك قصدي إذا عدت بذاكرتك إلى ما قلته لك تلك الليلة . لا جودى من خداع النفس . ذلك النداء البعيد لا يزال يتردد في أذني . وقد ظننت أن حياتي وزواجي هنا سيسكتانه . ولكن لعلي خلقت هكذا ، أو أن مصيري هكذا ، مهما يكن معنى ذلك ، لا أدري . إنني أعرف بعقلي ما يجب فعله ، الأمر الذي جربته في هذه القرية ، مع هؤلاء القوم السعداء . ولكن أشياء مهمة في روحي وفي دمي تدفعني إلى مناطق بعيدة تتراءى لي ولا يمكن تجاهلها . واحسرتي إذا نشأ ولداي ، أحدهما أو كلاهما ، وفيهما جرثومة هذه العدوى ، عدوى الرحيل . إنني أحملك الأمانة لأنني لمحت فيك صورة عن جدك . لا أدري متى أذهب يا صديقي ولكنني أحس أن ساعة الرحيل قد أزفت ، فوداعاً ) .

إذا كان مصطفى سعيد قد اختار النهاية ، فإنه يكون قد قام بأعظم عمل ميلودرامي في رواية حياته . وإذا كان الإحتمال الآخر هو الصحيح ، فإن الطبيعة تكون قد منت عليه بالنهاية التي كان يرديها لنفسه . تصور عز الصيف في شهر يوليو العتيد . النهر اللامبالي فاض كما لم يفض منذ ثلاثين عاماً . الظلام يصهر عناصر الطبيعة جميعاً في عنصر واحد محايد ، أقدم من النهر ذاته وأقل منه اكتراثاً هكذا يجب أن تكون نهاية هذه البطل . إنما هل هي فعلاً النهاية التي كان يبحث عنها لعله كان يرديها في الشمال ، الشمال الأقصى ، في ليلة جليدية عاصفة ، تحت سماء لا نجوم لها ، بين قوم لا يعنيهم أمره . نهاية الغزاة الفاتحين . ولكنهم ، كما قالوا ، تآمروا ضده ، المحلفون والشهود والمحامون والقضاة ليحرموه منها . هكذا قال : ( رأى المحلفون أمامهم رجلاً لا يريد أن يدافع عن نفسه . رجلاً فقد الرغبة في الحياة . إنني ترددت في تلك الليلة حين شهقت جين في أذني . ( تعال معي ، تعال ) . كانت حياتي قد اكتملت ليلتها ، ولم يكن ثمة مبرر للبقاء . ولكنني ترددت ، وخفت في اللحظة الحاسمة . وكنت أرجو أن تمنحني المحكمة ما عجزت أنا عن تحقيقه . وكأنما أدركوا قصدي ، فصمموا ألا يعطوني آخر أمنية لي عندهم . حتى الكولونيل همند الذي كنت أتوسم فيه الخير ، ذكر زيارتي لهم في ليفربول ، وأنني تركت في نفسه أثراً حسناً . قال إنه يعتبر نفسه إنساناً متحرراً ليس عنده تحيز ضد أحد . ولكنه رجل واقعي ، وقد كان يرى أن زواجاً مثل ذلك لن ينجح . وقال أيضاً أن ابنته وقعت تحت تأثير الفلسفات الشرقية في أكسفورد ، وكانت مترددة بين اعتناق البوذية أو الإسلام . وهو لا يستطيع أن يجزم إذا كان انتحارها بسبب أزمة روحية انتابتها ، أو لأنها اكتشفت خدام مستر مصطفى سعيد لها . كانت آن ابنته الوحيدة ، وقد عرفتها وهي دون العشرين ، فخدعتها وغررت بها وقلت لها زواجاً يكون جسراً بين الشمال والجنوب ، وحولت جذوة التطلع في عينيها الخضراوين إلى رماد . ومع ذلك يقف أبوها وسط المحكمة ويقول بصوت هادئ انه لا يستطيع أن يجزم . هذا هو العدل وأصول اللعبة ، كقوانين الحرب والحياد في الحرب . هذه هي القوة التي تلبس قناع الرحمة ، المهم أنهم حكموا عليه بالسجن سبع سنوات فقط ، ورفضوا أن يتخذوا القرار الذي كان عليه هو أن يتخذه بمحض إرادته . ويخرج من السجن ، ويتشرد في أصقاع الأرض ، من باريس إلى كوبنهاجن إلى دلهي إلى ..

بانكوك ، وهو يحاول التسويف . وتكون النهاية بعد ذلك في قرية مغمورة الذكر على النيل ، ولا يستطيع المرء أن يجزم هل كانت اعتباطاً أو أنه أسدل الستار بمحض إرادته . إنما أنا لم أجيء إلى هنا لأفكر في مصطفى سعيد ، فها هي ذي بيوت القرية المتلاصقة من الطين والطوب الأحمر الأخضر تشرئب بأعناقها أمامنا ، وحميرنا تحث السير لأنها شمت بخياشيمها رائحة البرسيم والعلف والماء . هذه البيوت على حافة الصحراء ، كأن قوماً في عهد قديم أرادوا أن يستقروا ثم نفضوا أيديهم ورحلوا على عجل . هنا تبدأ أشياء . وتنتهي أشياء . ومنطقة صغيرة من هواء بارد رطب يأتي من ناحية النهر ، وسط هجير الصحراء ، كأنه نصف حقيقة وسط عالم مليء بالأكاذيب . أصوات الناس والطيور والحيوانات تتناهى ضعيفة إلى الأذن كأنها وساوس ، وطقطقة مكنة الماء المنتظم تقوي الإحساس بالمستحيل . والنهر ، النهر الذي لولاه لم تكن بداية ولا نهاية ، يجري نحو الشمال ، لا يلوي على شيء ، قد يعترضه جبل فيتجه شرقاً ، وقد تصادفه وهدة من الأرض فيتجه غرباً ، ولكنه أن عاجلاً أو آجلاً يستقر في مسيرة الحتمي ناحية البحر في الشمال .

وقفت عند باب دار جدي في الصباح باب ضخم عتيق من خشب الحراز ، لا شك أنه استوعب حطب شجرة كاملة ، صنعه ود البصير ، مهندس القرية الذي لم يتعلم النجارة في مدرسة ، كما كان يصنع عجلات السواقي وحلقاتها ، وأيضاً يجبر العظام ، ويكوي ويحجم ، ويتخصص كذلك في نقد الحمير ، قل أن يشتري أحد من أهل البلد حمارة دون مشورته . ود البصير لا يزال حياً إلى يومنا هذا ، ولكنه لم يعد يصنع مثل باب بيت جدي ، بعد أن أكتشفت الأجيال اللاحقة من أهل البلد أبواب خشب الزان وأبواب الحديد ، يجلبونها من أم درمان . والسواقي أيضاً . بار سوقها حين جاءت مكنات الماء . وسمعتهم يقهقهون ، فميزت ضحكة جدي النحيلة الخبيثة المنطلقة حين يكون على سجيته ، وضحكة ود الريس التي تخرج من كرش مملوء بالطعام دائماً ، وضحكة بكري التي تأخذ لونها وطعمها من المجلس الذي يكون موجوداً فيه ، وضحكة بنت مجذوب القوية المسترجلة . تخيلت جدي جالساً

على فروة صلاته وفي يده مسبحته من خشب الصندل ، تدور في حركة دائبة كقواريس الساقية . وبنت مجذوب وود الريس وبكري ، أصدقاؤه القدامى ، يجلسون على تلك الأسِرَّة الوطيئة ، التي لا تعلو أرجلها عن الأرض أكثر من شبرين . ارتفاع السرير عن الأرض ، في زعم جدي ، من الغرور ، وقصره من التواضع .. بنت مجذوب متكئة على كوعها ، وفي اليد الأخرى سيجارة . ود الريس كأنه يخرج الحكايات الخبيثة من أطراف شاربيه . وبكري يجلس وحسب . هذه الدار الكبيرة ليست من الحجر ولا الطوب الأحمر ، ولكنها من الطين نفسه الذي يزرع فيه القمح ، قائمة على أطراف الحقل تماماً ، تكون إمتداداً له . وهذا واضح من شجيرات الطلح والسنط النامية في فناء الدار والنباتات التي نمت في الحيطان نفسها حيث تسرب إليها الماء من الأرض المزروعة . وهي دار فوضى قائمة دون نظام ، اكتسبت هيئتها هذه على مدى أعوام طويلة : غرف كثيرة مختلفة الأحجام ، بنيت بعضها لصق بعض في أوقات مختلفة ، أما حسب الحاجة إليها أو لأن جدي توفر له شيء من المال لم يجد وسيلة أخرى ينفقه فيها . غرف تؤدي بعضها إلى بعض ، بعضها لها أبواب وطيئة لابد أن تنحني كي تدخلها وبعضها ليست لها أبواب إطلاقاً ، بعضها لها نوافذ كثيرة ، وبعضها ليست لها نوافذ . حيطانها ملساء مطلية بمادة هي خليط من الرمل الخشن والطين الأسود وزبالة البهائم ،

وكذلك السطوح ، والأسقف من جذع النخيل وخشب السنط وجريد النخيل . دار متاهة ، باردة في الصيف ، دافئة في الشتاء . إذا نظرت إليها من الخارج ، دون عطف ، أحسست بها كياناً هشاً لن يقوى على البقاء ، ولكنها تغالب الزمن بشيء كالمعجزة .

ودخلت من باب الحوش ، ونظرت على اليسار واليمين في الفناء الواسع . هنالك تمر نشر على بروش ليجف . وهنالك بصل وشطة . وهنالك أكياس قمح وفول وبعضها خيطت أفواهها وبعضها مفتوح . وفي ركن عنز تأكل شعيراً وترضع مولوداً . هذه الدار مصيرها مرتبط بمصير الحقل ، إذا اخضر الحق اخضرت ، وحين يجتاح القحط الحقول يجتاحها هي أيضاً . وأشم تلك الرائحة التي يمتاز بها بيت جدي ، خليط من روائح متناثرة ، رائحة البصل والشطة والتمر والقمح والفول واللوبية والحلبة ، أضف إليها رائحة البخور الذي يعبق دائماً في مجمر الفخار الكبير . رائحة تذكرني بتقشف جدي في العيش ، وترفه في لوازم صلاته . الفروة التي يصلي عليها ، وحين يشتد البرد يستعملها غطاء ، عبارة عن جلود ثلاثة نمور مخيطة في جلد واسع . وإبريق الصلاة من النحاس عليه تصاوير ونقوش ، وله طشت من نحاس أيضاُ . وهو يفتخر خاصة بمسبحته لأنها من خشب الصندل ، ويداعب حباتها ، ويمسح بها وجهه ويستنشق رائحتها . وكان إذا غضب من أحد أحفاده ، ضربه بها على رأسه ، يقول أن ذلك يطرد ..

الشيطان . وهذه الأشياء جميعاً ، مثل غرف داره ، والنخل في حقله ، لها تاريخ قصه علي جدي مراراً وتكراراً ، في كل مرة يحذف شيئاً ويضيف شيئاُ .

تمهلت عند باب الغرفة وأنا أستمرئ ذلك الإحساس العذب الذي يسبق لحظة لقائي مع جدي كلما عدت من السفر . إحساس صاف بالعجب من أن ذلك الكيان العتيق ما يزال موجوداً أصلاً على ظاهر الأرض . وحين أعانقه أستنشق رائحته الفريدة التي هي خليط من رائحة الضريح الكبير في المقبرة ورائحة الطفل الرضيع . وذلك الصوت النحيل المطمئن ، يقوم جسراً بيني وبين الساعة القلقة التي لم تتشكل بعد ، الساعات التي استوعبت أحداثها ومضت ، وأصبحت لبنات في صرح له مدلولات وأبعاد . نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي ، فلاحون فقراء ، ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغنى ، كأني نغمة من دقات قلب الكون نفسه . إنه ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع في أرض منت عليها الطبيعة بالماء والخصب ، ولكنه كشجيرات السيال في صحاري السودان ، سميكة اللحى حادة الأشواك ، تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة . وهذا وجه العجب . إنه عاش أصلاً رغم الطاعون والمجاعات والحروب وفساد الحكام . وها هو ذا الآن يقترب من عامه المائة ، أسنانه جميعاً في فمه ، عيناه صغيرتان باهتتان تحسب أنهما لا تريان ولكنه ينظر بهما في حلكة الليل ، جسمه الضئيل منكمش على ذاته ،

عظام وعروق وجلد وعضلات ، وليست فيه قطعة واحدة من الشحم ، يقفز فوق الحمال نشيطاً ، ويمشي في غبش الفجر من بيته إلى الجامع .

مسح جدي بطرف ثوبه الدمع الذي سال على وجهه من شدة الضحك ، وبعد أن أمهلوني ريثما أستقر في مجلسي معهم ، قال جدي : ( والله حكايتك حكاية يا ود الريس ) . وكان هذا إيذاناً لود الريس بأن يستمر في القصة التي قطعها دخولي عليهم . ( وبعد ، يا حاج أحمد ، أركبت البنت أمامي على الحمار وهي تفلفص وتتلوى وبالقوة جردتها من جميع ثيابها حتى أصبحت عارية كما ولدتها أمها ، كانت فرخة عديلة من جواري بحري بلغت توها النهد يا حاج أحمد كأنه طبنجة والكفل إذا طوقته بذراعيك لا تصل حده . وكانت مدهنة ومدلكة جلدها يلمع في ضوء القمر وعطرها يدوخ العقل . ونزلت بها إلى منطقة رملية وسط الذرة . ولما قمت عليها سمعت حركة في الذرة وصوتاً يقول : من هناك ؟ يا حاج أحمد ، جنون الشباب ليس مثله جنون . فكرت بسرعة . وعملت أنني عفريت . وأخذت أصرخ بأصوات شيطانية وأنثر الرمل وابرطع ، فذعر الرجل وهرب . إنما النكتة أن عمي عيسى كان قد تقفى أثري منذ خطفت الجارية من بيت العرس حتى وصلنا على بقعة الرمل . ولما رأي أنني عملت عفريت وقف يتفرج . وثاني يوم في الصباح الباكر ذهب إلى والدي رحمة الله عليه وقص عليه القصة كلها ، وقال له : ابنك هذا شيطان رجيم ، وإذا لم نجد له زوجة في هذا النهار أفسد البلد وسبب لنا فضائح لا أول لها ولا آخر . وفعلاً عقدوا لي في نفس اليوم على بنت عمي رجب . الله يرحمها ، ماتت في أول ولادة ) .

وقالت له بنت مجذوب وهي تضحك بصوتها الرجالي المبحوح من كثرة التدخين : ( ومن يومها وأنت تركب وتنزل كأنك فحل الحمير ) .

فقال لها ود الريس : ( هل أحد يعرف حلاوة هذا الشيء أكثر منك يا بنت مجذوب ؟ انك دفنت ثمانية أزواج ، والآن وانت عجوز كركبة لو وجدته لما قلت لا ) . وقال جدي : ( سمعنا أن غنج بنت مجذوب شيء لا يتصوره العقل ) .

وأشعلت بنت مجذوب سيجارة وقالت : ( عليَّ الطلاق يا حاج أحمد ، كنت حين يرقد زوجي بين فخدي أصرخ صراخاً تجفل منه البهائم المربوطة في مراحها في الساقية ) . وكان بكري قبل ذلك يضحك ولا يقول شيئاً ، فقال : ( حدثينا يا بنت مجذوب . أي أزواجك كان أحسن ؟ ) فقالت بنت مجذوب على الفور : ( ود البشير ) . فقال بكري : ( ود البشير الكحيان التعبان ؟ كانت العنز تأكل عشاءه ) . ونفضت بنت مجذوب رماد السيجارة على الأرض بحركة مسرحية بأصابعها وقالت : ( عليَّ الطلاق ، كان عند شيء مثل الوتد حين يدخله في أحشائي لا أجد أرضاً تسعني . كان يرفع رجلي بعد صلاة العشاء ، وأظل مشبوحة حتى يؤذن ..

آذان الفجر . وكان حين تأتيه الحالة يشخر كالثور حين يذبح وكان دائماً حين يقوم من فوقي يقول : ها لله الله يا بنت مجذوب ) . فقال لها جدي : ( لا عجب أنك قتلته في عز الشباب ) . فضحكت بنت مجذوب وقالت : ( قتله أجله . هذا الشيء لا يقتل أحداً ) .

كانت بنت مجذوب إمرأة طويلة لونها فاحم مثل القطيفة السوداء ، ما يزال فيها إلى الآن وهي تقارب السبعين بقايا جمال . وقد كانت مشهورة في البلد ، يتسابق الرجال والنساء على السواء لسماح حديثها لما فيه من جرأة وعدم تحرج . وكانت تدخن السجاير وتشرب الخمر وتحلف بالطلاق كأنها رجل . ويقال أن أمها كانت ابنة أحد سلاطين الفور . وقد تزوجت عدداً من خيرة رجال البلد ، ماتوا كلهم عنها وتركوا لها ثروة ليست قليلة . وقد أنجبت ولداً واحداً وعدداً لا يحصى من البنات أشترهن بجمالهن وعدم تحرجهن في الحديث ، مثل أمهن . ويروى أن إحدى بنات بنت مجذوب تزوجت رجلاً لم تكن أمها راضية عنه . وحملها وسافر بها . ولما عاد بعد نحو من عام أراد أن يقيم وليمة يدعو إليها أقارب زوجته . فقالت له الزوجة : ( أن أمي لا تتحرج في كلامها ومن الخير أن ندعوها وحدها ) . وفعلاً ذبحوا وأولموا لها . وبعد أن طعمت وشربت قالت لإبنتها وزوجها يسمع : ( يا آمنة . هذا الرجل لم يقصر في حقك . فمسكنك حسن وملبسك حسن ، وقد ملأ يديك ورقبتك ذهباً . ولكن لا يبدو عليه أنه ..

يقدر على إشباعك في الفراش . فإذا أردت الشبع الصحيح فأنا أعرف لك زوجاً إذا جاءك لا يتركك حتى تزهق روحك ) ولما سمع الزوج هذا الكلام غضب غضباً شديداً وطلق زوجته ثلاثاً في الحين .

وقالت بنت مجذوب لود الريس : ( ما بالك ، لك عامان وأنت مكتف بزوجة واحدة ؟ هل ضعفت همتك ؟ ) .

وتبادل ود الريس وجدي نظرات لم أفهمها إلا فيما بعد ، وقال : ( الوجه وجه شيخ والقلب قلب شاب . هل تعرفين أرملة أو ثيباً تصلح لي ؟ ) .

وقال بكري : ( النصيحة لله يا ود الريس . أنت لم تعد رجل زواج . إنك الآن شيخ في السبعين وأحفادك صار لهم أولاد . ألا تستحي ، لك كل سنة عرس ؟ الآن يلزمك الوقار والاستعداد لملاقاة الله سبحانه وتعالى ) .

ضحكت بنت مجذوب وضحك جدي لهذا القول ، وقال ود الريس في غضب مصطنع : ( ماذا يفهمك أنت في هذه الأمور ؟ أنت وحاج أحمد كل واحد منكم اكتفى بامرأة واحدة ولما ماتتا وتركناكما لم تجدا الجرأة على الزواج . حاج أحمد هذا طول اليوم في صلاة وتسبيح كأن الجنة خلقت له وحده . وأنت يا بكري مشغول في جمع المال إلى أن يريحك منه الموت . الله سبحانه حلل الزواج وحلل الطلاق وقال ما معناه خذوهن بإحسان أو فارقوهن بإحسان .

وقال في كتابه العزيز : النسوان والبنون زينة الحياة الدنيا ) . وقلت لود الريس إن القرآن لم يقل ( النسوان والبنون ) ولكنه قال ( المال والبنون ) . فقال : ( مهما يكن ، لا توجد لذة أعظم من لذة النكاح ) .

وملس ود الريس شاربيه المقوسين بعناية إلى أعلى ، طرفاهما كحد الإبرة ، ثم أخذ يمسح بيده اليسرى لحيته الغزيرة البيضاء التي تلبس وجهه من الصدغ إلى الصدغ ، ويتنافر لونها الأبيض الناصع من سمرة وجهه كلون الجلد المدبوغ ، فكأن اللحية شيء صناعي ألصق بالوجه . ويختلط بياض اللحية دون مشقة ببياض العمة الكبيرة ، مقيماً إطاراً صارخاً يبرز أهم معالم الوجه : العينين الجميلتين الذكيتين ، الأنف المرهف الوسيم . وود الريس يستعمل الكحل متذرعاً بأن الكحل سُنَّة ، لكنني أظن أنه يفعل ذلك زهواً . كان في مجموعه وجهاً جميلاً ، خاصة إذا قارنته بوجه جدي الذي ليس فيه شيء يميزه ، ووجه بكري وهو كالبطيخة المكرمشة .

