سحر البيان – مصطفى لطفي المنفلوطي

رأيت في إحدى روايات شكسبير وهي الرواية المعروفة برواية “يوليوس قيصر” موقفا لبطلين من أبطال الفصاحة, وفارسين من فرسان البيان قد وقف كل منهما من صاحبه موقف اللاعب من اللاعب, ووقف الشعب الروماني بينهما موقف الكرة بين
مضارب الأقدام تعلو بها حينا وتسفل أحيانا فلا تثبت صاعدة ولا تستقر هابطة فعلمت أن العامة عامة في كل عصر، والشعب شعب في كل مصر، وأن سواد الأمة تحت صرح فرعون مثله تحت عرش قيصر، وأنه في رأس التاريخ اليسوعي مثله في ذنب التاريخ المحمدي، تدنو به كلمة وتنأى به أخرى، وتجذبه دمعة وتدفعه ابتسامة، وتطير بلبه الشعريات والخيالات طيران الريح الهوجاء بذرات الهباء.
علم بروتس الشريف الروماني أن يوليوس قيصر قد استعبد الشعب الروماني, وأذل نفسه ذلا ملك عليه حواسه ومشاعره حتى ما يكاد يشعر بمرارته، وكذلك الذل إذا نزل بالنفوس سلبها

كل شيء حتى الشعور بنزوله بها، وعلم أن حياة ذلك الشعب في موت ذلك القيصر فهان عليه أن يقتل صديقه وسيده افتداء لأمته, فطعنه طعنة نجلاء سلبته نفسه فهاج الشعب الروماني على القاتل وأعوانه هياج الأمواج المتدافعة على السفن المبعثرة في أكناف الدأماء، فوقف الرجل خطيبا في وجه هذا الشعب المائج المحتدم حزنا على خلاصه من يد قاتله وقفة المستبسل المستميت، وكان لا بد له في موقفه من أحد المصيرين؛ إما نصر يعلو به إلى مدار الأفلاك، أو خذلان يهوي به إلى مقر الأسماك، ومن أحد المخرجين؛ إما مخرجه مرفوعا على محفة الأبطال، أو محمولا على أعناق الرجال، فبعد لأي ما استطاع بعض الناس أن يسكن ثائرة الثائرين ويستدرجهم إلى سماع دفاع القاتل عن نفسه أو التفكه بمنظر هذيانه وهو يتلمس في هذه الظلمة الحالكة المخرج من جرمه.
الخطبة:
بروتس “وهو على منبر الخطابة”: أيها الرومانيون، أتعدونني بالصبر القليل على سماع ما أقول من حلو الكلام, ومره إكراما لموقفي, وإكراما للعدل؟
أنا لا أريد أن أخدعكم عن أنفسكم, ولا أن أعبث بعقولكم

وأهوائكم, بل أريد منكم أن تنظروا إلى قضيتي نظر المستيقظ الحذر الذي لا يعطي هوادة ولا يسلس قيادا ولا ينام عن شاردة ولا واردة؛ لأني لا أعتقد أن في زاوية من زوايا قضيتي هذه كمينا أخاف أن تقع عليه العيون.
أيها الرومانيون، إن كان بينكم صديق لقيصر يحبه, ويتهالك وجدا عليه فليسمح لي أن أقول له: أيها الصديق الكريم، إن بروتس قاتل قيصر كان يحبه أكثر من حبك إياه.
أيها القوم، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، فأعلموا أني ما قتلت قيصر لأني كنت أبغضه, بل لأني كنت أحب روما أكثر منه.
كان قيصر يحبني فأحببته، وكان شجاعا فاحترمته، ولكنه كان طماعا فقتلته، ففي ساعة واحدة منحته دمعي وقلبي وخنجري.
أنا لا أصدق أن بينكم من يحزن لموت قيصر, فأنتم رومانيون والروماني لا يحب أن يعيش ذليلا.
من منكم يكره أن يكون رومانيا؟ من منكم يكره أن يكون حرا؟ من منكم يحتقر نفسه؟ من منكم يزدري وطنه؟ إن كان بينكم واحد من هؤلاء فليتكلم؛ لأنه هو الذي يحق له أن

يثأر لنفسه مني؛ لأني لم أسئ إلى أحد سواه.
الشعب: لا، لا، ليس فينا واحد من هؤلاء.
بروتس: إذن أنا لم أسئ إلى أحد منكم.
وما وصل بروتس من حديثه إلى هذا الحد حتى دخل أنطونيوس صديق قيصر ورأس الناقمين على قتلته والطالبين بثأره هو وآخرون, ومعهم جثة قيصر لتأبينه في هذا المجمع الحاشد, فاستأنف بروتس الكلام وقال:
بروتس: ها هي جثة قيصر وها هو صديقه أنطونيوس قد جاء ليؤبنه فاستمعوا له، واعلموا أن قيصر المذنب غير قيصر الماجد، وقد سمعتم ما قيل عن الأول فاسمعوا ما قيل عن الثاني، واسمحوا لي أن أقول كلمة أختم بها خطابي.
أيها الرومانيون، إن الخنجر الذي ذبحت به قيصر في سبيل روما لا يزال باقيا عندي لذبح بروتس في سبيل قيصر إذا أرادت روما ذلك.
تأثير الخطبة:
الشعب: ليحي بروتس.
أحد الناس: أنا أقترح أن نحمله على الأكف والرءوس إلى بيته.

آخر: انصبوا له تمثالا.
آخر: امنحوه عرش قيصر.
آخر: إنه أفضل من قيصر.
آخر: إن قيصر كان ظالما.
آخر: إنه كان الظلم بعينه.
آخر: لتهنأ روما بالخلاص منه.
آخر: ألا نسمع تأبين أنطونيوس؟
آخر: نعم نسمعه؛ لأن بروتس أمر بذلك.
وهنا خرج بروتس والقلوب طائرة حوله, والعيون حائمة عليه وقد نال بتأثير خطابه من نفوس الشعب الروماني ما أراد، ثم صعد أنطونيوس على منبر الخطابة, فهزأ الشعب بموقفه ولولا كلمة من بروتس ما ثبت في موقفه لحظة واحدة، ثم أنشد قصيدة التأبين المشهورة التي هي آية الآيات في اللغة الإنجليزية فصاحة وبيانا, والتي يكاد لا يوجد إنجليزي لا يحفظها ولا يمجدها تمجيد الأمم المتعبدة آيات الكتب المقدسة.

القصيدة:
أنطونيوس: أيها الرومانيون.
أحد الناس: اسمعوا ما يقوله أنطونيوس.

آخر: لا، لا نسمعه.
أنطونيوس: اسمعوني إكراما لبروتس.
أحد الناس: ماذا يقول هذا الرجل عن بروتس؟
آخر: لا يقول شيئا.
آخر: إذن نسمعه.
أنطونيوس: أيها الأصدقاء، أنا ما جئت هنا اليوم لأرثي قيصر بل لأدفن جثته.
أيها القوم، ما من أحد من الناس إلا وله في حياته أعمال حسنة, وأخرى سيئة.
أما حسناته فتموت بموته, وأما سيئاته فتبقى من بعده خالدة إلى يوم يبعثون.
كذلك كان قيصر في حياته ومماته، وحسناته وسيئاته.
أيها القوم، ما كنت لأستطيع أن أقف موقفي هذا بينكم ولا أن أقول كلمة مما أريد أن أقول لولا أن بروتس قاتل قيصر أمرني بالوقوف وأمرني بالكلام, وها أنتم ترون أنني قد أطعته واستمعت له؛ لأنه رجل شريف.
أيها القوم، يقول الشريف بروتس: إن قيصر كان رجلا طماعا وأنا لا أستطيع أن أخالفه فيما يقول؛ لأنه رجل شريف.

أنا لا أستطيع أن أقول: إن قيصر كان رجلا قانعا عادلا أمينا؛ لأن الشريف بروتس يقول غير هذا.
كل ما أستطيع أن أقوله, إن الفدية التي افتدى بها أعداؤنا أسراهم الذين جاء بهم قيصر إلى روما قد ملأت الخزانة العامة حتى فاضت بها.
كل ما أستطيع أن أقوله, إني رأيت قيصر بعيني يبكي لبكاء الفقراء ويحزن لحزنهم, ويبيت الليالي ذوات العدد ساهرا لا يغتمض له جفن حدبا بهم, وعطفا عليهم.
كل ما أستطيع أن أقوله, إني عرضت بنفسي تاج الملك على قيصر في لوبركال ثلاث مرات فأباه زهدا فيه, وازدراء له.
كنت أستطيع أن أقول: إن الطمع لا يسكن قلبا مثل هذا القلب, ولا يخالط فؤادا مثل هذا الفؤاد لولا أن بروتس يقول: إن قيصر رجل طماع, وأنا لا أستطيع مخالفته لأنه رجل شريف.
أيها الرومانيون، إنكم أحببتم قيصر قبل اليوم حبا جما, فما الذي يمنعكم اليوم من البكاء عليه؟
إن لم تبكوه لصفاته الكريمة فابكوه لأنكم كنتم تحبونه، ابكوه لأنه كان بالأمس ينطق الكلمة فتدوي في صدور العظماء دوي الرعد في آفاق السماء، فأصبح اليوم مطرحا

في ظل هذا الحائط, لا يجد بين الناس من يأبه له ولا من ينظر إليه.
أيها العقل الإنساني، كيف حالت حالك وتغيرت آيتك؟ وكيف انتقلت من الصدور الإنسية إلى الصدور الوحشية؟ وكيف ضللت سبيلك وعميت عليك مذاهبك فحسبت الخير شرا، والشر خيرا، واختلط عليك الأمر بين الحسنات والسيئات, والمكارم والجرائم؟
أيها الرومانيون، عفوا إن هذيت بينكم أو أسأت إليكم، واعلموا أن الحزن قد قسم فؤادي قسمين: قسم على هذا المنبر، وقسم في ذلك النعش.
أيها الأصدقاء، إن بين جنبي قلبا يخفق بحبكم والعطف عليكم والرأفة بكم, ولولا مخافة أن تنفجر صدوركم حزنا وجزعا لقلت لكم: إن قيصر قتل مظلوما.
إنني أعتقد أن بروتس ورفاقه قوم شرفاء عظماء؛ لذلك أحب أن أسيء إلى نفسي وإلى قيصر وإليكم قبل أن أقول: إنهم أخطئوا في قتل قيصر, فأسيء إليهم.
“وهنا أرسل أنطونيوس من جفنيه قطرات من الدموع”.
الانقلاب:
أحد الناس “يقول لصاحبه”: يلوح لي أن فيما يقول الرجل شيئا معقولا.

خر: إنك إذا أنعمت النظر وجدت أن قيصر قد أسيء إليه.
آخر: لقد أثر في نفسي زهده في تاج الملك.
آخر: لقد أحزنني عليه أنه كان يبكي لبكاء الفقراء.
آخر: إن الذي يرثي لبؤس البؤساء لا يكون طماعا, ولا ظالما, ولا قاسيا.
آخر: إذن فسيكون لمقتل قيصر شأن غير شأنه الأول.
آخر: لا بد من عقاب القاتل.
آخر “يقول لجليسه”: انظر إلى أنطونيوس, فقد بكى حتى احمرّت مقلتاه.
آخر: ليس في روما رجل أشرف من أنطونيوس.
أنطونيوس: أتأذنون لي بالنزول من المنبر لأقف قليلا بجانب جثة القتيل؟
الشعب: نعم نعم.
“فنزل أنطونيوس ومشى حتى وصل إلى جثة قيصر وهو لا يزال في ملابسه التي قتل فيها, ولا تزال طعنات الخناجر ظاهرة في قبائه ثم قال”
أنطونيوس: من كان يملك منكم دموعا فليعدها لهذا

الموقف, فإني سأبكيكم في هذه الساعة بكاء شديدا.
إنكم جميعا تعرفون هذا القباء ولكنكم لا تعرفونه كما أعرفه أنا، أنا أعلم أن قيصر لبسه أول مرة في مساء اليوم الذي انتصر فيه على “الذفي” ذلك الانتصار الباهر الذي نالت به روما فخرا عظيما.
“ثم وضع يده على الثقوب التي في القباء وقال”
في هذا القباء الشريف تمزقت جثة هذا الفاتح العظيم.
في هذا الثقب طعنه بروتس طعنته, ومن هذا الثقب أطل دم قيصر ليرى بعينه وجه الضارب، وأحسب أن أفراد هذا النوع الإنساني جميعهم قد مروا بخاطر قيصر فردا فردا قبل أن يمر بخاطره بروتس.
عرف قيصر أن قاتله هو صديقه وصنيعة إحسانه, ففترت همته وعجز عن المقاومة لأن الطعنة التي أصابته في جسمه لم تكن أقل من الطعنة التي أصابته في قلبه، ولم يكن منظر المدى والخناجر أبشع في نظره من منظر الخيانة والغدر، هنالك عجز قيصر عن أن يقول شيئا غير الكلمة التي ودع بها قاتله الوداع الأخير: “وأنت أيضا يا بروتس! “.
وهنالك تحت تمثال بومباي وجد قيصر قتيلا وقد لف وجهه

بقبائه حتى لا تتألم نفسه مرة ثانية بمنظر كفر النعمة, ونكران الجميل.
ها أنتم تبكون على قيصر, فشكرا لكم على هذه الدموع الكريمة التي طهرتم بها ما لوث به الخونة تربة الأرض من الدماء.
إنكم تبكون لمنظر قباء قيصر الممزق, فكيف بكم لو شاهدتم ما تمزق من جثته.
“ثم دنا وكشف القباء عن جسمه, وقال”
إن في كل جرح من هذه الجروح لسانا يشكو إليكم فاستمعوا له, فهو أنطق من لسان الرثاء.
أحد الناس: يا له من منظر فظيع.
آخر: وا رحمتاه لقيصر.
آخر: إن يوما يقتل فيه قيصر ليوم شره مستطير.
آخر: يا للدناءة والسفالة.
آخر: يا للغدر والخيانة.
آخر: الانتقام الانتقام.
الشعب “وهو يضجّ ضجيجا عظيما”: أحرقوا القتلة، مزقوهم، لا تبقوا على أحد منهم.
أنطونيوس: مهلا مهلا, أنا لا أريد أن أشعل بينكم فتنة

عمياء، ولا أريد أن تطالبوا القتلة بالدماء التي أراقوها, فإني لا أزال أعتقد أنهم قوم شرفاء وربما كانوا يعرفون أسبابا لقتله لا نعرفها, وإنما أريد أن أقول لكم: إن قيصر كان يحبكم حبا جما, فهو يستحق رثاءكم له, وبكاءكم عليه.
لولا أني أوثر الإبقاء عليكم, ولولا أني أحب تخفيف ما ألم بقلوبكم من الحزن على فقيدكم لتلوت عليكم وصيته لتعلموا أن الرجل كان يحبكم, وأنه ما كان خليقا أن يقتل بينكم وفيكم عين تطرف وفؤاد يخفق.
الشعب: اقرأ الوصية.
أنطونيوس: إني أخاف على صدوركم أن تنفجر حزنا على القتيل الشهيد.
الشعب: نريد سماع الوصية.
أنطونيوس: إنه يعطي كل فرد من أفراد الرومان خمسة وسبعين فرنكا, ويوصي بجميع غاباته ومنتزهاته ورياضه لأمته.
أحد الناس: يا له من رجل كريم.
آخر: يا له من رجل شريف.
آخر: ويل للقتلة.
آخر: الثورة، الثورة.

آخر: سنحرق منزل بروتس ومنازل رفاقه.
ثم خرج الشعب يتدفق في شوارع روما تدفق الأمواج الثائرة في القاموس المحيط.
أنطونيوس “في موقفه وحده”: أيتها الفتنة العمياء, قد أيقظتك من مرقدك فارفعي رأسك وامضي في سبيلك واشتعلي حتى يحرق لسانك أديم السماء, وحتى لا تبقي على شيء مما حواليك ا. هـ.
وهكذا استطاع أنطونيوس في موقف واحد أن يستعبد الشعب الروماني لنفسه وما كاد يخلص من استعباد قيصر، وهكذا الأمم الضعيفة لا مفر لها من العبودية لحملة التيجان، أو حملة البيان.

تعليقك في كلمه يكون:




8 Comments

  1. مثال حي للنماذج المتكررة في التاريخ……مثلها مثل دورة حياة أي شىء….رحم الله المنفلوطي.

  2. قصة حياة الكاتب والأديب مصطفى لطفي المنفلوطي
    في بيت العلم والقضاء والرياده الصوفية في بيت محمد محمد حسن لطفي محمد القاضي الشرعي لمنفلوط درب المحكمة على الجزيرة غرب النيل بمنفلوط ولد مصطفى محمد محمد حسن لطفي المنفلوطي في فجر العاشر من ذي الحجة سنه 1293 هجريه 30/12/1876ميلاديه لأب عربي يتصل نسبه للامام الحسين ولام من أصل تركي وهى السيده/ هانم على حسن جوربجى وكانت نقابه الإشراف ومرتبه القضاء يتوارثها… بيت أبيه منذ 200عام وحتى الآن ما زال منزله يوجد مكانه بعد تجديده عامرا و مفتوحا بأهلة منهم الأستاذ حسن الأمير لطفي والأستاذ احمد الأمير لطفي في درب المحكمة شارع مصطفى لطفي المنفلوطي بعد أن سمى الشارع باسمه على الجزيرة غرب النيل وتربطنا بهم أكثر من صله قرابة وان جدتي السيده/ حفيظة موسى مصطفى جوربجى من نفس عائله السيده/ هانم على حسن الجوربجى والده المنفلوطي وهى عائله الجوربجى ونحن نتشرف بذلك
    وفى طفولته التحق المنفلوطي بالكتاب وحفظ القرآن الكريم وكان المنفلوطي يحفظ القرآن الكريم عند قرائتة من المرة الأولى دون اعاده مثلما كانوا يفعل الاخرون وتلقى دروسه الأولى في مكتب الشيخ جلال الدين السيوطي الذي كان يديره الشيخ محمد رضوان احد الفقهاء الذين لهم الفضل في تربيه كثير من أدباء أسيوط وعلمائها وكان يتردد على أبيه احد الأصدقاء الذي كان على ادب ونزعه شعرية حبب المنفلوطي في الادب العربي ولذا أحب المنفلوطي القصائد وقراءه كتب الادب مع حفظ القرآن الكريم وكان سنه قد بلغ الحادية عشره فبعث به أبوه إلى الأزهر سنه 1888م لينهج نهجهم في العلم والثقافة فمكث في الازهر عشره سنوات يدرس علوم الدين واللغه ولكن المنفلوطي وجد نفسه عزوفا على طريقه التعليم والدراسة في الازهر فلم تكن أساليب الكتب التي يدرسها ترضى حسه وذوقه ورغباته وكان يحمل الكتب الادبيه مع ان طابع الدراسة في الازهر كانت تتعارض مع ذلك ولاترضى الشيوخ فكان شيوخه في الازهر إذا وجدو كتاب في يده من كتب الادب كانوا يعنفوه ويعاقبوه ولكنه ما كان يرده عن هوايته تعنيف أو تأديب حيث ضاق المنفلوطي زرعا بالدراسة في الازهر وبدا يتطلع إلى أفاق أخرى جديدة ترضى هوايته وحسه الادبى ويمضى إلى حلقه الأمام محمد عبده ويعجب به الامام ويغريه ويرسم له الطريق الامثل لغايه المنفلوطي في الادب والحياة ولازم المنفلوطى الامام كما يلزم الولد ابيه والصاحب صاحبه واكثر المتابعه لدروسه حتى اكتمل عنده عشره سنوات فكمل من علمه ما كان ناقصا ونضج من أدبه وتزوج المنفلوطى وهو في الازهرمن السيده/ آمنه محمد أبو بكر الشيخ وكانت ناظرة لوقف جدها ابوبكر محمد غلبون المغربي المالكي وكان الوقف أكثر من ثلاث 100فدان وانجب منها خمس توامان لم يعمرا وثلاث بنات زكيه وانيسه ونجيه تزوجن في حياته وليس على قيد الحياة منهم احد الان و كان المنفلوطي قد استفادة من قربه إلى الامام محمد عبده وصلته بسعد باشا زغلول و من هاتين الصلتين وجد نفسه أكثر قربا إلى الكاتب الصحفى على يوسف صاحب جريده المؤيد حيث تبوآ مكانه بارزه على صفحاته وكان الامام محمد عبده وسعد باشا زغلول والكاتب الصحفى على يوسف اقوى العناصر فى تكوين المنفلوطى الاديب ثم عاد الى منفلوط بعد ان انتقل الامام محمد عبده الى جوار ربه سنه 1905م وكان المنفلوطى يرسل الى جريده المؤيد قطع لنشرها تحت عنوان “أسبوعيات” واولى مقالاته التي ظهرت بالمؤيد كانت فى28 أكتوبر سنه 1907م بعد انقطاع وكان قد أرسل أيضا مقاله الى جريده الصاعقه موضوعه “الغناء العربي” ومن موضوعاته التي نشرت له فى جريده المؤيد “ادب المناظره”يوم الخميس13 فبراير عام 1908م وقد لاحظا ان مقالاته فى اعداد المؤيد كانت تهاجم الحزب الوطني وحزب الامه وكانت حملاته على الأزهريين فى سبيل اصلاح الازهر وكان هذا يعرضه لهجمات الاخرين ممن يخالفونه فى الراى وكان قد سبق للمنفلوطي ونشر على صفحات جريده العمدة الذي انشأها عمده منفلوط حسن يونس وكانت ثمن النسخه قرش صاغ وهى جريده اصلاحيه علميه ادبيه زراعيه تصدر كل خميس من كل أسبوع وكان المنفلوطى عمره عشرون عاماً وكان ذلك فى 7ابريل سنه1896م اى قبل نشره فى جريدة المؤيد بإحدى عشره سنه وقد تابع نشر الشعر أيضا فى جريده الصاعقه
    ومن مؤلفاته ومترجماته
    1-كتاب النظرات فى ثلاث اجزاء جمع فيه ما نشره فى جريدة المؤيد من الفصول فى النقد والاجتماع والوصف والقصص.
    2- كتاب العبرات وهو مجموع من الأقاصيص المنقوله والموضوعه
    3- ” مختارات المنفلوطي” من أشعار المتقدمين ومقالاتهم وقد ترجم له بعض أصدقائه عن الفرنسيه
    1-تحت ظلال الزيزفون” مجدولين”لانفونس كار
    2-بول وفرجينى “الفضيلة”لبرناردين دى سان بير
    3-سيرا نودى برجراك “الشاعر”لادمون ر ستان
    4-“في سبيل التاج “لفرانسوكوبيه
    فصاغها بأسلوبه البليغ الرصين صياغة حرة لم يتقيد فيها بالأصل فأفاضت إلى الثراء الأدب العربي ثروة وكانت للفن القصصي الحديث قوه وقدره
    وقد هجر المنفلوطي منفلوط على اثر وفاه زوجته الأولى السيده/ آمنه محمد أبو بكر الشيخ وعاد إلى القاهرة في أكتوبر سنه 1908م وبعد زيوع صيته والفتت إليه الانظار وكان سعد باشا زغلول من المعجبين به ولما تولى سعد باشا زغلول نظاره المعارف 1909م عينه في وظيفة تتناسب مع مواهبه واستعداداته وهى وظيفة “المحرر العربي ”
    ثم تزوج المنفلوطي من القاهرة الزوجه الثانية وهى السيده /رتيبه حسنى وأنجب منها فاضل وحسن وحسنان وزينب وقدريه ومحاسن وأحمد .
    ولما تحول سعد باشا زغلول إلى وزاره الحقانية “العدل”فى فبراير 1910م حول المنفلوطى معه وولاه نفس الوظيفة الذي كان يعمل بها وهى المحرر العربي الى ان انتقل الحكم لغير حزبه
    ثم عاد سعد باشا واسندت اليه الوزارة وافتتح البرلمان وهنا عين المنفلوطى رئيسا لغرفه سكرتارية مجلس الشيوخ بمرتب قدره خمسون جنيها واستمر فيها الى ان وافته المنيه عن عمر يناهز 48عاماً وقد توفى المنفلوطى فى نفس اليوم الذي اعتدى فيه على سعد باشا زغلول يوم السبت الموافق12يوليو 1924م وكان المنفلوطى رحمه الله من زعماء الحركات الوطنية فى مصر وقد دخل ساحة المعركة الى جانب سعد باشا زغلول يوم اختلف معه “عدلي”وحكومته حول المفاوضات مع الانجليز شكلا وموضوعاً وكان مناهضا للاستعمار وكان يحارب الفساد ودخل المنفلوطى السجن فى قصيده قالها للخديوي عباس الثاني والتي مطلعها “قدوم ولكن لااقول سعيد وملك وان طال المدى سيبيد “وتم العفو عنه بعد ان قضى ستة أشهر فى السجن وكان من أصدقائه من رجال الازهر الدكتور طه حسين ومن الشعراء احمد شوقي وحافظ سلامه ومن رجال الموسيقى والغناء والتمثيل الشيخ سيد درويش وحسن انور والشيخ سلامه حجازي ومن رجال الصحافة والإعلام الكاتب الصحفى على يوسف صاحب جريده المؤيد واحمد فؤاد صاحب جريده الصاعقه والسيد /محمد توفيق البكري

    رحمه الله الكاتب والأديب العظيم مصطفى لطفي المنفلوطى جمال هديه

  3. نبذه عن منفلوط سيذكرها لكم جمال هديه بمنفلوط
    منفلوط الولاية المنفلوطية منبالوط منبالوط كلمة قبطية معناها الحمر الوحشية وكانوا يسمونها الفراعنة بوادي الذهب ووادي القمح
    تقع منفلوط على الضفة الغربية من النيل بين مدينة أسيوط و القوصية تكونت حول منفلوط 25 قرية بخلاف العذب والنجوع
    تعتبر منفلوط مدينة عريقة منذ القدم وتشتهر منفلوط بالرمان العربي الأبيض الحلو والرمان الحجازي الأحمر الحامض وتشتهر منفلوط …بعلمائها أبرزهم
    (1) على بن وهب بن دقيق العيد القشيرى ولد في منفلوط في شهر رمضان سنه 581هجريه وتوفى في قوص سنه 667هجريه وكان قاضى القضاة و تولى حكم أسيوط ومنفلوط وكان عالم وفقيه في الفقه الاسلامى وسمي بدقيق العيد لأنه كان عليه يوم العيد طيلسان شديد البياض فقال بعضهم كأنه دقيق العيد فلقب به
    (2)مصطفى محمد محمد حسن لطفي المنفلوطي وشهرته مصطفى لطفي المنفلوطي الكاتب والأديب المشهور وكان من العشرة الكتاب الأوائل بين نوابغ عصره في مصر بل في العالم العربي وقد يكون المنفلوطي صاحب الاولويه حين ذاك ولد المنفلوطي عام 1876م وتوفى في العقد الخامس من عمره عام 1924م يوم الاعتداء على سعد باشا زغلول يوم السبت 12يوليو 1924م والأب عربي يتصل نسبه بالحسين ومن الأشراف وكان والقاضي الشرعي بمنفلوط وعين أعيانها والآم تركية شابكت القرابة إلى أسره الجوربجى وهى السيدة المصونة هانم على حسن جوربجى وزوجته السيدة آمنه محمد ابوبكر الشيخ من منفلوط كانت ناظرت لوقف جدها أبو بكر محمد غلبون المغربي المالكي أكثرمن 300فدان
    وأنجب منها خمس ولدان توأمان وثلاث بنات لن يعيش منهم احد الآن ثم سافر إلى القاهرة وتزوج من السيدة رتيبة حسنى وأنجب منها سبع أبناء وقد حكم على المنفلوطي بالسجن في قصيده شهيرة قالها للخديوي عباس الثاني والتي مطلعها
    قدوم ولكن لا أقول سعيد وملك وان طال المدى سيبيد وتم العفو عنه ومن مؤلفاته النظرات والعبرات وترجم بعض القصص الفرنسية مثل الفضيلة و ماجدو لين و في سبيل التاج والشاعر
    (3) الأمير جانم من أمراء المماليك والمسئول عن قافلة الحج أثناء دوله المماليك وكان خط سيرها من مصر إلي منفلوط وكانت تستريح في منفلوط وتعد كسوه الكعبة في منفلوط من الحرير الخالص وكانوا يتجمعون الحجاج في منفلوط وكان يسمى الأمير جانم بأمير الحج وكانت تحتفل منفلوط بالقافلة وتزودها بالماء والغذاء وتستأنف رحلتها بالجمال وتمضى إلى نهر النيل ثم إلى البحر الأحمر متجهين إلى ارض السعودية و الأرض الحجازية حاملين كسوه الكعبة
    (4)الأمير مصطفى ابن الأمير إبراهيم جوربجى قواقجى عذبان من أمراء المماليك كان لديه عتقاء منهم المرحوم مصطفى أوده باشا معتوق الأمير مصطفى الذي قام ببناء أقدم مسجد في منفلوط وهو مسجد مصطفى أوده باشا وكان يعمل بالمسجد أكثر من25 شخصا منهم
    1. الإمام و مرقى و مباشر و أربع موازنون ووقاد و قيم و شاهد و بواب
    و المذملاتى و السقا و مدرب الأطفال في الكتاب و النجار و البناء و القاربوس وقاري العشر و الفراش و يتعاطى الكسوة وآخرون كانوا يحضرون بالماء العذبة من نهر النيل لان كان يوجد بالجامع ساقيتين احدهما للوضوء وأخرى للدواب وكانوا يستعملون أناره المسجد بالقناديل (الفوانيس) وكان وقودها من الزيت الطيب والجرابجة أول من جاءو إلى منفلوط
    الأمير مصطفى ابن الأمير إبراهيم جوربجى قواقجى عذبان من أمراء المماليك مناصل تركى
    من ذريته أولاد الجربجى والشلبى ومكي والصريف وجمال الدين و الطرزى

  4. المنفلوطي وشجرة الرمان
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً إلى يوم الدين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين
    اننى ولدت في منفلوط وكبرت وترعرعت على أرضها وتحت سما ئها وتمتعت بهوائها وشربت مائها وأكلت رمانها وقرأت لأديبها ومشيت على شا طي نيلها وقد وصفها الرحالة ابن بطوطة سنه 725هجريه في الجزء الأول من رحلته المسماة تحفه الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (قال وسافرت من ملو………ي إلى مدينه منفلوط وهى مدينه حسن رواؤها مؤنق بناؤها على ضفة النيل الغربي شهيرة البركة وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح الفاء وضم اللام وأخرها طاء مهمل)
    وأقول وهواؤها النقي لان هواؤها الشرقي يمر على البحر الأحمر فينقيه ثم على النيل فيجليه ثم الجزيرة بعطرها ترويه ويأتي لنا هوائها معطراً نقيا أم مائها عذباً صافياً من الآبار كامل الأوصاف وأهلها وشعبها الأصيل العريق الطيب بمساجده وكنائسه وبكل صدق أقول ومن القلب أقول لولم تكن منفلوط العريقة النظيفة الاصيله موطني لغرست بين ترابها وجداني
    جمال هديه

  5. i like this very much its a lesson from history

إستقبال النشرة الدورية من موقع فنون.كوم

إلى كل الاصدقاء ومحبي الفنون الجميله: سنتوقف عن النشر في المواقع الإجتماعية لعدة أيام أوأسابيع. إن أردت أن نخبرك بالجديد على موقع فنون دوت كوم يمكن ادخال إيميلك الى قائمة بريد الموقع هنا: