فن النار بين المنفعة والابداع التشكيلي المعاصر

بعيدا كلّ البعد عن كونه انجازا يدويا تقليديا، يعتبر الخزف فنا ابداعيا يحقّقه الفكر وتتمثّل قيمته في كونه تأليفا بين ملكتي العقل واليد وقدرتهما على اخراج ما في المادّة الى حيّز الفعل، ويمكن تصوّر الخزف منذ البداية كتفكير يبلور مشروعا سواء كان المشروع منطلقا من مرجع بصري واقعي أو منطلقا من حاجة نفعية. فبالنسبة للخزف في مفهومه العام هو فن من فنون النار فالبداية تكون ترابا وماء و نارا ثم التأليف الذي هو تموضع المادة حول هذه المكونات ثم الانتاج الذي ينتجه هذا التأليف ثم الطلاءات والألوان بدرجاتها الضوئية وتنوعاتها النسيجيّة وفي هذا المسار تكون الطينة ومعالجاتها مختارة حسب الهدف المراد الوصول اليه.
واذا اعتبر الخزف حرفة من التراث فانه وبعد أن ظلّ ولفترة تاريخيّة طويلة يلبّي حاجيات الناس اليوميّة النفعيّة والمعيشيّة ولم يلعب الخزّاف دورا وسطا في تلمّس تلك الحاجة اليوميّة والحاجات العاطفيّة والروحيّة حتّى استتبّ الأمر للحرفة الميكانيكيّة ذات الصياغات المتعدّدة في الشكل والمظهر وكان لابدّ من ايجاد سبل وسلوكيات فنيّة وتقنيّة تخرج هذه الحرفة من مأزق منافسة لا جدوى من المضيّ فيها بين الحرفي والخزاف ولعلّه ما دفع بالخزاف المعاصر ولاسيما الفنان التشكيلي الى البحث عن صياغة خطاب عصري يتجاوز من خلاله اشكالية التقليدي النفعي والحاجة نحو التجديد والتطوير الفني.
وانه لمن البديهي أنّ يكون الخزف ضرورة من ضرورات الابداع الفني اذ مثّل أرضيّة خصبة وذاكرة ملهمة للمبدع ليتمثل في جوانب كبيرة من الابداع الفني المعاصر وهوما جعله يزداد عمقا وثراء وتأثيرا في الاخر حينما يكون موسوما بالأصالة وهنا نستحضر قول الفنان الناصر بالشيخ: “ان الأصالة هي أن تكون في حالة وفاق مع الفترة التاريخيّة التي تعيشها ومع طبيعة الأرض التي أنبتتك فاذا كنت وفيا لهذه المعطيات كان انتاجك أصيلا”.
وعليه، فقد تعامل الفنانون التشكيليون مع تراثهم وتمخّضوه بين المحافظة عليه بمختلف جوانبه من خلال استحضاره في الأثر الفني وبين البحث أو محاولة التجاوز للخصوصيات التقنية المتعارف عليها بمواكبة التطورات الفنية الغربية، فهل هي علاقة تأثر وتقليد أم هو بحث الفن التشكيلي التونسي عن استقلاليته وطابعه الخاص من خلال استحضار معالم الهوية والاصالة واستحياء التراث؟ كذلك هل التدليل علي الهوية واثباتها يكفي تحقيقها من خلال اقحام هذه العناصر التراثية؟
تكون الاجابة هنا، بما أن العمل الخزفي الحرفي هو نتيجة لفكر وارادة نفعية تبعها انجاز يدوي بالات وادوات ومواد فهو بالضرورة يحتوي خصائص فنية لا تبتعد عن الانتاج الفني الجمالي وبإمكانه أن يتحوّل من تراث قد يكون مآله النسيان الى أساس للإبداع، وقد مثل فن الخزف أحد أهمّ الفنون التي نشطت في علاقة مع الفن التشكيلي الحديث والمعاصر. ويبدو من خلال التجارب الفنية المتنوعة والمختلفة في فن الخزف التونسي أن الفنانين الخزافين قد قاموا بمحاور كثيرة تضمنت قيما فنيّة وجماليّة نمّت الثقافة الفنية البصريّة وعمّقت الاحساس بالهويّة من غير أن تقيّد الفنّان، وقد مثّلت الأدوات النفعية منطلقا للفنان التشكيلي المعاصر لصناعة دلالاته في مجال فن الخزف وأعطت دفعا لتطويره وسنعرض في هذه المداخلة تجربة الفنان “خالد بن سليمان” هذه التجربة التي عبرت عن الهوية واستمدت جذورها من مقومات الذاكرة الشعبية والدينية لينخرط الخزف التقليدي بالتالي في سياق الفن الحديث بأدوات أصيلة نابعة من صميم الثقافة الشعبية وتعقيداتها الرمزية ومقوماتها الاسلامية.