وواضح أن ود الريس يدرك ذلك ، وقد سمعت أنه كان في شبابه آية في الحسن ، وأن قلوب الفتيات كانت تخفق بحبه قبلي وبحري ، أعلى النهر وأسفله . كان كثير الزواج والطلاق لا يعنيه في المرأة أنها امرأة ، يأخذهن حيثما اتفق ، ويجيب إذا سُئل : ( الفحل غير عواف ) . وأذكر من زوجاته دنقلاوية من الخندق ، وهدندوية من القضارف ، وأثيوبية

وجدها تخدم عند ولده الأكبر في الخرطوم ، وامرأة من نيجيرية عاد بها في حجته الرابعة . ولما سُئِل كيف تزوجتها قال أنه اجتمع بها وبزوجها في السفينة بين بور سودان وجدة وتصادق معها . ولكن الرجل توفي في مكة يوم الوقوف على عرفات . وقال له وهو يحتضر : ( أوصيك بزوجتي خيراً ) . ولم يجد خيراً من زواجها . عاشت معه ثلاثة أعوام ، وهو وقت طويل بحساب ود الريس . وكان فرحاً بها ، وأعظم سروره أنها كانت عاقراً . وكان يحكي للناس خصائص أفعاله معها ، ويقول : ( من لم يتزوج فلاتية لم يعرف الزواج ) . وأثناء حياته معها تزوج بامرأة من الكبابيش ، عاد بها في زيارة له إلى حمرة الشيخ . لكن المرأتين لم تطيقا الحياة معاً ، فطلق الفلاتية إرضاء للكباشية ، ولكن الكباشية ، بعد ذلك بقليل هجرته وهربت إلى أهلها في حمرة الشيخ .

وضربني ود الريس بكوعه في جنبي وقال : ( قالوا نسوان النصارى شيء فوق التصور ) . فقلت له : ( لا أدري ) . فقال : ( أي كلام هذا ؟ شاب مثلك في عز الشباب يعيش سبع سنين في بلاد الهنك والرنك وتقول لا أدري ) . سكت ، فقال ود الريس : ( قبيلتكم هذه لا خير فيها . أنت رجال المرأة الواحدة ليس فيكم غير عمك عبدالكريم ذلك هو الرجل ) .

كنا بالفعل معروفين في البلد بأننا لا نطلق زوجاتنا ولا ..

نتزوج عليهن ، وكان أهل البلد يتندرون علينا ويقولون أننا نخاف من زوجاتنا . إلا عمي عبدالكريم كان مطلاقاً مزواجاً ، وزانياً أيضاً .

وقالت بنت مجذوب : ( حريم النصارى لا يعرفن لهذا الشيء كما تعرف له بنات البلد . نساء غلف ، الحكاية عندهن كشرب الماء . بنت البلد تعمل الدلكة والدخان والريحة وتلبس الفركة القرمصيص . وحين ترقد على البرش الأحمر بعد صلاة العشاء وتفتح فخذيها ، يشعر الرجل كأنه أبو زيد الهلالي . الرجل الما عنده همة يصبح له همة ) .

وضحك جدي وضحك بكري وقال ود الريس : ( دعك من بنات البلد يا بنت مجذوب . النسوان البرانيات ، هؤلاء هن النساء ) . وقالت بنت مجذوب : ( عقلك هو البراني ) . وقال جدي : ( ود الريس يحب النسوان الغير مطهرات ) . وقال ود الريس : ( عليَّ اليمين يا حاج أحمد ، لو ذقت نساء الحبش والفلاتة كنت رميت مسبحتك . وتركت صلاتك ما بين أفخاذهن كأنه الصحن المكفي ، صاغ سليم ، بكامل خيره وشره . عندنا هنا يقطعونه ويتركونه مثل الأرض الخلاء ) .

وقال بكري : ( الختانة من شروط الإسلام ) . فقال ود الريس : ( أي إسلام هذا ؟ ) إسلامك إنت وإسلام حاج ..

أحمد ، لأنكم لا تعرفون الذي يصلحكم من الذي يضركم . الفلاتة والمصريون وعرب الشام . اليسوا مسلمين مثلنا ؟ لكنهم ناس يعرفون الأصول . يتركون نساءهم كما خلقهن الله . أما نحن فنجزهن كما تجز البهيمة ) .

وضحك جدي حتى اسقط ثلاث حبات من مسبحته مرة واحدة دون وعي ، وقال : ( المصريات ، مثلك لا يقدر عليهن ) . قال له ود الريس : ( وما أدراك إنت بالمصريات ؟ ) ، فقال بكري بالنيابة عن جدي : ( هل نسيت أن حاج أحمد سافر إلى مصر سنة ستة وأقام فيها تسعة أشهر ؟ ) .

وقال جدي : ( مشيت على قدمي ، ليس معي غير المسبحة والإبريق ) . فقال ود الريس : ( وماذا فعلت ؟ عدت كما ذهبت بالمسبحة الإبريق . علي اليمين ، لو كنت محلك لما عدت فارغ اليدين ) . فقال جدي : ( أظنك كنت رجت ومعك امرأة . هذا هو كل همك . أنا رجعت ومعي المال فاشتريت الأرض وعمرت الساقية وطهرت أولادي ) . وقال ود الريس : ( بالله يا حاج أحمد ، هل ذقت الشيء المصري ؟ ) . كانت حبات المسبحة طول الوقت تتفلت بين أصابع جدي طالعة نازلة كأنها دولاب الساقية . لكن الحركة توقفت فجأة ..

ورفع جدي وجهه إلى السقف وفتح فمه . ولكن بكري كان أسبق منه فقال : ( إنت يا ود الريس مجنون . رجل كبير لكن ما عندك فهم . النسوان نسوان في مصر أو السودان أو العراق أو واق ، الواق ، السوداء والبيضاء والحمراء كلهن سواسية ) .

ولم يستطع ود الريس من شدة دهشته أن يقول شيئاً . ونظر إلى بنت مجذوب كأنه يستنجد بها . وقال جدي : ( الحق لله أنني كدت أتزوج في مصر . المصريون ناس طيبون ويحفظون العشرة . والمرأة المصرية تعرف قيمة الرجل . تعرفت برجل تقي في بولاق كنا نلتقي دائماً في صلاة الفجر في مسجد أبوالعلا . دخلت بيته وتعرفت على أهله كان أبو بنات عنده ست بنات كل واحدة تقول للقمر قوم وأنا أقعد محلك . بعد مدة قال لي : ( يا سوداني إنت رجل متدين وتحفظ العشرة خليني أزوجك بنتاً من بناتي . الحق لله يا ود الريس نفسي مالت إلى البنت الكبيرة . لكن بعدها بقليل جاني تلغراف بوفاة المرحومة أمي فسافرت في الساعة والحين ) . وقال بكري : ( رحمة الله عليها . كانت امرأة فاضلة ) . وتنهد ود الريس وقال : ( يا خسارة . الدنيا هكذا . تعطي الذي لا يريد أن يأخذ . علي اليمين لو كنت محلك كنت عملت عمايل . كنت تزوجت وقعدت هناك وذقت حلاوة الحياة مع بنات الريف . ماذا أرجعك لهذا البلد الخلاء المقطوع ؟ ) .

وقال بكري : ( الغزال قالت بلدي شام ) . وكانت بنت مجذوب قد أوقدت سيجارة أخرى جذبت منها الدخان بسخاء وعكرت به سماء الغرفة ، فقالت لود الريس : ( إنت لم تعدم حلاوة الحياة حتى في هذا البلد الخلاء المقطوع . ها أنت سمين بدين لا تعجز ولا تكبر مع إنك زدت علي السبعين ) .

فقال ود الريس : ( علي اليمين ، سبعين سنة فقط لا تزيد يوماً واحداً ، إنما إنت شرط أكبر من حاج أحمد ) . فقال له جدي : ( خاف الله يا ود الريس . بنت مجذوب لم تكن ولدت حين تزوجت أنا . وهي أصغر منك بسنتين أو ثلاث ) . فقال ود الريس : ( على أي حال ، أنا في يومنا هذا أنشط واحد فيكم . وعلي اليمين ، بين فخذي المرأة أنا أنشط من حفيدك هذا ) .

فقالت بنت مجذوب : ( إنت تفلح في الكلام . ولا بد إنك تجري وراء النساء لأن بضاعتك مثل عقلة الأصبع ) . فقال ود الريس : ( لو كنت تزوجتني يا بنت مجذوب لوجدت شيئاً مثل مدافع الإنكليز ) . فقالت بنت مجذوب : ( والمدافع سكتت وقت مات ود البشير . إنت يا ود الريس رجل مخرف ، عقلك كله في رأس ذكرك ، ورأس ذكرك صغير مثل عقلك ) ..

وارتفع ضحكهم جميعاً ، حتى بكري الذي كان من قبل يضحك بهدوء . وتوقف جدي عن الطقطقة بمسبحته تماماً ، وضحك ضحكته النحيلة الخبيثة المنطلقة . وضحكت بنت مجذوب بصوتها الرجالي المبحوب . وضحك ود الريس ضحكاً أقرب إلى الشخير منه إلى الضحك . ومسحوا الدموع من أعينهم ، وقال جدي : ( استغفر الله . والله ضحكتونا يا جماعة اللهم أجمعنا ثانية في ساعة خير ) . وقال بكري : ( استغفر الله . اللهم أغفر لنا وارزقنا حسن الخاتمة ) . وقال ود الريس : ( استغفر الله العظيم . أيام نقضيها على وجه الأرض وبعدها ربنا يفعل فينا ما يشاء ) .

وهبت بنت مجذوب واقفة دفعة واحدة ، كما يهب رجل في الثلاثين ، وانتصبت بطولها ، معتدلة القامة ، لا انحناء في الظهر ولا تقوس في الكتفين . وقام بكري متحاملاً على نفسه وقام ود الريس يتكئ قليلاً على عصاه . وقام جدي من على فروة الصلاة وجلس على سريره ذي الأرجل القصيرة ، ونظرت إليهم ، ثلاثة شيوخ وامرأة شيخة ، ضحكوا برهة على حافة القبر . وفي غد يرحلون . غداً يصير الحفيد أباً والأب جد ، وتستمر القافلة .

ثم خرجوا . وقال لي ود الريس وهو يذهب : ( باكر يا أفندي تتغدى معانا ) ..

وتمدد جدي على سريره ، ثم ضحك ، وحده هذه المرة ، كأنما يؤكد إحساسه بالعزلة ، بعد أن ذهب الناس الذين يضحكونه ويضحكهم . وبعد فترة قال : ( هل تدري لماذا دعاك ود الريس للغداء ؟ فقلت له إننا أصدقاء وقد دعاني من قبل . فقال جدي : ( إنه يريد منك خدمة ) .

فقلت : ( ماذا يبغي ؟ ) .

قال : ( يبغي الزواج ) .

فتضاحكت وقلت لجدي : ( ما شأني بزواج ود الريس ؟ ) فقال جدي : ( إنت وكيل العروس ) . لذت بالصمت . فقال جدي وهو يظن أنني لم أفهم : ( ود الريس يريد أن يتزوج أرملة مصطفى سعيد ) . مرة أخرى لذت بالصمت ، فقال جدي : ( ود الريس لا يزال شاباً ، وهو صاحب مال . وعلى أي حال المرأة يلزم لها الستر . ثلاثة أعوام مرت على وفاة زوجها . ألا تريد الزواج أبداً ؟ ) . قلت له إنني لست مسؤولاً عنها ، أبوها موجود وإخوتها ، فلماذا لا يطلبها ود الريس منهم ؟ فقال جدي : ( البلد كلها تعرف أن مصطفى سعيد جعلك وصياً على زوجته وولديه ) . قلت له إنني وصي على الولدين ولكن المرأة حرة التصرف وأولياؤهم موجودون . فقال جدي : ( إنها تثق بكلامك . لو حدثتها فقد ترضى ) .

أحسست بغيظ حقيقي أدهشني ، إذ أن هذه الأشياء مألوفة في البلد . وقلت لجدي : ( أنها رفضت رجالاً أصغر منه سناً ، إنه يكبرها بأربعين عاماً ) . ولكن جدي أصر على أن ود الريس شاب وأنه ميسور الحال وأنه متأكد أن أباها لن يمانع ولكن المرأة نفسها قد ترفض ولذلك أرادوا أن يجعلونني واسطة خير ) .

حبس الغضب لساني فلذت بالصمت . وقفزت إلى ذهني صورتان فاضحتان في آن واحد . ولشدة عجبي ، اتحدت الصورتان في ذهني ، وتخيلت حسنة بنت محمود ، أرملة مصطفى سعيد ، هي المرأة نفسها في الحالتين فخذان بيضاوان مفتوحتان في لندن ، وامرأة تثن تحت ود الريس الكهل ، قبيل طلوع الفجر في قرية مغمورة الذكر عند منحنى النيل . إن كان ذلك شراً فهذا أيضاً شر ، وإن كان هذا ، مثل الموت والولادة وفيضان النيل . وحصاد القمح ، جزءاً من نظام الكون ، فقد كان ذلك أيضاً كذلك . وأتصور حسنة بنت محمود ، أرملة مصطفى سعيد ، في الثلاثين من العمر تبكي تحت ود الريس الذي بلغ السبعين ، ويتحول بكاؤها إلى قصص من قصص ود الريس المشهور عن نسائه الكثيرات ، يتندر بها رجال البلد ، فيزداد الغيظ في صدري ضراوة . ولم استطع البقاء فخرجت ، وسمعت جدي ينادي ورائي فلم التفت . وفي بيتنا سألني أبي عن سبب غضبي فحكيت له القصة . ضحك وقال : ( هل هذا شيء يثير الغضب ؟ ) .

قريباً من الساعة الرابعة بعد الظهر ذهبت إلى بيت مصطفى سعيد ، ودخلت من باب الحوش الكبير ، ونظرت برهة إلى اليسار إلى الغرفة المستطيلة من الطوب الأحمر . ساكنة ، لا كالمقبرة ، ولكن كسفينة ألقت مراسيها في عرض البحر . إنما الوقت لم يحن بعد . وأجلستني على كرسي في المصطبة أمام الديوان ، المكان عينه ، وجاءت لي بكوب من عصير الليمون . وجاء الولدان وسلما علي ، الأكبر محمود إسم أبيها ، والأصغر سعيد إسم أبيه . طفلان عاديان ، أحدهما في الثامنة وثانيهما في السابعة ، يركبان حماراً كل صباح إلى المدرسة على بعد ستة أميال . إنهما أمانة في عنقي ، ومن الأسباب التي تحضرني هنا كل عام أن أتفقد أحوالهما . سنختنهما هذه المرة ، وسنحضر المغنين والمداحين ونقيم إحتفالاً يكون ذكرى مضيئة من ذكريات طفولتهما . قال : ( جنبهما مشقة السفر ) . إنني لن أفعل شيئاً من هذا القبيل ، إذا أرادا ، حين يكبران ، أن يسافرا فليسافرا . كل أحد يبدأ ..

من أول الطريق ، والعالم في طفولة لا تنتهي .

انصرف الولدان وظلت هي واقفة أمامي . قامة ممشوقة تقرب من الطول ، ليست بدينة ولكنها ريانة ممتلئة كعود قصب السكر ، لا تضع حناء في قدميها ولا في يديها ، ولكن عطراً خفيفاً يفوح منها . شفتاها لعساوان طبيعة ، وأسنانها قوية بيضاء منتظمة . وجهها وسيم ، والعينان السوداوان الواسعتان يختلط فيهما الحزن والحياء . حين سلمت عليها أحسست بيدها ناعمة دافئة في يدي . امرأة نبيلة الوقفة ، أجنبية الحسن ، أم أنني أتخيل شيئاً ليس موجوداً حقيقة ؟ امرأة أحس حين ألقاها بالحرج والخطر ، فأهرب منها أسرع ما أستطيع . هذا هو القربان الذي يريد ود الريس أن يذبحه على حافة القبر ، ويرشي به الموت فيمهله عاماً أو عامين .

وظلت واقفة رغم إلحاحي ، ولم تجلس إلا حين قلت لها : ( إذا لم تجلسي سأذهب ) . بدأت الحديث بطيئاً متعسراً ، ومضى كذلك والشمس تنحدر نحو المغيب ، والهواء يبرد قليلاً قليلاً ، وقليلاً قليلاً أيضاً أخذت عقدة لساني تنحل وعقدة لسانها . وقلت لها شيئاً أضحكها وارتجف قلبي من عذوبة ضحكها . وانتشر دم المغيب فجأة في الأفق الغربي كدماء ملايين ماتوا في الحرب فجأة بالهزيمة ، ونزل ظلام كامل مستتب احتل الكون بأقطابه الأربعة ، وأضاع مني الحزن ..

والحياء الذي في عينيها . لم يبق إلا الصوت الذي دفأته الإلفة والعطر الخفيف كينبوع قد يجف في أي لحظة . وفجأة قلت لها : ( هل أحببت مصطفى سعيد ؟ ) .

لم تجب . وظللت برهة أنتظر ولكنها لم تجب . ثم أدركت أن الظلام والعطر كادا يخرجانني عن طوري وأن ذلك سؤال لا يسأل في ذلك الزمان وذلك المكان . ولكن الظلام ما لبث أن ثغر ثغرة نفذ منها صوتها إلى أذني :

( كان أباً لأولادي ) .

إذا صدق ظني ، فإن الصوت لم يكن حزيناً ، بل كانت فيه مناغاة . وتركت الصمت يوسوس لها فلعلها تقول شيئاً . نعم ، ذلك هو : ( كان زوجاً كريماً وأباً كريماً . طول حياته لم يقصر معنا ) . فقلت لها وأنا أميل في الظلام تجاهها : ( هل كنت تعرفين من أين هو ؟ ) .

قالت : ( من الخرطوم ) .

قلت : ( وماذا يعمل في الخرطوم ؟ ) .

قالت : ( في التجارة ) .

قلت : ( ولماذا جاء إلى هنا ؟ ) .

قالت : ( الله أعلم ) .

وكدت أيأس . ثم هبت نسمة نشطة في اتجاهي حاملة ..

شحنة من العطر ، فوق ما كنت أطمع فيه . واستنشقت العطر وأحسست بيأسي يزداد حدة . وفجأة حدثت فجوة كبيرة في الظلام ، نفذ منها صوت حزين هذه المرة ، حزناً أعمق من غور النهر . قالت : ( أظنه كان يخفي شيئاً ) . لاحقتها بالسؤال : ( لماذا ؟ ) . قالت : ( كان يقضي وقتاً طويلاً بالليل في تلك الغرفة ) قالت : ( لا أدري . إنني لم أدخلها قط . المفتاح عندك . لماذا لا تتحقق بنفسك ؟ ) . نعم ، هبنا قمنا أنا وهي الآن ، في هذه اللحظة ، وأوقدنا المصباح ، ودخلنا ، هل نجده معلقاً من رقبته في السقف ، أم نجده جالساً القرفصاء على الأرض ؟ .

سألتها مرة أخرى : ( لماذا تظنين أنه كان يخفي شيئاً ؟) . صوتها الآن ليس حزيناً وليست فيه مناغاة ، ولكنه مشرشر الأطراف كورقة الذرة : ( أحياناً بالليل في النوم كان يقول كلاماً .. بالرطانة ) ولاحقتها بالسؤال : ( أي رطانة ؟ ) . فقالت : ( لا أدري . مثل الكلام الأفرنجي ) وظلت مائلاً وجهتها في الظلام ، مترقباً ، منتظراً . ( كان يردد في نومه كلمات .. مثل جينا ، جيني .. لا أدري ) .

في هذا المكان نفسه ، في وقت مثل هذا ، في ظلام مثل هذا ، كان صوته يطفو كأحوات ميتة طافية على سطح البحر . ( ظللت أطاردها ثلاثة أعوام . كل يوم يشتد توتر وتر القوس . قوافلي ظمأى والسراب يتوهج قدامي في صحراء الشوق . في تلك الليلة حين همست جين في أذني : (تعال معي . تعال معي) ، كانت حياتي قد اكتملت ولم يكن يوجد سبب للبقاء .. ) وتناهت إلى أذني صرخة طفل من مكان ما في الحي ، وقالت حسنه : ( كأنه كان يحس بدنو أجله . قبل اليوم ، يوم .. قبل موته بأسبوع رتب كل شؤونه . كانت له أطراف جمعها ، وديون دفعها . قبل موته بيوم دعاني وحدثني بما عنده . أوصاني كثيراً على الولدين . أعطاني الرسالة المختومة بالشمع . قال لي . أعطها له إذا حدث شيء . وقال لي إذا حدث شيء فأنت تكون وصياً على الأولاد . قال لي : استشيريه في كل ما تفعلين . بكيت وقلت له : إن شاء الله ما في عوج . فقال : فقط من باب الاحتياط والدنيا غير معروفة . في ذلك اليوم توسلت إليه ألا ينزل إلى الحقل والدنيا فيضان وغرق . كنت خائفة . لكنه قال لا داعي للخوف حين تأخر عن ميعاده . وانتظرنا ، ثم كان ما كان ) .

وأحسست بها تبكي في صمت ، ثم ارتفع بكاؤها ، وتحول إلى شهيق حاد ، ارتعش له الظلام القائم بيني وبينها . ضاع ..

العطر والصمت ، ولم يعد في الكون إلا نحيب امرأة ثكلت زوجاً لا تعرفه ، رجلاً أفرد أشرعته وضرب في عرض البحر وراء سراب أجنبي . وود الريس الشيخ في داره يحلم بليالي الغنج تحت فركة القرمصيص . وأنا ماذا أفعل الآن وسط هذه الفوضى ؟ هل أقوم إليها وأضمها إلى صدري وأجفف دموعها بمنديلي وأعيد الطمأنينة إلى قلبها بكلماتي ؟ وقمت نصف قومة مستنداً إلى ذراعي ، ولكنني أحسست بالخطر ، وتذكرت شيئاً ، فلبثت واقفاً هكذا زمناً في حالة بين الإقدام والإحجام . وبغتة هبط علي عناء ثقيل تهالكت تحت وطأته على المقعد . الظلام كثيف وعميق وأساسي وليست حالة ينعدم فيها الضوء الظلام الآن ثابت كأن الضوء لم يوجد أصلاً ، ونجوم السماء مجرد فتوق في ثوب قديم مهلهل . العطر أضغاث أحلام ، صوت لا يسمع مثل أصوات أرجل النمل في تل الرمل . ونبع من جوف الظلام صوت لم يكن صوتها صوت ليس غاضباً ولا حزيناً ولا خائفاً ، صوت مجرد ، يقول : ( كان المحامون يتصارعون على جثتي . لم أكن أنا المهم بل كانت القضية هي المهمة ) بروفسور ماكسول فستر كين من المؤسسين لحركة التسلح الخلقي في أكسفورد ، وماسوني ، وعضو في اللجنة العليا لمؤتمر الجمعيات التبشيرية البروتستنتية في أفريقيا . لم يكن يخفي كراهيته لي . أيام تتلمذي عليه في أكسفورد كان يقول لي في تبرم واضح : ( أنت يا مستر سعيد خير مثال على أن مهمتنا الحضارية في أفريقيا عديمة الجدوى ، ..

فأنت بعد كل المجهودات التي بذلناها في تثقيفك كأنك تخرج من الغابة لأول مرة ) . ومع ذلك فها هو ذا يستعمل كل مهارته ليخلصني من حبل المشنقة . وسير آرثر هغنز ، تزوج وطلق مرتين ، مغامراته الغرامية معروفة ، مشهور بصلاته مع اليسار والأوساط البوهيمية . قضيت عيد الميلاد سنة 1925 في بيته في سافرون ولدن . كان يقول لي : ( أنت وغد ولكنني لا أكره الأوغاد ، فأنا أيضاً وغد ) . لكنه في هذه المحكمة سيستعمل كل مهارته ليضع حبل المشنقة حول عنقي . والمحلفون أيضاً ، أشتات من الناس ، منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلم والتاجر والحانوتي . لا تجمع صلة بيني وبينهم ، لو أنني طلبت استئجار غرفة في بيت أحدهم فأغلب الظن أنه سيرفض ، وإذا جاءت ابنة أحدهم تقول له إنني سأتزوج هذا الرجل الأفريقي ، فيحس حتماً بأن العالم ينهار تحت رجليه . ولكن كل واحد منهم في هذه المحكمة سيسمو على نفسه لأول مرة في حياته . وأنا أحس تجاههم بنوع من التفوق ، فالاحتفال مقام أصلاً بسببي ، وأنا فوق كل شيء مستعمر ، إنني الدخيل الذي يجب أن يبت في أمره . حين جيء لكتشنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا ، قال له : ( لماذا جئت بندي لتخرب وتنهب ؟) الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض ، وصاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً . فليكن أيضاً ذلك شأني معهم . إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة ، ..

وقعقعة سنابك خيل اللنبى وهي تطأ أرض القدس . البواخر مخرت عرض النيل أول مرة تحمل المدافع لا الخبز ، وسكك الحديد أنشئت أصلاً لنقل الجنود . وقد أنشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول ( نعم ) بلغتهم . إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل في السوم وفي فردان ، جرثومة مرض فتاك أصابهم منذ أكثر من ألف عام . نعم يا سادتي ، إنني جئتكم غازياً في عقر داركم . قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ . أنا لست عطيلاً . عطيل كان أكذوبة ) .

بينما كنت أفكر في قول مصطفى سعيد وهو يجلس في هذا المكان عينه ، في ليلة مثل هذه ، كنت أسمع نشيجها بالبكاء كأنه يصلني من بعد ، يختلط في خيالي بأصوات مبعثرة لا بد أنني سمعتها في أوقات متباعدة ، ولكنها تداخلت في ذهني كأجراس كنيسة صراخ طفل في مكان ما في الحي ، وصياح ديك ، ونهيق حمار ، وأصوات عرس تأتي من الضفة الأخرى للنهر . لكنني الآن أسمع صوتاً واحداً فقط ، صوت بكائها الممض . ولم أفعل شيئاً . جلست حيث أنا بلا حراك وتركتها تبكي وحدها لليل حتى سكتت . وكان لا بد أن أقول شيئاً ، فقلت : ( التعلق بالماضي لا ينفع أحداً . عندك الولدان ، وأنت ما زلت شابة في مقتبل العمر . فكري في المستقبل . ومن يدري ، لعلك تقبلين واحداً من الخطاب العديدين الذين يطلبونك ) . ..

أجابت فوراً ، يحرم والأمر أدهشني : ( بعد مصطفى سعيد لا أدخل على رجل ) . ولم أكن أنوي أن أقول لها ذلك ، ولكنني قلت : ( ود الريس يريد زواجك ، وأبوك وأهلك لا يمانعون . كلفني أن أتوسط له عندك ) .

وصمتت فترة طويلة حتى ظننت أنها لن تقول شيئاً ، وفكرت في أن أقوم وأذهب . وأخيراً أحسست بصوتها في الظلام كأنه نصل : ( إذا أجبروني على الزواج ، فإنني سأقتله وأقتل نفسي ) .

وفكرت في عدة أشياء أقولها ، لكنني ما لبثت أن سمعت المؤذين ينادي : ( الله أكبر . الله أكبر ) لصلاة العشاء ، فوقفت هي أيضاً ، وخرجت دون أن أقول شيئاً . وأن أشرب قهوة الصباح جاءني ود الريس . كنت أنوي الذهاب إلى داره ولكنه لم يمهلني . قال إنه جاء ليذكرني بدعوة البارحة ، ولكنني كنت أعلم أنه لم يستطع الصبر فجاء ليعرف مني نتيجة وساطتي . قلت له حالماً جلس : ( لا فائدة . إنها لا تريد الزواج إطلاقاً . لو كنت منك لتركت هذا الموضوع البتة ) .

لم أكن أحسب أن الخبر سيقع عليه كما وقع فعلاً . لكن ود الريس الذي يبدل النساء كما يبدل الحمير ، يجلس أمامي

لآن . وجهه مؤبد وجفناه يرتعشان ، وقد عض شفته السفلى حتى كان يقطعها . أخذ يتململ في مقعده وينقر الأرض في عصبية بالغة بعصاه . خلع حذاءه من رجله اليمنى ولبسه عدة مرات ، وكان يتأهب للقيام ثم يجلس ، ويفتح فمه كأنه يريد أن يتكلم ثم يسكت . يا للعجب هل معقول أن ود الريس عاشق ؟ وقلت له : ( لن تعدم امرأة غيرها تتزوجها ) .

قال وعيناه الذكيتان لم تعودا ذكيتين ، أصبحتا كرتين من الزجاج قد استقرتا على حالة واحدة جامدة : ( لن أتزوج غيرها . ستقبلني وأنفها صاغرة . هل تظن أنها ملكة أو أميرة ؟ الأرمل في هذا البلد أكثر من جوع البطن . تحمد الله أنها وجدت زوجاً مثلي ) .

قلت له : ( إن كانت امرأة كسائر النساء فلماذا الإصرار ؟ أنت تعلم أنها رفضت رجالاً غيرك ، بعضهم أصغر منك سناً . إذا أرادت أن تتفرغ لتربية ولديها فلماذا لا تتركونها وشأنها ؟ ) . بغتة تدفق من ود الريس غضب جنوني لم أكن أظن أنه من طبيعته . ثار ثورة عارمة ، وقال شيئاً أدهشني حقيقة : ( أسأل نفسك لماذا ترفض بنت محمود الزواج . أنت السبب . لا شك أن بينك وبينها شيئاً . ما دخلك أنت ؟ أنت لست أباها ولا أخاها ولا ولي أمرها . إنها ستتزوجني رغم أنفك وأنفها . أبوها قبل وأخواتها قبلوا . الكلام الفارغ الذي تتعلمونه في ..

المدارس لا يسير عندنا . هذا البلد فيه الرجال قوامون على النساء ) . ولا أعلم ماذا كان يحدث لولا أن أبي دخل في تلك اللحظة ، وقمت فوراً وخرجت .

ورحت إلى محجوب في حقله . كان محجوب في مثل سني ، قضينا طفولتنا معاً ، وكنا نجلس على درجين متلاصقين في المدرسة الأولية . وكان أذكى مني . ولما انتهينا من مرحلة التعليم الأولي . قال محجوب : ( هذا القدر من التعليم يكفي ، القراءة والكتابة والحساب . نحن ناس مزارعون مثل آبائنا وأجدادنا . كل ما يلزم المزارع من التعليم ، ما يمكنه من كتابة الخطابات وقراءة الجرائد ومعرفة فروض الصلاة . وإذا كانت لنا مشكلة نعرف نتفاهم مع الحكام ) .

مضيت أنا في ذلك السبيل ، وتحول محجوب إلى طاقة فعالة في البلد ، فهو اليوم رئيس للجنة المشروع الزراعي ، والجمعية التعاونية ، وهو عضو في لجنة الشفخانة التي كادت تتم ، وهو على رأس كل وفد يقوم إلى مركز المديرية لرفع الظلامات . وحين جاء الاستقلال أصبح محجوب من زعماء الحزب الوطني الاشتراكي الديمقراطي في البلد . كنا أحياناً نتذاكر أيام الطفولة في القرية فيقول لي : ( لكن أنظر أين أنت الآن وأين أنا . أنت صرت موظفاً كبيراً في الحكومة وأنا مزارع في هذه البلدة المقطوعة ) . وأقول له بإعجاب حقيقي : ( أنت الذي نجحت

لا أنا ، لأنك تؤثر على الحياة الحقيقة في القطر . أما نحن فموظفون لا نقدم ولا نؤخر . الناس أمثالك هم الورثاء الشرعيون للسلطة . أنتم عصب الحياة . أنت ملح الأرض ) . ويضحك محجوب ويقول : ( إذا كنا نحن ملح الأرض فهي أرض ماسخة ) .

ضحك أيضاً بعد أن سمع قصتي مع ود الريس وقال : ( ود الريس رجل مخرف لا يعني ما يقول ) . قلت له : ( أنت تعلم أن علاقتي بها علاقة يمليها الواجب لا أكثر ولا أقل ؟ ) . فقال محجوب : ( لا تلتفت لتخريف ود الريس . سمعتك في البلد لا تشوبها شائبة . أهل البلد كلهم يلهجون بحمدك لأنك تقوم بالواجب نحو أولاد مصطفى سعيد ، رحمه الله ، خير قيام لقد كان على أي حال رجلاً غريباً لا تربطك به رابطة ) . وسكت قليلاً ثم قال : ( إنما إذا كان أبو المرأة وإخوانها راضين فلا حيلة لأحد ) .

قلت له : ( ولكن إذا كانت لا تريد الزواج ..) وقاطعني قائلاً : ( أنت لا تعرف نظام الحياة هنا . المرأة للرجل ، والرجل رجل حتى لو بلغ أرذل العمر ) . قلت له : ( ولكن إذا كانت لا تريد الزواج .. ) وقاطعني قائلاً : ( في هذا العصر ) . ..

وقال محجوب : ( الدنيا لم تتغير بالقدر الذي تظنه . تغيرت أشياء . طلمبات الماء بدل السواقي ، محاريث من حديد بدل محاريث الخشب . أصبحنا نرسل بناتنا للمدارس . راديوهات . أوتومبيلات . تعلمنا شرب الويسكي والبيرة بدل العرقي والمريسة . لكن كل شيء كما كان ) . وضحك محجوب وهو يقول : ( الدنيا تتغير حقيقة حين يصير أمثالي وزراء في الحكومة ) . وأضاف وهو ما يزال يضحك : ( وهذا طبعاً من رابع المستحيلات ) .

قلت لمحجوب ، وقد سرى عني : ( هل تظن أن ود الريس وقع في غرام حسنه بنت محمود ؟ ) . قال محجوب : ( لا يستبعد . ود الريس رجل صبابة . وهو منذ سنتين يلهج بذكرها . وقد طلبها من قبل وأبوها قبل ولكنها رفضت . وانتظروا لعلها تقبل مع مرور الزمن ) . قلت لمحجوب : ( لكن لماذا هذا الغرام الفجائي ؟ ود الريس يعرف حسنه بنت محمود منذ كانت طفلة . هل تذكرها وهي طفلة شرسة تتسلق الشجر وتصارع الأولاد ؟ كانت وهي فتاة تسبح معنا عارية في النهر . ماذا جد الآن ؟ ) .

وقال محجوب : ( ود الريس كهؤلاء الناس المغرمين باقتناء الحمير ، الواحد منهم لا تعجبه الحمارة إلا إذا رأى رجلاً آخر راكباً عليها . يراها حينئذ جميلة يسعى جاهداً لشرائها حتى ..

ولو دفع فيها أكثر مما تستحق ) . وصمت مدة يفكر ثم قال : ( ولكن الحقيقة أن بنت محمود قد تغيرت بعد زواجها من مصطفى سعيد . كل النسوان يتغيرن بعد الزواج لكنها هي خصوصاً تغيرت تغيراً لا يوصف . كأنها شخص آخر . حتى نحن أندادها الذين كنا نلعب معها في الحي ، ننظر إليها اليوم فنراها شيئاً جديداً ، هل تعرف ؟ كنساء المدن ) .

وسألت محجوب عن مصطفى سعيد فقال : ( رحمه الله . كان يحترمني وكنت أحترمه . لم تكن الصلة بيننا وثيقة أول الأمر . ولكن عملنا معاً في لجنة المشروع قرب بيننا . موته كان خسارة لا تعوض . هل تعلم ، أنه ساعدنا مساعدة قيمة في تنظيم المشروع . كان يتولى الحسابات . خبرته في التجارة أفادتنا كثيراً . وهو الذي أشار علينا باستغلال أرباح المشروع في إقامة طاحونة للدقيق . لقد وفرت علينا أتعاباً كثيرة ، وأصبح الناس اليوم يجيئونها من أطراف البلد . وهو الذي أشار علينا أيضاً بفتح دكان تعاوني . الأسعار الآن عندنا لا تزيد عن الأسعار في الخرطوم . زمان ، كما تعلم ، كانت البضائع تأتي مرة أو مرتين في الشهر بالباخرة . كان التجار يخزنونها حتى تنقطع كلية من السوق ، ثم يبيعونها بأضعاف مضاعفة . المشروع يملك اليوم عشرة لواري تجلب لنا البضائع كل يوم والآخر مباشرة من الخرطوم وأم درمان . ورجوته أكثر من مرة أن يتولى الرئاسة ولكنه كان يرفض ..

ويقول إنني أجدر منه . العمدة والتجار كانوا يكرهونه كراهية شديدة لأنه فتح عيون أهل البلد وأفسد عليهم أمرهم بعد موته قامت إشاعات بأنهم دبروا قتله . مجر كلام . لقد مات غرقاً . عشرات الرجال ماتوا غرقاً ذلك العام . كان عقلية واسعة . ذلك هو الرجل الذي كان يستحق أن يكون وزيراً في الحكومة لو كان يوجد عدل في الدنيا .

فقلت لمحجوب : ( السياسة أفسدتك . أصبحت لا تفكر إلا في السلطة . دعك من الوزارات والحكومة وحدثني عنه كإنسان . أي نوع من الناس كان هو ؟ ) .

وظهرت الدهشة على وجهه وقال : ( ماذا تقصد أي نوع من الناس ؟ إنه كان كما ذكرت لك ) . ولم أستطع أن أجد الكلمات المناسبة لأوضح لمحجوب قصدي . وقال هو : ( مهما يكن .. ايش السبب في اهتمامك بمصطفى سعيد ؟ لقد سألتني عنه كذا مرة من قبل ؟ ) . واستطرد محجوب قبل أن أرد على كلامه : ( تعرف ؟ لا افهم لماذا جعلك وصياً على ولديه . طبعاً أنت تستحق شرف الأمانة وقد قمت بها خير قيام . لكنك كنت أقلنا معرفة به . نحن معه هنا في البلد ، وأنت كنت تراه من العام إلى العام . كنت أتوقع أن يجعلني أو يجعل جدك وصياً . جدك كان صديقه الحميم . كان يحب الاستماع إلى حديثه . كان يقول ..

لي : تعرف يا محجوب ؟ حاج أحمد رجل فريد من نوعه . وكنت أقول له : حاج أحمد رجل مخرف . فيزعل جداً ويقول : ( لا ، لا تقل هذا . حاج أحمد جزء من التاريخ ) . قلت لمحجوب : ( أنا على أي حال وصي اسمياً . الوصي الحقيقي هو أنت . الولدان هنا معك . وأنا بعيد في الخرطوم ) . فقال محجوب : ( إنهما ولدان ذكيان مؤدبان . فيهما مخايل أبيهما . سيرهما في الدراسة أحسن ما يكون ) . فقلت له : ( ماذا يحدث لهما إذا تم موضوع الزواج المضحك الذي يريده ود الريس ؟ ) . فقال محجوب : ( هون عليك . حتماً ود الريس سينشغل بامرأة أخرى . وعلى أسوأ الفروض تتزوجه . لا أظنه يعيش أكثر من عام أو عامين . وبكون لها سهم في أرضه وزرعه الكثير ) . ثم ، مثل ضربة مفاجئة تنزل على أم الرأس ، نزل علي قول محجوب : ( لماذا لا تتزوجها أنت ؟ ) خفق قلبي بين جنبي خفقاناً كاد يفلت زمامه من يدي . ولم أجد الكلمات إلا بعد مدة . قلت لمحجوب وصوتي يرتجف : ( لا شك أنك تمزح ) . فقال : ( جد . لماذا لا تتزوجها ؟ أنا متأكد أنها ..

ستقبل . أنت وصي على الولدين ، وبالأحرى أن تتم الموضوع وتصبح أباً ) وأحسست بعطرها ليلة أمس ، وتذكرت الأفكار التي نبتت في رأسي بشأنها في الظلام . وسمعت محجوب يضحك ويقول : ( لا تقل لي أنك زوج وأب . الرجال يتزوجون على زوجاتهم كل يوم . لن تكون أولهم ولا آخرهم ) . وقلت لمحجوب ، وقد استعدت سيطرتي على نفسي ، وأنا أضحك أيضاً : ( أنت مجنون حقاً ) .

تركت وذهبت ، وإن كنت قد أيقنت من حقيقة ستأخذ كثيرة من راحة بالي فيما بعد . إنني ، بشكل أو بآخر ، أحب حسنة بنت محمود ، أرملة مصطفى سعيد . أنا ، مثله ومثل ود الريس وملايين آخرين ، لست معصوماً من جرثومة العدوى التي يتنزى بها جسم الكون .

احتفلنا بختان الولدين وعدت للخرطوم . تركت زوجتي وابنتي في البلد ، وسافرت في الطريق الصحراوي في سيارة من سيارات المشروع التي ذكرها محجوب . كنت أسافر عادة بالباخرة إلى ميناء كريمة النهري ، ومن هناك آخذ القطار ماراً بأبي حمد وأتبرا إلى الخرطوم . لكنني هذه المرة كنت في عجلة من أمري دون سبب واضح ، ففضلت اختصار الطريق . وقامت السيارة في أول الصباح ، وسارت شرقاً حذاء النيل نحو ساعتين ، ثم اتجهت جنوباً في زاوية مستقيمة وضربت في الصحراء . لا يوجد مأوى من الشمس التي تصعد في السماء بخطوات بطيئة وتصب أشعتها على الأرض كأن بينهما وبين أهل الأرض ثأراً قديماً . لا مأوى سوى الظل الساخن في جوف السيارة ، وهو ليس ظلاً . طريق ممل يصعد ويهبط ، لا شيء يغري العين . شجيرات مبعثرة في الصحراء ، كلها أشواك ، ليست لها أوراق ، أشجار بائسة ليست حية ولا ميتة . تسير السيارة ساعات دون أن يعترض ..

