كارافاجيو العبقرى المتشرد

بقلم الفنان سمير فؤاد

لم يعرف تاريخ الفن فنانا بهذه العبقرية المتوهجة والمزاج الدموى ..عاش حياة قصيرة ولكنه عاشها بطولها وعرضها مرموقا ومحسودا من أقرانه لعبقريته الفذه ومكروها لمزاجه السيئ ورغبته الدائمة فى الشجار وإهانة كل من يأتى بعمل لا يروقه..معه إنتقل الفن إلى عصر جديد وبه أصبحت شخوص اللوحات بشرا من عامة الناس.. من الفقراء والمهمشين.. بعد أن كانت قبله شخوص متكلفة متأنقة مقيدة بمقاييس مفهوم الجمال فى ذلك العصر ..طّور أسلوب متفرد فى التصوير يعتمد على التضاد الشديد بين الضوء الساطع والظل القاتم مع الإنتقال المفاجئ من الضوء إلى الظل وإستعمال الحد الأدنى من الدرجة الوسيطه ( الهاف تون ) ..كما كانت شخوصه تتوزع فى فراغ اللوحة فى تكوينات درامية تكاد تكون مسرحية ..وقد خلب هذا الأسلوب ألباب متذوقى الفن والفنانين وجماهير العامة على حد سواء..وأصبح وهو فى الثلاثينات من عمره القصيره أستاذا له أتباعه ومقلديه.. وكان لأسلوبه تأثيرا كبيرا على مسار الفن بعده خاصة المدرسة الفلمنكية لنرى أثره الواضح فى فنانين القرن السابع عشر العظام مثل فيرميير ورمبراندت فى هولنده وفيلاسكيز فى أسبانيا.

إسمه مايكل أنجيلو دى مريسى وقد ولد عام 1571 فى ميلانو ثم إنتقلت عائلته إلى مدينة كارافاجيو وهو ما زال طفلا وعنها أخذ إسمه الذى عرف به.. وتتلمذ فى ميلانو على أحد تلاميذ الفنان الكبير تيتيان..وقد عرف عنه فى هذه الفترة براعته الكبيرة فى التصوير وسوء خلقه وعدوانيته الشديدة ..وفى أوائل العشرينات من عمره إنتقل إلى روما هاربا بعد أن تسبب فى إصابة ضابط شرطة فى مبارزة بالسيف.

عمل فى روما فى مرسم الفنان جوسيبى سيزارى يرسم نوعية اللوحات التى كانت تقتنى لتزيين القصور..لوحات لسلال من الفاكهة وصبيان يعزفون الموسيقى أويلعبون الورق وكان واضحا فى هذه اللوحات براعته الكبيرة وتمكنه الفذ من تقنيات التصوير وقدرته على تصوير موضوعاته بأسلوب طبيعى واقعى ..وقد جذبت هذه اللوحات إنتباه أحد أكبر رعاة الفن فى روما الكاردينال فرانسيسكو دل مونتى.

فى هذه المرحلة رسم لوحتين لباخوس إله الخمر عند الإغريق وكليهما إستعمل فيها كارافاجيو نفسه كموديل وهو تقليد سيتبعه فى العديد من لوحاته بعد ذلك.. ونتوقف عند اللوحة الثانية لآهميتها فى مساره الفنى..لوحة ” باخوس العليل ” التى تمثل إله الخمر وقد أصابه المرض فبدا عليلا سقيما أصفر اللون.. وهو يقبض بيده على عنقود من العنب ليس بأحسن حالا من صاحبه.. فقد أصاب أوراقه الذبول وبدت حباته كالحة اللون..فى هذه اللوحة تظهر ملامح الثورة التى سيحدثها كارافاجيو فى الفن..تحول إله الخمر إلى بشر من لحم ودم.. ليس هذا فحسب وإنما هو بشر فى أسوأ وأكثر حالاته ضعفا.. هنا يتناول الأسطورة ويردها من عليائها إلى أسفل سافلين..هنا وجد كارافاجيو ضالته وهو واقع فى براثن المرض ..ينظر فى المرآة ليرى صورته البائسة ويعلم أن البشر الحقيقيون كما هم بدون زواق أو تنميق حتى فى أسوأ حالاتهم هم مراده فى الفن.

يفقد كارافاجيو عمله فى مرسم سيزارى نتيجة مرضه وبعد أن يتعافى يقرر أن يعمل منفردا فيرسم بأسلوبه الواقعى لوحات مستوحاة من الأساطير والتراث الدينى مثل “توبة مريم المجدلية ” و” رحلة العائلة المقدسة ” و” تضحية إسحاق ” ويعلو صيته بين متذوقى الفن والفنانين على حد سواء.. وفى عام 1599 تجيئه فرصة ذهبية عندما يسند إليه بتوصية من ربيبه الكاردينال دل مونتى العمل على تنفيذ لوحتين لتزيين مذبح كنيسة سان لويجى دى فرانسيسى فى روما لوحة ” نداء القديس ماثيو ” ولوحة ” إستشهاد القديس ماثيو “.

تتفجر عبقرية كارافاجيو فى هاتين اللوحتين ويصل إلى أسلوبه الذى سيعرف به.. تصور لوحة ” نداء القديس ماثيو ” المسيح فى اللحظة التى يختار فيها جامع الضرائب ماثيو ليجعله أحد الحواريين..يختار كارافاجيو شخصيات اللوحة من البشر العاديين الذين كانت تزخر بهم أزقة وحوارى روما فى هذا العصر..فى حجرة عارية إلا من منضدة وحيدة يجلس أربعة من الأشخاص حول ماثيو الذى يعد دراهمه..من يمين اللوحة يقف المسيح مع أحد حوارييه وهو يشير بيمناه إلى ماثيو..لسان حاله يقول أريدك أنت أن تأتى معى..المشهد تلفه العتمة إلا من شعاع من الضوء الذى يدخل من اليمين مائلا بإتجاه ماثيو ومؤكدا إشارة المسيح ..بينما يضع ماثيو يده على صدره مشيرا بسبابته..تريدنى أنا؟؟ يبدو المشهد بشخوصه وإضاءته وتكوينه كأنه جزء من مسرحية تمثّل أمامك وهؤلاء شخوص حقيقيون يلعبون أدوارهم فى هذه المسرحية..ولنا أن نتخيل كيف كان تأثيرهذه اللوحة بطولها الذى يزيد عن الثلاثة أمتار على الرائين فى زمانها ..لا بد أنهم وقفوا أمامها مأخوذين ومسحورين.

وصل أسلوب كارافاجيو الطبيعى المتسم بالواقعية إلى قلوب الجمهور ومتذوقى الفن الذين كانوا قد سئموا تكلف وحذلقة أسلوب المتأنقين (الماناريزم) الذى كان شائعا فى هذا العصر..كما وجدت فيه الكنيسة الكاثوليكية ضالتها كأداة للتأثير على الجماهير فى حربها ضد البروتستانت.. وهنا تتجلى قوة وجبروت الصورة الدينية وقدرتها على التأثير على العامة الذين كانوا أميين وكانت اللوحة المرسومة هى مدخلهم لعالم القصص الإنجيلية.

إنهالت الطلبات على كارافاجيو لتنفيذ لوحات ذات مواضيع دينية ونفذها كارافاجيو بأسلوبه الدرامى الواقعى مثل لوحة “دفن المسيح” و”العذراء والحجاج” و”موت العذراء” و”القديس بطرس على الصليب” وكانت واقعيته تسبب له المشاكل مع المتزمتين فى الكنيسة الذين كانوا يجدون صعوبة فى تقبل شطحاته عندما يرسم الفلاحين بأقدامهم المتسخة وهم فى حضرة العذراء أو عندما يتخذ من إحدى عاهرات روما موديلا يجسد بها إحدى الشخصيات الدينية.. ولكن اللوحات التى كانت ترفضها الكنيسة كانت تجد طريقها لقصور المقتنين.

من أجمل وأقوى لوحات هذه المرحلة لوحة “القبض على السيد المسيح” والتى تصور المسيح ليلة القبض عليه بواسطة الرومان..اللوحة تكسوها العتمة إلا من رؤوس شخوصها الذين يضيئهم نور لا نعرف مصدره ..وقد وضع كارافاجيو فى مقدمة اللوحة جندى يرتدى دروعه المطهمة وهو يأخذ بخناق المسيح الذى يستسلم لقبضته وكذلك لعناق يهوذا وهو يطبع قبلته على خده بينما يجرى القديس جون فزعا خارجا من إطار اللوحة فى أقصى اليسار ومعاكسا هذا الهروب فى أقصى اليمين يقف شخصا رافعا مصباحة ونكتشف أن كارافاجيو قد رسم نفسه فى هذا الشخص كأنما يقول أنا شاهد على ما حدث..وتتجلى عبقرية كارافاجيو الفذه فى النبرة المعاكسة التى وضعها أسفل اللوحة متمثلة فى يدى المسيح المتشابكتى الأصابع فى إصرار.

أصبح كارافاجيو بلا منازع أشهر فنان فى روما وبرغم هذا فقد كانت حياته سلسلة من المشاحنات والمنازعات وكان يدخل فى الشجار لأتفه الأسباب ..يعيش حياة كلها فسق وفجور ولا يأبه لأى مخاطر ولا عجب فقد كان يخرج من مشكلة مع السلطات ليدخل فى أخرى وكان يعتمد على علاقاته بأولى الأمر للخروج من هذه المآزق..وفى 1606 قتل شخصا فى مبارزة بالسيف ولم تجدى علاقاته له نفعا فإضطر لأن يلوذ بالهرب إلى نابولى بعيدا عن سلطة روما.. وصل نابولى فى أوائل عام 1607 وتحت رعاية عائلة كولونا نفذ كرافاجيو عدة لوحات للكنيسة إلا أنه ولسبب غير مفهوم غادر نابولى بعد عدة أشهر إلى جزيرة مالطا ليضع نفسه تحت رعاية ” فرسان مالطة ” وهم جماعة من فرسان الكنيسة تكونت فى الأصل لحماية الحجاج إلى بيت المقدس وبعد وقوعها فى يد المسلمين إنسحبوا إلى مالطة التى أصبحت مركزهم الرئيسى.

فى كنف فرسان مالطة رسم كارافاجيو عدة لوحات وتم تنصيبه فارسا فى الجماعة ومن أجمل ما نفذه فى هذه الفترة لوحة ” مقتل يوحنا المعمدان ” وهى أكبر لوحة نفذها فى حياته إذ يبلغ طولها أكثر من خمسة أمتار وهى تصور مقتل يوحنا المعمدان بإيعاز من سالومى التى أرادت رأسه جائزة لرقصتها الخليعة أمام الملك هيرود…ولكن كما يقال فإن الطبع غلاب فإن كارافاجيو عاد إلى سيرته فى الشجار والعراك وفى عام 1608 إثر إصابته أحد الفرسان فى مشاجرة تم الزج به فى السجن إلا أنه تمكن من الهرب وتم طرده من الجماعة وتجريده من رتبة الفارس.

هرب كارافاجيو إلى جزيرة صقلية ولم يتمكن من الإستقرار بها طويلا لعدم شعوره بالأمان لوجود جائزة على رأسه وكثرة مطارديه من الساعين للإنتقام أو الحصول على الجائزة فعاد إلى نابولى حيث الحماية تحت عائلة كولونا..وكان دافعه وهو فى نابولى هو محاولة مد جسور الحوار مع السلطات فى روما وإسترضائهم عن طريق فنه والضغط عليهم من قبل محبى فنه فى روما للحصول على العفو عن جرائمه والسماح له بالعودة إلى روما ..وفى سبيل ذلك رسم فى عام 1609 لوحته الرائعة ” دافيد يحمل رأس جولايث ” وقد رسم نفسه فى اللوحة كرأس جولاياث المقطوعة وأرسل هذه اللوحة إلى راعيه فى روما الكاردينال سيبيونى بورجيزى إبن أخ البابا وكأنه يبعث برسالة مصورة..هذه هى رأسى عربونا على الندم أقدمها لكم لتسمحوا لى بالعودة.

فى هذه الفترة حاول البعض إغتياله والقصص غير واضحة فى هذا الشأن وأذيع فى روما أن الفنان العظيم قد قتل وفى روايات أخرى تم تشويهه بصورة بشعه ولكنه ظهر بعد ذلك سليما معافى..وإستمر فى العمل وإجراء الإتصالات مع روما وفى منتصف عام 1610 وصلته أنباء عن قرب إصدار قرار العفو عنه فإستقل سفينة متجهة إلى روما ومعه لوحاته الأخيرة التى سيسترضى بها البابا لينال العفو.. ويقال أن السفينة رحلت بدونه فى ميناء بالقرب من توسكانيا فى الطريق إلى روما نتيجة إلقائه فى السجن بعد مشاجرة وأنه حاول اللحاق بالسفينة عبر المستنقعات وأصيب نتيجة لذلك بإلتهاب رئوى أودى بحياته.. وهكذا إنتهت حياة هذا الفنان العظيم وهو مشرد وضائع..بعيدا عن أهله ووطنه.

عندما ودع كارافاجيو الحياة كان فى التاسعة والثلاثين من عمره ولكنه فى فى خلال هذا العمر القصير غيّر من شكل الفن وإمتد تأثيره قرونا من بعده..وإليه يعود الفضل فى بلورة أسلوب يعتمد على التضاد الشديد بين الضوء والظل..وتظهر الدراسات الحديثة خاصة تلك التى قام بها الفنان دافيد هوكنى أن كارافاجيو إستعمل الكاميرا أوبيسكيورا المبنية على خاصية الخزانة ذات الثقب أو الغرفة المعتمة ..وأن التطور الكبير فى صناعة العدسات فى ذلك الوقت هو الذى مكنه من إسقاط صورة واضحة من الموديل الذى يرسمه على مسطح اللوحة وهذا يحتم أن تكون الموديل فى ضوء الشمس الساطع.. وهذا يفسر لنا التضاد الشديد بين الضوء والظل فى لوحاته..كما يؤكد هذه النظرية أننا نعلم أن كارافاجيو لم ينفذ أية رسوم تحضيرية للوحاته وكان يعمل بالأصباغ على اللوحة مباشرة ويقال أن سرعته فى العمل كانت فائقة..كما يفسر هذا أيضا طبيعية وواقعية شخوص لوحاته والتكوينات شبه المسرحية لموضوعاته حيث أنه فى أغلب الظن كان يكّون اللوحة فى مرسمه من الموديلات الحية كأنه يخرج عرضا مسرحيا وبعد أن يصل إلى التكوين الذى يرضيه يبدأ فى نقله إلى اللوحة..وإستعمال الكاميرا أوبيسكيورا بالرغم من أنه يسهّل للفنان مهمته إلا أنه ليس بالبساطة التى تبدو بها خاصة فى اللوحات الكبيرة المزدحمة بالشخوص والتى يجب تقسيمها إلى أجزاء وتنفيذ كل جزء على حدة وهذا يستلزم مهارات تقنية عالية ..كما يؤكد لنا هذا أن للفنان مطلق الحرية فى إستخدام أية أدوات مساعدة لتنفيذ أعماله.. وتكون العبرة فى النهاية للقيمة الفنية لما ينتجه من أعمال.. ويقف التراث الفنى الذى تركه لنا كارافاجيو خير شاهد على هذا.

سمير فؤاد | سبتمبر2012