وخالد بن سليمان هو فنّان تشكيلي تونسي ولد سنة 1931 يمارس فنّي الرسم والخزف وقد تلقى تكوينا اضافيا في فن الخزف بمدرسة “ماسانا” ببرشلونا بين سنة 1977 و1979 كما تشبّع من تقنيات الخزف الياباني بين سنتة 1982 و 1983 وشأنه شأن العديد من الفنانين التشكيليين المعاصرين توصّل الى التوقيع على خطابه المعاصر من خلال رؤيته الخاصّة مستغلا الأدوات النفعيّة من أقداح وأواني وأوعية للأكل وجرار أو مزهريات والتي كانت مطيّته للإبداع الفني وقد تميزت خزفياته باستيعاب وصهر ملامح التراث مع روح العصر، فكانت مزجا بين العقيدة والخط والرسم واستغلال المعطيات البيئية والنفعية بأسلوب تعبيري فيه من الجمالية والفن المعاصر وما لجوؤه بفكره ووجدانه الى الخزف التقليدي وخاصّة الأدوات النفعيّة مثل الأقداح والأواني وأوعية الأكل انّما يعبّر عن موجة عالمية نشاهدها اليوم تشير الى البحث عن عالم جديد وبسيط غير معقّد يعيد الى نفسه الاتزان وشفافية الحس والوجدان، غير أنّ تعامله مع الخزف المعاصر لا يعني التخلّص من الماضي ولا يعني التنكر للتراث وانما هو تطلّع يحافظ على الخصوصيّة دونما انغلاق على الذات.
هكذا عمل الفنان على استنباط الماضي العريق لفن الخزف وتطويعه ليحاكي العصر من خلال تفاصيل أعماله الخزفيّة والتي استعار تفاصيلها من أعماق التراث الشعبي ليحوّلها برؤيته الفنية والتشكيلية الى عالم له منطقه الخاص، فقد حول ما هو نفعي استعمالي الى حامل فني بثّ فيه ابداعه كما شحنه برؤاه الفنية التي تجمع بين الحرفة والفن، هكذا خلق روحا جديدة ألبسها للتراث الخزفي ليحاكي المادة والأصباغ اللونية حتى لا تبقى لصيقة بالماضي ولكن لتستمر عبر المستقبل فعكس فيها شخصيته ومع أنه اعتمد على الأشكال التراثية والمفردات الدينية والعقائديّة الا أن الفنان اعتمد في انجازها على التبسيط والتجريد والرؤى التشكيلية المعاصرة. فمن الشكــل العادي المتداول يبدع الفنان عملا فنيا مبدعا، فيتحول هذا الشكل من رمز تراثي إلى همزة وصل بين الفنان ذاته وخاماته واختياره لها ليست عملية نهائية في حد ذاتها، فاختيار خامات جديدة يجعل عمله أكثر عمقا و شمولا” .
يبحث “بن سليمان” عن صور جديدة للصورة النمطيّة للأواني والأقداح، فقد جدّد الصورة البصرية لشكل الانية والقدح والجرّة وليس الأداة في حدّ ذاتها فجعل منها حاملا لفكره وفلسفته الفنية وهي محاولة منه للولوج بها الى رؤية معاصرة عبّر من خلالها عن ارتباطه بتراثه العقائدي الذي يعبر عن حالة من التوحدّ بين مخيلة الخزاف الإبداعية وبين روح الذاكرة الجماعيّة والانساني قاطعا مع التكرار ما جعل الأقداح والأواني تتعدّى حدود استعمالها اليومي البسيط لتتحوّل الى علاقات جماليّة تربط بين فكر وفلسفة الفنان نفسه للتحوّل الى قيم جماليّة وهو ما نلاحظه في هذه الصور.
تحمل خزفياته رؤية متجدّدة ومتطورة لفن الخزف حاملة لأنماط الحوار الفني في مجال تقنية المادّة واللون وهي في ذات الوقت تحمل حلولا بصريّة جديدة لشكل التجربة الخزفيّة التقليديّة وقد استجابت لسلاسة فكريّة وتقنيّة حققت تميزا ابداعيّا استمدّ مكوناته وفلسفته التعبيرية من الأشكال اليوميّة والنفعيّة ومن المخزون الناهل من الذاكرة التراثية باعتبارها الرمز المادي، الحسي والمعنوي فأخرجها من واقعها الصامت الى واقع جديد يطرح شكلا بصريا ظهر فيه التلاقح الفكري والوجداني في إطار الحضارة العربية الإسلامية التي أحلّت فنون النار وأعطتها مكانة سامية وأكرمت الخزافين ولعله ما جعل الفنان يخوض هذا المضمار من أجل رد الاعتبار لما هو نفعي وبسيط ومتداول والارتقاء بها إلى مستوى العمل الفني دونما تجاوز تجلياتها الشكلانيّة البسيطة، فلم يبحث الفنان عن التجديد الشكلي إيمانا منه بجماليتها الضاربة في أعماق التاريخ والقادرة على التجلي وفق خصوصيتها الطبيعية، وسعى الى استعادة تلك الحركات العريقة لصانع الفخار فيكرّر النموذج المتداول للقدح و الفنجان و الطبق…وأبدع فيها من خلال تحوير مظهرها بواسـطة الطلاء و” المينا” وسحر العلامات التراثية ذات الصبغة الدينية.
من هنا نلاحظ أن الفنان قد قلّص تلك الهوّة بين الصورة البصرية التقليدية لهذه الأشكال النفعية والرؤية الحاضرة لفن تشكيلي يتخطى جمود الصنعة ويفكك القيم التقليديّة في تقنية تشكيل وصياغة الشكل واعادة تركيبه برؤية معاصرة مع المحافظة على الروح الأصيلة لمادّة الخزف دون الانسلاخ عن الهوية المحليّة مما صبغ أعماله بصبغة فلسفيّة وجماليّة تتمازج فيها مادة الطين مع الألوان الصباغيّة والأكاسيد وتقنيات الحرق بشكل جدّ مدروس ومتقن كما تتمازج فيها على حدّ السواء القيم الفكريّة والجماليّة والفلسفيّة لتأكيد الصورة المعاصرة للخزف والتي تواكب المتغيّرات الفنيّة العالميّة وبقدر ما نلاحظ فيها بعدا روحيا يعكس أبعادا روحية، فلسفية وصوفية تتراءى لنا من خلال هذه الأقداح البيضاء بياض العـاج والتي ترتسم عليها لمسات عريضة سوداء تحمل عبارات دينية وصوفية يزدوج فيها الفعل التشكيلي بين الرّسـم والخزف ونستحضرنا في هذا الاطار مقولة الفنان الحبيب بيدة:” يمكن اعتبار التعامل مع الحوامل التراثية تحوّلا معرفيا في مجال البحث عن شخصية متميزة” فتعامل خالد بن سليمان مع هذا الموروث إنما يعكس وعي هذا الفنان بقيمته الجمالية، الروحيّة، الفكرية وحتى الفلسفية خاصة بعد اطلاعــه و تشبّعه بالتقاليد العريقة للخزافين اليبانيين، حيث اكتشف معهم التبعات الروحية للفعل الإبداعي وتعلّم كيف يحيا الانجاز الفني كمجاهدة وتدرّج صوفي، وكيف يعي ما يتضمنه فن الخزف من معاني بالنسبة لروح شعب من الشعوب”.
ان الأشكال الخزفية “لبن سليمان” تبحث بين طبيعة القطعة الخزفية كمكوّن نفعي ولّدته الحاجة الانسانيّة والحرفة وقيمتها الجمالية التي استخلصها الفنان في صورة بصريّة جديدة تحاكي واقع العصر. فلم يسلبها خصوصيتها التقليدية بل تمثل دوره الابداعي في ايجاد صورة جمالية جديدة يتناغم فيها الشكل مع اللون والسطوح والملامس الناعمة مضيفا لها أفكاره وفلسفته التي صاغها من خلال الرسوم التي صاغها من خلال الطلاءات التي تؤكّد اهتمام الفنان المتنامي بالدلالات البصرية والتراثية في بيئته المحيطة مستمدا أفكاره من عقائده وتراه الشعبي والتي خصّها بالمساحة الأكبر من حيث السرد البصري لمكونات قطعه الخزفية التي لم تخرج بها عن الصياغة التقليدية للأواني والأقداح الخزفية الا أنه لم يقف بها ضمن دائرة النمطية الحرفية في انتاجها وتعدي حدود هذه الصنعة الى ابداع تشكيلات مميزة لعب التحوير والتبسيط والتجريد والرسم في تشكيلها دورا مهما وصبغها بسمته الشخصية الفنية ما أعطاها سمة جديدة ارتبطت بالفنان نفسه.
من هنا تكون تجربة الفنان” خالد بن سليمان ” واحدة من بين التجـارب الفنية المعاصرة في فن الخزف ببلادنا، لما تحمله من تأصّل وتميّز كيف لا وهو الباحث في أصالة الموروث ولايزال يمارس عملية البحث لتستحيل خزفياته الفنية كنتاج لصراع الخزاف مع مادة الطين وداخل هذا الصراع الفكري والحسيّ تبرز خصوصية المبدع التعبيرية في إطار نظرة استيتقية ذاتية تنطلق في تشكلّها من “تفكير اليدين”، التي تتصارع مع المادة التي طوّعها وفق رغباته الحسية والذهنية على حدّ السواء. وهكذا هي تجربته انما هي فعل متأصّل فيه من الإبداع الفني والجمالي بقدر ما فيه من محاكاة لروح الموروث ونهل من الذاكرة الجماعيّة في حركة لا تعبّر عن تقديس المخزون التراثي وانما عن كونه محرك للعمليّة الابداعيّة التي تبحث عن السموّ بمادة الطين نحو عالم الروح. هكذا تزاوجت البيئة ومعطيات الموروث الشعبي والمعطيات التشكيلية الحديثة لتحقيق أثر فني تشكيلي معاصر له خصوصيته المتفردة المسكونة برغبة عارمة لتأكيد وجود فن متميز، وذلك من خلال تحقيق المعادلة الهمة “التراث والمعاصرة” وختاما يمكننا القول أن الفن والحرف التقليدية بأنواعها والتي تتم بأسلوب يدوي ستظل باقية مادام العنصر البشري موجود بفكره ووجدانه.
المراجع:
• الناصر بالشيخ1978، الهوية التشكيلية في العالم العربي، حبيبة النهدي، 2009.
• عن نشريّة المعرض السنوي للفن التونسي المعاصر، مركز الفن الحي لمدينة تونس، ديسمبر 1985.
• الحبيب بيدة، مقال صادر في جريدة الصحافة بتاريخ 25 أفريل 1989.
• الهوية والابداع في الصناعات التقليديّة اليوم، نصوص جمعها وقدمها محمد محسن الزارعي، منشورات المعهد العالي للفنون والحرف بقابس، 2005.
• Ali Louati, L’aventure de l’art moderne en Tunisie, SIMPACT, 1979.

عواطف منصور، جامعيّة وباحثة في الفنون التشكيليّة
أستاذة بالمعهد العالي للفنون والحرف بالقصرين، تونس

Invalid Displayed Gallery