طريقها إنسان أو حيوان . ثم نمر بقطيع من الجمال هي الأخرى عجفاء ضامرة . لا توجد سحابة واحدة تبشر بالأمر في هذه السماء الحارة ، كأنها غطاء الجحيم . اليوم هنا شيء لا قيمة له ، مجرد عذاب يتعذبه الكائن الحي في انتظار الليل . الليل هو الخلاص . وفي حالة تقرب من الحمى طافت برأسي نتف من أفكار ، كلمات من جمل ، وصور لوجوه وأصوات تجيء كلها يابسة كالأعاصير الصغيرة التي تهب في الحقول البور . فيما العجلة ؟ سألتني : ( فيم العجلة ؟ ) قالت : ( ولماذا تمكث أسبوعاً آخر ؟ ) قالت .. الحمارة السوداء ، إعرابي غش عمك وباعه الحمارة السوداء . وقال أبي : ( هل هذا شيء يثير الغضب ؟ ) عقل الإنسان ليس محفوظاً في ثلاجة . إنها هذه الشمس التي لا تطاق . تذوب المخ ، تشل التفكير . ومصطفى سعيد ، وجهه ينبع واضحاً في خيالي كما رأيته أول يوم ، ثم يضيع في أزيز محركات السيارة ، وصوت احتكاك بحصى الصحراء ، وأحاول جاهداً استعادته فلا أستطيع . يوم الاحتفال بختان الولدين ، خلعت حسنة الثوب عن رأسها ورقصت كما تفعل الأم يوم ختان ولديها . يا لها من امرأة . لماذا لا تتزوجها أنت ؟ كيف كانت ايزابيلا سيمور تناجيه ؟ ( اغتلني أيها الغول الأفريقي . احرقني في نار معبدك أيها الإله الأسود . دعني أتلوى في طقوس صلواتك العربيدة المهيجة ) وها هنا منبع النار . ها هو المعبد . لا شيء . الشمس والصحراء ونباتات يابسة وحيوانات عجفاء . ويهتز كيان ..

السيارة حين تنحدر في واد صغير . وتمر بعظام جمل نفق من العطش في هذا التيه . ويعود إلى خيالي وجه مصطفى سعيد في وجه ابنه الأكبر . إنه أكثر الولدين شبهاً به . يوم حفلة الختان أنا ومحجوب شربنا أكثر مما يجب . الناس في بلدنا لرتابة الحياة عندهم يجعلون من أي حدث سعيد مهما صغر عذراً لإقامة حفل كحفل العرس . جررته من يده في الليل ، والمغنون يغنون والرجال يصفقون في قلب الدار . وقفنا أمام باب الغرفة تلك . قلت له : ( أنا وحدي عندي المفتاح . باب من الحديد ) . قال لي محجوب بصوته المخمور : ( هل تدري ما بداخلها ؟ ) قلت له : ( نعم ) قال : ( ماذا ؟ ) فقلت وأنا أضحك تحت وطأة الخمر : ( لا شيء . لا شيء إطلاقاً ) . هذه الغرفة عبارة عن نكتة كبيرة . كالحياة . تحسب فيها سراً وليس فيها شيء . ( لا شيء إطلاقاً ) . وقال محجوب : ( أنت سكران ، هذه الغرفة مليئة من أرضها إلى سقفها بالكنوز . ذهب ، وجواهر ، ودرر ولآلئ . هل تعلم من هو مصطفى سعيد ؟ ) قلت له أن مصطفى سعيد كان أكذوبة ، وضحكت مرة أخرى ضحكة مخمورة وقلت له : ( هل تريد أن تعرف حقيقة مصطفى سعيد ؟ ) فقال محجوب : ( أنت لست سكران بل مجنوناً أيضاً . مصطفى سعيد هو في الحقيقة نبي الله الخضر . يظهر فجأة ويغيب فجأة . والكنوز التي في هذه الغرفة هي كنوز الملك سليمان حملها الجان إلى هنا . وأنت ..

عندك مفتاح الكنز. ( افتح يا سمسم ودعنا نفرق الذهب والجواهر على الناس ) . وكاد محجوب يصرخ ويجمع الناس لولا أنني أغلقت فمه بيدي . وفي الصباح استيقظ كل واحد منا في بيته لا ندري كيف وصلنا . والطريق لا ينتهي عند حد ، والشمس لا تكل . لا غرو أن مصطفى سعيد هرب إلى زمهرير الشمال . إيزابيلا سيمور قالت له : ( المسيحيون يقولون أن إلههم صلب ليحمل وزر خطاياهم . إنه إذن مات عبثاً . فما يسمونه الخطيئة ما هو إلا زفرة الاكتفاء بمعانقتك يا إله وثنيتي . أنت إلهي ، ولا إله غيرك ) . لا بد أن هذا هو سبب انتحارها ، وليس مرضها بالسرطان . كانت مؤمنة حين قابلته . كفرت بدينها وعبدت إلها كعجل بني إسرائيل . يا للغرابة . يا للسخرية . الإنسان لمجرد أنه خلق عند خط الاستواء ، بعض المجانين يعتبرونه عبداً وبعضهم يعتبرونه إلهاً . أين الاعتدال ؟ أين الاستواء ؟ وجدي بصوته النحيل وضحكته الخبيثة حين يكون على سجيته ، أين وضعه في هذا البساط الأحمدي ؟ هل هو حقيقة كما أزعم أنا وكما يبدو هو ؟ هل هو فوق هذه الفوضى ؟ لا أدري . ولكنه بقي على أي حال ، رغم الأوبئة وفساد الحكم وقسوة الطبيعة . وأنا موقن أن الموت حين يبرز له سيبتسم هو في وجه الموت . ألا يكفي هذا ؟ هل ابن آدم مطالب بأكثر من هذا ؟ وبرز لنا من وراء التل إعرابي جاء يهرول نحونا ، وقطع الطريق على السيارة فتوقفنا . بدنه وثيابه بلون الأرض . وسأله السائق ماذا ..

يريد ؟ قال : ( أعطوني سيجارة أو تنباك لوجه الله . لي يومان لم أذق طعم التنباك ) . لم يكن عندنا تنباك فأعطيته سيجارة . وقلنا بالمرة نقف قليلاً ونستريح من عناء الجلوس . لم أرَ في حياتي إنساناً يشرب السجائر بتلك اللهفة . جلس الإعرابي على مؤخرته وأخذ يشفط الدخان بنهم فوق الوصف . بعد دقيقتين مد يده فأعطيته سيجارة أخرى . التهمها كما فعل مع الأولى . ثم أخذ يتلوى على الأرض كأنه مصاب بالصرع . وبعدها تمدد على الأرض وطوق رأسه بيديه وهمد تماماً كأنه ميت . وظل هكذا طول مكوثنا ، زهاء ثلث ساعة . ولما دارت محركات السيارة ، هب واقفاً ، إنساناً بعث إلى الحياة ، وأخذ يحمدني ويدعو الله لي بطول العمر ، فرميت له علبة السجائر بما بقي فيها . وثار الغبار خلفنا ، وراقبت الإعرابي يجري نحو خيام مهلهلة عند شجيرات ناحية الجنوب . عندها غنيمات وأطفال عراة . أين الظل يا إلهي ؟ مثل هذه الأرض لا تنبت إلا الأنبياء . هذا القحط لا تداويه إلا السماء . والطريق لا ينتهي والشمس لا ترحم ، والسيارة الآن تولول ولولة على أرض من الحصى مبسوطة كالمائدة . ( إنا قوم منقطع بنا فحدثونا أحاديث نتجمل بها ) . من قال هذا ؟ ثم : ( كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ) . والسائق لا يتكلم . امتداد للمكنة التي يديرها ، يلعنها أحياناً ويشتمها ، والأرض حولنا دائرة غرقى في السراب . ( وظل يرفعنا آل ويخفضنا آل وتلفظنا بيد إلى بيد ) . محمد سعيد العباسي ، ..

يا له من شاعر . وأبو نواس ( شربنا شرب قوم ظمئوا من عهد عاد ) . هذه أرض اليأس والشعر ولا أحد يغني . ولقينا سيارة حكومية معطلة حولها خمسة عساكر وشاويش متدرعين البنادق . وقفنا . شربوا من مائنا وأكلوا من زادنا وأعطيناهم البنزين . قالوا إن امرأة من قبيلة المريصاب قتلت زوجها والحكومة ذاهبة لتقبض عليها . ما اسمها ؟ ما اسمه ؟ لماذا قتلته ؟ لا يعلمون فقط إنها من قبيلة المريصاب وأنها قتلته وأنه زوجها . ولكنهم سيعرفونه . قبائل المريصاب والهواوير والكبابيش . القضاة المقيم منهم والمتنقل . مفتش شمالي كردفان ، مفتش جنوبي الشمالية ، مفتش شرقي الخرطوم . الرعاة على مساقط الماء . المشايخ والنظار . البدو في خيام الشعر ، في مفارق الوديان . كلهم سيعرفون اسمها ، فليس كل يوم تقتل امرأة رجلاً ، بله زوجها ، في هذه الأرض التي لم تترك الشمس فيها قتلاً لقاتل . وخطرت لي فكرة ، قلبتها في ذهني ثم قررت أن أعبر عنها وأرى ما يحدث . قلت لهم إنها لم تقتله بل هو مات من ضربة الشمس ، كما ماتت إيزابيلا سيمور وشيلا غرينود وآن همند وجين مورس . لم يحدث شيء . وقال الشاويش : ( كان عندنا قمندان بوليس ملعون اسمه ماجور كوك ) . لا فائدة . لا دهشة . وساروا وسرنا . الشمس هي العدو . إنها الآن في كبد السماء تماماً ، كما يقول العرب . يا للكبد الحرى . وستظل هكذا ساعات لا تتحرك ، أو هكذا يخيل للكائن الحي ، حتى يئن الحجر ويبكي ..

الشجر ويستغيث الحديد . بكاء امرأة تحت رجل عن الفجر ، وفخذان بيضاوان مفتوحتان . هما الآن كعظام الجمال الجافة المتناثرة في الصحراء . لا طعم . لا رائحة ، لا خير . لا شر . عجلات السيارة تصدم الحصى بحقد . طريقه المعوج سرعان ما يؤدي به إلى كارثة . وفي الغالب تكون الكارثة واضحة أمامه وضوح الشمس ، بحيث أننا نعجب كيف كان رجلاً ذكياً كهذا ، هو في الحقيقة في غاية الغباء . إنه منح قدراً عظيماً من الذكاء ولكنه حرم الحكمة . إنه أحمق ذكي . هذا ما قاله القاضي في ( الأولد بيلي ) قبل أن يصدر الحكم . والطريق لا ينتهي والشمس . سأكتب لمسز روبنسن . تعيش في شانكلن في آيل أوف وايت . علق عنوانها بذاكرتي من حديث مصطفى سعيد تلك الليلة . زوجها مات بالتايفوئيد ودفن في القاهرة في مقبرة الإمام الشافعي . نعم ، اعتنق الإسلام . مصطفى سعيد قال أنها حضرت المحاكمة من أولها إلى آخرها . كان هادئاً طوال المدة . بعد أن صدر الحكم بكى على صدرها . مسحت رأسه وقبلته على جبهته وقالت : ( لا تبك يا طفلي العزيز ) . لم تكن تحب جين مورس . حذرته من زواجها . سأكتب لها فلعلها تلقي الضوء ، لعلها تذكر أشياء هو نسيها أو أهمل ذكرها . وانتهت الحرب فجأة بالنصر . شفق المغيب ليس دماً ولكنه حناء في قدم المرأة ، والنسيم الذي يلاحقنا من وادي النيل يحمل عطراً لن ينضب في خيالي ما دمت حياً . وكما تحط ..

قافلة رحالها حططنا رحلنا . بقي من الطريق أقله . طعمنا وشربنا . صلى أناس صلاة العشاء ، والسواق ومساعدوه أخرجوا من أضابير السيارة قناني الخمر ، وأنا استلقيت على الرمل وأشعلت سيجارة وتهت في روعة السماء . والسيارة أيضاً سُقيت الماء والبنزين والزيت ، وهي الآن ساكنة راضية كمهرة في مراحها . انتهت الحرب بالنصر لنا جميعاً ، الحجارة والأشجار والحيوانات والحديد ، وأنا الآن تحت هذه السماء الجميلة الرحيمة أحس أننا جميعاً أخوة . الذي يسكر والذي يصلي والذي يسرق والذي يزني والذي يقاتل والذي يقتل . الينبوع نفسه . ولا أحد يعلم ماذا يدون في خلد الإله . لعله لا يبالي . لعله ليس غاضباً . في ليلة مثل هذه تحس أنك تستطيع أن ترقى إلى السماء على سلم من الحبال . هذه أرض الشعر والممكن وابنتي اسمها آمال . سنهدم وسنبني وسنخضع الشمس ذاتها لإرادتنا وسنهزم الفقر بأي وسيلة . السواق الذي كان صامتاً طوال اليوم هذا قد ارتفعت عقيرته بالغناء . صوت عذب سلسبيل لا تحسب أنه صوته . يغني لسيارته كما كان الشعراء في الزمن القديم يغنون لجمالهم :

دركسونك مخرطة وقايم على بولاد

وغير ست النفور الليلة ما في رقاد

وارتفع صوت آخر يجاوبه :

ناوين السفر من دار كول والكمبو ..

هوزز راسه فرحان بالسفر يقنبه

أب دومات غرفن عرقه اتنادن به

ضرب الفجة وأصبح ناره تاكل الجنبة

ثم نبع صوت ثالث يجاوب الصوتين :

واوحيحي ووا وجع قلبي

من صيدة القنص الفترت كلبي

القاري العلم من دينه بتسلبي

والماشي الحجاز من جدة بتقلبي

نحن هكذا وكل سيارة تمر بنا طالعة أو نازلة ، تقف ، حتى اجتمعت قافلة عظيمة ، أكثر من مائة رجل طعموا وشربوا وصلوا وسكروا . ثم تحلقنا حلقة كبيرة ، ودخل بعض الفتيان وسط الحلقة ورقصوا كما ترقص البنات . وصفقنا وضربنا الأرض بأرجلنا وحمحمنا بحلوقنا ، وأقمنا في قلب الصحراء فرحاً للاشيء . وجاء أحد بمذياعه الترانزستور ، وضعناه وسط الدائرة ، وصفقنا ورقصنا على غنائيه . وخطرت لأحد فكرة ، فصف السواقون سياراتهم على هيئة دائرة وسطوا أضوائها على حلقة الرقص ، فاشتعلت شعلة من الضوء لا أحسب تلك البقعة رأت مثلها من قبل . زغرد الرجال كما تزغرد النساء وانطلقت أبواق السيارات جميعاً في آن واحد . وجذب الضوء والضجة البدو من شعاب الوديان وسفوح التلال المجاورة ، رجال ونساء ، قوم لا تراهم بالنهار ..

كأنهم يذوبون تحت ضوء الشمس . اجتمع خلق عظيم ودخلت الحلقة نساء حقيقيات ، لو رأيتهن نهاراً لما أعرتهن نظرة ، ولكنهن جميلات في هذا الزمان والمكان . وجاء إعرابي بخروف وتكأه وذبحه وشوى لحمه على نار أوقدها . وأخرج أحد المسافرين من السيارة صندوقين من البيرة وزعهما وهو يهتف : ( في صحة السودان ، في صحة السودان ) . ودارت صناديق السجائر وعلب الحلوى ، وغنت الإعرابيات ورقصن ، وردد الليل والصحراء أصداء عرس عظيم كأننا قبيل من الجن . عرس بلا معنى ، مجر عمل يائس نبع ارتجالاً كالأعاصير الصغيرة التي تنبع في الصحراء ثم تموت . وعند الفجر تفرقنا . عاد الأعراب أدراجهم إلى شعاب الأودية . تصايح الناس : ( مع السلامة . مع السلامة ) . وركضوا كل إلى سيارته . أزت المحركات ، وتحولت الأضواء من المكان الذي كان قبل لحظات مسرح أنس ، فعاد إلى سابق عهده ، جزء من الصحراء . واتجهت أضواء السيارات ، بعضها نحو الجنوب صوب النيل ، وبعضها نحو الشمال صوب النيل . وثار الغبار واختفى ثم ثار واختفى . وأدركنا الشمس على قمم جبال كرري أعلى أم درمان .

دارت الباخرة حول نفسها حتى لا تكون المحركات في مجرى التيار . كل شيء كما يحدث كل مرة . الصفارة المبحوحة ، والقوارب من الشاطئ المقابل ، شجر الجميز واللغط على رصيف المحطة . إلا من فارق عظيم . وخرجت وصافحني محجوب وهو يتجنبني بنظراته . كان وحده في استقبالي هذه المرة . وكان خجلاً كأنه يحس بالذنب ، أو كأنه يحملني أنا المسئولية . ولم أكد أصافحه حتى قلت له : ( كيف تركتم هذا يحدث ؟ ) قال محجوب وهو يسوي سرج الحمارة السوداء الطويلة ، حمارة عمي عبدالكريم : ( الذي كان الولدان بخير وهما عندي ) . إنني لم أفكر في الولدين طوال هذه الرحلة المشئومة . كنت أفكر فيها . قلت لمحجوب مرة أخرى : ( ماذا حدث ؟ ) لا يزال يتجنب وجهي . ظل صامتاً . أصلح الفروة على السرج ، وربط البطان حول بطن حماره . أزاح السرج إلى الأمام قليلاً وأمسك عنان اللجام ثم قفز . ظللت واقفاً أنتظر الرد الذي لم يأت فقفزت ..

أنا أيضاً . قال وهو يلكز حماره : ( كما أخبرتك في البرقية . لا فائدة من الخوض في الموضوع . لم نكن نتوقع حضورك على أي حال ) . قلت له أشجعه على الكلام : ( ليتني عملت بنصيحتك وتزوجتها ) . لم أستفد سوى أنني زدت صمته عمقاً . ولا بد أنه كان غاضباً ، فقد لكز الحمارة لكزة قوية بكعبه والحمارة لم تفعل شيئاً . قلت له وأنا ألاحقه ولا ألحقه : ( منذ وصلتني برقيتك وأنا لم آكل ولم أنم ولم أتكلم مع إنسان . ثلاثة أيام من الخرطوم بالقطار والباخرة وأنا أفكر وأسأل نفسي كيف حدث ما حدث ولا أجد الجواب ) . وكأنما رثى لحالي فقال بعطف : ( هذه أسرع مرة تعود فيها إلى البلد ) . قلت له : ( نعم . إثنان وثلاثون يوماً بالضبط ) . قال : ( هل من جديد في الخرطوم ؟ ) قلت له : ( كنا مشغولين في مؤتمر ) . بدا الإهتمام على وجهه . فإنه يحب أخبار الخرطوم ، خاصة أخبار الفضائح والرشاوي وفساد الحكام . قال بإهتمام بالغ واضح ، وقد حز في نفسي أنه نسي ما نحن فيه : ( بماذا يتآمرون هذه المرة ؟ ) قلت له بإعياء ، وقد فضلت اختصار الطريق : ( وزارة المعارف نظمت مؤتمراً دعت له مندوبين عن عشرين قطراً أفريقياً لمناقشة سبل توحيد أساليب التعليم في القارة كلها . كنت أنا عضواً في سكرتارية المؤتمر ) . قال محجوب : ( فليبنوا المدارس أولا ثم يناقشوا توحيد التعليم . كيف يفكر هؤلاء الناس ؟ يضيعون الوقت في المؤتمرات والكلام الفارغ ونحن هنا ..

أولادنا يسافرون كذا ميلاً للمدرسة . ألسنا بشراً ؟ ألسنا ندفع الضرائب ؟ أليس لنا حق في هذا البلد ؟ كل شيء في الخرطوم . ميزانية الدولة كلها تصرف في الخرطوم . مستشفى واحد في مروي نسافر له ثلاثة أيام ، النساء يمتن أثناء الوضع . لا توجد داية واحدة متعلمة في هذا البلد . وأنت ماذا تصنع في الخرطوم ؟ ما الفائدة أن يكون لنا إبن في الحكومة ولا يفعل شيئاً ؟ ) .

كانت حمارتي قد فاتته ، فجذبت لحجامها حتى يلحق بي وآثرت الصمت . لو كان الوقت غير هذا الوقت لصرخت في وجهه ، فأنا وهو هكذا منذ طفولتنا ، يصرخ أحدنا على الآخر حين يغضب . ثم نرضى وننسى . ولكنني جائع ومتعب وقلبي مثقل بهم عظيم . لو كان الزمان أحسن مما هو عليه الآن ، لأضحكته وأغضبته بقصص ذلك المؤتمر . لن يصدق أن سادة أفريقيا الجدد ، ملس الوجوه ، أفواههم كأفواه الذئاب ، تلمع في أيديهم ختم من الحجارة الثمينة ، وتفوح نوصيهم برائحة العطر ، في أزياء بيضاء وزرقاء وسوداء وخضراء من الموهير الفاخر والحرير الغالي تنزلق على أكتافهم كجلود القطط السيامية ، والأحذية تعكس أضواء الشمعدانات ، تصر صريراً على الرخام لن يصدق محجوب أنهم تدارسوا تسعة أيام في مصري التعليم في أفريقياً في ( قاعة الإستقلال ) التي بنيت لهذا الغرض ، وكلفت أكثر من مليون جنيه ، صرح ..

من الحجر والأسمنت والرخام والزجاج ، مستديرة كاملة الإستدارة ، وضع تصميمها في لندن ، ردهاتها من رخام ابيض جلب من إيطاليا ، وزجاج النوافذ ملون ، قطع صغيرة مصفوفة بمهارة في شبكة من خشب التيك ، أرضية القاعة مفروشة بسجاجيد عجمية فاخرة ، والسقف على شكل قبة مطلية بماء الذهب ، تتدلى من جوانبها شمعدانات كل واحد منها بحجم الجمل العظيم . المنصة حيث تعاقب وزراء التعليم في أفريقيا طوال تسعة أيام من رخام أحمر كالذي في قبر نابليون في الانفاليد ، وسطحها أملس لماع من خشب الأبنوس . على الحيطان لوحات زيتية ، وقبالة المدخل خريطة واسعة لأفريقيا من المرمر الملون ، كل قطر بلون . كيف أقول لمحجوب أن الوزير الذي قال في خطابه الضافي الذي قوبل بعاصفة من التصفيق : ( يجب ألا يحدث تناقض بين ما يتعلمه التلميذ في المدرسة وبين واقع الشعب . كل من يتعلم اليوم يريد أن يجلس على مكتب وثير تحت مروحة ويسكن في بيت محاط بحديقة مكيف الهواء يروح ويجيء في سيارة أمريكية بعرض الشارع . إننا إذا لم نجتث هذا الداء من جذوره تكونت عندنا طبقة برجوازية لا تمت إلى واقع حياتنا بصلة ، وهي أشد خطراً على مستقبل أفريقيا من الاستعمار نفسه ) كيف أقول لمحجوب أن هذا الرجل بعينه يهرب أشهر الصيف من أفريقيا إلى فيلته على بحيرة لوكارنو ، وأن زوجته تشتري حاجياتها من هرودز في لندن ، تجيئها في طائرة خاصة ، وأن ..

أعضاء وفده أنفسهم يجاهرون بأنه فاسد مرتش ، ضيع الضياع وأقام تجارة وعمارة ، وكون ثروة فادحة من قطرات العرق التي تنضح على جباه المستضعفين أنصاف العارة في الغابات ؟ هؤلاء قوم لا هم لهم إلا بطونهم وفروجهم . لا يوجد عدل في الدنيا ولا اعتدال . وقد قال مصطفى سعيد : ( إنما أنا لا أطلب المجد ، فمثلي لا يطلب المجد ) . لو أنه عاد عودة طبيعية لانضم إلى قطيع الذئاب هذا . كلهم يشبهونه ، وجوه وسيمة ووجوه وسمتها النعمة . وقد قال أحد الوزراء أولئك في حفلة اختتام المؤتمر أنه كان أستاذه . أول ما قدموني له هتف : ( إنك تذكرني بصديق عزيز كنت على صلة وثيقة به في لندن . الدكتور مصطفى سعيد . كان أستاذي عام 1928. كان هو رئيساً لقسم الكفاح لتحرير أفريقيا وكنت أنا عضواً في اللجنة . يا له من رجل . إنه من أعظم الأفريقيين الذين عرفتهم . كانت له صلات واسعة . يا إلهي ، ذلك الرجل كانت النساء تتساقط عليه كالذئاب . كان يقول سأحرر أفريقيا ب .. ي ) . وضحك حقتى بانت مؤخرة حلقه . وأردت أن أسأله ، لكنه اختفى في زحمة الرؤساء والوزراء . مصطفى سعيد لم يعد يعنيني الآن ، فقد شغلت عنه بنفسي . برقية محجوب غيرت كل شيء . حين قرأت رد مسز روبنسن على رسالتي أول مرة أحسست بفرح عظيم . وفي القطار قرأتها للمرة الثانية ، محاولاً أن أبعد أفكاري عن تلك النقطة التي صارت محور دورانها . ولكن دون جدوى .

ومضت الحمير تتقاذف الحجارة بأظلافها ، وقال محجوب : ( لماذا صمت كأنك أبكم ؟ لماذا لا تقول شيئاً ؟ ) قلت له : ( الموظفون أمثالي لا يستطيعون أن يغيروا شيئاً . إذا قال سادتنا افعلوا كذا فعلنا . أنت رئيس الحزب الوطني الإشتراكي الديمقراطي هنا . إنه الحزب الحاكم . لماذا لا تصب غضبك عليهم ؟ ) .

وقال محجوب كالمعتذر : ( لولا .. لولا أن هذه الكارثة قد .. يوم الحادث كنا نتأهب للسفر في وفد للمطالبة ببناء مستشفى كبير ومدرسة وسطى للبنين ومدرسة أولية للبنات ومدرسة زراعة و .. ) وقطع خطبته فجأة ولاذ بصمته الغاضب . ونظرت أنا إلى النهر إلى يسارنا يلمع بالخطر ويدوي بأصوات مبهمة . ثم أمامنا القباب العشر وسط المقبرة . وحزت الذكرى في قلبي ، وقال محجوب : ( دفناها أول الصباح دون ضوضاء . أمرنا الناس ألا يبكين . لم نقم مأتماً ولم نخبر أحداً . كان سيجيئنا البلويس . وتحقيق وفضائح ) . قلت له بذعر : ( لماذا البوليس ؟ ) نظر إلي برهة ثم سكت ، وبعد مدة طويلة قال : ( أنه أعطى ود الريس وعداً . عقدوا له عليها . أبوها شتمها وضربها وقال لها : تتزوجينه رغم أنفك ، أنا لم أحضر العقد . لم يحضر أحد العقد غير بكري وجدك وبنت مجذوب . أصدقاؤه . أنا شخصياً حاولت أن أثني ود الريس ..

عن عزمه ، ولكنه أصر . كأنما أصابه هوس ، وكلمت أباها فقال أنه لا يصبح أضحوكة ، يقول الناس إبنته لا تسمع كلامه . بعد الزواج قلت لود الريس يأخذها بالسياسة . أقامت عنده أسبوعين لا تكلمه ولا يكلمها . كانت .. كان في حالة لا توصف . كالمجنون . اشتكى لطوب الأرض. يقول كيف تكون في بيته امرأة تزوجها بسنة الله ورسوله ولا يكون بينهما ما يكون بين الزوج وزوجته . كنا نقول له أصبر . ثم .. ، الحمار والحمارة نهقا بغتة في آن واحد حتى كدت أسقط من على السرج . ولبثت أسأل يومين بطولهما ولا أحد يقول لي . كلهم كانوا يتجنبونني بنظراتهم كأنهم شركاء في إثم عظيم . وقالت أمي : ( لماذا تركت عملك وجئت ؟ ) قلت لها : ( الولدان) . نظرت إلي برهة نظرة فاحصة وقالت : ( الأولاد ، أم ، أم الأولاد ؟ ماذا بينك وبينها ؟ جاءت لأبيك وقالت له بلسانها : قولوا له يتزوجني . بالجرأة وفراغة العين . ( نساء آخر زمن ) . وكله كوم والفعل القبيح الذي فعلته كوم ) .

وجدي أيضاً لم يسعفني بشيء ، وجدته راقداً على سريره في حالة من الإعياء لم أعرفها فيه . كان كأنما ينبوع الحياة عنده قد نضب فجأة ، ظللت جالساً وظل هو لا يتكلم . فقط يتأوه من آن لآخر ، ويتقلب على سريره ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم . كلما فعل ذلك أحس بوخز ، كأن بيني ..

وبين الشيطان سبباً . وبعد انتظار طويل قال يخاطب سقف الغرفة : ( لعنة الله على النسوان . النسوان أخوات الشيطان . ود الريس ، ود الريس ) . وانفجر جدي يبكي . إنني لم أره يبكي في حياتي . بكى طويلاً ثم مسح دموعه بطرف ثوبه وصمت حتى ظننته قد نام . بعد زمن قال : ( كان رجلاً عديم النظر ، دائماً يضحك ، دائماً تجده وقت الشدة . لم يطلب منه أحد حاجة وقال لا . ليته سمع كلامي . ينتهي هذه النهاية . لا حول ولا قوة إلا بالله . أول مرة يحصل شيء مثل ذلك في هذا البلد منذ خلقه الله . محن آخر زمن ) . تشجعت وسألته : ( ماذا حدث ؟ ) .

لم يحفل بسؤالي وتشاغل زمناً بمسبحته ثم قال : ( تلك القبيلة لا تجيء من ورائها إلا الشر . قلت لود الريس : هذه المرأة شؤم . أبعد عنها إنما الأجل .. ) .

وفي صبيحة اليوم الثالث حملت زجاجة الوسكي في جيبي وذهبت إلى بنت مجذوب . إذا لم تقل لي بنت مجذوب فلن يقول لي أحد . وصبت بنت مجذوب من الزجاجة في إناء كبير من الألمون ، وقالت : ( لا بد أنك تريد شيئاً . نحن لا نعرف هنا مثل خمر المدن هذه ) .

قلت لها : ( أريد أن أعرف ما حدث . لا أحد يريد أن يخبرني ) .

شربت جرعة كبيرة من الإناء وقطبت وجهها وقالت : ( الفعل الذي فعلته بنت محمود لا يجري به اللسان . شيء ما رأينا ولا سمعنا بمثله لا في الزمن السابق ولا اللاحق ) . وتماسكت ، ولبثت أنتظر صابراً حتى مضى ثلث الزجاجة والخمر لا تؤثر فيها ، إلا من بهجة وجهها تزداد وضوحاً مع الشراب . أغلقت بنت محمود الزجاجة وقالت : ( هذا يكفي . خمر النصارى هذه جبارة ، ليست كعرق التمر ) نظرت إليها بضراعة فقالت : ( الكلام الذي سأقوله لك لن تسمعه من إنسان في البلد . دفنوه مع بنت محمود ومع ود الريس المسكين . كلام عيب صعب أن يقال ) . ثم نظرت إليَّ نظرة فاحصة بعينيها الجريئتين وقالت : ( هذا الكلام لن يعجبك . خصوصاً إذا .. ) وأطرقت برهة فقلت لها : ( أريد أن أعرف ما حدث كبقية الناس . لماذا أنا الوحيد الذي لا يصح له أن يعرف ؟ ) .

أعطيتها سيجارة جذبت منها نفساً وقالت : ( بعد صلاة العشاء بزمن استيقظت على صراخ حسنة بنت محمود في دار ود الريس . كان البلد ساكناً لا تسمع فيه حساً . الحق لله أنني ظننت أن ود الريس أخيراً نال حقه منها . الرجل ..

المسكين أشرف على الجنون . أسبوعين مع المرأة لا تكلمه ولا تدعه يقربها . وفتحت أذني مرة وهي تصرخ وتولول . أللهم يا رب أغفر لي . ضحكت وأنا أسمع صراخها . قلت في نفسي : ود الريس ما تزال فيه بقية . واشتد الصراخ . وسمعت حركة في بيت بكري لصق بيت ود الريس . وسمعت بكري يصيح : يا راجل اختشي على دمك . لازم تعمل لك فضيحة وهلولة . ثم سمعت سعيدة امرأة بكري تقول يا بت احفظي شرفك ، ما هذه الفضائح ؟ العروس البكر لا تعمل هذا العمل . كأنك لم تجربي الرجال من قبل . وأخذ صراخ بنت محمود يشتد ، ثم سمعت ود الريس يصرخ بأعلى صوته : يا بكري . يا حاج أحمد . يا بت الريس يا جماعة بت محمود قتلتني . قفزت وثوبي يجرجر ورائي لا يكاد يسترني ، وخطيت باب بكري وباب محجوب ، وجريت إلى باب ود الريس فوجدت باب الحوش مغلقاً . ولولت بأعلى صوتي وجاء محجوب ثم بكري ثم اجتمع علينا الناس . ونحن نكسر باب الحوش سمعنا صرخة . صرخة واحدة تهد الجبال من ود الريس . ثم صرخة مثلها من بنت محمود . ودخلت أنا ومحجوب وبكري . قلت لمحجوب : أحبس الناس من دخول البيت . لا تدع امرأة تدخل البيت . وخرج محجوب وصرخ في الناس ، وعاد ومعه عمك عبدالكريم وسعيد الطاهر الرواسي وحتى جدك المسكين جاء منت بيته ) . ..

أخذ العرق يتصبب بغزارة من وجه بنت مجذوب . وجف حلقها وأشارت إلى الماء فجئتها به . شربت ومسحت العرق من وجهها وقالت : ( أستغفر الله العظيم وأتوب إليه . وجدناها في غرفة ود الريس القصيرة المطلة على الشارع . كان المصباح موقداً . ود الريس عارياً كما ولدته أمه . وبنت محمود ثوبها ممزق وسراويلها . هي الأخرى عارية . كان البرش الأحمر يعوم في الدم . ورفعت المصباح . وجدت بنت محمود معضوضة ومخدشة في كل شبر من جسمها . بطنها . أوراكها . رقبتها . عض حلمة نهدها حتى قطعها . الدم يسيل من شفتها السفلى . لا حول ولا قوة إلا بالله . وود الريس مطعون أكثر من عشرة طعنات . طعنته في بطنه وفي صدره وفي محسنه ) . ولم تستطع بنت مجذوب أن تستمر . بلعت ريقها بصعوبة وارتعش حلقومها ثم قالت : ( أللهم لا اعتراض على حكمك . وجدناها على ظهرها والسكن مغروز في قلبها فمها مفتوح ، وعيناها تبحلقان كأنها حية . وود الريس لسانه مدلدل بين فكيه ، وذراعاه مرفوعتان في الهواء ) .

وغطت بنت مجذوب وجهها بيدها والعرق يتصبب من بين أصابعها وقد أخذ صدرها يعلو ويهبط بسرعة وتتابع . قالت بصعوبة : ( أستغفر الله العظيم . كانا قد ماتا لساعتهما . كان الدم حاراً يبقبق من قلب بنت محمود وبين فخذي ود الريس . الدم ملأ البرش والسرير وجرى جداول في أرض ..

الغرفة . محجوب أطال الله عمره كان رابط الجأش . حين سمع صوت محمود قفز خارجاً وقال لأبيك : إياك أن تدعه يدخل . محجوب وبقية الرجال حملوا ود الريس ، وأنا وزوجة بكري والنساء الكبار أخذنا بنت محمود . كفناهما في ليلتهما . وحملوهما قبل طلوع الشمس . ودفنوهما ، هي بجوار أمها وهو بجوار زوجته الأولى بنت رجب . بعض النساء بدأن مأتماً . ولكن محجوب بارك الله فيه جاء ونهرهن وقال : التي تفتح فمها سأقطع رقبتها . أي مأتم يا ولدي يقام في هذه الحالة ؟ هذه مصيبة كبيرة حصلت في البلد . طول حياتنا تحت ستر الله . آخر الزمن يحصل علينا مثل هذا . أستغفرك وأتوب إليك يا رب ) .

وبكت هي أيضاً كما بكى جدي . بكت طويلاً وبحرقة ، ثم ابتسمت من خلال دموعها وقالت : ( العجيب في الأمر أن زوجته الكبيرة مبروكة لم تصح من نومها طول هذه المدة ، مع أن الصياح جذب الناس من طرف الحلة . رحت إليها وهززتها فرفعت رأسها وقالت : ( بنت مجذوب ، ماذا جاء بك في هذا الوقت ؟ ) قلت لها : ( قومي . حصلت قتلة في بيتكم ) . فقالت : ( قتلة من ؟ ) قلت لها : ( بنت محمود قتلت ود الريس وقتلت نفسها ) . فقالت : ( في ستين داهية ) وواصلت نومها . وكنا ونحن نجهز بنت محمود نسمع شخيرها . ولما عاد الناس من الدفن وجدناها جالسة تشرب قهوتها .

بعض النساء أردن أن يبكين معها فصرخت فيهن : ( يا نساء كل واحدة تروح في حالها . ود الريس حفر قبره بيده . وبنت محمود بارك الله فيها ، خلصت منه القديم والجديد ) . ثم زغردت . أي والله يا ولدي ، زغردت وقال للنساء : ( نكاية فيكن . التي لا تعجبها تشرب من البحر ) . أستغفر الله العظيم . أبوها .. محمود في تلك الليلة كاد يهلك من البكاء . يخور كالثور . وجدك شتم وضرب بعصاه وزعق وبكى . عمك عبدالكريم اشتبك مع بكري دون سبب . قال له : ( يحصل ذبح بجوارك وأنت نائم ؟ البلد كلها كأنما حل عليه الشياطين في تلك الليلة . محجوب وحده كان رابط الجأش . جهز كل شيء . أحضر الأكفان لا ندري من أين . أولاد ود الريس عملوا دوشة فأسكتهم . منظر لا أراك الله مثله يا ولدي ، يفطر القلب ، يشيب الوليد . وكله بلا سبب ولا طلب . انها قبلت الرجل الغريب ، لماذا لم تقبل ود الريس ؟ ) .

الحقول نيران ودخان . هذا أوان الإستعداد لزراعة القمح . ينظفون الأرض ويجمعون أعواد الذرة والجذوع الصغيرة ، ذكريات الموسم الذي انتهى ، ويكومونها أكواماً وسط الحقول ويحرقونها . الأرض سوداء مبسوطة تستعد للحدث القادم . الرجال قاماتهم منحنية على المعاول وبعضهم خلف المحاريث . قمم النخل ترتعش للهواء الخفيف وتسكن ، ..

وبخار حار يتصاعد من حقول البرسيم المروية ، تحت وطأة الشمس في منتصف النهار . ومع كل هبة ريح يفرح أريج الليمون والبرتقال واليوسفندي . خوار ثور أو نهيق حمار أو صوت فأس في الحطب . ولكن الدنيا قد تغيرت .

ووجدت محجوباً ملطخاً بالطين ، يندى العرق من جسمه العاري إلا من خرقة حول وسطه ، يحاول أن يفصل شتلة عن النخلة الأم . لم أحيه ولم يلتفت إلي وظل يحفر حول الشتلة . لبثت واقفاً أراقبه ، ثم أشعلت سيجارة ومددت له الصندوق ، فرفض بإشارة من رأسه . حملت همي إلى جذع نخلة قريبة أسندت رأسي إليه . لا مكان لي هنا . لماذا لا أحزم حقيبتي وأرحل ؟ هؤلاء القوم لا يدهشهم شيء . حسبوا لكل شيء حساب . لا يفرحون لمولد ولا يحزنون لموت . حين يضحكون يقولون : ( أستغفر الله ) وحين يبكون يقولون : ( أستغفر الله ) . لا يقولون : وأنا ماذا تعلمت ؟ ولاحظت محجوباً عاضاً شفته السفلى كعادته حين يكون مصمما على عمل . كنت أغلبه في المصارعة والجري ، ويغلبني في سباحة النهر إلى الشاطئ الآخر وتسلق النخل . لا تستعصي نخلة عليه . بيني وبينه من الود كأنه أخ شقيق . ولعن محجوب النخلة الصغيرة حين نجح أخيراً في فصلها عن جذع أمها دون أن يكسر جذورها . ردم بالتراب الجرح الكبير الذي بقي في الجذع ..

حيث كانت ، وقص جريد الشتلة ، وأزال عنها التراب ، ورماها لتجف في الشمس . قلت في نفسي إنه سيكون أكثر إستعداداً للكلام الآن . جاء إلى الظل حيث أنا وجلس ومدد رجليه . ظل صامتاً برهة ثم تنهد وقال : ( أستغفر الله ) . مد يده فأعطيته سيجارة . لا يدخن إلا حين أكون أنا في البلد ، يقول : ( نحرق فلوس الحكومة ) . رمى السيجارة قبل أن يكملها وقال : ( أنت تبدو مريضاً . لا بد أن الرحلة قد أرهقتك . لم يكن يلزم حضورك حين أرسلت لك البرقية لم أكن أتوقع أن تحضر ) .

قلت كأنني أحدث نفسي : ( إنها قتلته وقتلت نفسها . طعنته أكثر من عشر طعنات و .. يا للبشاعة ) . إلتفت إلي بدهشة وقال : ( من أخبرك ؟ ) . مضيت غير مكترث لسؤاله : ( عض حلمة نهدها حتى قطعها وعضها وخدشها في كل شبر في جسمها . يا للبشاعة ) . صاح محجوب بغضب : ( لا بد أن بنت مجذوب هي التي أخبرتك . لعنها الله . لا تمسك لسانها هذا كلام لا يصح أن يقال ) .

قلت له : ( يقال أو لا يقال ، إنه حدث . حدث أمام أعينكم ولم تفعلوا شيئاً . وأنت . أنت زعيم ورئيس في البلد ولم تفعل شيئاً ) .

وقال محجوب : ( ماذا نفعل ؟ لماذا لم تفعل أنت ؟ لماذا لم تتزوجها ؟ فقط تفلح في الكلام . المرأة هي التي تجرأت وقالت . عشنا ورأينا النساء تخطب الرجال ) . قلت له : ( ماذا قالت ؟ ) . قال : ( الذي كان قد كان . ما فائدة الكلام ؟ أحمد الله أنك لم تتزوجها . الفعل الذي فعلته ليس فعل بني آدم . فعل شياطين ) .

قلت له وأنا أضغط على أسناني : ( ماذا قالت ؟ ) نظر إليَّ دون عطف وقال : ( حين راح لها أبوها وشتمها جاءتني في البيت مع شروق الشمس . قالت تخلصها من ود الريس وزحمة الخطاب . فقط تعقد عليها . لا تريد منك شيئاً . قالت يتركني مع ولدي ، لا أريد منه قليلاً ولا كثيراً قلت لها : لا تدخلك في المشاكل . نصحتها أن تقبل الأمر الواقع . أبوها ولي أمرها وهو حر التصرف . وقلت لها : ود الريس لن يعيش إلى الأبد . رجل مجنون وامرأة مجنونة . ما ذنبنا نحن ؟ ماذا كان بوسعنا أن نفعل ؟ مسكين أبوها . منذ ذلك اليوم المشئوم وهو طريح الفراش . لا يخرج ولا يقابل أحداً . ماذا أفعل أنا أو غيري إذا كان العالم قد أصيب بالخبل ؟ واتضح أن جنون بنت محمود ليس مثله في الأولين ولا الآخرين ) .

قلت له وأنا أبذل جهداً كبيراً حتى لا أبكي : ( حسنة لم تكن مجنونة . كانت أعقل امرأة في البلد . أنتم المجانين .

كانت أعقل امرأة في البلد . وأجمل امرأة في البلد . حسنة لم تكن مجنونة ) .

ضحك محجوب . قهقه بالضحك . سمعته يقول ويضحك : ( يا للعجب . يا بني آدم أصح لنفسك . عد لصوابك أصبحت عاشقاً آخر الزمن . جننت مثل ود الريس . المدارس والتعليم رهفت قلبك . تبكي كالنساء . أما والله عجايب . حب ومرض وبكاء . إنها لم تكن تساوي مليماً . لولا الحياء ما كانت تستاهل الدفن . كنا نرميها في البحر أو نترك جثتها للصقور ) .

الذي حدث بعد ذلك ليس واضحاً تماماً في ذهني . ولكنني أذكر .. يدي مطبقتين على حلق محجوب ، وأذكر جحوظ عينيه وأذكر ضربة قوية في بطني ، وأذكر محجوباً جاثماً على صدري . وأذكر محجوباً ملقى على الأرض وأنا أركله بقدمي . وأذكر صوته يصرخ : ( مجنون . مجنون ) . وأذكر لغطاً وصياحاً وأنا أضغط على حلق محجوب ، وأسمع قرقرة ، ويداً قوية تجذبني من رقبتي ، ثم وقعت عصاً ثقيلة على رأسي .

العالم فجأة انقلب رأساً على عقب . الحب ؟ الحب لا يفعل هذا . إنه الحقد . أنا حاقد وطالب ثأر وغريمي في الداخل ولا بد من مواجهته . ومع ذلك ما تزال في عقلي بقية تدرك سخرية الموقف . إنني أبتدئ من حيث انتهى مصطفى سعيد ، إلا أنه على الأقل قد اختار وأنا لم أختر شيئاً . قرص الشمس ظل ساكناً فوق الأفق الغربي زمناً ثم اختفى على عجل . وجيوش الظلام المعسكرة أبداً غير بعيد وثبت في لحظة واحتلت الدنيا . لو أنني قلت لها الحقيقة لعلها لم تكن تفعل ما فعلت . خسرت الحرب لأنني لم أعلم ولم أختر . ووقفت زمناً طويلاً أمام باب الحديد . أنا الآن وحدي ، لا مهرب لا ملاذ ، لا ضمان . عالمي كان عريضاً في الخارج ، الآن قد تقلص وارتد على أعقابه حتى صرت العالم أنا ولا عالم غيري . أي إذن الجذور الضاربة في القدم ؟ أين ذكريات الموت والحياة ؟ ماذا حدث للقافلة والقبيلة ؟ أي راحت زغاريد عشرات الأعراس وفيضانات النيل وهبوب الريح صيفاً وشتاء ..

من الشمال والجنوب ؟ الحب ؟ الحب لا يفعل هذا . إنه الحقد . ها أنذا أقف الآن في دار مصطفى سعيد أمام ( باب الحديد ) باب الغرفة المستطيلة المثلثة السقف الخضراء النوافذ . المفتاح في جيبي وغريمي في الداخل على وجهه سعادة شيطانية لا شك ؟ أنا الوصي والعاشق والغريم .

أدرت المفتاح في الباب فانفتح دون مشقة . استقبلتني رطوبة من الداخل ورائحة مثل ذكرى قديمة . إنني أعرف هذه الرائحة . رائحة الصندل والند . وتحسست الطريق بأطراف أصابعي على الحيطان . اصطدمت بزجاج نافذة . فتحت مصاريع الزجاج وفتحت مصاريع الخشب . فتحت نافذة أخرى وأخرى وثالثة . ولكن من يدخل من الخارج سوى مزيد من الظلام . أوقدت ثقاباً . وقع الضوء على عيني كوقع الانفجار . وخرج من الظلام وجه عابس زاماً شفتيه أعرفه ولكنني لم أعد أذكره . وخطوت نحوه في حقد . إنه غريمي ، مصطفى سعيد . صار للوجه رقبة وللرقبة كتفان وصدر ثم قامة وساقان . ووجدتني أقف أمام نفسي وجهاً لوجه . هذه ليس مصطفى سعيد . إنها صورتي تعبس في وجهي من مرآة . اختفت الصورة فجأة وجلست في الظلام زمناً لا أدري حسابه أرهف السمع ولا أسمع شيئاً . أشعلت ثقاباً آخر فابتسمت امرأة ابتسامة مريرة . وجلست في واحة الضوء ونظرت حولي فإذا مصباح قديم على المنضدة ..

أكاد ألمسه بيدي . هززته فإذا فيه زيت . يا للعجب . أوقدت المصباح فتباعدت الظلال وتباعدت الحيطان وارتفع السقف . أوقدت والمصباح وأغلقت النوافذ . يجب أن تظل الرائحة حبيسة هنا . رائحة الطوب والخشب والند الحريق والصندل .. والكتب . يا إلهي . الحيطان الأربعة من الأرض حتى السقف . رفوف ، رفوف ، كتب كتب كتب . أشعلت سيجارة وملأت رئتي بالرائحة الغريبة . يا له من مغفل . هل هذا فعل إنسان أراد أن يبدأ صفحة جديدة ؟ سأفوضها على رأسه . سأحرقها . وأشعلت النار في البساط الناعم تحت قدمي ولبثت أراقبها وهي تلتهم ملكاً فارسياً على جواد يسدد رمحه نحو غزال يعدو مبتعداً . ورفعت المصباح فإذا أرضية الغرفة كلها مغطاة بأبسطة فارسية . ورأيت أن الحائط المقابل للباب ينتهي بفراغ . ذهبت إليه والمصباح في يدي فإذا هو .. يا للحماقة ، مدفأة . تصوروا ، مدفأة إنكليزية بكامل هيئتها وعدتها ، فوقها مظلة من النحاس وأمام مربع مبلط بالرخام الأخضر ورف المدفأة من رخام أزرق وعلى جانبي المدفأة كرسيان فكتوريان مكسوان بقماش من الحرير المشجر بينهما منضدة مستديرة عليها كتب ودفاتر . ورأيت وجه المرأة التي ابتسمت لي قبل لحظات . لوحة زيتية كبيرة في إطار مذهب على رف المدفأة والتوقيع في الركن الأيمن (م.سعيد) . وانتهيت إلى النار في وسط الحجرة تكاد تكون حريقاً . خطوت نحوها ثماني عشرة خطوة عددتها .

وأنا أخطو ودستها بحذائي حتى انطفأت . أنا طالب ثأر ولكنني لا أستطيع أن أقاوم حب الاستطلاع ، سأرى أولاً وأسمع ثم أحرقها فأكنها لم تكن . والكتب .. على ضوء المصباح أراها مصنفة مرتبة . كتب الاقتصاد والتاريخ والأدب علم الحيوان . جيولوجيا . رياضيات . فلك . دائرة المعارف البريطانية ، غبون . ماكولي . طويني . أعمال برناردشو كلها . كينز . توني . سميث . روبنسن ، اقتصاد المنافسة الغير كاملة . هبسن ، الامبريالية . روبنسن ، مقالة .. عن الاقتصاد الماركسي . علم الاجتماع . علم الأجناس . علم النفس طوماس هاردي . طوماس مان . أي جي مور ، طوماس مور ، فرجينيا وولف . وتغنشتاين . أينشتاين . برايرلي . ناميير . كتب سمعت بها وكتب لم أسمع بها . دواوين لشعراء لا أعلم بوجودهم . يوميات غردون ، رحلات غلفر كلينغ . هوسمان . تاريخ الثورة الفرنسية ، طوماسي كارلايل . محاضرات عن الثورة الفرنسية ، لورد أكتن . كتب مجلدة بالجلد . كتب في أغلفة من الورق . كتب قديمة مهلهلة . كتب كأنها خرجت من المطبعة لتوها . مجلدات ضخمة في حجم شواهد القبور . كتب صغيرة مذهبة الحوافي في حجم ورقة الكتشينة . توقيعات . إهداءات . كتب في صناديق كتب على الكراسي . كتب على الأرض . أية دعابة هذه ؟ ماذا يقصد ؟ أوون . فورد . ستيفان زفايغ . أي جي براون لاسكي . هازلت . أليس في أرض العجائب . رتشاردز . القرآن بالإنكليزية . الإنجيل بالإنكليزية ، غلبرت مري . افلاطون . اقتصاد ..

الاستعمار ، مصطفى سعيد .. الاستعمار والاحتكار ، مصطفى سعيد . الصليب والبارود ، مصطفى سعيد . اغتصاب أفريقيا مصطفى سعيد . بروسبرو وكالبان . الطوطم والتابو . داوتي لا يوجد كتاب عربي واحد . مقبرة . ضريح . فكرة مجنونة . سجن . نكتة كبيرة . كنز . أفتح يا سمسم ودعنا نفرق الجواهر على الناس . السقف من خشب البلوط وفي الوسط قوس يفصل الحجرة نصفين ، يسنده عمودان رخاميان لونهما أصفر ضارب إلى الحمرة . والقوس عليه قشرة من القيشاني مزركش الحواف . وأنا أتصدر مائدة مستديرة لا أدري من أي خشب هي ولكن سطحها داكن يلمع . وعلى كل من الجانبين خمس كراسي مبطنة بالجلد . وإلى اليمين كنبة ذات مسند واحد ، مكسوة بمخمل أزرق ، وسائد من .. لمستها بيدي ، نعم من ريش النعام . ورأيت على يمين المدفأة وعلى يسارها أشياء لم ألاحظها من قبل . على اليمين منضدة طويلة عليها شمعدان من الفضة فيه عشر شموع لم تسمها النار قبلاً ، وكذلك على اليسار . أوقدتها شمعة شمعة ، فأضاءت أول ما أضاءت اللوحة الزيتية على رف المدفأة . وجه مستطيل لامرأة واسعة العينين حاجباها ينعقدان فوقهما . الأنف أكبر قليلاً مما يجب والفم يميل إلى الإتساع . وأدركت أن رفوف الكتب الزجاجية في الحائط المقابل للباب لا تصل إلى الأرض ولكنها تنتهي على جانبي المدفأة بدواليب مدهونة بطلاء أبيض بارزة عن رفوف الكتب مقدار قدمين أو ثلاثة .

وكذلك على امتداد الضلع الآخر إلى اليسار . وذهبت إلى الصور المصفوفة على الرف . مصطفى سعيد يضحك ، مصطفى سعيد يكتب ، مصطفى سعيد يسبح ، مصطفى سعيد في مكان ما في الريف ، مصطفى سعيد في الزي الجامعي ، مصطفى سعيد يجذف في السيربنتاين ، مصطفى سعيد في تمثيلية الميلاد ، على رأسه تاج ، أحد الملوك الثلاثة الذين جلبوا العطور والمر للمسيح ، مصطفى سعيد يتوسط رجلاً وامرأة ، مصطفى سعيد لم يترك لحظة تمر إلا وسجلها للذكرى والتاريخ . وأمسكت صورة امرأة وتمعنت فيها ، وقرأت الإهداء بخط منمق : ( من شيلا مع كل حبي ) . شيلا غرينود بلا شك . قروية من ضواحي هل ، أغراها بالهدايا والكلام المعسول والنظرة التي ترى الشيء فلا تخطئه . دوختها رائحة الصندل المحروق والند . حلوة الوجه فعلاً ، تبتسم في الصورة وفي جيدها عقد ، من العاج بلا شك . ذراعاها مكشوفتان وصدرها بارز . كانت تعمل خادمة في مطعم بالنهار وبالليل تواصل الدراسة في البولينكسيك . كانت ذكية تؤمن بأن المستقبل للطبقة العاملة ، وأنه سيجيء يوم تنعدم فيه الفروق ويصير الناس كلهم أخوة . كانت تقول له : ( أمي ستجن وأبي سيقتلني إذا علما أنني أحب رجلاً أسود ولكنني لا أبالي ) . قال : ( كانت تغني لي أغاني ماري لويد ونحن عراة . كنت أقضي معها أمسيات الخميس في غرفتها في كامدن تاون وأحياناً تقضي الليل معي في شقتي . كانت ..

كانت تلحس وجهي بلسانها وتقول لي : ( لسانك قرمزي بلون الغروب في المناطق الأستوائية . كنت لا أشبع منها ولا تشبع مني . تتأملني كل مرة كأنها تكتشف شيئاً جديداً . تقول لي : ما أروع لونك الأسود ، لون السحر والغموض والأعمال الفاضحة ) . لقد انتحرت . لماذا انتحرت شيلا غرينود يا مستر مسصطفى سعيد ؟ أنا أعلم أنك تختبئ في مكان ما من هذه المقبرة الفرعونية التي سأحرقها على رأسك . لماذا قتلت حسنة بنت محمود ود الريس الشيخ وقتلت نفسها في هذه القرية التي لا يقتل أحد فيها أحداً ؟ .

والتقطت صورة أخرى وقرأت الإهداء بخط عريض يميل إلى الأمام : ( لك حتى الممات إيزابيلا ) . مسكينة إيزابيلا سيمور . إنني أحس بعطف خاص نحو إيزابيلا سيمور . مستديرة الوجه ، تميل إلى البدانة ، تلبس رداء قصيراً بمقاييس ذلك الوقت . ليست تماماً تمثالاً من البرونز كما وصفها ولكن في الوجه طيبة واضحة وتفاؤلاً بالحياة . تبتسم . هي أيضاً تبتسم . قال أنها كانت زوجة لجراح ناجح ، أماً لبنتين وابن . قضت أحد عشر عاماً في حياة زوجية سعيدة ، تذهب للكنيسة صباح كل أحد بانتظام ، وتساهم في جمعيات البر . ثم قابلته واكتشفت في أعماقها مناطق مظلمة كانت مغلقة من قبل . وبالرغم من كل شيء تركت له رسالة تقول فيها : ( إذا كان في السماء إله ، فأنا متأكدة أنه سينظر بعين العطف إلى طيش امرأة مسكينة لم تستطع أن تمنع السعادة من دخول قلبها ، ولو كان في ذلك إخلال بالعرف وجرح لكبرياء زوج .

ليسامحني الله ويمنحك من السعادة مثل ما منحتني ) . إنني أسمع صوته في تلك الليلة ، داكناً ، يعلو ويخفت ، ليس فيه حزن ولا ندم . إن كان في الصوت شيء فقد كانت فيه رنة فرح . ( وسمعتها تقول لي بصوت متضرع مستسلم : أحبك . فجاوب صوتها هتاف ضعيف في أعماق وعيي يدعوني أن أقف . لكن القمة صارت على بعد خطوة ، وبعد ذلك ألتقط أنفاسي وأستجم . ونحن في قمة الألم عبرت برأسي سحائب ذكريات بعيدة قديمة كبخار يصعد من بحيرة مالحة وسط الصحراء . حين خطا زوجها إلى منصة الشهادة في المحكمة ، تعلقت به الأبصار . كان رجلاً نبيل الملامح والخطو ، رأسه الأشيب يكله الوقار ، وتجلس على سمته مهابة لا مراء فيها . كان رجلاً لو لوضعت معه على ميزان ، فإن كفته ترجح كفتي أضعاف أضعاف . وكان شاهد دفاع لا اتهام . قال في الصمت الذي خيم على المحكمة . الانصاف يحتم عليَّ أن أقول أن إيزابيلا زوجتي كانت تعلم بأنها مريضة بالسرطان . كانت في الآونة الأخيرة ، قبل موتها ، تعاني من حالات انقباض حادة . قبل موتها بأيام اعترفت لي بعلاقتها بالمتهم . قالت أنها أحبته وأنه لا حيلة لها . كانت طول حياتها معي مثال الزوجة الوفية المخلصة . وأنا بالرغم من كل شيء لا أحس بأي مرارة في نفسي ، لا نحوها ولا نحو المتهم . إنني فقط أحس بحزن عميق لفقدها ) .

لا يوجد عدل في الدنيا ولا اعتدال . وأنا أحس بالمرارة والحقد ، فبعد هؤلاء الضحايا جميعاً ، توج حياته بضحية ..

أخرى ، حسنة بنت محمود ، المرأة الوحيدة التي أحببتها ، قتلت ود الريس المسكين وقتلت نفسها من أجل مصطفى سعيد . وقطعت .. يا للبشاعة . والتقطت صورة في إطار من الجلد . هذه آن همند بلا شك ، بالرغم من أنها تلبس عباءة عربية وعقالاً ، والإهداء أسفل الصورة بخط عربي مهتز : ( من جاريتك سوسن ) وجه حي يتفجر صحة لا تكاد الصورة تحتويه . في كل خدم غمازتان ، والشفتان ممتلئتان منفرجتان ، والعينان تتواقدان بحب الاستطلاع . واضح كل هذا في الصورة على تقادم العهد بها . ( كانت عكسي تحن إلى مناخات استوائية ، وشموس قاسية ، وآفاق أرجوانية . كنت في عينيها رمزاً لكل هذا الحنين . وأنا جنوب يحن إلى الشمال والصقيع . كانت تملك شقة في هامستد تطل على هامستد حيث تجيئها من أكسفورد آخر الأسبوع . كنا نقضي ليلة السبت عندي وليلة الأحد عندها . وأحياناً تمكث الإثنين وأحياناً الأسبوع كله . ثم أخذت تتغيب عن الجامعة شهراً وشهرين حتى فصلت . كانت تدفن وجهها تحت إبطي وتستنشقني كأنها تستنشق دخاناً مخدراً . وجهها يتقلص باللذة . تقول كأنها تردد طقوساً في معبد : ( أحب عرقك . أريد رائحتك كاملة . رائحة الأوراق المتعفنة في غابات أفريقيا . رائحة المنجة والباباي والتوابل الإستوائية . رائحة الأمطار في صحاري بلاد العرب ) . صيداً سهلاً . قابلتها اثر محاضرة ألقيتها في ..

أكسفورد عن أبي نواس . قلت لهم أن عمر الخيام لا يساوي شيئاً إلى جانب أبي نواس ، وقرأت لهم من شعر أبي النواس ، وقرأت لهم من شعر أبي النواس في الخمر بطريقة خطابية مضحكة ، زاعماً لهم أن تلك هي الطريقة التي كان الشعر العربي يلقى بها في العصر العباسي . وقلت في المحاضرة أن أبا نواس كان متصوفاً ، وإنه جعل من الخمر رمزاً حمله جميع أشواقه الروحية ، وإن توقه إلى الخمر في شعره كان في الواقع توقاً إلى الغناء في ذات الله . . كلام ملفق لا أساس له من الصحة ، لكنني كنت ملهماً في تلك الليلة ، أحس بالأكاذيب تتدفق على لساني كأنها معان سامية . وكنت أحس بالنشوة تسري مني إلى الجمهور ، فأمضي في الكذب . وبعد المحاضرة التفوا حولي . موظفون عملوا في الشرق ، ونساء طاعنات في السن مات أزواجهن في مصر والعراق والسودان ، ورجال حاربوا مع كتشنر واللنبي ، ومستشرقون ، وموظفون في وزارة المستعمرات ، وموظفون في قسم الشرق الأوسط في وزارة الخارجية . وفجأة رأيت فتاة في الثامنة أو التاسعة عشرة تثب نحوي وثباً مخترقة الصفوف . وطوقتني بذراعيها وقبلتني وقالت باللغة العربية : أنت جميل تجل عن الوصف . وأنا أحبك حباً يجل عن الوصف . قلت لها بعاطفة أخافتني حدتها : ( وأخيراً وجدتك يا سوسن . إنني أبحث عنك في كل مكان ، وخفت ألا أجدك أبداً . هل تذكرين ؟ قالت بعاطفة على تقل ..

عن عاطفتي حدة : كيف أنسى دارنا في الكرخ في بغداد على ضفة دجلة أيام المأمون ؟ أنا أيضاً تقفيت أثرك عبر القرون ولكنني كنت واثقة أننا سنلقتي . وهائنتذا يا حبيبي مصطفى ، لم تتغير منذ افترقنا . كأنني وهي على مسرح وحلولنا ممثلون يؤدون أداوراً صغيرة . أنا بطل وهي بطلة . أطفئت الأنوار وساد الظلام حولنا وبقينا أنا وهي وحدنا وسط المسرح ينصب علينا ضوء وحيد . ورغم إدراكي أنني أكذب ، فقد كنت أحس أنني بطريقة ما أعني ما أقول ، وأنها هي أيضاً رغم كذبها فإن ما قالته هو الحقيقة . كانت تلك لحظة من لحظات النشوة النادرة التي أبيع بها عمري كله . لحظة تتحول فيها الأكاذيب أمام عينيك إلى حقائق ، ويصير التاريخ قوادا ، ويتحول المهرج إلى سلطان . وفي غمرة الحلم ذاك حملتني بسيارتها إلى لندن . كانت تسوق بسرعة رهيبة ، وبين الحين والحين تترك عجلة القيادة وتطوقني بذراعيها وتصرخ : ما أسعدني إذ وجدتك أخيراً . إنني سعيدة سعادة لو مت في هذه اللحظة فإنني لن أبالي . وكنا نقف على الحانات في الطريق ، ونشرب خمر التفاح أحياناً والبيرة أحياناً ، والنبيذ الأحمر والنبيذ الأبيض ، وأحياناً نشرب الوسكي . ومع كل كأس أقرأ لها من شعر أبي نواس . قرأت لها :

أما يسرك أن الأرض زهراء والخمر ممكنة شمطاء عذراء

ما في قعودك عذر عن معتقة كالليل والدها والأم خضراء

بادر فإن جناح الكرخ مونقة لم تلتقفها يد للحرب عسراء

وقرأت لها :

وكأس كمصباح السماء شربتها على قبلة أو موعد للقاء

أتت دونها الأيام حتى كأنها تساقط نور من فتوق سماء

وقرأت لها :

إذا عبأ أبو الهيجاء للهيجاء فرسانا

وسارت راية الموت أمام الشيخ اعلانا

وشبت حربها واشتعلت تلهب نيرانا

جعلنا القوس أيدينا ونبل القوس سوسانا

فعادت حربنا أنساً وعدنا نحن خلانا

إذا ما ضربوا الطبل ضربنا نحن عيدانا

لفتيانٍ يرون القتل في اللذة قربانا

ومنشا حربنا ساق سبا خمراً فسقانا

يحس الكأس كي تلحق أخرانا بأولانا

ترى هناك مصروعاً وذا بنجر سكرانا

فهذي الحرب لا حرب تغم الناس عدوانا

بها نقتلهم ثم بها ننشر قتلانا

نحن هكذا وهي تطرب للشعر وتطرب للشراب ، تسقيني لذاذات الأكاذيب العذبة وأنسج لها خيوطاً دقيقة مربعة من الأوهام . تقول لي أنها ترى في عيني لمح السراب في الصحاري الحارة . وتسمع في صوتي صرخات الوحوش الكاسرة في الغابات ، وأقول لها إنني أرى في زرقة عينيها بحور الشمال البعيدة التي ليس لها سواحل . وفي لندن أدخلتها بيتي ، وكر الأكاذيب الفادحة ، التي بنيتها عن عمد ، أكذوبة أكذوبة . الصندل والند وريش النعام وتماثيل العاج والأبنوس والصور والرسوم لغابات النخل على شطآن النيل ، وقوارب على صفحة الماء أشرعتها كأجنحة الحمام ، وشموس تغرب على جبال البحر الأحمر ، وقوافل من الجمال تخب السير على كثبان الرمل على حدود اليمن ، أشجار التبلدي في كردفان ، وفتيات عاريات من قبائل الزاندي والنوير والشلك ، حقول الموز والبن في خط الإستواء ، والمعابد القديمة في منطقة النوبة ، الكتب العربية المزخرفة لأغلفة مكتوبة بالخط الكوفي المنمق السجاجيد العجمية والستائر الوردية ، والمرايا الكبيرة على الجدران ، والأضواء الملونة في الأركان . ركعت وقبلت قدمي وقالت : أنت مصطفى مولاي وسيدي وأنا سوسن جاريتك . هكذا كل واحد منا اختار دوره في صمت ، هي تثمل دور الجارية وأنا أمثل دور السيد . حضرت الحمام ثم غسلتني بالماء الذي صبت فيه ماء الورد . أوقدت عيدان ..

الند ، وأوقدت الصندل في مجمر النحاس المغربي المعلق في المدخل . لبست عباءة وعقالاً وتمددت أنا على السرير فجاءت ودلكت صدري وساقي ورقبتي وكتفي . قلت لها بصوت آمر : تعالي ، فأجابتني بصوت خفيض : سمعاً وطاعة يا مولاي . في غمرة الوهم والسكر والجنون أخذتها فقبلت لأن الذي قد كان بيننا كان منذ ألف عام . وجدوها في شقتها في هامستد ميتة إنتحاراً بالغاز ورسالة تقول فيها : مستر سعيد لعنة الله عليك ) .

وضعت صورة آن همند في مكانها إلى يسار صورة مصطفى سعيد وهو يقف بين مسز روبنسن وزوجها . الإهداء في أسفل الصورة : ( إلى موزي العزيز القاهرة 17/4/1913 ، يبدو أنها كانت تدلله بهذا الإسم ، فهي في رسالتها أيضاً تشير إليه بإسم ( موزي ) . مصطفى سعيد يبدو مجرد طفل ، ولكن وجهه عابس في الصورة . مسز روبنسن تقف إلى يساره وتضع ذراعها حول كتفه وزوجها يطوقهما الاثنين بذراعه وهو وزوجته يبتسمان ابتسامة طبيعية سعيدة . وجهاهما وجها شابين لم يصلا الثلاثين . رغم كل شيء فإن حب مسز روبنسن له لم يتزعزع . إنها حضرت المحاكمة من أولها إلى آخرها ، وسمعت كل شيء ، ومع ذلك فإنها تقول في رسالتها إليَّ : ( لا أستطيع أن أعبر لك عن مدى إمتناني لأنك كتبت لي عن موزي العزيز . لقد كان موزي أعز ..

شخص بالنسبة لي ولزوجي . مسكين موزي . إنه كان طفلاً معذباً . ولكنه أدخل على قلبي وقلب زوجي سعادة لا حد لها . بعد تلك المسألة المؤلمة وتركه لندن ، انقطعت أخباره عني ، وقد حاولت جهدي أن أعيد الاتصال به ولكنني لم أفلح . مسكين موزي ، ولكن ما يخفف عني قليلاً ألم فقده أن أعلم أنه قضى السنوات الأخيرة من حياته سعيداً بينك وأنه تزوج زوجة طيبة وأنجب ولدين . بلغ حبي لمسز سعيد . إنها تستطيع أن تعتبرني أماً . وإذا كان ثمة عمل استطيع أن أؤديه لها وللطفلين العزيزين فقل لها . لا تتردد في الكتابة إلي . وكم أكون سعيدة لو أنهم جميعاً جاءوا وقضوا معي عطلة الصيف القادم . إنني أعيش هنا وحيدة في آي أف وايت . وقد سافرت إلى القاهرة في يناير الماضي وزرت قبر زوجي . كان ركي يحب القاهرة حباً عظيماً وقد شاء القدر أن يدفن في المدينة التي أحبها أكثر من أي مدينة أخرى في العالم .

( إنني أشغل نفسي بتأليف كتاب عن حياتنا ركي وموزي وأنا كانا رجلين عظيمين ، كل بطريقته . كانت عظمة ركي في قدرته على جلب السعادة للآخرين . كان سعيداً بمعنى الكلمة ، تفيض السعادة منه إلى كل من يتصل به . وكان لموزي عقل عبقري ، ولكنه كان متهوراً . كان غير قادر على تقبل السعادة أو إعطائها ، إلا لمن أحبهم ..

وأحبوه حباً جقيقياً مثلي ومثل ركي . وأنا أحس أن الحب والواجب يحتم علي أن أعرف الناس بقصة هذين الرجلين العظيمين سيكون الكتاب في الواقع عن ركي وموزي ، فأنا لم أفعل شيئاً يستحق الذكر . سأكتب عن الخدمات الجليلة التي أداها ركي للثقافة العربية ، مثل اكتشافه لكثير من المخطوطات النادرة وشرحها والإشراف على طبعها . وسأكتب عن الدور العظيم الذي لعبه موزي في لفت الأنظار هنا إلى البؤس الذي يعيش فيه أبناء قومه تحت وصايتنا كمستعمرين . وسأكتب بالتفصيل عن المحاكمة وأزيل ما علق بإسمه من غبار . إنني أكون شاكرة إذا أرسلت لي أي شيء خلفه موزي قد يعينني على كتابة هذا الكتاب . ولعل موزي أخبرك أنه جعلني وصية على شئونه في لندن . وقد تجمع شيء من المال من حقوق الطبع لبعض كتبه وترجمة بعضها سأحولها فوراً حين تخبرني بعنوان البنك الذي تريدني أن أحولها له . وبهذه المناسبة أسمح لي أن أشكرك شكراً عظيماً على الإشراف على عائلة موزي العزيز . أرجو أن تراسلني بإنتظام وتكتب لي عن أخبارهم بالتفصيل وأن ترسل لي صورهم في رسالتك القادمة .

( مخلصتك اليزابيث )

وضعت الرسالة في جيبي على الكرسي إلى يمين ..

المدفأة . وقع بصري على عدد من صحيفة ( التايمز ) بتاريخ الاثنين 26 9 1927 . المواليد ، الزيجات ، الوفيات . وقع مراسيم الزواج القسيس سامسن ماجستير في الآداب . تقام مراسيم الجنازة في كنيسة ستتني الساعة الثانية بعد الظهر ، الأربعاء . الرسائل الشخصية . أيتها المحبوبة دائماً ، إلى متى نظل مفترقين ؟ القلب العزيز . مستعمرة كينيا مستر .. مساح قانوني يعود إلى نيروبي في الخامس من أكتوبر ، حتى ذلك التاريخ أية مراسلات تتعلق بتقارير عن عقارات في المستعمرة ، يجب أن ترسل بواسطة .. إعلانات عن دروس في ركوب الخيل . قطط سيامية زرقاء للبيع . فتاة (17 سنة) مهذبة ، من عائلة محترمة ، تبحث عن عمل . سيدة ورثت لقب ليدي (30 سنة ) ترغب في وظيفة في الخارج . أخبار الرياضة . وست هل يهزم بير هل . وست هام يفوز . جين تني يغلب جاك دمبسي . رسالة من ظفر الله خان يفند فيها آراء سير شمانلا ستالفاد بشأن النزاع بين المسلمين والهندوك في البنجاب . رسالة تقول : ( الجاز موسيقى مرحة في عالم مظلم ) . فيلان وصلا من رانغون أمس ، وسارات على الاقدام من مرسي تلبري إلى حديقة الحيوان . مربي أبقار هجم عليه ثور في مزرعته وبقر بطنه . رجل سرق أربع موزات حكم عليه بالسجن ثلاث سنوات . الأخبار الامبراطورية والخارجية . عرض جديد من موسكو ..

لتسديد الدين الروسي لفرنسا . فيضانات سويسرا . الدسكفري سفينة كابتن سكت عادت من البحار الجنوبية . هر سترسمان ألقى خطاباً عن نزع السلاح في جنيف يوم السبت . وأيضاً أدلى هر سترسمان بتصريح لصحيفة ( ماتان ) أيَّد فيه خطاب الرئيس فون هندنبرغ في تانبرج الذي رفض فيه أن ألمانيا مسئولة عن نشوب الحرب . المقالة الافتتاحية عن معاهدة جدة التي وقعها سير غلبرت كليتن بالنياة عن بريطانيا العمظمى والأمير فيصل عبدالعزيز آل سعود نيابة عن أبيه ملك الحجاز ونجد ومحمياتها . الحالة الجوية في انكلترا وويلز ، الرياح في الغالب بين الغربي والشمال الغربي ، قوية أحياناً في الأماكن المكشوفة ، فترات طويلة من الهدوء ولكن مع فترات من العواصف الممطرة وأحياناً أمطار محلية .

إنها الصحيفة الوحيدة فيما يبدو . هل وجودها هنا له أي مدلول ؟ أم أنها محض الصدفة ؟ وفتحت كراسة وقرأت على الأولى : ( قصة حياتي بقلم مصطفى سعيد ) . وفي التالية الإهداء : ( إلى الذين يرون بعين واحدة ويتكلمون بلسان واحد ويرون الأشياء إما سوداء أو بيضاء ، إما شرقية أو غربية ) . وقلبت بقية الصفحات فلم أجد شيئاً ، ولا سطراً واحداً ولا كلمة واحدة . هل هذا أيضاً له مدلول أم أنه صدفة محضة ؟ وفتحت ملفاً فوجدت أوراقاً كثيرة وسكتشات ورسومات . كان إذن يعالج الرسم ..

والكتابة ، الرسوم جيدة تنم عن موهبة . رسوم بالألوان لمناظر في الريف الإنكليزي تتكرر فيها أشجار البلوط والغدران والأوز . وسكتشات بالقلم الرصاص لمناظر وأشخاص من قريتنا . بالرغم من كل شيء لا يسعني إلا أن أعترف بمهارته الفائقة . بكري ومحجوب وجدي وود الريس وحسنة وعمي عبدالكريم وغيرهم . وجوههم تطالعني بتعبيرات عميقة طالما أحسستها ولكنني لم أكن قادراً على تحديدها . وقد رسمهم مصطفى سعيد بوضوح رؤية وبعطف يقرب من الحب . ووجه ود الريس يتردد أكثر من الباقين . ثمانية رسوم لود الريس في تعابير مختلفة . لماذا اهتم بود الريس كل هذا الاهتمام ؟

ونظرت في قصاصات الورق وقرأت : ( نعلم الناس لنفتح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة . ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة الحرية . نحرر العقول من الخرافات . نعطي الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كما يشاء ) . ( تركت لندن وقد بدأت أوروبا تحشد جيوشها مرة أخرى لعنف أكثر ضراوة ) . ( لم تكن كراهية . كان حباً عجز أن يعبر عن نفسه . أحببتها بطريقة معوجة . وهي أيضاً ) . ( أسقف البيوت بللها رذاذ المطر . البقر والضأن في الحقول وكأنها حصوات بيضاء وسوداء . البلل الخفيف في شهر يونيو . اسمحي لي يا سيدتي . هذه الرحلات بالقطار مملة . كيف ..

حالك ؟ من برمنغهام . إلى لندن . كيف تصف المناظر ؟ شجر وحشائش . أكوام القش اليابس وسط الحقول . الأشجار والحشائش هي هي في كل مكان . كتاب لنغايو مارش . ترددت . لم تقل لا أو نعم ) . هل كان يصف حوادث حقيقية أم أنه كان يعالج قصة ؟ ( إنني يا مولاي يجب أن أعترض على لجوء الاتهام إلى حيلة منطقية مكشوفة . ذلك أنه يريد أن يؤكد مسئولية المتهم في حوادث لم يكن مسئولاً عنها ، بناء على عمل حدث فعلاً ، ثم يعود ويؤكد افتراضه فيما حدث فعلاً بناء على الافتراضات السابقة . أن المتهم معترف بأنه قتل زوجته ولكن هذا لا يجعله مسئولاً عن جميع حوادث انتحار النساء اللاتي انتحرن في الجزر البريطانية في خلال السنوات العشر الأخيرة ) . ( من ولد الخير ولد له فراخاً تطير بالسرور . ومن ولد الشر أنبت له شجراً أشواكه الحسرة وثمره الندم . فرحم الله امرئٍ أغضى عن الأخطاء واستمتع بالظاهر ) .

ووجدت قصيدة بخط يده . إذن كان يعالج الشعر أيضاً ، وواضح من كثرة من شطب فيها وبدل وغير في كلماتها أنه هو الآخر كان يحس برهبة أمام الفن . ها هي ذي :

عربدت في الصدر آهات الحزين

ودموع القلب فاضت من تباريح السنين

ورياح عصفت بالحب والحقد الدفين

وبقايا صلوات ضمها الصمت العميق

هينمات ودعاء ونواح وزعيق

وغبار ودخان غم للساري الطريق

وجباه صاغرات وأخرى ..

ولا بد أن مصطفى سعيد قضى ساعات طويلة يبحث عن الكلمة التي يستقيم بها الوزن . استهوتني المعضلة ففكرت بضع دقائق . ولم يطل تفكيري . إنها قصيدة ركيكة على أي حال قائمة على الطباق والمقارنات . ليس فيها إحساس صادق ولا انفعال حقيقي . وهذا البيت ليس أسوأ من بقية الأبيات . شطبت البيت الأخير وكتبت محله :

( وخدود صاغرات وجباه خاشعة ) .

ومضيت في تقليب الأوراق فوجدت أرقاماً وقصاصات ورق فيها عبارة مثل : ( ثلاثة براميل زيت ) ، ( تناقش اللجنة موضوع تقوية قاعدة المكنة ) ، ( فائض الأسمنت يمكن بيعه فوراً ) . ثم وجدت هذه الفقرة : ( وقد كان حتماً أن يصطدم طالعي بطالعها وأن أقضي في السجن أعواماً وأضرب في الأرض أعواماً ، أطارد خيالها ويطاردني . وذلك هو الإحساس بأنني في لحظة خارج حدود الزمن قد ضاجعت إلهة الموت وأطللت من كوة عينيها على الجحيم . إنه شعور لا يمكن ..

لإنسان أن يتصوره . وقد ظل مذاق تلك الليلة في فمي يمنعني

من أي مذاق سواء ) .

سئمت قراءة الأوراق . لا شك أن ثمة أوراقاً كثيرة أخرى دفينة في هذه الغرفة ، كأجزاء في لغز حسابي ، يريد مصطفى سعيد مني أن أكتشفها وأضعها جنباً إلى جنب ، وأخرى منها صورة متكاملة تكون في صالحه . إنه يريد أن يكتشف كأثر تاريخي له قيمته . لا شك في ذلك . وأنا أعلم الآن أنه اختارني أنا لهذا الدور . لم تكن صدفة أنه أثار حب الاستطلاع عندي ، ثم قص علي قصة حياته غير كاملة لكي أكتشف أنا بقية القصة . لم تكن صدفة أنه ترك لي رسالة مختومة بالشمع الأحمر ، إمعاناً منه في شحذ خيالي ، وأنه جعلني وصياً على ولديه ليلزمني إلزاماً لا فكاك منه ، وأنه ترك لي مفتاح متحف الشمع هذا . لا حد لأنانيته وغروره ، فهو رغم كل شيء يريد أن يخلده التاريخ . إنما أنا لا أملك متسعاً من الوقت للمضي في هذه المهزلة . يجب أن أنهي هذه المهزلة قبل طلوع الفجر ، والساعة الآن جاوزت الثانية صباحاً عند طلوع الفجر ستأكل السنة النار كل هذه الأكاذيب .

هببت واقفاً ، ورفعت ضوء الشموع على اللوحة الزيتية على رف المدفأة . كل شيء في الغرفة منظم مرتب موضوع في مكانه . إلا صورة جين مورس . كأنه لم يدر ماذا يفعل بها . كل النساء الأخريات احتفظ بصورهن الفوتوغرافية ، ولكن ..

جين مورس هذه كما رآها هو لا كما رأتها آلة التصوير . نظرت إلى اللوحة بإعجاب . وجه مستطيل لامرأة واسعة العينين حاجباها ينعقدان فوقهما . الأنف يميل إلى الكبر والفم يميل إلى الاتساع والتعبير على الوجه شيء يصعب وصفه في كلمات . تعبير رهيب ، محير . الشفتان الرقيقتان مطبقتان كأنها تعض أسنانها والفك مائل إلى الأمام بكبرياء . هل التعبير في العينين غضب أم ابتسام ؟ وثمة شيء شهواني يرف على الوجه كله . هذه إذن هي العنقاء التي افترست الغول ؟ كأن صوته في تلك الليلة جريحاً حزيناً نادماً . ألانه فقدها ؟ أم لأنها جرعته المهانات ؟ .

( كنت أجدها في كل حفل أذهب إليه . كأنها تتعمد أن تكون حيث أكون لتهينني . أردت أن أراقصها فقال لي : لا أرقص معك ولو كنت الرجل الوحيد في العالم . صفعتها على خدها فركلتني بساقها وعضتني في ذراعي بأسنان كأنها أسنان لبوة . لم تكن تعمل عملاً ولا أعلم كيف كانت تعيش . أهلها من ليدز ، لم أقابلهم حتى بعد زواجي بها . كان أبوها تاجراً لا أدري في أي بضاعة ، وكان لها ، حسب قولها ، خمسة أخوة وكانت هي البنت الوحيدة . كانت تكذب حتى في أبسط الأشياء . تعود إلى البيت بقصص غريبة عن أشياء حدثت لها وأناس قابلتهم لا يمكن أن يصدقها العقل . ولا أستبعد أنها كانت عديمة الأهل ، كأنها شهرزاد مستولة ..

ولكنها كانت مفرطة في الذكاء ومفرطة في الظرف حين تشاء ، يحيط بها حيث تكون لفيف من المعجبين يرفون حولها كالذباب . وكنت أحس إحساساً داخلياً أنها رغم تظاهرها بكراهيتي ، كانت مهتمة بأمري ، حين يجمعني وإياها مجلس تراقبني بطرف عينها ، وتحصي جميع حركاتي وسكناتي ، وإذا رأت مني اهتماماً بفتاة ما سارعت إلى إساءتها والقسوة عليها كانت ماجنة بالقول والفعل ، لا تتورع عن فعل أي شيء ، تسرق تكذب وتغش ، ولكنني رغم إرادتي أحببتها ولم أعد أستطيع أن أسيطر على مجرى الأحداث . كانت حين أتجنبها تغريني وحين أطاردها تهرب مني . كبحت مرة جماح نفسي وتجنبتها أسبوعين . أخذت أبتعد عن الأماكن التي ترتادها وإذا دعيت إلى حفل أتأكد أنها لن تكون موجودة فيه . ولكنها وجدت طريقها إلى بيتي فجاءتني آخر ليلة سبت وآن همند معي . شتمت آن همند شتائم مقذعة فانتهرتها وضربتها فلم ترتدع . خرجت آن همند باكية وظلت واقفة أمامي كشيطان رجيم ، في عينيها تحد ونداء أثار أشواقاً بعيدة في قلبي . لم أكلمها ولم تلكمني ولكنها خلعت ثيابها ووقفت أمامي عارية . نيران الجحيم كلها تأججت في صدري كان لا بد من إطفاء النار في جبل الثلج المعرض طريقي . تقدمت نحوها مرتعش الأوصال ، فأشارت إلى زهرية ثمينة من الموجودة على الرف . قالت : تعطيني هذه وتأخذني . لو طلبت ..

مني حياتي في تلك اللحظة ثمناً لقايضتها أياها . أشرت برأسي موافقاً . أخذت الزهرية وهشمتها على الأرض وأخذت تدوس الشظايا بقديمها حتى حولتها إلى فتات . أشارت إلى مخطوط عربي نادر على المنضدة . قالت تعطيني هذا أيضاً . حلقي جاف . أنا ظمآن يكاد يقتلني الظمأ . لا بد من جرعة ماء مثلجة . أشرت برأسي موافقاً . أخذ المخطوط القديم النادر ومزقته وملأت فمها بقطع الورق ومضغتها وبصقتها . كأنها مضغت كبدي ، ولكنني لا أبالي . أشارت إلى مصلاة من حرير أصفهان أهدتني إياها مسز روبنسن عند رحيلي من القاهرة . أثمن شيء عندي وأعز هدية على قلبي . قالت : تعطيني هذه أيضاً ثم تأخذني . ترددت برهة ولكنني نظرت إليها منتصبة متحفزة أمامي ، عيناها تلمعان ببريق الخطر وشفتاها مثل فاكهة محرمة لا بد من أكلها . وهززت رأسي موافقاً ، فأخذت المصلاة ورمتها في نار المدفأة ووقفت تنظر متلذذة إلى النار تلتهمها فانعكست ألسنة النار على وجهها . هذه المرأة هي طلبتني وسألاحقها حتى الجحيم . مشيت إليها ووضعت ذراعي حول خضرها وملت عليها لأقبلها . وفجأة أحسست بركلة عنيفة بركبتها بين فخذي . ولما أفقت من غيبوبتي وجدتها قد اختفت .

( لبثت أطاردها ثلاثة أعوام ، قوافلي ظمأى والسراب يلمع أمامي في متاهة الشوق . وذات يوم قالت لي : أنت ثور ..

متوحش لا يفتر من الطراد . إنني تعبت من مطاردتك لي ومن جريي أمامك . تزوجني . تزوجتها في مكتب التسجيل في فولام . لم يحضر العقد غير صديقة لها وصديق لي . حين قالت أمام المسجل : أنا جين ونفرد مورس أقبل هذا الرجل مصطفى سعيد عثمان زوجي الشرعي في سراء والضراء في الفقر والغنى في الصحة والمرض فجأة أجهشت بالبكاء وأخذت تبكي بحرقة . دهشت أنا لهذه العاطفة منها وكف المسجل عن إجراء المراسيم وقال لها بعطف : هوني عليك . أنا أقدر شعورك . ما هي إلا لحظات وينتهي كل شيء . وظلت بعد ذلك تنهنه بالبكاء ، ولما انتهى العقد أجهشت بالبكاء مرة أخرى . وجاء المسجل وربت على كتفها ثم صافحني قائلاً : زوجتك تبكي من شدة السعادة . إنني رأيت نساء كثيرات يبكين في زواجهن ولكنني لم أر بكاء بهذه الحرقة . يبدو أنها تحبك حباً عظيماً . اعتن بها . أنا متأكد ستكونان سعيدين . وظلت تبكي إلى أن خرجنا من مكتب التسجيل . وفجأة انقلب بكاؤها إلى ضحك قالت وهي تقهقه بالضحك يا لها من مهزلة .

(وقضينا بقية اليوم في سكر . لا حفل ولا مدعوين ، أنا وهي والخمر . ولما ضمنا الفراش ليلاً أردتها فأدارت لي ظهرها وقالت : ليس الآن . أنا متعبة . وظلت شهرين لا تدعني أقربها ، كل ليلة تقول : أنا متعبة . أو تقول أنا ..

مريضة . لم أعد أحتمل أكثر مما احتملت . وقفت فوقها ذات ليلة والسكين في يدي . قلت لها : سأقتلك . نظرت إلى السكين نظرة بدت لي كأن فيها لهفة ، وقالت : ها هو صدري مكشوف أمامك اغرس السكين في صدري . نظرت إلى جسمها العاري في متناول يدي ولا أناله . جلست على حافة السرير ونكست رأسي بذلة . وضعت يدها على خدي وقالت بلهجة لم تخل من رقة : أنت يا حلوي لست من طينة الرجال الذين يقتلون . أحسست بالذلة والوحدة والضياع . وفجأة تذكرت أمي . رأيت وجهها واضحاً في مخيلتي وسمعتها تقول لي : إنها حياتك وأنت حر فيها . وتذكرت نبأ وفاة أمي حين وصلني قبل تسعة أشهر ، وجدوني سكران في أحضان امرأة . لا أذكر الآن أية امرأة كانت . ولكنني تذكرت بوضوح أنني لم أشعر بأي حزن ، كأن الأمر لا يعنيني في كثير ولا قليل . تذكرت هذا وبكيت من أعماق قلبي . بكيت حتى ظننت أنني لن أكف عن البكاء أبداً . وأحسست بجين تطوقني بذراعيها وتقول كلاماً لم أميزه ولكن صوتها وقع على أذني وقعاً منفراً اقشعر له بدني . دفعتها عني عنف وصرخت فيها : أنا أكرهك . أقسم أنني سأقتلك يوماً ما . وفي غمرة حزني لم يغب عني التعبير في عينيها . تألقت عيناها ونظرت إلي نظرة غريبة . هل هي دهشة ؟ هل هي خوف ؟ ..

هل هي رغبة ؟ ثم قالت بصوت فيه مناغات مصطنعة : أنا أيضاً أكرهك حتى الموت .

( ولكن لم تكن لي حيلة . كنت صياداً فأصبحت فريسة . وكنت أتعذب وبطريقة لم أفهمها كنت أستعذب عذابي . بعد ذلك الحادث بأحد عشر يوماً تماماً ، أذكرها لأنني تجرعت غصصها كما يتجرع الصائم غصص شهر صوم قائظ ، كنا في حديقة رتشمند قبيل الغروب . لم تكن الحديقة خالية تماماً من الناس . كنا نسمع الأصوات ونرى أشخاصاَ يتحركون في ضوء الشفق . لم نتحدث إلا قليلاً ولم نتبادل عبارات حب ولا غزل . دون سبب وضعت ذراعيها حول عنقي وقبلتني قبلة طويلة . أحسست بصدرها يضغط على صدري . وضعت ذراعي حول خصرها وجذبتها إلي فتأوهت آهات مزقت نياط قلبي وأنستني كل شيء . لم أعد أذكر شيئاً . لم أعد أرى أو أعي إلى هذه المصيبة الفادحة التي رماني بها القدر . هذه المرأة هي قدري وفيها هلاكي ، ولكن الدنيا كلها لا تساوي عندي حبة خردل في سبيلها . أنا الغازي الذي جاء من الجنوب ، وهذا هو ميدان المعركة الجليدي الذي لن أعود من ناجياً . أنا الملاح القرصان وجين مورس هي ساحل الهلاك . ولكنني لا أبالي . أخذتها هنالك في العراء ، لا يهمني إن كان ذلك على مرأى ومسمع من الناس . هذه اللحظة من النشوة تساوي عند العمر كله .

( وقد كانت لحظات النشوة نادرة بالفعل ، وبقية الوقت نقضيه في حرب ضروس لا هوادة فيها ولا رحمة . كانت الحرب تنتهي بهزيمتي دائماً . أصفعها وتنشب أظافرها في وجهي ويتفجر في كيانها بركان من العنف فتكسر كل ما تناله يدها من أوانٍ وتمزق الكتب والأوراق . كان هذا أخطر سلاح عندها . كل معركة تنتهي بتمزيق كتاب مهم أو حرق بحث أضعت فيه أسابيع كاملة . وأحياناً يستبد بي الغضب حتى أبلغ حافة الجنون والقتل ، فأشدد قبضتي على عنقها فتسكن فجأة وتنظر إلي تلك النظرة المبهمة ، الخليط من الدهشة والخوف والرغبة . لو أنني ضغطت قيد أنملة أكثر مما ضغطت لوضعت حداً للحرب . وكانت الحرب تنتهل معنا إلى الخارج . ونحن في حانة ضرخت فجأة : ابن العاهرة تغازلني . وثبت على الرجل وأخذت بخناقه وأخذ بخناقي واجتمع علينا الناس ، وفجأة سمعتها تقهقه بالضحك وراء ظهري وقال لي أحد الرجال الذين جاءوا يفصلون بيننا : يؤسفني أن أقول لك هذه المرأة إذا كانت زوجتك فإنك متزوج من مومس . هذا الرجل لم يكلمها بكلمة . يبدو أن هذه المرأة تحب منظر العنف . وتحول غضبي إليها ، فذهبت إليها وهي ما تزال تقهقه فصفعتها فأنشبت أظافرها في وجهي . ولم أستطع جرجرتها إلى البيت إلا بعد مجهود وألم عظيمين ..

( وكان يحلو لها أن تغازل كل من هب ودب حين نخرج معاً . كانت تغازل غرسونات المطاعم وسواقي الباصات وعابري السبيل وكان بعضهم يتشجع ويستجيب ويرد بعضهم بعبارات بذيئة فأتشاجر مع الناس وأضربها وتضربني في عرض الطريق . وما أكثر ما سألت نفسي ما الذي يربطني بها . لماذا لا أتركها وأنجو بنفسي ؟ ولكنني كنت أعلم أن لا حيلة لي وأن لا مفر من وقوع المأساة . وكنت أعلم أنها تخونني . كان البيت كله يفوح بريح الخيانة . وجدت مرة منديل رجل ، لم يكن منديلي . سألتها فقالت : إنه منديلك . قلت لها : هذا المنديل ليس منديلي ، قالت : هبه ليس منديلك . ماذا أنت فاعل ؟ ومرة وجدت علبة سجائر ومرة وجدت قلم حبر ، قلت لها : أنت تخونينني . قالت : افرض أنني أخونك . صرخت فيها : أقسم أنني سأقتلك . ابتسمت ساخرة وقالت ك أنت فقط تقول هذا . ما الذي يمنعك من قتلي ؟ ماذا تنتظر ؟ لعلك تنتظر حتى تجد رجلاً فوقي .. وحتى حينئذ لا أظنك تفعل شيئاً . ستجلس على السرير تبكي .

( ذات مساء داكن في شهر فبراير . درجة الحرارة عشر درجات تحت الصفر . المساء مثل الصباح ، مثل الليل داكن مكفهر ، لم تشرق الشمس طيلة اثنين وعشرين يوماً . المدينة كلها حقل جليد ، الجليد في الشوارع في الحدائق عند مداخل ..

البيوت . الماء تجمد في أنابيبه والنفس يخرج بخاراً من الأفواه . الأشجار عالية تنوء أغصانها تحت وطأة الثلج . وأنا دمي يغلي وفي رأسي حمى . في ليلة مثل هذه تحدث الأعمال الجسيمة . هذه ليلة الحساب . مشيت من المحطة إلى الدار أحمل المعطف على ساعدي ، جسمي ساخن والعرق يتصبب من جبهتي . كان الجليد يقرقع تحت حذائي وأنا أطلب البرد . أين البرد ؟ وجدتها عارية مستلقية على السرير ، فخذاها بيضاوان مفتوحتان ، ابتسامتها مفعمة وعلى وجهها شيء مثل الحزن ، في حالة تأهب عظيم للأخذ والعطاء . حن قلبي إليها أول ما رأيتها ، وأحسست بالدفء الشيطاني تحت الحجاب الحاجز ، حين أحسه أعلم أنني مسيطر على زمام الموقف . أين كان هذا الدفء كل هذه الأعوام ؟ قلت لها بصوت واثق كدت أنساه من طول ما فقدته : هل كان معك أحد ؟ أجابتني بصوت أثر فيه وقع صوتي : لم يكن معي أحد . هذه الليلة لك أنت وحدك . أنا أنتظرك منذ وقت طويل .

( أحسست أنها تصدقني لأول مرة . هذه الليلة ليلة الصدق والمأساة . أخرجت السكين من غمده . جلست على حافة السرير وقتاً أنظر إليها . كنت أرى وقع نظراتها حياً ملموساً على وجهها . نظرت في عينيها فنظرت في عيني وتماسكت نظراتنا واشتبكت ، فكأننا فلكان في السماء اشتبكنا في ساعة نحس . وطفت نظراتي عليها فحولت وجهها ..

عني ، ولكن الأثر ظهر في وسطها فزحزحته يمنة ويسرة ورفعته قليلاً عن السرير ثم استقرت به ورمت ذراعيها في تراخ . وعادت تنظر إلي نظرت إلى صدرها ، فنظرت هي أيضاً إلي حيث وقع بصري على صدرها كأنها أصبحت مسلوبة الإرادة تتحرك حسب مشيئتي . نظرت إلى بطنها فتابعتني وبدأ ألم خفيف على وجهها . . كنت أبطئ فتبطئ وأعجل فتعجل . أطلت النظر إلى فخذيها البيضاوين المفتوحين ، أدلكهما بعيني وينزلق بصري على السطح الناعم الأملس إلى أن يستقر هناك في مستودع الأسرار ، حيث يولد الخير والشر . ورأيت وجهها تعلوه حرة ، وجفنيها ينكسران كأنها أصبحت غير قادرة على السيطرة عليهما . رفعت الخنجر ببطء فتابعت حده بعينيها . واتسعت حدقتا العينين فجأة وأضاء وجهها بنود خاطف كأنه لمع برق . لبثت تنظر إلى الخنجر بخليط من الدهشة والخوف والشبق . ثم أمسكت الخنجر وقبلته بلهفة . وفجأة أغمضت عينيها وتمطت في السرير رافعة وسطها قليلاً فاتحة فخذيها أكثر . وتأوهت وقالت : أرجوك يا حلوي هيا . أنا مستعدة الآن . لم أستجب لندائها فتأوهت آهة أكثر ألماً . وانتظرت . بكت . خرج صوتها خافتاً لا يكاد يسمع : أرجوك يا حبيبي .

( ها هي ذي سفني تبحر نحو شواطئ الهلاك . ملت عليها وقبلتها . وضعت حد الخنجر بين نهديها ، وشبكت ..

هي رجليها حول ظهري . ضغطت ببطء . ببطء . فتحت عينيها . أي نشوة في هذه العيون . وبدت لي أجمل من كل شيء في الوجود . قالت بألم : يا حبيبي . ظننت أنك لن تفعل هذا أبداً . كدت أيأس منك . وضغطت الخنجر بصدري حتى غاب كله في صدرها بين النهدين . وأحسست بدمها الحار يتفجر من صدرها . وأخذت أدعك صدرها بصدري وهي تصرخ متوسلة : تعال معي . تعال . لا تدعني أذهب وحدي .

( وقالت لي : أحبك فصدقتها وقلت لها : أحبك وكنت صادقاً . ونحن شعلة من اللهب ، حواف الفراش السنة من نيران الجحيم ورائحة الدخان أشمه بأنفي وهي تقول لي أحبك يا حبيبي ، وأنا أقول لها أحبك يا حبيبتي . والكون بماضيه وحاضره ومستقبله اجتمع في نقطة واحدة ليس قبلها ولا بعدها شيء ) .

دخلت الماء عارياً تماماً كما ولدتني أمي . أحسست برجفة أول ما لامست الماء البارد ، ثم تحولت الرجفة إلى يقظة . النهر ليس ممتلئاً كأيام الفيضان ولا صغير المجرى كأيام التحاريق لقد أطفأت الشموع وأغلقت باب الغرفة وأغلقت باب الحوش دون أن أفعل شيئاً . حريق آخر لا يقدم ولا يؤخر . تركته يتحدث وخرجت لم أدعه يكمل القصة . فكرت أن أذهب وأقف على قبرها . فكرت أن أرمي المفتاح حيث لا يجده أحد . ثم عدلت . أعمال لا معنى لها ومع ذلك لا بد من القيام بعمل ما . وقادتني قدماي إلى الشاطئ وقد لاحت تباشير الفجر في الشرق . سأنفس عن غيظي بالسباحة . كانت الأشياء على الشاطئين نصف واضحة ، تبين وتختفي ، بين النور والظلام . كان يدوي بصوته القديم المألوف ، متحركاً كأنه ساكن لا صوت غير دوي النهر وطقطقة مكنات الماء غير بعيد . وأخذت أسبح نحو الشاطئ الشمالي . وظللت أسبح وأسبح حتى استقرت حركات جسمي مع قوى الماء إلى تناسق ..

مريح . لم أعد أفكر وأنا أتحرك إلى الأمام على سطح الماء وقع ضربات ذراعي في الماء . وحركة ساقي ، وصوت زفيري بالنفس ، ودوي النهر ، وصوت المكنة تطقطق على الشاطئ لا أصوات غير ذلك . ومضيت أسبح وأسبح وقد استقر عزمي على بلوغ الشاطئ الشمالي . هذا هو الهدف . كان الشاطئ أمامي يعلو ويهبط ، والأصوات تنقطع كلية ثم تضج . وقليلاً قليلاً لم أعد أسمع سوى دوي النهر . ثم أصبحت كأنني في بهو واسع تتجاوب أصداؤه . والشاطئ يعلو ويهبط ودوي النهر يغور وطفو . كنت أرى أمامي نصف دائرة . ثم أصبحت بين العمي والبصر . كنت لا أعي ولا أعي . هل أنا نائم أم يقظان ؟ هل أنا حي أم ميت ؟ ومع ذلك كمنت ما أزال متمسكاً بخيط رفيع واهن : الإحساس بأن الهدف أمامي لا تحتي ، وأنني يجب أن أتحرك إلى الأمام لا إلى الأسفل . لكن الخيط وهن حتى كاد ينقطع ، ووصلت إلى نقطة أحسست فيها أن قوى النهر في القاع تشدني إليها . سرى الخدر في ساقي وفي ذراعي ، اتسع البهو وتسارع تجاوب الأصداء . الآن . وفجأة ، وبقوة لا أدري من أين جاءتني ، رفعت قامتي في الماء . سمعت دوي النهر وطقطقة مكنة الماء . تلفت يمنة ويسرة فإذا أنا في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب . لن أستطيع المضي ولن أستطيع العودة . انقلبت على ظهري وظللت ساكناً أحرك ذراعي وساقي بصعوبة بالقدر الذي يبقيني طافياً ..

على السطح . كنت أحس بقوى النهر الهدامة تشدني إلى أسفل وبالتيار يدفعني إلى الشاطئ الجنوبي في زاوية منحنية . لن أستطيع أن أحفظ توازني مدة طويلة . إن عاجلاً أو آجلاً ستشدني قوى النهر إلى القاع . وفي حالة بين الحياة والموت رأيت أسراباً من القطى متجهة شمالاً . هل نحن في موسم الشتاء أو الصيف ؟ هل هي رحلة أم هجرة ؟ وأحسست أنني استسلم لقوى النهر الهدامة . أحسست بساقي تجران بقية جسمي إلى أسفل . في لحظة لا أدري هل طالت أم قصرت تحول دوي النهر إلى ضوضاء مجلجلة ، وفي اللحظة عينها لمع ضوء حاد كأنه لمع برق . ثم ساد السكون والظلام فترة لا أعلم طولها ، بعدها لمحت السماء تبعد وتقرب والشاطئ يعلون ويهبط . وأحسست فجأة برغبة جارفة إلى سيجارة . لم تكن مجرد رغبة . كانت جوعاً . كانت ظمأ . وقد كانت تلك لحظة اليقظة من الكابوس استقرت السماء واستقر الشاطئ وسمعت طقطقة مكنة الماء ، وأحسست ببرودة الماء في جسمي . كان ذهني قد صفا حينئذ ، وتحددت علاقتي بالنهر إنني طاف فوق الماء ولكنني لست جزءاً منه فكرت أنني إذا مت في تلك اللحظة فإنني أكون قد مت كما ولدت ، دون إرادتي . طول حياتي لم أختر ولم أقرر . إنني أقرر الآن إنني أختار الحياة . سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن ولأن علي واجبات يجب أن أؤديها ..

لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى . وغذا كنت لا استطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى . سأحيا بالقوة والمكر . وحركت قدمي وذراعي بصعوبة وعنف حتى صارت قامتي كلها فوق الماء . وبكل ما بقيت لي من طاقة صرخت ، وكأنني ممثل هزلي يصيح في مسرح : ( النجدة . النجدة ) .

انتهت ..

172

الطيب صالح

الطيب صالح




إستقبال النشرة الدورية من موقع فنون.كوم

إلى كل الاصدقاء ومحبي الفنون الجميله: سنتوقف عن النشر في المواقع الإجتماعية لعدة أيام أوأسابيع. إن أردت أن نخبرك بالجديد على موقع فنون دوت كوم يمكن ادخال إيميلك الى قائمة بريد الموقع هنا: